وصف استخراج الفضة

وفي هذه البلدة سبعة وثلاثون طاحونًا يطحنون فيها حجارة الفضة ليلًا ونهارًا، ما عدا أيام الآحاد والأعياد، وبعدما يطحنون الحجارة ناعمًا يأخذون ذلك التراب المطحون مقدار خمسين قنطارًا ويجعلونه كومةً ثم يجبلونه بالماء مثل ما ذكرنا سابقًا، ويضيفون إليه الزئبق قدر الحاجة، ثم يجبلونه ويحركونه بالمجارف عدة مرات، وإن طلب زئبقًا أزيد فيطعمونه حتى يكمل، فإن كانت طبيعته باردة فيخلطون فيه نحاسًا حتى يسخن، وإن كانت طبيعته سخنة فيضيفون إليه الرصاص حتى يبرد، والواسطة التي بها يفرقون هل هو سخن أم بارد هو أنهم يأخذون منه في شقف فخار ويغسلونه بالماء حتى يروح الطين فتبقى الفضة والزئبق فيملسه «يدلكه» بإصبعه على شقف الفخار المذكور، فإذا تفرفط «تفرَّط» فهو سخن، وإذا انطلس «لصق» فهو بارد، وإذا كان مطبوخًا ومعتدلًا كاملًا فيجيء ممتدًّا على الفخار ومبرقًا. ثم يجعلونه في حوض ماء والماء جارٍ عليه يحركونه بالماء بصنعة، فالفضة مع الزئبق يرسخان إلى أسفل، والتراب يأخذه الماء إلى خارج، فلما يكملون غسل تلك الجبلة كلها يسدون ويقطعون الماء الفائض عليه، وينظفون الحوض من الماء، ويستخرجون تلك الفضة والزئبق الراكنين جميعًا، ثم يجعلونه في أكياس من جنفاص يعلقونها، وتحت هذه الأكياس صناديق مجلدة من جلود البقر، فيهرب الزئبق من الأكياس، ويقع في تلك الصناديق المجلدة، وتبقى الفضة خالصة فقط في الأكياس مثل قوالب رءوس السكر. وجميع هذه البضائع اللازمة لعمل استخراج الفضة تدور دواليبها بالماء مثل الطواحين وغيرها.

وأنا كان لي رجل صديق صاحب معدن، فحكى لي عن والده قائلًا إنه كان لوالده معدن في هذا الجبل لكن كان قليل الفضة، فأمر الفعَلة الهنود أن يردموه ويسدوه بتلك الحجارة التي أخرجوها منه؛ ففعلوا كما أمرهم وسدوه، وبدءوا يشتغلون في غير جانب. فمن بعد سبع وثلاثين سنة راح صاحبي هذا المذكور وفتح ذلك المعدن فوجد تلك الحجارة التي كانت غير نافعة قد تحولت وتبدلت في تلك الأيام، واستوت كالثمرة؛ فأخرجوها وأخذوا فضتها، فأعطت كل واحد ثلاثين؛ لأن إقليم جبل الفضة هذا مسلط عليه نجم يسمى عطارد، وهذا النجم يطبخ الفضة.١

ورأيت في هذه البلدة أربعة رجال أغنياء جدًّا، هؤلاء هم الذين يشغلون السكتخانة لقطع الدنانير، وكل جمعة يشغل أحدهم الكرخانة، ويقطع في الجمعة مائتي ألف غرش وأزيد؛ لأنهم يشترون الفضة من أصحاب المعادن ويقطعونها غروشًا. وهم يشترون الفضة الوزنة التي هي مائة مثقال باثني عشر غرشًا ونصف، فلما يسكُّوها تصير ستة عشر غرشًا، ويعطون كل سنة من هذه المعادن عشورًا للملك مليونين ونصفًا. وخارج هذا البلدة بحيرة ماء ذكروا أن في بعض السنين طافت على البلدة وهدمت بيوتًا كثيرة لكن الناس سلموا. وأنا بقيت في هذه البلدة خمسة وأربعين يومًا.

١  هذا من الخرافات القديمة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠