الوزير المعزول

فالآن نرجع نتكلم عن الوزير الذي في ليما؛ صاحبي الذي عزلوه بغير ذنب، وجاء أمر من الملك إلى المطران الذي في ليما ليحكم مكانه إلى أن يجيء حاكم أو وزير آخر. وهذا الوزير المعزول كان سعى في هذا المطران حتى عملهُ مطران ليما، ولما انعزل صار المطران عدوًّا له كبيرًا، وأما سبب عزل الوزير فهو أن تجار الهند كانوا كتبوا ضده إلى الملك وإلى أخي الملك دون خوان أوستريا افتراء بغير حق.

فبعد وصول المعاريض من الهند إلى إسبانية حصلت في يد أخي الملك الذي كان عدوًّا كبيرًا للوزير بسبب أن أخا الوزير كان من طرف الملكة فأرسل عزله، وأنا خرجت من بوتوسي صحبة ذلك الرجل الذي راح ليطلب المحاسبة من الوزير، فوصلنا إلى بلدة تسمى أوكيبا قريبة من البحر الأزرق، وقبل دخولنا بليلة في نصف الليل تاهت البغال، فنمنا تلك الليلة في شدة عظيمة؛ لأنه كان معي حمل فضة رملية، فشكرنا الله عند الصباح وجدناها؛ لأن في تلك الأرض ما يوجد حرامية. وثاني يوم دخلنا إلى البلدة المذكورة، فتلاقيت مع الأسقف المذكور الذي كان في باناما وأنا حامل عكازته، وخلصتني من الغريق في تابوكا؛ فترحب بي واستقبلني كأخ لهُ بعز وإكرام، فهناك حكوا لي عن هندي له معدن قوي غني، وما اكتشف عليه السبنيولية، فكان يروح هو وابنه إلى المعدن سرًّا في الليل، ويقطعان حجارة الفضة، ويأتيان بها إلى داره ويصفيانها بالنار. فلما حكوا لي أنه أعطى حسنة قداس أربعين ألف غرش؛ أرسلت وراءه ودعوته عندي وقلت له: أخبرني لأجل أي سبب لم تكشف هذا المعدن للملك حتى ينعم عليك وعلى أولاد أولادك من فرائض ومراتب الحكم في هذه البلدة؟ فأجابني قائلًا: رأيت هنودًا أقدم مني كشفوا حالهم للسبنيولية وماتوا أخيرًا تحت العذابات، هو هو السبب. فأنا صدقت كلامه من جهة الظلم الذي نظرتهم يعملونه على الهنود. ومكثنا في تلك البلدة عشرة أيام إلى وقت ما حصل لنا مركب.

ثم سافرنا في البحر ثمانية أيام حتى انتهينا إلى ميناء ليما الذي يسمى الكليا El-Callao، وهو يبعد عن البلد فرسخين. والفضة الرملية التي كانت معي لو تكون بيد غيري لكانوا أخذوها للملك لكن ما أرادوا أن يفتحوا أحمالي. ثم دخلنا إلى بلد ليما في عربانة صاحبي رئيس ديوان الإيمان، وهذا رفيقي نزل في مكان آخر، وأما المطران الموكل على الحكم ضادد هذا القاضي الذي جاء يأخذ المحاسبة وحبسه في داره قائلًا: أولًا تنفي الوزير إلى مكان بعيد مقدار مائتين فرسخ، وبعد ذلك تسمع الشكايات ودعاوى الناس. فأحضروا الوزير وعرضوا عليه أمر النفي فطاع؛ لأن قوانين إسبانية لمَّا يُعزَل حاكم ينفونه إلى فرسخين، لكن هذا الوزير عدوه دون خوان، مثلما ذكرنا سابقًا؛ فأمر بنفيه إلى مائتي فرسخ، فطاع أمر الملك، وخرج متوجهًا إلى مكان النفي المرسوم الذي يسمى بايتا، وهي أرض حامية يحضرون إليها ماء الشرب من بعد فرسخين، وبقيت امرأته وخدَّامها خارج ليما فرسخين؛ بسبب أنهم كانوا قليلي العافية، وأنا طلعت في رفقة الوزير مع بعض أصحاب لنودعه إلى ميناء الكليا. وهذا الرجل كانت أمانتهُ زائدة في العذراء، فقال: ولو سقوني السم ما يضرني بقوة الإله ووالدته القديسة الطاهرة مريم. فخرج مركبهُ مسافرًا ونحن رجعنا إلى البلد.

فدخلت عند مطران البلد وتكلمت معهُ وقلت لهُ: كيف يحل من الله أن تنفي هذا المسكين إلى ذلك المكان البعيد، وهو رجل ضعيف؛ لأن الحكماء قالوا إن الذي يروح إلى تلك البلاد السخنة يموت، فالسيد المسيح أمرنا في أفعال الرحمة أننا نتفقد المرضى ونزورهم ولا نطردهم وننفيهم إلى مكان بعيد حيث خطر الموت. فأجابني قائلًا: أنا مغتاظ على امرأته لأنها شتمتني؛ لأجل ذلك أردت أنتقم منها في نفي زوجها إلى ذلك المكان. وكان الوزير لما ودعته أمرني أن أدير بالي على بيتهِ وعلى امرأته؛ لخوفه من الأعداء أن يسقوها سمًّا وأنا بقيت سنة وشهرين مهتمًّا بعائلته.

فأرسل المطران إلى القاضي أن لا يحاسب الرجل إلى وقت ما يعطيه دستورًا، فبقي في هذا الحال مقدار سبعة أشهر متعطلًا، فمن بعد ذلك أعطاهُ دستورًا وجعل الموعد ثلاثة أشهر، ففي جمعة الآلام عجل القاضي في إنهاء هذه الدعوى، وسجَّل الدفاتر وختمها، وأرسل لصق في حيطان الأزقة أوراقًا بأن الوزير المعزول تقرر أن ليس عليه ذنب ولا إثبات بعلة من العلل، بل خالص من جميع المصاريف والزلل. فلما سمع المطران حزن وخزق ثيابه من ألمهِ. حينئذٍ رجع الوزير من النفي إلى بلدة ليما، فخرج لملاقاته من البلدة جميع الأعيان والأشراف ورافقوه إلى القرية، حيث كانت امرأته، وصار فرح عظيم عند الأعيان وعند الهنود؛ لسبب رجوعه سالمًا. ومنحهُ الله بعد رجوعه ولدًا ذكرًا سمَّاهُ فردينندو ديلا كورا كونده كستيليا ومركيز دي ماراكون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠