مقدمة

في أواخر عام ١٦٦٤، ظهر مذنَّب لامع في السماء، وكان المراقبون الإسبان هم أول من لاحظ قدومه، لكن على مدى الأسابيع التالية — مع تزايده في الحجم والسطوع — التفتت الأنظار في جميع أنحاء أوروبا إلى هذا المشهد السماوي. وفي إيطاليا، وفرنسا، وألمانيا، وإنجلترا، وهولندا وأماكن أخرى — وحتى في المخافر الأمامية والمستعمرات الناشئة التابعة لأوروبا والواقعة في الأمريكتين وآسيا — تعقَّب المراقبون وسجَّلوا تحركات المذنَّب وتغيراته، وأخذ بعضهم قياسات دقيقة، واختلفوا بشأن قياسات حجم المذنب وبُعده، وما إذا كان مساره في السماء منحنيًا أم مستقيمًا. وقد راقبه البعض بالعين المجردة، واستخدم البعض الآخر أدوات مثل التليسكوب، وهو اختراع كان قد خرج إلى الوجود منذ نحو ستين عامًا فقط. حاول البعض أن يتنبأ بتأثيرات ذلك المذنب على الأرض، وعلى الطقس، وعلى سلامة الهواء، وعلى صحة الإنسان، وعلى شئون البشر ومصائر الدول. رأى البعض فيه فرصة لاختبار أفكار فلكية جديدة، بينما رآه البعض الآخر نذيرًا أو بشيرًا إلهيًّا، ورأى فيه الكثيرون الأمرين معًا. وتدفَّقت الكتيِّبات من المطابع، وظهرت المقالات والآراء الجدلية في النشرات الدورية المخصصة للظواهر الطبيعية، وتناقش الناس بشأنه في الأكاديميات وبلاط الأمراء، وفي المقاهي والحانات، بينما تنقلت الرسائل المليئة بالأفكار والبيانات جيئةً وذهابًا بين المراقبين البعيدين بعضهم عن بعض، مما نسج شبكات اتصال عبر الحدود السياسية والعقائدية. شاهدت أوروبا كلها هذا المشهد الطبيعي واجتهدت في سبيل فهمه والتعلم منه.

وهكذا يقدِّم ذلك المذنَّب — الذي ظهر عامي ١٦٦٤ و١٦٦٥ — مثالًا واحدًا فقط عن الوسائل التي أعطى من خلالها الأوروبيون في القرن السابع عشر اهتمامًا كبيرًا للعالم الطبيعي من حولهم، وتفاعلوا معه ومع بعضهم البعض. وبإنعام النظر من خلال التليسكوبات الآخذة في التطور، تمكنوا من رؤية عوالم هائلة جديدة؛ أقمار لم يكونوا يحلمون بها حول كوكب المشتري، وحلقات كوكب زحل، وعدد لا حصر له من النجوم الجديدة. وباستخدام ميكروسكوبات جديدة أيضًا، تمكنوا من رؤية التفاصيل الدقيقة لإبرة النحلة، وتكبير صورة البرغوث إلى ما يماثل حجم الكلب، واكتشفوا حشودًا لم يكونوا يتخيلونها من الحيوانات الدقيقة في الماء، والخل، والدم، والمني. وباستخدام المشارط، أماطوا اللثام عن التراكيب الداخلية للنباتات والحيوانات وللبشر أيضًا. وباستخدام النار، تمكنوا من تحليل مواد طبيعية إلى مكوناتها الكيميائية، وتركيب مواد معروفة للحصول على مواد جديدة. وباستخدام السفن، أبحروا إلى أراضٍ جديدة، وعادوا بتقارير مذهلة وعيِّنات عجيبة من نباتات، وحيوانات، ومعادن، وبشر. وابتكروا نظمًا جديدة لتفسير العالم وتنظيمه، وأحيوا نظمًا قديمة مع استمرار الجدال بشأن مميزات كل منها. وبحثوا عن الأسباب والمعاني والرسائل الكامنة في العالم، وعن آيات الله الخالق الباقي في الكون، وعن وسائل للتحكم في العوالم التي اكتشفوها وتطويرها، والاستفادة منها باستخدام كلٍّ من التكنولوجيا الحديثة والمعرفة القديمة المستترة.

والثورة العلمية — التي امتدت تقريبًا من عام ١٥٠٠ إلى عام ١٧٠٠ — هي أهم حقبة في تاريخ العلم وأكثرها شهرةً بين الناس. سَلْ عشرة من المتخصصين في تاريخ العلم عن طبيعة تلك الفترة ومدتها وتأثيرها؛ ومن المرجح أن تحصل على خمس عشرة إجابة. يرى البعض تلك الثورة العلمية على أنها انطلاقة مفاجئة من عالم القرون الوسطى؛ وقت أصبحنا فيه جميعًا (الأوروبيين على الأقل) «عصريين». ومن هذا المنظور، يعد القرنان السادس عشر والسابع عشر ثوريَّيْن حقًّا. حاول آخرون أن يصفوا الثورة العلمية بأنها مخيبة للآمال، وأنها لا تعدو أن تكون نسجًا كاذبًا لأحداث الماضي. مع ذلك، يميز الدارسون الأكثر وعيًا في أيامنا هذه أوجهَ الاستمرارية العديدة والمهمة بين العصور الوسطى والثورة العلمية، لكن من دون إنكار أن القرنين السادس عشر والسابع عشر أعادا العمل وارتكزا على تراث العصور الوسطى بطرق جوهرية ومذهلة. والحقيقة أن «الثورة العلمية» — التي كثيرًا ما تُسمَّى الآن «الفترة الحديثة المبكرة» — كانت عصرًا من الاستمرارية والتغيير معًا. ولقد شهدت زيادة ملحوظة في عدد الأشخاص الذين يطرحون أسئلة عن العالم الطبيعي، وتزايدًا في ظهور إجابات جديدة عن تلك الأسئلة، وتطوُّرَ طرقٍ جديدة للحصول على الإجابات. ويشرح هذا الكتاب بعض الطرق التي تصوَّرها مفكرو الفترة المبكرة من العصر الحديث وانشغلوا بمقتضاها بالعوالم من حولهم، وماذا وجدوا فيها، وما الذي كانت تعنيه لهم. ويوضِّح في إيجاز كيف أرسوا العديد من الأسس التي لا تزال تشكل أساس المناهج والمعرفة العلمية، وجدُّوا في حل الأسئلة التي لا تزال تشغل بالنا، بل وشكَّلوا عوالم ثرية بالجمال والآمال كثيرًا ما غفلنا عن كيفية النظر إليها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠