الرجوع إلى أوروبة

فنتكلم الآن عن رجوعنا. ولما أرادت المراكب ترجع إلى إسبانية؛ فانحدرت من بلد ميخيكو Mejico إلى أسكلة ويراكروس Vera Cruz، وهي ثمانين فرسخًا؛ فتكلمت مع جنرال المراكب أن يأخذني إلى إسبانية، فطلب مني كروه ألف غرش مع الأكل والشرب؛ لأن قوانين هذه المراكب أنهم يكرون الأوضة ذراعين وعرضها ذراع وثلث وعلوها ذراع ونصف؛ فلما رأيتهُ طلب ألف غرش صعب علي لكن غصبًا عني رضيت، فمن بعد ثمانية أيام اجتمع رؤساء المراكب وعملوا ديوانًا ومشورة إن كانوا يقدرون أن يخرجوا من الهند ويأتوا إلى إسبانية في هذه الأشهر، ورموا القرعة لأنهم لا يقدرون أن يسافروا إلا بعد ثلاثة أشهر فجهزوا مركبًا صغيرًا مع مكاتيب وأخبار تلك البلاد، وأرسلوهُ قبلهم سبيقًا إلى إسبانية، فلما نظرت ذلك حرت في أمري؛ بسبب أن تلك الأسلكة حارة وماءها عاطل وهواءها أتعس؛ حينئذٍ استهمَّيت وركبتُ في ذلك المركب الصغير الذي أرسلوه إلى إسبانية قاصدًا السفر معه إلى جزيرة تسمى لاوانا La Havana؛ لأنها أسكلة إلى غلايين البيروه وإلى مراكب ينكي دنيا التي يقال لها الفلوتا flotte، فحصل صديق لي في أسكلة ويراكروس، وأشار علي أن أشتري حِمْلَيْ بصل يابس وصندوقي تفَّاح لأجل أرمغانات،١ فاشتريت وعملت بشورهِ.
وسافرنا مع قدرة الله، وبعد عشرين يومًا وصلنا إلى هذه الجزيرة المذكورة لاوانا، ونحن فرحون مسرورون، وحاكم هذه الجزيرة كان أخَا الجنرال الذي أوصلني للبيروه؛ فقدمت له البصل والتفاح أرمغان؛ فتعجب وقال: كيف علمت أننا نعتاز البصل والتفاح في هذه الجزيرة؟ فإنهم إذا زرعوا البصل عندهم في الجزيرة يطلع مثل أذناب الفأر، وإذا تركوهُ حتى يكبر يتخ وييبس. فبقيت في هذه الجزيرة أربعة أشهر ونصف حتى جاءت المراكب من ينكي دنيا. وهذه الجزيرة هواؤها مليح وماؤها طيب وأناسها محبون، فلما أردت أخرج من هذه الجزيرة حتى أتوجه إلى إسبانية جاءني بشاكيش،٢ عوض البصل والتفاح تسعة صناديق سكر مع مرطبانات٣ المربى، وأنا كنت استكريت في المركب الذي كان جاء من كراكس Caracas بثلاثمائة وخمسين غرشًا، وسافرنا؛ فبمعونة الله وصلنا إلى جزيرة القاع Lucayes، فقام علينا اضطراب في البحر من عظم زيادة الريح، ودام أحد عشر يومًا، وتشتت المراكب على وجه البحر، ونحن بقينا في بكاء وعويل مع صلوات وزياحات في المراكب وندورة إلى الكنائس والقديسين. ومن بعد الأحد عشر يومًا المذكورة سهل الله وهمد عجاج البحر، واجتمعت مراكبنا التي كانت مشتتة؛ لأن في الليل يشعلون الفنارات حتى لا يتيهوا ويضيعوا بعضهم عن بعض، وأيضًا حتى لا يقربوا كثيرًا إلى بعضهم لئلا يخبط مركب في مركب وينكسروا، حينئذٍ جاءتنا ريح مناسبة فرجعنا إلى دربنا متوجهين إلى كادس Cadix، فمن بعد اثني عشر يومًا كشفنا على الأرض من فجر النهار، وكانت الريح مساعدةً جدًّا حتى في نصف النهار.
١  أرمغانات: أي هدايا، وهي كلمة فارسيَّة الأصل جرى استعمالها في حلب وما بين النهرين.
٢  بشاكيش: جمع باشكيش أو باشكاش. ذكرها المؤلف غير مرة في مقالتهِ، وأراد بها البخشيش الشهير في بلادنا. وبخشيش: كلمة فارسية من فعل بخشيون بمعنى أعطى وغفر.
٣  مرطبان: كلمة فارسية يراد بها الإناء الذي تحفظ فيه الحلاويات والعقاقير وغيرها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠