ديباجة الكتاب

الحمد لله الذي خلق البرايا بحكمتهِ، واخترع الموجودات بأمرهِ وكلمتهِ، وصوَّر الإنسان على شِبْهِه ومِثاله، وسلَّطهُ على سائر المخلوقات بفضلهِ وإنعامه، ونهاهُ عن ثمرٍ لا يأكلهُ لئلَّا يموتَ موتًا. فهذا المخلوق الضعيف لمَّا خالف أمر خالقهِ وأكل من المنهِيِّ عنهُ تجرَّد من النعمة التي كان مُتَسَرْبِلًا بها، وصار مطرودًا مع ذرِّيته، من فِرْدَوْس عدن إلى أرض الشقاء والحزن، إلى أن تحنَّن عليه سبحانهُ وتعالى وشاء إعتاقهُ، فأرسل ابنهُ الحبيب الأقنوم الثاني وكلمتهُ الأزليَّة إلى بتول عذراء طاهرة وأشرف المخلوقات، وحلَّ في أحشائها حلولًا لا يُدرك، ولبس منها جسدًا كاملًا، وصار إنسانًا ما خلا الخطيئة، وتردَّد بين العالم، وصنع الآيات بشفاء المرضى وقيام الأموات. ثمَّ اختار لهُ تلاميذ أناسًا سُذَّجًا صيَّادين وشرع لهم نواميس وقوانين، وأمرهم أن يجولوا بكل العالم ويبشروا بكرازة الإنجيل الطاهر قائلًا لهم «متَّى ٣٨: ١٩»: «امضوا واكرزوا وعمدوا باسم الآب والابن والروح القدس فمن آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يُدن.» وقال لهم أيضًا «متَّى ١٨: ٥»: «فمن قبلكم فقد قبلني.» ووعدهم أيضًا عند صعودهِ أنهُ يرسل لهم الروح المعزي ليمنحهم نعمة وحكمة. فبعد صعوده وجلوسهِ عن يمين الأب أرسل لهم الروح البارقليط فحلَّ عليهم كألسنة نار فصاروا يتكلمون بسائر اللغات المختلفة فانتشروا في سائر أقطار المسكونة جائلين مبشرين بالإنجيل، وكانت آياتهم شاهدة لأقوالهم، فقومٌ منهم حصلت لهم بلاد الشرق، والبعض ذهبوا إلى الغرب، والبعض إلى القبلة، والبعض إلى الشمال، فثبت بهم قول داود النبي القائل عنهم «مز ١٨: ٥»: «في كل الأرض ظهرت بشارتهم وسُمعت أصواتهم في أقطار المسكونة، كانوا عائزين منضاقين مطرودين محقورين لابسين جلود الحملان.» «عبرانيين ١١: ٣٧»، وكانت أشعة أنوارهم تشرق وتنير تلك الأقاليم المظلمة، حتى إنهم بكرازتهم طهَّروا المسكونة من عبادة الأوثان، وأرجعوهم من الضلالة والطغيان، واختاروا لهم تلاميذَ وأخلافًا، وخوَّلوهم تلك المواهب، وإنعام الروح القدس؛ لكي يتولَّوا من بعدهم الرئاسة والتدبير جيلًا بعد جيل متداومين إلى انقضاء العالمين.

فأمَّا الكنيسة المقدَّسة عروس السيد المسيح التي جُعل مار بطرس الصخرة رأسها ومدبرها من بعد صعودهِ المجيد، ومن بعدهِ للذين يخلفونهُ، فلم تزل تمتد أطنابها وتتوَّسع أكنافها حتى إنه لم يخلُ مكان وإقليم من أربعة أطراف المسكونة، إلَّا وتجد فيه كرازة الإنجيل وصحة الإيمان المستقيم بين طوائف مختلفة ولغات متفرِّقة. وأما اللعين الثلَّاب، عدو الخير والثواب، فلم يزَل مجتهدًا ومحترسًا على تزعزع ضمائر المؤمنين حتى يطغيهم ويطرحهم من أحضان الكنيسة أمهم، فنصب لهم شباكه وفخاخهُ وزرع في قلوب البعض منهم زوان الحسد والكبرياء والعصيان، حتى إن بعض طوائف الناس أنكروا الطاعة للكنيسة الرومانيَّة ولرئيسها ومدبرها، الذي هو الحبر الأعظم وراعي الرعاة العام، وجعلوا لهم رؤساء مختلفين مضادين بعضهم بعضًا حتى إنه تبارك وتعالى سلَّط عليهم أعداءَهم، فثبت قول السيد المسيح في إنجيله المقدس على لسان مار لوقا البشير في الفصل الثاني والخمسين مخاطبًا اليهود قائلًا:١ إذا رأيتم إبراهيم وإسحاق ويعقوب وكل الأنبياء في ملكوت الله فها هو ذا يكون الأولون آخرين والآخرون أوَّلين، فلمَّا تفرَّقت الطوائف المذكورة من أحضان الكنيسة المقدسة، شاء السيد المسيح أن يدخل عوضهم أناسًا مختلفي الأجناس والطباع، غريبي الألسن واللغات، قاطنين في البراري والجبال، سالكين بعيشة وحشيَّة لا فرق بينهم وبين البهائم، معذَّبين ومنقادين بضلالة الشيطان، فقومٌ منهم عبدوا الحجارة، وطائفة عبدت الوحوش، وآخرون عبدوا الأشجار، وغيرهم كانوا يقدمون ذواتهم ذبيحة للشيطان اللعين، وكانوا ساكنين في الإقليم الرابع الذي كان مخفيًّا عن الأبصار، ومستورًا عن الأفكار، حتى إن القديس العظيم معلِّم الكنيسة المقدسة مار أغسطينوس كان يظن أنَّ هذا الإقليم هو غير مسكون من البشريين. فسبيلنا أن نبرهن ونبيِّن رجوع هذه الطوائف المذكورة إلى الإيمان الحقيقي، واحتضانهم للكنيسة المقدسة، حتى إن كثيرين منهم بعد دخولهم في الإيمان بالمسيح حُسِبُوا من جملة القديسين. وأما هذا الإقليم الذي قصدنا التكلم عنهُ فهو ممتد الطول والعرض، وهو أكبر من الثلاثة أقاليم الأخرى المعروفة بأسيا وأفريكا وأوروبا طولًا وعرضًا، وقد جعلوا لهُ اسمًا جديدًا وسمُّوهُ ميريكا مسلوبًا،٢ وسوف نتكلَّم عنهُ في مكانهِ، ونحرر سبب كشفهِ وبيانه، ونرقم كل شيء في حينهِ وأوانهِ، ونستعين بالله على الزيادة والنقصان والسهو والنسيان؛ لأن ذلك يوجد في كل إنسان، والحمد لله دائمًا إلى الأبد.
١  متى ٨: ١١ لا كما جاء خطأ، ولا عجب من تعيينه ٥٢ فصلًا في إنجيل القديس لوقا لأن تقسيم الفصول كان يختلف مع البلدان والأزمنة إلى أن انتشر التقسيم الروماني المعروف.
٢  بقوله إن: «اسم أمركة مسلوب» يريد أن الإقليم الرابع الذي وصفهُ كان حقُّهُ أن يُسَّمَى باسم مكتشفه كريستوف كولومب، قال في الصفحة ١٠٢ من هذا الكتاب، حيث يذكر تاريخ الاكتشاف: «وكان في رفقة المكتشفين رجل اسمهُ ميريكو Améric Vespuce من بلاد إيطالية من مدينة فلورنسة، وكان نوتيًّا في المركب ذا تدبير وعلمٍ وعقل. فشخَّص تلك الأرض وهنودها على ورقة «خارطة» وعرضها على ملك إسبانية فحينئذٍ سُمِّيت تلك الأرض ميريكا. وبالحقيقة كان الواجب أن تُدعى باسم كولون «كولومب»، لأنهُ كان المبتدئ والمجتهد في هذا الأمر، لكن بعد ما انتشر هذا التكني في أفواه الخلائق، وشاع على مسامع الناس جميعًا، لم يكن ممكنًا أن يتغير؛ فبقيت تسمَّى ميريكا.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠