الفصل الخامس

المعمل اليوتوبي

في عام ١٧٩٥، نشر فريدريش شيلر كتابه «رسائل عن التربية الجمالية للإنسان». كان الهدف من الكتاب هو الحفاظ على الوعود اليوتوبية التي دمَّرتْها الثورة الفرنسية في عهد الإرهاب ثم التحول إلى التيار المحافظ — أو انقلاب ترميدور — الذي أعقب إعدام روبسبير في عام ١٧٩٣. قدم شيلر الجماليات باعتبارها رد فعل يوتوبيًّا للواقع، يَصِف عمله الكلاسيكي عالمًا حياتيًّا جديدًا يحوِّل فيه دافعُ اللهو بخصائصه الحسية التي تعطي شكلًا للأشياء الوجودَ ويعيد تعريف طبيعة العمل والعلوم على نحو ضمني. يجسد العالم الجمالي «الحقيقة الداخلية» للإنسانية، ويبرز — بإلغائه فوارق المكانة والسلطة — أشكالًا جديدةً من التضامن والحرية والتعامل اللاأداتي مع الطبيعة. تتأصل اليوتوبيا في «الوهم الجميل» الذي يخلقه الفن، لكن هذا الوهم يعمل كذلك كمثل تنظيمي، إنه يشكل الواقع وفقًا لمعاييره وأغراضه التحررية؛ إنه يجسد الوعد بالسعادة الذي لم يَفِ به التاريخ.

كانت مدرسة فرانكفورت تسعى لترميم الأطلال والحطام والصور المنسية التي تشير لإمكانية تحقق هذا الوعد. ربما تكون ثورة البروليتاريا في زمن المدرسة قد تحولت إلى ثورة شمولية، وربما تكون الطليعة الجديدة قد فشلت في مهمتها التاريخية؛ إلا أن مشروع مدرسة فرانكفورت الإصلاحي استمر يحمل طابعًا ماركسيًّا. وكانت الظروف المادية الجديدة تُرى أنها مبرر لتحولها للجمال والميتافيزيقا. ودَعَتْ مواجهة المجتمع الخاضِع للإدارة الشمولية وهيمنة المنطق الأداتي لرفض المحاولات المعتادة لتوظيف الفن في الأغراض السياسية.

في ذلك الوقت، أشارت الرؤية النقدية للجمال إلى أن الهدف من الفن ليس تصوير أخطاء المجتمع على نحو واقعي، أو تقديم أفكار بديهية عن الكيفية التي ينبغي أن تكون عليها الأشياء، أو إرضاء الجماهير. يجب أن تُعيد النظرية النقدية تعريفَ المحاكاة، مع الوضع في الاعتبار تقنية المونتاج وتقنية تيار الوعي والتقنيات الأخرى التي تقدم أشكالًا جديدة — أوهامًا جديدةً — لاختبار الواقع وإثارة الآمال اليوتوبية لدى الجمهور. وربما تكون هذه الآمال في أقوى حالاتها حين تكون الظروف غير مواتية تمامًا لتحقيقها. وربما يوضح هذا المعنى الكامن وراء كلمات فالتر بنجامين الشهيرة في مقاله عن كافكا: «لم نُعطَ الأمل إلا من أجل اليائسين.»

ترقُّب اليوتوبيا

كان إرنست بلوخ يحب اقتباس الكلمات السابقة. لكنه كان يعتقد أن اليوتوبيا تتطلب أساسًا سياسيًّا وفلسفيًّا أكثر صلابة، وهو ما سعى إلى تقديمه بانشغاله على مدار حياته ﺑ «حلم الحياة الفُضْلَى»، وقد أدَّت محاولات تحديد هذا الأساس إلى وضعه أطروحات عن كلِّ شيء، بدءًا من إعادة التجسد إلى الخيمياء. لكنه قدَّم كذلك أساسًا ماديًّا لليوتوبيا في الانتفاضات الفاشلة والتجارب المنسية والأفكار غير المُدرَكة التي تشكل التاريخ السفلي للثورة. كل هذه الكتابات قدمت لمحاتٍ عن عالَم مبنيٍّ على المساواة والعدالة والحرية. وهكذا أحيَتْ كتابات بلوخ فكرة قديمة قِدَمَ الإنسانية نفسها. ويكمل الطابع غير المكتمل والحر والمترابط لهذه الكتابات إلمامها الكلاسيكي وأسلوبها الأدبي التعبيري ورؤاها المُنذِرة بالنهاية. وتمتزج الفانتازيا التوقعية فيها باستخدام نقدي للذاكرة، وتُستَقَى دوافع التحرر السياسي من مجالس العمال التي كانت موجودة في وقته، ورجوعًا بالزمان إلى بلدات أوروبا الحرة، ولاهوت الثوريين البروتستانتيين المنسيين مثل توماس مونتسر، وأصول الحق الطبيعي والنصوص المقدسة للأديان الأكثر اختلافًا.

مما لا يمكن إنكاره أن مزاعم بلوخ كانت في الغالب صحيحةً أكثر من كونها قابلةً للنقاش، وفي بعض الأحيان كانت معاييره التفسيرية غامضة، وكثيرًا ما كان يزيل الفواصل بين عالَمَيِ الفانتازيا والمنطق. إلا أن رغبته كانت تتمثل في إضفاء المادية على اليوتوبيا. فالحياة المُثلَى تُكافِح كل لحظة مغتربة حاليًّا من لحظات الكل. وتبرز وحدة بين الذات والموضوع تحول العالم إلى تجربة لأكثر ممارسات الفردية تنوعًا، ويتبلور الغرض المحرك لهذا المجهود الضخم في السطور الختامية من عمل بلوخ «مبدأ الأمل» المكون من ثلاثة أجزاء:

… لا يزال الإنسان يعيش في مرحلة ما قبل التاريخ. في الواقع، كل شيء لا يزال في مرحلة ما قبل خلق العالم؛ العالم الحقيقي. إن الخلق الحقيقي ليس ذاك الذي يكون حين البدء، وإنما الذي يكون في النهاية، وهو لا يشرع في البدء إلا حين يُدرِك المجتمعُ والوجودُ أصولَهما. لكن أصل التاريخ هو الإنسان العامل المبتكر الذي يُعيد تشكيل المعطيات ويُعدِّلها، وما إنْ يَعِ حقيقة ذاته ويُعِدْ ترسيخ ما له — دون مصادرة أو اغتراب — في إطار ديمقراطي حقيقي؛ حتى يَبزُغ هنالك في العالم شيء يتألَّق في طفولة كل شيء، وهو الذي لم يوجد أحد فيه بعدُ؛ إنه الوطن.

وقد التزم إرنست بلوخ نسخةً شبيهةً من تلك الرؤية على مدار حياته الطويلة. يقدم كتابه «الذات والموضوع» (١٩٤٩)، والخاتمة الشهيرة لكتاب «روح اليوتوبيا» (١٩١٨) التي حملت عنوان «كارل ماركس والموت ونهاية العالم» تقريبًا هذه الرؤية نفسها. أصبح بلوخ — الذي كان يمثل الدعامة الأساسية للطليعة الألمانية، وماركسيًّا متمردًا أيَّدَ الستالينية في نهاية الأمر في ثلاثينيات القرن العشرين — أستاذًا في جامعة لايبزيج بعد الحرب العالمية الثانية، وهاجر إلى الغرب بعد تشييد سور برلين في عام ١٩٦١، ودرَّس في جامعة توبنجن حتى وفاته. وفي سنوات ما قبل الحرب العالمية الأولى، كان هو ولوكاتش صديقين مقربين، وقد اعتَنَقَا الماركسية معًا، وأعمالهما كانت تعكس الطموحات والآمال المقترنة بالسنوات البطولية من الثورة الروسية، وكانا دائمًا معًا في المقاهي والفعاليات الفكرية، حتى إن عناصر منهما مُزِجَت في شخصية نابثا — الشخصية السلطوية المتعصِّبة ذات الصفات اليسوعية — في رواية «الجبل السحري» الرائعة لتوماس مان التي صدرت في فترة ما قبل الحرب. واختلف الصديقان حول مسائل جمالية وفلسفية متعددة في أواخر عشرينيات القرن العشرين، ومع ذلك، لم يَظهَر ذلك الشقاق في العلاقة بين الصديقين إلى العَلَن إلا خلال ثلاثينيات القرن العشرين في حوار حول الدلالات السياسية للأدب الذي أصبح معروفًا ﺑ «مناظرة التعبيرية».

تصالح لوكاتش مع الكومنترن عقب إدانتها لكتابه «التاريخ والوعي الطبقي» في عام ١٩٢٤. وقد عزم على البقاء داخل المنظمة، والتزم بهذا القرار، وأصبح تفكيره أكثر تزمُّتًا وعقائديةً، غير أنه — بغض النظر عن النتيجة — أصبح أكثر اهتمامًا بربط الإرث الثوري للبرجوازية بالشيوعية. وقد عمل هذا بالتأكيد كحافزٍ له لبدء ما أصبح بلا شك أهم مناظرة أدبية خلال فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.

انتقد لوكاتش — مردِّدًا صدى الدعوة المتنامية لتكوين جبهة شعبية مناهضة للفاشية، ومحاولًا فهم الجذور الثقافية للنازية — الحداثة الأوروبية بوجه عام والتعبيرية الألمانية بوجه خاص؛ بسبب ما يتَّسِمان به من لاعقلانية وذاتية ويوتوبية. وتزعم مقالات مثل «عظمة التعبيرية وانحدارها» (١٩٣٤) و«الواقعية في الميزان» (١٩٣٨) أن الاتجاهات الطليعية الحديثة ساعَدَتْ في خلق الأجواء الثقافية التي يمكن للفاشية أن تنشأ في كَنَفها. وكان البديل الذي قدمه لوكاتش شكلًا من «الواقعية النقدية»، والذي ربما يتمثل أفضل ما يتمثل في أعمال أونوريه دي بلزاك وليو تولستوي وتوماس مان.

في مقال «مناقشة التعبيرية» (١٩٣٨) ومقالات أخرى، اختلف بلوخ مع منطق لوكاتش في التفكير؛ إذ اعترض على حصر الأدب في تناول القضايا السياسة، وأكد على الطابع الإنساني للفكرة التعبيرية، ووجَّه سهام النقد للاتجاه المعادي للثقافة الذي كان جزءًا أساسيًّا من النظرة العالمية للفاشية. وقد دافع بلوخ عن التعبيرية لحسها اليوتوبي ورؤيتها للإنسان الجديد. لم يتنكَّر بلوخ لكتاباته القديمة، وعلى النقيض من لوكاتش — الذي زعم يومًا أن أسوأ أشكال الاشتراكية أفضل من أفضل أشكال الرأسمالية — طالما أكَّد بلوخ أن أسوأ أشكال الاشتراكية لا يمتُّ للاشتراكية بِصلة، فالاشتراكية ينبغي أن تضع تصورًا سابقًا للحياة المُثلى إن كان لها أن تثبت استحقاقها لاسمها. ولا يمكن أن تظل اليوتوبيا الأرضَ التي أطلق عليها صامويل بتلر «إيرووِن»؛ والتي تعني إذا قرأنا هجاءها الإنجليزي بالعكس اللامكان.

كان بلوخ يفهم الاشتراكية على أنها تمثيل لليوتوبيا، وينبغي لها أن تعمل ككل مُعادٍ تشكيله يوفر طرقًا جديدةً للتعامل مع الإنسانية والطبيعة، علاوة على تقديم فرصٍ جديدة لاختبار ثراء الحضارة، كانت رؤيته خاصة بنهاية العالم، إلا أنه لم يكن من الممكن اختزالها في عقيدة أو رموز. يمكن العثور على التطلعات اليوتوبية في معظم التجارب والصور الإنسانية الأساسية التي تعود بالذاكرة إلى جنة عدن، لكن أفضلها يتجلَّى كذلك في الحماس الرياضي والرغبة في الحب وأغاني الأطفال وأحلام اليقظة والصفاء الذي يُستَشعَر في عمل فني أصيل. كلٌّ من هذه الأشياء تصور ضبابي للعالم الذي نبحث عنه، وما تاريخ الإنسانية سوى كفاح طويل في أبعاد الحياة المتعددة لإبراز هذا العالم وإدراكه.

fig6
شكل ٥-١: ربما كانتْ جنة عَدْن أقوى صور اليوتوبيا على الإطلاق.

إن إحباطاتنا ومخاوفنا — بما فيها الخوف من الموت — ترتكز على الأمل في الخلاص والحرية الذي حُرِمت منه البشرية. تَحظَى اليوتوبيا بأساس أنطولوجي في تجربة الأمل والطابع غير الكامل المتأصل الذي يتسم به الوجود، وتتمثل مهمة التفكير النقدي في إلقاء الضوء على هذه التطلعات غير الواعية ونصف الواعية من خلال التركيز على «الوعي الاستباقي» الذي يتيح إعادة تفسير الماضي، على سبيل المثال، يؤكد كتاب بلوخ «الإلحاد في المسيحية» (١٩٦٨) على الجذور الدينية للشيوعية؛ وهو الذي كان له أن يؤثر على لاهوت التحرير الذي أصبح شائعًا للغاية في أمريكا اللاتينية وأماكن أخرى من العالم المُستَعمَر سابقًا. وفي الوقت ذاته، يُصر عمل بلوخ «القانون الطبيعي والكرامة الإنسانية» (١٩٦١) على أن الأمل في المعاملة العادلة وتقييد السلطة المؤسسية التعسفية طالما حرَّك مساعيَ البؤساء والمُهانين.

إن اليوتوبيا تجعلنا ندرك أن ما لدينا ليس بالضرورة هو ما نريده، وما نريده ليس بالضرورة كلَّ ما نستطيع الحصول عليه، وفقًا لبلوخ، يصبح الفكر التنويري قابلًا للنقد طالما يختزل العقلانية في الواقع، ويظل عاميًا عن العناصر اليوتوبية غير المتحققة الكامنة في السحر والجنون وخيالات الطفولة وما شابَه، ويمكن إثبات أنه أضفى طابعًا رومانسيًّا على هذه الحالات العقلية، وبالَغَ في التماهي مع هؤلاء الذين أثنَوْا عليها، وغالَى في تقدير أهميتهم بالنسبة إلى الفلسفة اليوتوبية. إلا أن اللحظة النقدية لفكر بلوخ هي محاولة — تتوافق تمامًا مع تقليد النظرية النقدية — لتسليط الضوء على «عقلانية اللاعقلانية». ولا ترجع أهمية هذا الأمر لمساعدته في فهم السحر والتصوف، وإنما لفهم «اليوتوبيات الزائفة» التي تنطوي عليها العرقية والأيديولوجيات الأخرى التي تفضل كلَّ ما هو حدسي ولا عقلاني.

لطالما زعم بلوخ أن المستقبل ليس صورة معقدة ميكانيكية من الحاضر. فهو لا ينبثق من سلسلة من الخطوات أو المراحل التي تؤدي إلى المستقبل من خلال طمس الماضي، لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي لليوتوبيا أن تعتبر انفصالًا فجائيًّا عن الواقع. وإنما — بالأسلوب الجدلي — تشكل اليوتوبيا علاجًا نوعيًّا وتجديدًا للماضي الذي يؤدي إلى إدراك الموجودات التي لم تُدرَك بعدُ. وهكذا تصبح كل قصة قابلة للتأويل، ويكون التأويل متاحًا لإعادة التأويل. إن الوجود غير مكتمل دائمًا؛ فنهايته دائمًا ليست باديةً للعيان «بَعدُ». لا يوجد خلاص أو عتق مطلق، وليس هناك يوم للدينونة، والحلم بالحياة المثلى يتألق دائمًا مجددًا حين تتأمل البشرية ما كانت تتجاهله من قبل.

إن القِطَع الأثرية من كل أنحاء الأرض والكنوز التي لم تكن مكتشَفة قبل ذلك تُظهر بوضوح الحلم غير المكتمل بحياة مُثلى، ويتنقل تأمل بلوخ من زرادشت وكونفوشيوس إلى القصص الأسطورية عن شخصية شهرزاد الخيالية ونبوءات نوستراداموس في القرن السادس عشر إلى الرومانسية والماركسية والحداثة، وتتجسد المفاهيم المختلفة للزمن والموت والطيبة وأكثر المشاعر اختلافًا فيما يطلق عليه بلوخ «المعمل اليوتوبي» الذي يَعُدُّ التسامح والعقلية الأممية أمرين جوهرييْن لعمله. لكن المؤسف والمثير للسخرية أكثر من أي شيء أن بلوخ دافع عن المحاكمات الصورية التي خطط لها جوزيف ستالين في مقال سيِّئ السمعة نُشِر عام ١٩٣٨ بعنوان «يوبيل المنشقين». لم ينتج أي مفكر آخَر أبدًا تصورًا يوتوبيًّا بمثل هذا الثراء والتنوع والجِدة وتنوع الاحتمالات، ففيه أمل بتحويل كل لحظة من لحظات الكل، لكن الكل أكبر من مجموع أجزائه، ومحاولات إدراك الإمكانية التوقعية لأحد العناصر ستؤثر حتمًا على عنصر آخر، وتعجز ما يطلق عليه بلوخ «التجربة العالمية» أن تُستوفى بالكامل؛ فاليوتوبيا يجب أن تبقَى يوتوبية للأبد.

إحلال السلام على الوجود

أيَّد هربرت ماركوزه هذا الفكر، لكن الطريقة التي تناول بها اليوتوبيا كانت مختلفةً اختلافًا بالغًا. ويمثل كتابه «الجنس والحضارة» (١٩٥٥) محاولةً للتعبير عن الرغبات والآمال والخيالات المحررة للإنسانية المقموعة منذ زمن سحيق. أوْلَى ماركوزه اهتمامًا بشيلر منذ بدايات حياته الفكرية، وقد تبنَّى الشباب الراديكاليون من جيله أفكار شيلر بدرجة تفوق كثيرًا أفكار جوته وباقي مفكري جمهورية فايمار في القرن الثامن عشر. بعد معسكر أوشفيتز والجولاج، واحتمال الفناء بقنبلة نووية في حرب باردة جديدة، رأى ماركوزه ضرورةَ وجود نقطة أفضلية جديدة قد ينطلق منها النقد، وقد وفَّر كلٌّ من الوهم الجميل ودافع اللهو وفكرة السعادة المستدامة الأساسَ المناسب لانفصال أنثروبولوجي عن مبدأ الواقع ونسخته الرأسمالية مبدأ الأداء.

وقد ربط فرويد هذه المصطلحات والإشباع المتأخر للمتعة وقمع الرغبات الجنسية الغريزية العالِقة في اللاوعي، كل ذلك يعتبر ضروريًّا لكي نبقى على قيد الحياة في عالم تسوده الندرة. ومع ذلك، أشار ماركوزه إلى أن استمرار هذا العالم الحديث الذي تسوده الندرة كان مفتعَلًا. فقد فَرَضَت بنية المجتمع الصناعي المتقدم نوعًا من «القمع المفرط» لضمان استمراره.

لقد أدَّت الإمبريالية والتسلط العسكري والاستغلال الاقتصادي ونظام العائلة الأبوي والعقائدية الدينية والاحتياجات الزائفة التي ولَّدتْها النزعة الاستهلاكية إلى لا عقلانية هذا العالم. لا شيء يحافظ على الارتباط بقِيَمه ومؤسساته إلا شعور بدائي بالذنب. يُقْصَد العقابُ ويُوظَّف لقمع الرغبة في التحرر والأفكارُ التقليدية لتمرد الأبناء على التوزيع غير العادل للعمل والشعور بالرضا الذي يفرضه الأب البدائي. إن محو تلك التمردات والأحلام الغامضة بالتحرر واجبٌ؛ إذ إنها أبشع من أن تُذكَر، ويكتنفها الضباب. وهكذا يفقد الأفراد — الذين أفقدتْهم صناعة الثقافة حيويتهم، وحُرموا من البدائل، وافتقروا إلى التأمل، وسقطوا في دوامةِ وجودٍ سريع الإيقاع إلا أنه في النهاية يفتقر إلى المعنى — السيطرةَ على تاريخهم.

ما دام القمع يعزِّز السخطَ والعنف اللاعقلانيين، فلن يركز النشاط الاجتماعي والسياسي على التحرر أكثر من تركيزه على التدمير، إلا أن هذا لن يزيد شيئًا سوى اشتداد الميل إلى اليوتوبيا وتعاظم الشعور بالذنب، وما يترتب على ذلك من حاجة إلى عقوبات جديدة تقوم على طرق أكثر استغلاليةً وغير ضرورية لتأجيل الإشباع؛ لذا، يعتمد التقدم المادي على القمع النفسي. ومع عجز الأفراد الذين يعيشون في المجتمع الصناعي المتقدم عن التعامل مع شعورهم بالذنب، فإنهم يداومون على إعادة إنتاج القِيَم القمعية التي ينطوي عليها مبدأ الأداء.

أما اليوتوبيا، فهي إنكار لكلِّ ذلك. إنها تقدم أشكالًا متسامية من النشاط الإبداعي الذي يربط بين الذات والموضوع ويحرر الرغبة الجنسية من كل قيد، وفي اليوتوبيا، يعاد تشكيل البشرية نفسيًّا؛ وهناك، يُقضَى على الندرة، ويتوقف الأفراد عن رؤية بعضهم بعضًا من منظور أداتي. ويتقدم الناس على الأرباح، ويُصبِح العمل لهوًا، ويتشكل إدراك جديد يكبته بيولوجيًّا على الأغلب القسوةُ والاستغلالُ والعنفُ، وهذا ليس كل شيء؛ فالوقت هناك لن يُدرَك على المستوى الخطِّي وإنما — وفقًا للطبيعة — يُدرَك بصفته عملية دورية داخلية شبيهة بما أطلق عليه نيتشه «التكرار الأبدي»، وهكذا، تصبح السعادة المستدامة أخيرًا احتمالًا تخمينيًّا ينطوي عليه فكرة أن الموت ليس امتدادًا للحياة. وقد بات «مقال عن التحرر» أداة ماركوزه لتصوير الوجود اليوتوبي، الذي في إطاره:

تميل التقنيات لأن تصير فنًّا، ويَمِيل الفن لتشكيل الواقع؛ حيث سيُبطَل التعارض بين الخيال والعقل، والقدرات العليا والدنيا، والفكر الشعري والعلمي. وسيبزغ مبدأ واقع جديد يندمج في كَنفه إدراك جديد وذكاء علمي غير سامٍ لخلق عقلية جمالية.

تعرَّض عمل «الجنس والحضارة» بوجه خاص لوابل من الانتقادات، لكنه يبقى عملًا تخيليًّا بارعًا. فقد حوَّل رؤية فرويد الشديدة التشاؤم في كتابه «الحضارة وسخطها» (١٩٣٠) وتأملاته النفسية الأخرى إلى أساسٍ تقوم عليه رؤية يوتوبية راديكالية. ويقدم ماركوزه — الداعم للرغبة في إعادة تنظيم الغرائز والحريص على تحدِّي الاغتراب بأكثر الطرق إثارةً — وجهةَ نظر مُحررة مضادة للانحراف السادي للطبيعة الإنسانية في عالم معتقلات التعذيب، وهو يُصِرُّ على أنه وحدَه «إحلال السلام على الوجود» — ذلك الشعور المستدام بالسعادة دون خوف من الموت — يمكنه أن يؤدي لانتصار الغريزة على الموت. إن اليوتوبيا هي نقطة الانطلاق الصالحة الوحيدة لمجابهة عالمٍ التقدمُ فيه — في واقع الأمر — ليس سوى مرادف للهمجية.

نُشِر كتاب «الجنس والحضارة» لماركوزه في وقتٍ كان جان بول سارتر والوجوديون في فرنسا وجونتر جراس و«جماعة ٤٧» في ألمانيا وجيل البيتس في الولايات المتحدة يهيمنون على الحياة الفكرية. إلا أن ماركوزه قدم شيئًا مختلفًا. فقد حاربتْ رؤيته تشاؤمَهم، ثم — لاحقًا — تحدَّتِ الشبابَ لتوسيع مداركهم وتبنِّي مثالية أخلاقية من نوع جديد. لم يكن ماركوزه أحمقَ؛ فقد علم أن اليوتوبيا التي يروِّج لها كانت تعتمد على تناقض يحول دون تحققها: فالأفراد الأحرار بالفعل هم مَن يَستَطِيعون وحدَهم بناء مجتمع حر، وكان كذلك يدرك أن رؤيته كانت تخيُّلية بطبيعتها؛ ولهذا السبب بالتحديد كانت نقديةً. إلا أن بعضهم اعتقد أن أفكاره شكَّلت تهديدًا للأسس العقلانية للنظرية النقدية.

ويشن مقال «التكنولوجيا والعلوم باعتبارهما «أيديولوجية»» (١٩٦٨) ليورجن هابرماس هجومًا مدمرًا على ماركوزه ويقدم وجهة نظر مختلفة للغاية، يزعم المقال أن التكنولوجيا لها بنية أنطولوجية، وأن الحديث عن علم جديد أمر غير مشروع دون تحديد معايير للتحقق من ادعاءات الصحة. ومع ذلك، كانت حجة مضادة لتشير إلى أن مثل هذه الانتقادات ظاهرية وليست جوهرية. فهي لا تتحدث عن صلب الموضوع. فالقضية الحقيقية هي إن كان كتاب «الجنس والحضارة» يقدم معيارًا مثاليًّا مناسبًا لإدانة الواقع، أو — بصراحة أكبر — إلى أي مدًى تبلغ اليوتوبية الأصيلة لرؤية الكتاب، وإلى أي مدًى تبلغ راديكالية مضامينه؟

ويقدم إريك فروم نقده لماركوزه وهو لا يحمل في جعبته سوى هذين السؤالين. وتَظهَر حججه في مقالات متنوعة مجمَّعة في كتابيه «أزمة التحليل النفسي» (١٩٧٠) و«مراجعة التحليل النفسي» (١٩٩٢). وقد شكَّك فروم بالفعل في ادِّعاءات فرويد النفسية التأملية ونظرية الغريزة خاصته خلال ثلاثينيات القرن العشرين، مسلطًا الضوء على الدور المهم الذي تلعبه الظروف الاجتماعية في تشكيل الشخصية، وقد أقصاه ذلك عن الحلقة الداخلية لمعهد البحث الاجتماعي وأدَّى إلى انفصاله الرسمي عنه في عام ١٩٣٩، ومن وجهة نظر فروم، فأيُّ أساس فلسفي لعلم النفس — أو علم النفس التأملي — لا يكون مفيدًا إلا إذا كان مرتبطًا بممارسة إكلينيكية. ودون ربط علم النفس التأملي هذا بالتجارب الواقعية لأفراد واقعيين، فإنه بذلك يكون معتمدًا بالضرورة على تلاعب تعسفي بالمفاهيم ومتجاهلًا للمشكلات المرتبطة بتخفيف المعاناة الشخصية، ويشير فروم إلى أخطاء فنية متنوعة وقع فيها ماركوزه.

على سبيل المثال، عرَّف فرويد الانحرافَ الجنسي المتعدد الأشكال فيما يتعلق بالشهوة الجنسية في مُقتَبَل البلوغ؛ ومن ثَم فإن المَيْل الذي يُفتَرَض أن يكون يوتوبيًّا لإشباع هذه الشهوة (كما يزعم ماركوزه) يستند في الواقع إلى خيالات طفولية. وهكذا يرى فروم أن كتاب «الجنس والحضارة» يُصدر مفهومًا لليوتوبيا يعمل في الواقع كغطاء للانتكاس وطمس الأنا. وحتى إن لم يكن الأمر كذلك، فلا يزال ينبغي للنظرية النقدية أن تؤكد على أفضلية المحاولات العلاجية لدعم نضج واستقلال وعقلانية الأفراد في المجتمع الرأسمالي، وأي موقف آخَر، مهما كانت مزاعمه اليوتوبية، يفصل النظرية عن التطبيق والمزاعم التأملية عن التحقق التجريبي؛ فإنه يخون الرؤية الأصلية والطابع العقلاني للمشروع النقدي.

أخذ الزملاء السابقون لفروم في الحلقة الداخلية لمدرسة فرانكفورت كلَّ هذا على محمل بالِغ الجدية. فقد كانوا يعتقدون أن هجوم فروم على علم النفس التأملي كان يشكل مراجعة لإرث فرويد الراديكالي، وهكذا فإنه يهدِّد بإبطال مشروعية الاشتراك في نوعية النقد الأنثروبولوجي للحضارة التي كانت مصدر كتاب «جدل التنوير». وقد عرض تيودور في أدورنو رُؤَى فروم لنقد عنيف في بحثه «العلوم الاجتماعية والاتجاهات السوسيولوجية في التحليل النفسي» (١٩٤٦). كذلك شنَّ ماركوزه هجومًا مضادًّا من خلال نقد «المراجعة» التي تمَّت لرؤى فرويد، وقد ظهر لأول مرة على صفحات كتابه «انشقاق» (١٩٥٦) وظهر أخيرًا كملحق في كتابه «الجنس والحضارة»، وهو يحتوي على موضوعات كثيرة تتحدث عن طبيعة النظرية النقدية والمنحَى الذي ينبغي أن تسلكه.

إذا كان فروم على حق، فإن النظرية النقدية يجب أن تَرَى نفسَها مرة أخرى كنظرية تطبيق، على أن يكون ذلك بطرق جديدة وفي ظل أوضاع جديدة؛ إذ ينبغي أن تقدم أفكارًا عملية للتعامل مع الاستغلال والقمع، وأن تعتمد اعتمادًا أقوى على التقاليد الأخلاقية المرتبطة بالإنسانية والتنوير. لكن يؤكد تبنِّي علم النفس التأملي أنطولوجيا الأوضاع الخاطئة. هنا، يمكن للجدل السلبي ورؤى الانفصال الأنثروبولوجي وحدهما الحفاظ على احتمالية المقاومة والفكرة الراديكالية للحرية. إن النظرية تتفوق على التطبيق. فيصبح تفضيل العلاج الإكلينيكي لتحسين الأزمة النفسية لدى الأفراد شكلًا من أشكال المساومة مع الوضع الراهن والتأقلم مع القمع. ويعبر أدورنو عن هذه المسألة بأسلوب مذهل في كتابه «الحد الأدنى للأخلاق» قائلًا: «لا يمكن أن تحيا حياةً خاطئةً بأسلوب صحيح.» ولكن من الممكن أيضًا أن تكون الحياة الخاطئة خاطئة بدرجات متفاوتة، وبالتالي يمكن أن تُعاش على نحو صحيح بدرجات متفاوتة أيضًا.

ما الشيء المفقود؟

قدمت مدرسة فرانكفورت رؤًى للحياة المثلى مختلفة للغاية عن تلك التي قدمها توماس مور في عمله «يوتوبيا» (١٥١٦) والرواية الأمريكية التي حققت أعلى مبيعات «نظرة إلى الماضي» (١٨٨٧) لإدوارد بيلامي، وقد ضمت كلاسيكيات الأدب اليوتوبي هذه افتراضات تقليدية عن العالم سَعَتْ لمحاربتها مثل العبودية أو التقدم التكنولوجي. أما تلك الأعمال التي تصور انفصالًا أنثروبولوجيًّا أو حتى راديكاليًّا أصيلًا عن مبدأ الواقع، فهي نادرة، وفي الواقع، تشكِّل المخاطر التي تنطوي عليها تلك الفكرة موضوعًا جوهريًّا في الأعمال اللايوتوبية مثل «نحن» (١٩٢١) ليفجيني زامياتين، أو «عالم جديد رائع» (١٩٣٢) لألدوس هكسلي، أو «مزرعة الحيوانات» (١٩٤٥) و«١٩٨٤» (١٩٤٩) لجورج أورويل، كلٌّ منها ينقد الشمولية الشيوعية والتقدم التكنولوجي نقدًا لاذعًا. هذا علاوة على أنها تحذِّر من الإباحية الأخلاقية ورؤية السعادة المستدامة. إن اليوتوبيا — أو لِنَقُل حلم إدراكها — تُعامَل على أنها مخدِّر مغرٍ تصاحبه مجموعة خاصة من الأعراض الجانبية الخطيرة.

ربما يكون هذا ما ينبغي لها أن تكون عليه، فمحاولات تحويل اليوتوبيا إلى واقع أتتْ بنتائج دموية قبل وقت طويل من دخول الشيوعية والفاشية إلى المشهد التاريخي. وفكرة الخلاص البشري بنهاية العالم ترفض المساومة. ولطالما كانت اليوتوبيا محمَّلة بادعاء التفوق الأخلاقي المولود من رحم النبوة، بالإضافة في الغالب إلى الاحتفاء بالعنف، فقد كان اليوتوبيون — في الغالب — يبررون الوسائل البشعة التي وظَّفوها للوصول إلى الغايات التحريرية التي يُفتَرَض أنها قد أُتِيحت لهم؛ لذا، ثمة سبب كافٍ للسخرية من اليوتوبيا باعتبارها لا عقلانية ومجردة، مبهمة وغير محددة وغير مدركة للطبيعة البشرية.

إلا أن الحلم بالحياة المثلى يمثل موضوعًا دائمًا من الموضوعات الخاصة بالبشرية. قد تكون اليوتوبيا أقل المفاهيم تقديرًا في المعجم الفلسفي، لكن لها أهمية تطبيقية استثنائية. فلكل أيديولوجية جماهيرية عنصر يوتوبي، والحركات العظيمة لم تُلهَم أبدًا والعوائق لم تُقَم لأسباب برجماتية صِرْفة، وقد كتب بلوخ يقول: «المرء لا يَحيَا بالخبز وحدَه، ولا سيما حين لا يَمْلك ثمنَه!» كما أن لليوتوبيا عنصرًا وجوديًّا؛ إذ إنها النموذج المثالي الذي أثبت عددٌ لا حصر له من الأفراد أنهم على استعداد للموت في سبيله.

ينبغي للمنظِّرين أن يَبقَوْا حَذِرين من تصوير اليوتوبيا تصويرًا واقعيًّا مبالَغًا فيه، إلا أنه ثمة دائمًا مساحة لرسم مخطط لها يمكن التعديل فيه وإعادة رسمه من جديد. يقدم المخطط خطوطًا عامة لما ستظل دائمًا لوحةً غير مكتملة. إن اليوتوبيا في النهاية نموذج مثالي تنظيمي: فهي تمدنا بفكرة عن قلة ما حققتْه الحضارة، وتقدم لنا بعض التوقعات عمَّا قد يتحقق في المستقبل. لقد أَلهمَتِ اليوتوبيا ثورات، لكنها كذلك أَلهَمَتْ جهودَ الإصلاح العسيرة والمُمِلَّة والخطيرة في بعض الأحيان، حتى المحاولات العلاجية لتحسين حياة الأفراد مرجعيتها أفكار ومُثُل تتعلق بالكيفية التي ينبغي أن تُعاش بها الحياة، ولا تحتاج اليوتوبيا إلى أن تُعمِيَ أعين السياسيين عن الواقع الاجتماعي والقيود الأخلاقية.

يستطيع المخطط توضيح المشكلات المتعددة الأوجه المتعلقة بتوفير الحياة المثلى. هذا علاوةً على أن بإمكانه إظهار كيف أن البشرية ما زالت عملًا لم يكتمل بعدُ، ولم تكن اليوتوبيا تعني يومًا إلغاء الفرد؛ فمِن الأفضل أن نرى أنها تفضل «التعدد في الوحدة» وتدعم شكلًا أكثر ثراءً وتعقيدًا من الفردية.

لا يمكن للحياة المُثلى أن تُختَصَر في صور، وتُحدَّد في رسومات، وتُختَزَل في معايير وتصنيفات فلسفية. وهنا تكمن قوتها. تكشف اليوتوبيا كيف أن الواقع يقع تحت تأثير ما يُطلِق عليه تي في أدورنو «تعويذة شريرة»؛ ذلك الصنم المحيط بالإشباع الفوري الذي يفتُّ في عضد الخيال النقدي، ربما تكمن اليوتوبيا فقط في تلك اللحظة التي يكون المرء فيها مستلقِيًا على ظهره على العشب شاخصًا ببصره إلى السماء، متحررًا من أية رغبة وضغط، شأنه في ذلك شأن الثور الصغير فرديناند — بطل إحدى سلاسل كتب الأطفال — أو في تلك اللحظة الخاطفة التي تمضي ما إن نعيشها، لكن هذا يعني أن اليوتوبيا لا تعتمد على ميل لشيء واحد، أو التطلع لرغبة واحدة، ولا حتى الميل إلى الخلاعة أو الرغبة في سعادة مستدامة ومعنًى نهائي. تمثلت الفكرة الهدَّامة في مسرحية بريشت اليوتوبية «ماهوجني» (١٩٢٩) في أن «ثمة شيئًا مفقودًا»؛ لكنْ حقًّا، هناك دائمًا شيء مفقود.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠