مقدمة: ما النظرية النقدية؟

أظهرت الفلسفة منذ بداية ظهورها احتواءها على عنصر هدَّام. يبيِّن عمل أفلاطون «دفاع سقراط» كيفية اتهام مواطني أثينا لسقراط بإفساده أخلاق الشباب والتشكيك في وجود الآلهة. وكان هذا الاتهام ينطوي على شيء من الحقيقة؛ فقد شكَّك سقراط في المُعتَقَدات السائدة، وأخضع اعتقادات راسخة لفترات طويلة للتدقيق العقلاني، وأعمل فِكْره في مسائل تتجاوز النظام القائم. وما عُرف ﺑ «النظرية النقدية» قام على هذا الإرث؛ فقد ظهر هذا الاتجاه الفلسفي الجديد في الفترة ما بين الحربَيْن العالميَّتَيْن الأولى والثانية، وشنَّ أبرز ممثِّليه حربًا ضَروسًا على الاستغلال والقمع والاغتراب التي تنطوي عليها الحضارة الغربية.

ترفض النظرية النقدية ربطَ الحرية بأي تنظيم مؤسسي أو منظومة فكرية محددة؛ إنها تبحث في الافتراضات والأغراض الخفية للنظريات المتضارِبة وأشكال التطبيق القائمة. وليست هذه النظرية بحاجة إلى توظيف ما يُعرف ﺑ «الفلسفة الدائمة»؛ إذ تُصِرُّ على أن التفكير يجب أن يستجيب للمشكلات الجديدة والاحتمالات الجديدة للتحرر التي تنبثق عن تغير الظروف التاريخية. كانت النظرية النقدية — التي تتَّسِم بأنها متعدِّدةُ التخصصات، وتجريبيةٌ في جوهرها على نحو فريد، ومتشكِّكةٌ على نحو عميق في التقاليد والمزاعم المُطلَقة كافة — مهتمَّةً دائمًا، ليس فقط بالكيفية التي عليها الأمور بالفعل، وإنما أيضًا بالكيفية التي يمكن أن تكون الأمور عليها أو يجب أن تكون عليها. وقد دفع هذا الالتزام الأخلاقي مفكِّريها الكبارَ لتطوير مجموعة من الموضوعات والمحاور ومنهج نقدي جديد غيَّر وَجْهَ فهْمنا للمجتمع.

وللنظرية النقدية مصادر كثيرة؛ يُعرِّف إيمانويل كانط الاستقلالَ الأخلاقيَّ بأنه أسمى قيمة بالنسبة للفرد، وقد أمدَّ كانط النظرية النقدية بتعريفها للعقلانية العلمية وهدفها المتمثِّل في مواجهة الواقع باحتمالات الحرية. في الوقت نفسه، رأى هيجل أن الوعيَ هو محرِّك التاريخ، وأن التفكير مرتبط بالاهتمامات العملية، وأن الفلسفة هي «المنظور الفكري الذي يُنظَر من خلاله لحقبة تاريخية معينة.» تعلَّم منظرو النظرية النقدية تأويلَ الجزء بالنظر إلى الكل. وبَدَتْ لحظة الحرية في مُطالَبة المستعبِدين والمستغِلِّين بالتقدير.

لقد جسَّد كلٌّ من كانط وهيجل الافتراضاتِ العامةَ المستمَدَّة من عصر التنوير الأوروبي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر؛ فقد اعتمدا على العقل لمحاربة الخرافة والانحياز والقسوة والممارسات التعسفية من جانب السلطة المؤسسية. كما وضعا افتراضات بشأن الآمال الإنسانية التي تُعبِّر عنها الجماليات، والرغبة في الخلاص التي تنطوي عليها الأديان، وطرق التفكير الحديثة حول العلاقة بين النظرية والتطبيق. أما كارل ماركس الشاب، فقد ذهب إلى ما هو أبْعَد من ذلك بتأمُّلاته اليوتوبية حول التحرر الإنساني.

لقد تشكَّلتِ النظرية النقدية في البوتقة الفِكْرية الماركسية، إلا أن ممثِّليها الروَّاد رفضوا منذ البداية الحتميةَ الاقتصادية، والنظريةَ المرحلية للتاريخ، وأيَّ اعتقادٍ جبريٍّ في الانتصار «المحتوم» للاشتراكية. وكانوا أقلَّ اهتمامًا بما أطلق عليه ماركس «القاعدة» الاقتصادية منهم ﺑ «البنية الفوقية» السياسية والثقافية للمجتمع. لقد كانت ماركسيتهم بمذاقٍ مختلف، وقد ركَّزوا على منهجها النقدي أكثر مما ركَّزوا على ادِّعاءاتها التنظيمية، وعلى اهتمامها بالاغتراب والتشيؤ، وعلى علاقتها المعقَّدة بمُثُل عصر التنوير، وعلى لحظتها اليوتوبية، وعلى تشديدها على دَوْر الأيديولوجيا، وعلى التزامها بمقاومة مسخ الفرد. وتُشكِّل هذه المجموعةُ من المحاور جوهرَ النظرية النقدية حسبما استوعبها رائدا «الماركسية الغربية» كارل كورش وجورج لوكاتش. قدَّم هذان المفكِّران إطار عمل المشروع النقدي الذي بات يُعرف لاحقًا بمعهد البحث الاجتماعي أو «مدرسة فرانكفورت».

تضمَّن الأعضاء الرئيسيون لهذه المدرسة تيودور في أدورنو، المشهور بمعرفته التامة بالموسيقى والفلسفة، والذي بدأ تعاونه مع المعهد في عام ١٩٢٨، إلا أنه لم يصبح عضوًا رسميًّا إلا بعد عشر سنوات؛ وإريك فروم، عالِم النفس الموهوب، الذي بدأ تعاونَه الذي دام لتسع سنوات مع المعهد في عام ١٩٣٠؛ وهربرت ماركوزه، الفيلسوف المتعدِّد المواهب والتخصصات الذي بدأ تعاوُنَه مع المعهد في عام ١٩٣٣؛ وفالتر بنجامين، الأكثر إبداعًا من بين هؤلاء المفكرين والذي لم يصبح عضوًا رسميًّا بالمعهد قط؛ ويورجن هابرماس، الذي أصبح فيلسوفَ المعهد الرائدَ بعد عام ١٩٦٨، وبالتأكيد أكثر المفكرين المرتبطين بالمعهد غزارةً في الإنتاج، إلا أن ماكس هوركهايمر كان نبراس هذا المعهد؛ فهو مَن جمَّع هؤلاء المفكرين الاستثنائيين معًا لوضع أساس متعدِّد التخصصات لنظرية نقدية للمجتمع.

اعتقدتْ مدرسة فرانكفورت في البداية أن عملها الفكري من شأنه دعم الفُرَص العملية لتحرك ثوري من جانب البروليتاريا. مع ذلك، ومع مرور ثلاثينيات القرن العشرين، تفكَّكتِ الثورة في الاتحاد السوفييتي، وتلاشتِ التوقُّعات بحدوثها في أوروبا، ودخلتِ الفاشية بوقاحة إلى الحياة السياسية، وبدتِ الآمالُ الإنسانيةُ التي كانت مرتبطةً في الأصل بالعصرية متزايدةَ السذاجة. وقد سجَّلت مدرسة فرانكفورت هذا التحوُّلَ التاريخيَّ من خلال إخضاع الاعتقادات اليسارية الراسخة في الطبيعة التقدمية المتأصِّلة للعلوم والتكنولوجيا والتربية الشعبية والسياسة الجماهيرية لفحصٍ هدَّام.

كان التنوير والماركسية يُقارَن بينهما فيما يتعلق بمُثُلهما المُتعذِّرة التحقُّق، بينما أعادت مدرسة فرانكفورت صياغةَ الجدل التاريخيِّ عبرَ رُؤًى عميقةٍ مأخوذة من أعمال آرثر شوبنهاور وفريدريش نيتشه وفرانس كافكا ومارسيل بروست وصامويل بيكيت والتراث الحداثي. لقد بدأتِ النظرية النقدية عمليةَ استعادة الصور اليوتوبية المنسية ومُثُل المقاومة المُهمَلة في ظل ظروف بدا فيها أن احتمالية تحقيق هذه الصور والمُثُل لم تَعُدْ قائمةً، وكانت النتيجة شكلًا جديدًا من «الجدل السلبي» الذي لم تَنْمُ شعبيته إلا بين الأكاديميين المعاصِرين.

طالما اعتَبرت مدرسةُ فرانكفورت الفلسفاتِ المؤسساتيةَ عقباتٍ في سبيل إقامة مجتمع حرٍّ، وقد أدان أعضاؤها الانشغال بالأسس المُطلَقة والفئات التحليلية والمعايير الثابتة للتحقق من ادِّعاءات الصحة. ورَأَوْا أن ثمة متَّهمَيْن أساسيَّيْن في هذا الشأن: «الفينومينولوجيا» بادِّعاءاتها الأنطولوجية حول الكيفية التي يختبر بها الأفرادُ الوجودَ، و«الفلسفة الوضعية» بما تطلبه من تحليل المجتمع وفقًا لمعايير العلوم الطبيعية. هُوجم كِلا المذهبين الفلسفيَّين لتعامُلهما مع المجتمع من ناحية لا تاريخية وقضائهما على الذاتية الأصيلة، وكان المقصِد من النظرية النقدية أن تكون بديلًا لهذين المذهبَيْن، وقد كان وراء تلك النظرية هدفٌ يَسعَى لإحداث تحوُّل واهتمام خاص بثقافة الحياة الحديثة.

يمثِّل الاغتراب والتشيؤ الفكرتين الأكثر ارتباطًا في العموم بالنظرية النقدية. يقترن الاغتراب عادةً بالآثار النفسية لاستغلال العمَّال وتقسيم العمل، فيما يتعلق التشيؤ بالكيفية التي يُعامَل بها الأشخاص فعليًّا باعتبارهم «أشياء» من خلال مفاهيم مُنتَزَعة من سياقها التاريخي. وقد أجرى ماركسيون غربيون دراساتٍ رائدةً عن الاغتراب والتشيؤ بالفعل خلال عشرينيات القرن العشرين، إلا أن مدرسة فرانكفورت قدَّمت رؤيةً فريدةً للكيفية التي أثَّرت بها هذه الفئات المعقدة على الأفراد في المجتمع الصناعي المتقدم.

درس أعضاء مدرسة فرانكفورت الطرقَ التي اختُزِلَ من خلالها التفكير إلى مفاهيم آلية عن ماهية كل ما هو عملي ومُربِح، وكان التأمل الأخلاقي في طريقه إلى التلاشي، وشرع الاستمتاع الجمالي في التحول إلى شيء أكثر نَمَطية. لاحظ منظِّرو النظرية النقدية في قلق كيف أن تفسير المجتمع الحديث بدأ يصبح أكثر صعوبةً من أي وقت مضى؛ ومن ثَمَّ، كان الاغتراب والتشيؤ يُحلِّلان من ناحيةٍ الكيفيةَ التي من خلالها عرضا ممارسة الذاتية للخطر، وجرَّدتا العالم من المعنى والغاية، وحوَّلتا الفردَ إلى ترس في آلة.

كان معسكر أوشفيتز يُرى على أنه يجسِّد أكثر آثار الاغتراب والتشيؤ جذريةً. لقد كان الحدث الفاصل الذي حطَّم الافتراضات المتفائلة حول التقدم من أساسها أكثر مما فعل زلزال لشبونة خلال القرن الثامن عشر. ولمَّا كانت صور معسكرات الاعتقال النازية لا تزال ماثلةً في الأذهان، ومع تدمير هيروشيما وناجازاكي، وظهور تقارير جديدة عن المعتقلات السوفييتية (الجولاج)، ومع تزايُد انتشار المكارثية في الولايات المتحدة؛ بدا لمدرسة فرانكفورت كأن الحضارة الغربية لم تأتِ بالتطور الإنساني، وإنما أتتْ بنزعة بربرية غير مسبوقة. وأدرك أعضاء المدرسة أن شيئًا أكثر من النقد المعتاد للرأسمالية مطلوب من الفكر الراديكالي.

كان من الواضح أن المجتمع الجماهيري الذي تحكمه البيروقراطية يجمع بين كل أشكال المقاومة، ويطمس الفردية الأصيلة، وينتج تركيبات شخصيات ذات ميول سلطوية. وكان التماثل يَفُتُّ في عضد الاستقلالية. وإذا كان التطور الرأسمالي يرتبط بالتنميط والتشيؤ، فإن التقدم يُعَدُّ فعليًّا نوعًا من الرجوع للوراء؛ ومن ثَمَّ كانت الأوهام المرتبطة بعصر التنوير — التي يسلِّم بها اليسار بغير انتقاد — تتطلَّب إعادة نظر، بل وتحتاج العصرية نفسها إلى نقد.

اتفق أعضاء مدرسة فرانكفورت كافةً على الحاجة إلى زيادة التعليم لمجابهة الاتجاهات السلطوية. لكنْ ظَلَّ مدَى الفعالية التي قد يكون عليها مثلُ هذا التعليم غير واضح في مجتمع خاضع لإدارة شمولية. فقد كانت هناك «صناعة ثقافة» جديدة — وهو مفهوم ربما يُعَدُّ أكثرَ المفاهيم المرتبطة بالنظرية النقدية شهرةً — تكافح باستمرار لخفض أقلِّ قاسِم مشترك من أجل زيادة المَبِيعات إلى أقصى حدٍّ. وكان كلٌّ من التجربة الفردية الأصيلة والوعي الطبقي معرَّضين لخطر النزعة الاستهلاكية للرأسمالية المتقدِّمة. كل هذا دفع هوركهايمر وأدورنو وماركوزه إلى ادِّعاء أن درجة شهرة أي عمل — بصرف النظر عمَّا يَحمِله من رسالة سياسية — هي ذاتها درجة اندماج الدافع الراديكالي لهذا العمل مع النظام. وقد أصبح هؤلاء المفكرون روَّادًا لفنٍّ حداثيٍّ تجريبيٍّ وشكل «إيسوبي» من الكتابة المُلتفَّة التي أخفَتْ معتقداتهم الراديكالية في ظل المناخ المشحون خلال فترة ما بعد الحرب. ومع ذلك، فإن ذلك الأسلوب المُستَتِر غير المباشر للنظرية النقدية زادَها جاذبيةً بين المفكِّرين الراديكاليين الذين اشتركوا في انتفاضات ستينيات القرن العشرين.

دائمًا ما كانت النظرية النقدية تتصف بطابعٍ تَنَبُّئِيٍّ؛ فقد تنبَّأ مؤيدوها بحدوث تحوُّل في الحياة اليومية والتجربة الفردية. فهي لم تُهاجِم فقط الآراء المؤسساتية للتاريخ، بل قدَّمت أيضًا بديلًا راديكاليًّا لها. وقد طبَّق الراديكاليون الأوروبيون أفكار النظرية النقدية الخاصة بإعادة تشكيل الأُسْرة والعلاقات الجنسية والتعليم. لقد سَعَوْا للوصول لإدراك يوتوبي جديد مجرد من القسوة والمنافسة. لكن مدرسة فرانكفورت انقسمت على نفسها فيما يتعلق بالحركات الخاصة بستينيات القرن العشرين. كان أدورنو وهوركهايمر متشكِّكَيْن. فقد تشكَّكا في الثقافة المضادَّة والهجوم على التقليد، والعنف المتقطِّع ومعاداة الفكر، بالإضافة إلى حالة الارتياح التي كان من المفترض أن النشطاء الراديكاليين يقدِّمونها لأعداء الديمقراطية، وقد سَاوَيَا ما بين هذه الحركات الجماهيرية التي ظهرتْ في ستينيات القرن العشرين والحركات التي ظهرت في فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وربطا بين التفكير اليوتوبي والشمولية.

fig1
شكل ١: تأثر المفكرون الراديكاليون من بين حركات ستينيات القرن العشرين الطلابية تأثرًا عميقًا بالنظرية النقدية ومدرسة فرانكفورت.

في ذلك الوقت، بدا أن المقاومة الحقيقية تدعو إلى التركيز على اللحظة السلبية في التقليد النقدي. وقد ذكر أدورنو بوجه خاص أن الأمر لم يَعُد يقتصر على مجرد رفض ربط الحرية بأي نظام — أو جماعة — وإنما يمتدُّ إلى وضْع تصور ﻟ «اللاهوية» (وزيادة حِدَّة التوتر) بين الفرد والمجتمع. تلاشَى الانشغال بالمقاومة المنظمة والسياسات المؤسسية لصالح الوصول لشكل فلسفي جمالي للنقد أو — في حالة هوركهايمر — «التَّوْق للآخَر الكامل» شبه الديني. ظلت مدرسة فرانكفورت تستخدم المنهج الذي ورثتْه عن هيجل وماركس. وكان أكثر أعضائها المحافِظِين سياسيًّا لا يزالون يَرَوْن أن الذاتية واقعة في شَرَك ما تُقاوِمه: الشكل السلعي والثقافة الجماهيرية والمجتمع البيروقراطي. إلا أنهم أثاروا شكوكًا جديدة حول الادِّعاءات العالَمِية والأسس الفلسفية والمعتقدات الجامدة.

توقَّع «الجدل السلبي» كثيرًا من المخاوف المرتبطة بما بعدَ الحداثة وما بعدَ البنيوية إلى حد أن كِلَا المذهبين في الواقع غالبًا ما يُنظَر إليهما الآن على أنهما تعبير عن النظرية النقدية. غزت مناهجُ تفكيكيةٌ وما بعد بنيوية أشهرَ الدوريات وأهمَّ التخصصات، بدايةً من الأنثروبولوجيا والأفلام وحتى الدِّين واللغويات والعلوم والسياسة. وقد أنتجت رؤًى عميقة جديدة حول العِرْق والنوع وعالَم ما بعدَ الاستعمارية. لكنْ، في خضمِّ ذلك، فَقَدَتِ النظرية النقدية قُدْرتَها على تقديم نقدٍ متكامل للمجتمع، ووضع تصور لسياسات هادفة، وطرح مُثُلٍ جديدة للتحرُّر. كما حوَّل تفسيرُ النصوص والاهتمامات الثقافية والنزاعات الميتافيزيقية النظريةَ النقديةَ تدريجيًّا إلى ضحيةٍ لنجاحها؛ فكانت النتيجة أزمة هوية دائمة.

يجب أن يُلقِي منظِّرو النظرية النقدية نظرةً على الماضي ليتمكَّنوا من المُضِيِّ قُدُمًا. لقد أثْرَت مدرسة فرانكفورت فهمَنا للعائلة والكبْت الجنسي وعلم التربية والإبادة الجماعية والتسلية والتحليل الأدبي ومجموعة كبيرة من الموضوعات الأخرى. لكنَّ التقليد النقديَّ لديه كذلك ما يُخبِرنا به فيما يتعلق بالاختلالات في ميزان القوى في الاقتصاد والدولة والحيِّز العام والقانون والحياة العالمية. وحتى أكثر المفكرين انتقادًا لعصر التنوير يقدمون أسبابًا مُهمَّةً من أجل تقديم دفاع منطقي عنه، وينطبق الشيء نفسه على الليبرالية والاشتراكية، ولا يزال توضيح ظروف الاضطهاد، وفتح طرقٍ جديدة للمقاومة، وإعادة تشكيل مُثُلٍ محررة تمثِّل نطاق اهتمام النظرية النقدية. ثمة حاجة إلى وجهات نظر «سياسية» جديدة لإبراز إمكانيات التغيير المحدِثة للتحوُّل في مجتمع عالمي جديد. والمسألة الآن تتمثَّل في إخضاع الأشكال الثابتة للنظرية النقدية للمنهج النقدي، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه الأمر؛ فبهذه الطريقة فقط يمكن الإبقاء على الإخلاص للروح الأصلية للمشروع النقدي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠