جامعة الإسكندرية

وفي الزمالك، على مائدة الغداء، في اليوم التالي، أسرة طه حسين تتناول القهوة. يقول طه حسين: «ذهبت اليوم إلى رئيس الوزراء مع الوزير نجيب الهلالي، ووجدنا وزير المالية عنده، واختصرنا في جلسة اليوم مكاتبات كانت سوف تظل شهورًا أو سنوات تزحف من وزارة لوزارة ومن ديوان لديوان.»

وتسأله أمينة: «كيف كان النحاس باشا؟»

طه حسين: «كان رائعًا، كان متحمسًا جدًّا، أخبرني بحديث دار بينه وبين الأمير محمد علي ولي العهد عندما ذهب يسلم عليه بعد عودته من الخارج، قال له الأمير: يا باشا، فهمت أن وزارتكم تريد تعليم جميع الناس، ومن سيخدمنا إذن إذا علمتم جميع الناس؟ فقال له النحاس باشا: أنت عائد يا سمو الأمير من أوروبا، هل كنت تُخدم هناك خدمة حسنة؟ قال الأمير: طبعًا، ليت عندنا خدمة مثل الخدمة في أوروبا. فقال له النحاس باشا: إن من كانوا يخدمونك في أوروبا يا سمو الأمير متعلمون، وهذا هو ما نريد أن يكون عليه الحال هنا. فضحك الأمير وقال: إذا كان كده يبقى عال.»

وتسأل السيدة سوزان: «والمهم، الميزانية ورغبتك في إنشاء كل الكليات مرة واحدة؟»

ويقول طه حسين: «موافقة تامة، ووزير المالية ارتبط فعلًا.»

وينتهي من شرب القهوة ويسأل: «كم الساعة الآن؟ أظن أن موعد القطار قد حان.»

سوزان: «إذن أنت مصمم على أن تسافر للإسكندرية والقنابل تسقط عليها، وجيوش رومل على بعد سبعين ميلًا منها، وقد تقتحم المدينة وأنت فيها.»

ويقول طه: «أنت قطعًا تدركين أن إنشاء جامعة الإسكندرية يمكن أن يعد عملًا من أعمال المقاومة الوطنية، أظن أنني يجب أن أغادر الآن إلى المحطة، ثم إن الألمان لن يقتحموا الإسكندرية، إن مصر كنانة الله في أرضه.»

وتقول سوزان: «مصمم؟ إذن هيا بنا، حقائبنا في السيارة.»

ويسأل طه: «حقائبنا؟!»

وتقول سوزان: «نعم، مسافرة معك.»

ويقول طه: «لا، لن تسافري، الغارات …»

وتقول سوزان: «ذكرت أن قيام جامعة الإسكندرية سيصد الغارات عن المدينة.»

يقول طه: «ليس بهذا المعنى، أنت تفهمين … ثم التذكرة؟»

وتقول سوزان: «قامت أمينة بحجز تذكرة لي إلى جانبك في نفس القطار.»

ويقول طه: «مؤامرة إذن؟»

وترد سوزان: «نعم.»

ويسأل طه: «وهل ستنامين على سرير سفري الحديدي مثل الذي أنام عليه في غرفة من غرف إدارة الجامعة؟»

وترد سوزان: «لا، لا أحسب أن السيد المدير الدكتور طه حسين سوف يسمح لي بالنوم في إدارة الجامعة، ولهذا حجزت أمينة غرفة لنا في أوتيل وندسور.»

ويقول طه: «ما شاء الله، تذكرة ولوكاندة! كنت تعرفين إذن أنك ستحاولين منعي من السفر، وكنت تعرفين أنك لن توفقي، ودبرت أنت وابنتك ذلك كله!»

وتقول أمينة مقاطعة: «ابنتها كانت تحب أن تكون معكما، ولكنكما تعرفان أننا قد قررنا في الكلية أن نقيم احتفالًا للتضامن مع اليونان في موقفها ضد الاحتلال، سنعرض فيه «مأساة إلكترا» تأليف سوفوكليس، وسوف يكون هذا العرض مظاهرة جامعية وتأييدًا للمطالبين بالحرية والاستقلال لا في اليونان فقط بل في كل مكان، ولا بد لي إذن من البقاء هنا للتمرين.»

ويقول طه حسين مبتسمًا في حنان: «سنعود أنا وأمك من الإسكندرية لنكون في طليعة المشاهدين والمصفقين.»

•••

وفي القطار تقول السيدة سوزان: «إن الأستاذ شفيق مترى طلبك هذا الصباح تليفونيًّا بعد خروجك.»

ويقول طه حسين: «نعم، تكلم معي بعد ذلك، كان يستشيرني في فكرة إنشاء سلسلة كتب شعبية بأقلام عدد من الكتاب من كل أرجاء الوطن العربي ليقرأها العرب في كل البلاد.

وقد قلت له: إن العرب الذين تراهم اليوم منقسمين يا شفيق، لن يجمع كلمتهم يوم تجتمع إلا نسيج فكري متجانس تنسج خيوطه أقلام كتَّابهم جميعًا، بمثل هذا ستجتمع كلمتهم يومًا بفضل الله.»

سوزان : هل كلَّمك للاستشارة فقط؟
طه : استشارني كذلك في اسم السلسلة، وطلب أن أكتب الجزء الأول من أجزائها، قلت له يسميها «اقرأ»، أول كلمة أُنزلت من القرآن الكريم، ولهذه الحقيقة مغزاها الكبير، وقد وعدته بأن أقدم الكتاب الأول في السلسلة؛ قصة سأسميها «أحلام شهرزاد»، هي في ظاهرها أسطورة وفي حقيقتها حديث عن السلام والحرب، وعن الديكتاتورية والطغيان، عن الحكام والشعوب التي يلعب بها الحكام. أحلام شهرزاد هي في الحقيقة أحلامي أنا بعالم يتمتع بالمساواة والعدل والخير، فيعصم نفسه بذلك من الضلال والهلاك.

وتقول سوزان: «ما أروع هذا الكلام! يجيء في الوقت الذي تتتابع فيه انتصارات النازية ويسيطر فيها على الدنيا عنف السلاح.»

ويرد طه: «ولهذا فنحن في هذا القطار يا سوزان نريد ألَّا تنطفئ شعلة الحرية وألَّا يخبو نور الحضارة أبدًا.»

وتسمع سوزان كلام طه حسين فلا ترد، بل تملأ عينيها الدموع.

ويستأنف طه الكلام يقول: «وسيضيء النور في باريس حتمًا، وسيعود النور يشع على الدنيا من باريس.»

•••

تبدأ الدراسة في كليات جامعة الإسكندرية في الوقت الذي تدور فيه معارك الصحراء الغربية في عنف وشراسة.

وطه حسين، المنتدب مديرًا للجامعة إلى جانب عمله مستشارًا لوزارة المعارف، يجاهد في ظروف الحرب لكي تقوم الجامعة على الأساس الذي يرضاه، ظروف الحرب معناها قلة المال وصعوبة النقل وندرة الكتب والأدوات، فالعالم مشغول بصناعات الحرب، ولكن طه حسين حريص على أن تدبر الجامعة لطلابها الضروري من المعامل ومن المكتبات، وأن تعمل لتشجيع الحياة الرياضية والنشاط الثقافي داخل وخارج قاعات الجامعة.

والمدير المنتدب يعمل مع زملائه؛ وكيل الجامعة الأستاذ مصطفى عامر وعمداء الكليات والأساتذة ورجال الإدارة، على أن يصلوا بين الجامعة ومدينتها،١ يدعو سراة المدينة وأصحاب الأعمال الكبرى فيها إلى المساهمة في إنشاء الجامعة بالمال والمعونة، فينجح إلى حد لا يقنع به فهو يطالب بالمزيد، يريد من أهل الإسكندرية أن يساهموا في الاهتمام بدراساتهم المتصلة بمدينتهم، سواء منها ما اتصل بحياتها في الماضي مستهدفًا إلقاء المزيد من الضوء على مساهمتها في الحضارة العالمية، أو في المستقبل مستهدفًا تنميتها وترقيتها ماديًّا وحضاريًّا.

وطه حسين راضٍ بما يلقاه من نجيب باشا الهلالي وزير المعارف، ومن مصطفى باشا النحاس رئيس الوزراء؛ من عون، وبما يلقاه من مساعديه في الجامعة نفسها من حماس وإقبال على العمل.

وبانتهاء العامين الأولين من أعوام جامعة الإسكندرية تنتهي مرحلة الإنشاء، ويكتب طه حسين إلى وزير المعارف في أول صيف عام ١٩٤٤ تقريرًا يقول فيه:

معالي الوزير

أعددتم قانون جامعة الإسكندرية وتقدمتم به إلى البرلمان واستصدرتموه في نفس الأيام التي كان كل إنسان يظن بالأحداث والخطوب فيها الظنون، وافتُتحت الدراسة في كليات الجامعة في نفس الوقت الذي بدأت فيه موقعة «العلمين». ووجد الأساتذة والطلاب والموظفون من إقدام الحكومة على هذا العمل الخطير مشجعًا أزال عنهم الخوف، ومحا من نفوسهم التردد، ودفعهم إلى العمل جادين مستبشرين.

والشيء الذي ليس فيه شك هو أن إنشاء الجامعة وانتقال من انتقل إليها وإقبال من أقبل عليها من الأساتذة والطلاب والموظفين، قد أشاع في مدينة الإسكندرية حياة جديدة لم تألفها منذ عهد بعيد، فقد كانت الإسكندرية مدينة عمل ومال وكانت الحياة العقلية فيها ضئيلة مقصورة أو كالمقصورة على البيئات الأجنبية، فتغير هذا كله بإنشاء الجامعة الجديدة، ووُجدت في المدينة بيئة علمية ممتازة تشارك في جميع فروع المعرفة الإنسانية مشاركة تظهر الآن متواضعة، ولكنها ستقوى وتشتد على مر الأيام، ولا سيما حين تنتهي الحرب وتُستأنف المواصلات بيننا وبين العالم الخارجي.

وإنه لمما يؤلم حقًّا أن يلقى عبء هذا كله على الدولة، فقد كان استقبال الأغنياء لهذه الجامعة أفلاطونيًّا، منهم من رضي عن إنشائها ومنهم من تنكر له بالقول أو بالعمل ومنهم من لم يحفل بها ولم يلتفت إليها، كانت الجامعة تنتظر من المصريين عامة ومن أهل الإسكندرية خاصة أن يعينوها على كثير من الأشياء لا ينبغي أن تُطلب كلها إلى الحكومة، فهناك دراسات معينة تتصل بمدينة الإسكندرية في كليات مختلفة، منها ما يتصل بتاريخها ومنها ما يتصل بحياتها الصناعية والتجارية ومنها ما يتصل بموقعها من البحر الأبيض المتوسط، وكل هذه الدراسات يجب أن ينشئها الإسكندريون بأموالهم إن كانوا يحبون مدينتهم حقًّا.

وقد بلغت الجامعة الناشئة ما بلغت من النمو والاتساع لأن هذه طبيعة الحياة للمعاهد العلمية الكبرى، وقد مضت أمور هذه الجامعة كما استطاعت أن تمضي، ولكنها منذ الآن لا تستطيع أن تواجه حياتها الخصبة المستقبلة إلا إذا فُرض لها من ينهض بأمرها ويواجه مشكلاتها الكبيرة والصغيرة مواجهة يومية متصلة، فأنا ألح في الإسراع باختيار مدير لها يقف وقته وجهده على تدبير أمرها لا يشغله عن ذلك شيء آخر، وألح بالطبع في أن يكون شخصًا غيري من رجال التعليم.

•••

ويسافر طه حسين إلى لبنان في أول أغسطس يلتمس الراحة، ويتوافد عليه أدباء لبنان ومفكروه تدور بينه وبينهم الأحاديث فتمتد إلى حديث الحرب، ثم إلى حديث الدعاية التي أتقنها الألمان والتي يحاول الحلفاء أن يباروهم فيها.

يقول طه حسين: «كان الناس في أول هذا القرن يُعجبون بتأثير الدعاية في أمور التجارة، ولكن ذلك التأثير لم يعد يقتصر على الترويج لما يُباع ويُشترى بل أخذ يروِّج لما يُقرأ وما يُكتب، وللآراء السياسية ومذاهب الناس في الحكم، وللحكومات القائمة وللأحزاب المختلفة، وبلغت الدعاية في هذا العصر طورًا لم نكن نقدِّر أنها ستبلغه، بسبب المطبعة التي سهلت النشر، والصحف التي انتظم ظهورها شهريًّا وأسبوعيًّا ويوميًّا.»

ويضيف أحد الأدباء اللبنانيين: «والسينما والراديو.»

ويقول طه حسين: «والسينما والراديو، ألغت مسافات الزمان والمكان وأصبحنا خاضعين للإعلام فيما نقرأ وفيما نسمع وفيما نرى.»

يقول الأديب اللبناني: «واجب أن نقاوم آثار هذه الدعاية.»

ويقول طه حسين: «من السهل اليسير أن يستجيب الناس لسلطان الدعاية ومن العسير مقاومتها والامتناع عليها والخلاص من تأثيرها. على أني واثق كل الثقة أنه مهما كانت ضخامة الدعاية فلن يُكتب لفلسفة العنصرية النصر، بل سيكون النصر لدعاة الحرية، بشرط أن تكون دعوتهم صادقة وأن يكونوا لها مخلصين.»

وتتحول الحرب لصالح الحلفاء، ويتم للجنرال الأمريكي أيزنهاور نصره الكبير في إقليم نورماندي في شمال فرنسا، وتأخذ جيوش الحلفاء في الزحف محققة انتصارات متكررة في كل جبهات القتال.

وفي بيت مري في لبنان، يوم ٢٥ أغسطس ١٩٤٤، يسمع طه حسين نبأ دخول الجنرال ديجول باريس، فيقول لزوجته وولديه: «لم أزل أقول لكم إنه لا بد أن ينهزم المعتدي، وإنه لا بد من النصر لمن يدافع عن الحريات بالعزم والإصرار وبالصدق والإخلاص.»

•••

وفي بيت مري أيضًا يتلقى طه حسين من مصر رسالة بأنه قد عُيِّن رئيسًا لوفدها في احتفال المجمع العلمي السوري في دمشق بالعيد الألفي للشاعر أبي العلاء المعري، وفي دمشق يجتمع أعضاء الوفد الرسمي: الأستاذ أحمد أمين والأستاذ عبد الحميد العبادي والأستاذ أحمد الشايب، ويعرف طه حسين أن الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني قد حضر يمثل نقابة الصحفيين، وأن الدكتور عبد الوهاب عزام قد جاء ملبيًا دعوة المجمع السوري؛ فيدعو الجميع إلى تكوين وفد واحد لمصر فيتم في دمشق تكوين هذا الوفد، ويأخذ أعضاؤه يتعاقبون في إلقاء أحاديثهم وبحوثهم طوال أيام المؤتمر، ويهدي الوفد المصري إلى المؤتمر كتابًا طبعته مصر خصيصًا في هذه المناسبة وهو «تعريف القدماء بأبي العلاء»، ويساهم الوفد أيضًا باسم مصر في إنشاء مكتبة بسوريا خاصة لأبي العلاء.

وينتهي الاحتفال فيكتب طه حسين لوزير المعارف: «إن مصر تحسن كل الإحسان إلى نفسها وإلى البلاد العربية كلها إذا مضت في المشاركة في جميع المظاهر للحياة الثقافية والعلمية في العالم العربي.»

•••

في النصف الأول من أكتوبر يستقبل طه حسين في منزله بالزمالك، مساء يوم من أيام الأحد، أصدقاءه وزملاءه وتلاميذه حسب عادته، يتحدث مع الدكتور حسين فوزي عن الموسيقى، وهو يريد أن تُعنى مصر بالموسيقى الغربية كما لا بد أن تُعنى بموسيقانا الشرقية، ويقول إن الأستاذ أمين الخولي يحدثه أن ابنته الآنسة سمحة شغوف بالموسيقى العالمية قد أتقنتها دراسة وأداء، والأستاذ أمين نفسه يقول إنه هو لا يفهم هذه الموسيقى إلا قليلًا، وطه حسين يرى في ذلك دليلًا على نجاح جيله وجيل أمين الخولي من الأساتذة، لأن التطور الذي عملوا من أجله قد تحقق.

يقول الدكتور كامل حسين: «نيران الحرب العالمية لم تزل مشتعلة، على أن انتصارات الحلفاء مستمرة، تُرى هل يتقدم الحلفاء الآن صوب قلب ألمانيا؟»

ويرد طه حسين: «إن الأخبار الواردة من الخارج طيبة.»

ويقول الدكتور حسين فوزي: «أما «الواردة» من الداخل فليست كذلك فيما يظهر، سمعت أن هناك أزمة وزارية.»

ويرد طه حسين: «ومتى انتهت الأزمات الوزارية في مصر؟!»

وتدخل السيدة سوزان مبتسمة، فيعرف الحاضرون أن الوقت قد حان للانصراف ويستأذنون مودعين.

وتسأل سوزان: «ماذا كان يقول عن أزمة وزارية؟»

ويرد طه حسين: «إن الملك مصمم على إسقاط الوزارة، والنحاس باشا يرفض أن يستقيل.»

وتسأل: «وماذا يفعل الملك؟»

ويرد طه حسين: «يصدر مرسومًا بإقالة الوزارة.»

وتسأل سوزان: «يقيل الوزارة؟ تترك وزارة المعارف إذن؟»

ويرد طه: «طبعًا، على أنني سعيد لأنني أتممت بعض ما أريد؛ إن جامعة الإسكندرية قد أُنشئت، وسوف تقوم بعدها جامعات أخرى في القاهرة وفي الأقاليم. وفي مراقبة الثقافة، أتممنا أعمالًا لا بأس بها، وفي الوزارة خطونا خطوة هامة نحو تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص أمام كل الطبقات بتقرير المجانية في أهم مراحل التعليم.»

وتسأل سوزان: «وجامعة الإسكندرية تتركها أيضًا؟» ويجيب: «بالتأكيد، ولكنك تعلمين أنني كنت قد طلبت تعيين مدير متفرغ لها منذ أول هذا الصيف.»

ويسكت طه برهة ثم يقول: «إن الملك يقول إن طه حسين يريد أن ينشر التعليم لتحقيق غرض خبيث وهو زعزعة النظام الاجتماعي الحاضر.»

وتقول سوزان: «هذا كلام فارغ.»

ويقول طه حسين: «وهل يمكن أن يكون كلام الملوك فارغًا؟! لكن لفظ «زعزعة» غير دقيق، إن المستهدف هو أن يقوم في مصر نظام اجتماعي جديد على أساس من الحرية والعدل.»

•••

في يوم أول مايو ١٩٤٥ يعلن الألمان مصرع هتلر، وتقول وسائل الإعلام إنه انتحر، ومن قبل ذلك بيومين قتل الغوغاء موسوليني في إيطاليا. جيوش الحلفاء تدخل برلين، تستسلم ألمانيا. وفي يوم ٨ مايو ١٩٤٥ يعلن الحلفاء انتهاء الحرب في أوروبا.

وتقول أمينة لأبيها — بعد إغلاق الراديو: «الحمد لله! لكن هذا النصر لم يتحقق إلا بمصرع آلاف الشباب ووقوع آلاف الكوارث، ما أعظم جريمة الطغاة! كيف نحمي الحرية والكرامة البشرية في نفس الوقت الذي نحمي فيه الأجيال القادمة من أمثال هذه المجازر؟»

ويرد طه حسين: «هذا يا ابنتي هو السؤال كما يقال: كيف يحيا الناس حياة فاضلة؟ كيف يحققون دنيا الحرية والعدل؟ وكيف يعيشون بها؟ وكيف السبيل إلى صيانتها دون أن تُضطر الشعوب المسالمة إلى أن تقابل بالعنف عنف المعتدين؟»

ويتوقف طه حسين برهة ثم يقول: «ستعود الآن المواصلات مع أوروبا، ويتمكن أخوك من السفر لباريس للدراسة لدرجة الأجريجاسيون.»

وتسأل أمينة: «ولماذا لا يدرس للدكتوراه؟»

ويرد طه حسين: «أريده أن يحصل على الأجريجاسيون أولًا رغم أنها أصعب، إنني لم أرد لك أنت أيضًا أن تختاري الطريق السهل، لم تكن الدراسات اليونانية واللاتينية — التي اخترتها لك — أسهل الدراسات! وعلى فكرة أين بلغت في بحثك للماجستير؟ هل انتهيت من قراءة ما كتبه الشاعر الألماني جوته عن موضوعك، عن قصة أفيجينيه؟»

وترد أمينة: «نعم، ولكن الموضوع كما تعلم صعب بشكل يرضيك! وعلى فكرة مطلوب مني محاضرة عامة حول هذا الموضوع وقد تورطت وقبلت، ولكنني أموت خجلًا وخوفًا من مواجهة الجمهور.»

ويقول طه حسين: «هذا لأنك تحترمين سامعيك، هل تظنين أني لا أحس الرهبة حتى الآن عندما أواجه جمهورًا أحترمه؟»

أمينة: «أنت؟! طه حسين؟!»

ويرد: «بكل تأكيد، وعلى فكرة ألا تريدين استكمال دراستك في الخارج بعد أن يُفتح الطريق لأوروبا؟»

وترد أمينة: «بل أبقى هنا في بلدنا، إلى جوارك، وأين في الخارج أستاذ مثلك؟»

وتعود المواصلات مع أوروبا بعد شهور، ويستعد مؤنس للسفر مع والدته إلى فرنسا فقد قُبل طالبًا في مدرسة النورمال، إحدى المدارس العليا الكبيرة في فرنسا.

والسيدة سوزان لا تكاد تصدق أن الحرب قد انتهت، وأنها انتهت بهزيمة النازية، وأنها سترى باريس حرة.

تتردد في السفر وترك زوجها في القاهرة، ولكنه يقول لها: «لقد سافرت وتركتني من قبل، على أنك في هذه المرة لا تتركيني وحدي، أنت تتركيني مع أمينة، وستعتني بي وأعتني بها، وسنأكل معًا كل الحلاوة الطحينية التي في مصر!»

ويحل يوم عيد ميلاد طه حسين السادس والخمسين في الرابعة عشر من نوفمبر ١٩٤٥، ويزوره الشيخ مصطفى عبد الرازق، المرشح شيخًا للأزهر الشريف، فيستبقيه للعشاء. ويجلس الثلاثة إلى مائدة زينتها أمينة في مناسبة عيد ميلاد أبيها.

ويقول طه حسين أثناء تناول العشاء: «هل تذكر أنني كنت أريد أن أصدر مجلة أدبية مع أخيك الشيخ علي؟»

ويرد مصطفى عبد الرازق: «نعم، وكنتم فكرتم في كل شيء وأعددتم لها كل شيء، كل شيء إلا المسائل التافهة مثل الإدارة والمطبعة والورق والتوزيع!»

طه حسين : لقد استطعت أنت أن تثنينا، أنا وعلي، عن المشروع في ذلك الوقت، وذلك بإثارتك تلك المسائل التافهة.
مصطفى عبد الرازق : ألم يكن ذلك هو عين العقل؟
طه : العقل؟ لا، في الحقيقة أن العقل كان أن نصدرها، على كل حال سأصدر أنا هذه الصحيفة الآن، أو شيئًا مثلها.
مصطفى عبد الرازق : ألم تكفك متاعب جريدة الكوكب وجريدة الوادي؟ هل نسيتها؟
طه : لا لم أنسَ، لم أنسَ المعلم متعهد الصحف الذي كان يتحكم في التوزيع، ولا الحكومة التي كانت تتحكم في المعلم، ولكن هل تعتقد أن كل هذه المتاعب لم تكن تذوب عندما كنا نعبر عن آرائنا ونوصلها لجماهيرنا؟ إنني أحس أنني في العمل الصحفي متصل مباشرة بنفس الجمهور وأعمل مباشرة في هذه النفس.
مصطفى : أرجو على الأقل أن تكون قد أحسنت الاستعداد لإصدار المجلة هذه المرة.
طه : في هذه المرة سيتكفل تاجر بالتوزيع، وسيكون للمجلة سكرتير للتحرير، أديب شاب ذكي ونشط، الأستاذ حسن محمود، سأتولى أنا مسئولية التحرير مع جماعة من الزملاء والتلاميذ لا يجوز أن نحرم العالم العربي من سماع أصواتهم ولا أن نحرمهم من أن يُسمعوا أصواتهم للعالم: الدكتور محمد عوض، والأستاذ محمد رفعت، والدكتور سليمان حزين، والأستاذ توفيق الحكيم، والأستاذ سيد قطب، وكثير من الشباب.
مصطفى عبد الرازق : ومن التاجر الذي سيتكفل بالتوزيع؟
الدكتور طه : أصحاب محل آلات وأدوات مكتبية اسمه محل «الكاتب المصري» وهم الإخوة هراري، وقد أعجبني اسم «الكاتب المصري» وسأجعله اسم المجلة.

ويسأل طه حسين مبتسمًا: «لا أعتقد أن فضيلة الشيخ الأكبر لديه وقت للمساهمة فيها؟»

ويرد مصطفى عبد الرازق: «أساهم فيها بالدعوات الصالحات، وبالقراءة المنتظمة إن شاء الله. الحقيقة أن هذه المجلة — التي لا شك أنها ستكون جادة نافعة — تظهر في أوانها، إن العالم يدخل الآن مرحلة جديدة هامة، يدخل دنيا القنبلة الذرية، ودنيا الأمم المتحدة.»

يقول طه حسين: «نعم، العالم يدخل عهدًا جديدًا، ميثاق الأمم المتحدة قرأته، كلام رائع، وأنا سعيد لأن صديقنا الأستاذ عبد الحميد بدوي كانت له مساهمة في إعداده، وصديقنا الأستاذ محمود عزمي يترجمه للغة العربية الآن، ولكن ماذا يكون مصير هذه الأمم المتحدة؟ هل يكون مصير عصبة الأمم؟ ما مصيرنا نحن الدول الصغيرة؟ ما مصير العرب؟ بالأمس جاءني محرر جريدة فرنسية نسيت اسمها …»

وتذكر أمينة أباها باسم المجلة، تقول: «إن اسمها هو صور العالم «إيماج دي موند».»

ويستأنف طه حسين حديثه يقول: «نعم، إيماج دي موند. سألني عن الحرب، فقلت له: الحرب انتهت بالقنبلة الذرية، لكنها تركت قنبلة زمنية هي فلسطين.»

ويقول مصطفى عبد الرازق: «عندك حق، وهل يترك الإنجليز مستعمرة لهم دون يخلقوا فيها المشاكل؟! على أني أرجو أن يكون العالم قد تيقن أخيرًا أن العدل هو أساس السلام، أنا متفائل بميثاق الأمم المتحدة، لا تنسَ أن أصحاب فكرة الميثاق والمنظمة هم الدول الكبرى التي انتصرت في الحرب: أمريكا وروسيا والصين وإنجلترا وفرنسا.»

ويرد طه حسين: «نعم، لقد أصبحت فرنسا تعد بين الدول الخمس الكبرى، والفضل في ذلك لديجول، لولا عصيانه لليأس ورفضه الاستسلام ما كان لفرنسا ذكر اليوم بين هذه الدول.»

ويقول الأستاذ مصطفى عبد الرازق: «إن الدرس الذي نتعلمه من هذه الحرب هو درس سبق أن علمه لنا الرسول : النجاح إنما يكون بالإيمان والإخلاص وبالتصميم، علينا أن نتسلح بهذه الصفات لنحقق أهداف أمتنا في هذا العالم الجديد الذي يقولون إن الأمم المتحدة ستبنيه.»

ويقول طه حسين في شيء من الشك: «ذلك بشرط أن تتعلم الدول الكبرى ألا تكيل بمكيالين، بشرط ألا ترى ضرورة تحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان لشعوبها هي ولا ترى لشعوبنا نحن حقًّا في هذا كله. عندما جاء الجنرال ديجول إلى مصر، وهو رئيس لفرنسا الحرة، قلت له: لا يمكن أن تطالب فرنسا باستقلالها وبحريتها وهي تنكر على الشعوب الواقعة تحت سلطانها هذا الاستقلال وهذه الحرية، وقد وافق ديجول، فقد كان يعرف لبعد نظره أن عهد الاستعمار إلى زوال، وعندما جاء الجنرال كاترو بعد ذلك كانت فرنسا الحرة قد استجابت فيما يظهر إلى ما طالبت به، وأعلن الجنرال كاترو شيئًا من ذلك من راديو القاهرة، وسنرى الآن ماذا تفعل فرنسا بعد النصر في الأراضي العربية الواقعة تحت سلطانها، وماذا يفعل الإنجليز في العراق وفلسطين والسودان.»

ويقول مصطفى عبد الرازق: «إن صاحبك أبا العلاء قد أحسن عندما أشار إلى أن الكلام الجميل لا ينفع أمام أصحاب القوة والسلاح، كما جرب ذلك بنفسه. وعلى ذكر أبي العلاء، زارني بعض الشيوخ السوريين الأدباء وحدثوني من جديد عن احتفالات دمشق بأبي العلاء، لا يزالون يذكرونها ويذكرونكم.»

ويرد طه: «كان الوفد المصري موفقًا، وكان المؤتمر ناجحًا، كان رئيس الجمهورية السورية شديد الاهتمام وشديد الاحتفاء بالمؤتمر. وإلى جانب الاحتفال بأبي العلاء كانت فرحتنا باجتماع العلماء العرب في مكان واحد إخوانًا متعارفين.»

وتقول أمينة مقاطعة: «أنا أقرأ لأبي العلاء، أنا أقرأ في اللزوميات، في نسخة مخطوطة من اللزوميات.»

طه: «نسخة مخطوطة من اللزوميات؟! ليس لدينا نسخة مخطوطة! واللزوميات أنت قطعًا لا تستطيعين أن تفهميها وحدك لا أنت ولا كثير غيرك من الشباب اليوم، يجب أن نترجمها لكم إلى العربية!»

وتتساءل أمينة: «إلى العربية! وفي أي لغة هي إذن؟!»

ويرد طه: «هي في لغة أبي العلاء، سأترجمها إلى العربية التي يفهمها أمثالك، وسأسمي الترجمة «صوت أبي العلاء».»

وتنهض أمينة وهي تقول: «نترك هذا الآن، هذا أوان «الطورطة»!»

وتنصرف وتعود بكعكة عليها شموع وتقول: «عليك يا أبي أن تطفئ هذه الشموع.»

ويقول الشيخ مصطفى: «أبوك يا ابنتي لا يجيد إلا إيقاد الشموع.»

ويرد طه: «أحيانًا لا بد أن نهدم لنبني … هل تذكر ما سمعنا ونحن في الأزهر؟ كانوا يقولون: «الحق هدم الهدم».»

ويقول الشيخ مصطفى: «نعم، كان هذا منذ زمن طويل، والآن اسمحي لي يا أمينة أن أبدأ فأتمنى لأبيك أن يصل إلى سن المئة وخمسة وخمسين. إن أباه الشيخ حسين — رحمه الله — وصل إلى سن المئة وخمسة، وقانون التطور يقضي بأن نتفوق على آبائنا، أليس كذلك؟» ولا ينتظر ردًّا ولكنه ينهض ليقدم إلى طه حسين السبحة التي يحملها ويقول: «وهذه سبحة أرجو أن تذكرك بهذا العشاء الصغير الجميل.»

ويرد طه متأثرًا: «إنك لتعلم أنك وأنا إنما نطلب العمر العريض وليس العمر الطويل.»

وتقول أمينة: «الآن نطفئ الشموع، وعندي بعد ذلك رسائل للسيد الأستاذ العميد.

الأولى من السيدة حرم الدكتور طه حسين: ترسل لك هذه القبلات وتقدم هذه الهدية.» تقبله وتقدم له الهدية، ويتسلمها طه حسين بتأثر، «والثانية من طالب مدرسة النورمال المرشح لدرجة الأجريجاسيون، السيد الأستاذ مؤنس طه حسين، قبلات كذلك، وهذه الهدية»، تقبله وتقدم الهدية، «والثالثة مني أنا، قبلات أيضًا، ولك قلبي كله وهذا المخطوط …»

طه : ما هذا المخطوط؟
أمينة : مخطوط مؤلف من أصدقائك.
الشيخ مصطفى : يتناوله وينظر فيه ويقول: هذه لزوميات أبو العلاء، هذا مخطوط مغربي، هذا مخطوط ثمين (يسلمه لطه حسين)، أحسنت الاختيار يا ابنتي.

ويقول طه حسين: «أولًا من أين لك المال؟ ثم من دلك على هذا المخطوط؟»

وترد أمينة: «نعم، أنت تسأل وأنا أجيب، عن السؤال الأول فإنك تذكر أسهم شركة الجوت المصرية التي اشتريتها لي عند حصولي على درجة الليسانس، أليس كتاب أبي العلاء أحسن من الجوت؟ والمخطوط جميل ولكنه ليس قديمًا جدًّا ولا ثمينًا جدًّا، نُسخ في مدينة فاس سنة ألف ومئة للهجرة حسب ما هو مكتوب فيه. وعن السؤال الثاني فقد ساعدني في البحث عن هذه الهدية أحد تلاميذك، محمد حسن الزيات، لقد أقسم لي أن هذا المخطوط هو كتاب اللزوميات، وأقسم لي كذلك أنه مكتوب حُفر عليه اسمك. ولا قبلات.»

ويقول طه: «ولكن محمدًا في إنجلترا، في أكسفورد.»

وترد أمينة: «ساعدني قبل سفره. وعلى فكرة هديته لك علبة سجائر حفر عليها اسمك باللغة العربية رغم هذا الخط المعقد … ولا قبلات!»

ويقول طه حسين: «وأنت أخفيت المخطوط كل هذه المدة؟! تعالي هنا لأقبلك، أخفيته كل هذه المدة، ماذا أخفيت أيضًا؟ وعلى فكرة في مجلة الكاتب المصري سيكون عليك أنت أن تقدمي للقراء أهم مباحث الدوريات الغربية.»

وتسأل أمينة: «تعني الفرنسية؟»

ويرد طه: «لا، أعني الغربية، كل ما يتيسر نقله من صحف الغرب، هذا غير صعب عليك، وسيكون لدينا في المجلة باب مماثل للدوريات العربية والشرقية، فإننا نريد أن نصل القارئ المصري بالكتاب والصحيفة العربية والشرقية والغربية، بالصحيفة في كل مكان.»

وينهض الأستاذ مصطفى عبد الرازق مستأذنًا في الانصراف وهو يهنئ من جديد، وينصرف وهو يقول إنه ينتظر بفروغ صبر العدد الأول من مجلة «الكاتب المصري».

١  ترتب الجامعة ندوات مشتركة بين أساتذتها ورجال الصناعة في المدينة، وتتألف داخلها رابطة للشبيبة العربية تضم طلابًا من مصر والمغرب والجزائر والعراق وتونس، وتحولت فيما بعد إلى جماعة الاتحاد العربي التي تقرر حلها مع كل الأحزاب عام ١٩٥٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠