الفصل الثامن

من الاعتزال إلى التجديد

كان المقصد الأصلي من النظرية النقدية أن تكون بديلًا عن الأشكال السائدة من كلٍّ من الميتافيزيقا والمادية. وكان هدفها إلقاء الضوء على مصادر القمع الخفية واحتمالات إحداث التحول المهملة. مع ذلك، وعقب اندلاع الحرب العالمية الثانية، خَلصَت مدرسة فرانكفورت إلى أن البدائل التي ستحقق التحرر قد تلاشت، لقد استيقظت النظرية النقدية في الليل الهيجلي «الذي تبدو فيه كل الأبقار سوداء.» اتخذت المقاومة شكلًا متزايد الوجودية، وقد صارت تعتمد آنذاك على تكثيف اللاهوية بين الفرد والمجتمع، وصار «النظام» النقطةَ المرجعية، وقد واجه النفي أنطولوجيا الأوضاع الخاطئة، وحاربت لمحات عن اليوتوبيا الحضارة. كتب بريشت ذات مرة يقول: «إنه يريد كل شيء أو لا شيء، وفي إطار الرد على هذا التحدي، دائمًا ما يجيب العالم بقوله: إذن، فاللاشيء أفضل.»

نظرية نقدية للمجتمع

حققت مدرسة فرانكفورت شهرتها في البداية في الولايات المتحدة، حيث كانت تروق لما أطلق عليه مارتن جاي — أول مؤرخ لهذه النظرية — «جيل عام ١٩٦٨» في ثمانينيات القرن العشرين، كانت النظرية النقدية لا تزال تُعتَبَر غريبة الأطوار في الحلقات الأكاديمية التقليدية، وشاذةً نوعًا ما حتى بين المفكِّرين التقدميين. لكن، مع انهيار اليسار الجديد، أصبحت مدرسة فرانكفورت مدرسة فكرية مهمة. وشرعت الدراسات القانونية والعرقية والدراسات الجنسانية النقدية في تقصِّي الأنماط والافتراضات السائدة، مع ذلك، ومع ظهور جماعات تابعة من ظلال الحياة العامة، بدأ الهجوم الشامل على نظام الهيمنة المتكامل في التآكل. وظهر تأكيد جديد على مكافحة السرديات الكبرى والقواعد الراسخة للتقليد الغربي، بل دخلت الثقافة الشعبية إلى ذلك المزيج، فبدأت النظرية النقدية للمجتمع — أو تماسكها — تتقوض. وبدأ غرضها المحدِث للتحول يتخذ أشكالًا متزايدة التعسف.

لم يتم تقديم اقتراحات جديدة فيما يتعلق بالاستغلال الإمبريالي والتناقضات الاقتصادية والدولة ووسائل الإعلام وطبيعة المقاومة في المجتمع الحديث. إن النفي يفسد النظرية النقدية. فوَرَثة هيجل وماركس المفكرين الآن يفتقرون إلى فهم السلطة؛ ومن ثَم، يفتقرون إلى القدرة على مواجهة اختلال ميزان القوة. توجد الوسائل العلاجية لذلك في بعضٍ من كتابات مدرسة فرانكفورت المُهمَلَة.

تقدم مقالات مثل «رأسمالية الدولة» (١٩٤١) لفريدريش بولوك نقطة انطلاق جيدة في هذا الإطار. فتحليله للاقتصاد الموجَّه يُجبِرنا على تأمل إن كان الحديث عن سوق حرة غير ملائم وإن كانت المفاهيم القديمة المتعلقة بالتأميم مناسبةً للاشتراكية، ويحذر مقال «الظروف المقيدة والانطلاقات الثورية» (١٩٦٥) لأوتو كيرشهايمر من ميول الدولة الحديثة إلى جعل السلطات الطارئة مسألة «عادية». أما مقالات مثل «تاريخ فكرة التغيير الاجتماعي» و«نظريات التغيير الاجتماعي» لهربرت ماركوزه وفرانس نويمان اللذين نُشِرا بعد وفاتهما، فتتحدَّث عن الافتراضات السابقة التي يجب أن تواجهها أي نظرية نقدية حقيقية للمجتمع.

دائمًا ما تتعامل الفروع الفلسفية والأدبية المعاصرة للنظرية النقدية مع السلطة باعتبارها بناءً اجتماعيًّا أو لغويًّا مصطنعًا. تختفي عملية التراكم، ويكون للنظام حياة مستقلة بذاته، ويتوجَّب على الأفراد أن يجدوا أساسًا مشتركًا للتضامن في مفاهيم مثل التقدير أو الاكتراث التي تفتقر إلى أي مرجعية تنظيمية أو مؤسسية؛ ومن ثَم، تنفصل الهيمنة عن الاستغلال وينفصل المبدأ عن المصلحة. وقد قدم يورجن هابرماس بديلًا للاتجاهات الميتافيزيقية والذاتية العلنية داخل النظرية النقدية.

يرى هابرماس التواصل باعتباره متأصلًا بطبيعته في الطبيعة المنفتحة التي تميز الخطاب، وتقدير كل مشارك بقدْر سواء، واستعداد كل مشارك لتغيير رأيه حين يواجه بحجة أفضل. إن التواصل باختصار لا يتطلب شكلًا من الأخلاقيات الميتافيزيقية المنفصلة عن التطبيق. إنه ينطوي على «برجماتيته العمومية» الخاصة به. أو — بعبارة أخرى — تحافظ أخلاقيات التواصل على الاستقلال، بينما تُعزِّز التضامن الذي تنطوي عليه الرغبة في التواصل. وهؤلاء الذين ينكرون الأعراف الخاصة بتلك الأخلاقيات، أو هؤلاء الذين يمارسون السلطة على نحو تعسفي، يُنكِرون الوسائل التي يستخدمونها في الإقناع: إنهم يَجِدون أنفسهم عالِقِين — إذا تحدثنا على نحو فلسفي — في «تناقض أدائي».

لكن الاتجاه الميتافيزيقي في النظرية النقدية قد قاوم — أو لِنقل تضمَّن — تحدي هابرماس. فيجسد كتاب «قواعد روبرت التنظيمية للاجتماعات» لهنري مارتن روبرت مبادئ مشابهة. ومسألة إن كان المشاركون في عمليات التواصل يتخذون هذا الكتاب الهادف إلى توجيه الاجتماعات العامة على محمل الجد شأن آخر بالتأكيد. إن الإسهام التطبيقي للبرجماتية العمومية ليس واضحًا. تجعل أخلاقيات التواصل الليبراليين والعقلانيين يُهنِّئون أنفسهم كلما تجنَّبوا الوقوع في تناقضٍ أدائي، ومع ذلك، كان كثير من خصومهم السياسيين يقدرون قيمة الحدس والتجربة في تقييم ادِّعاءات الصحة، أما الآخرون الأكثر تطرفًا، فليس لديهم اهتمام على الإطلاق بأي ادِّعاءات صحة، معظم هؤلاء الأشخاص سيردون على الأرجح إذا ما وقعوا في تناقض أدائي: فماذا إذن؟

إن النطق بالحقيقة أمام السلطة يستلزم القدرة على جعلها مرئيةً وملموسة. يقدم كتاب «الشخصية السلطوية» (١٩٥٠) خدمة مهمة في هذا الشأن. يشير ذلك الكتاب الذي حرره أدورنو بالمشاركة مع مجموعة من الكُتاب الآخرين إلى الاختلافات النفسية بين الأفراد، وينادي بإعادة تربية معادي السامية بوجه خاص، والشخصية المتعصبة المحدودة التفكير بوجه عام. وباستخدام الأدوات التجريبية مثل «مقياس الفاشية» الشهير، يوضح مؤلفو هذا الكتاب بنيةَ الشخصية الرجعية وينتقدون آثارها. ويؤكدون كيف تُظهِر الشخصيةُ السلطوية الاحتقارَ لكلِّ ما هو غريب وجديد ومختلف. ويُلقُون الضوء على مَيْل هذه الشخصية للعنف، وينادون بسياسات تُعزِّز التسامح.

بالطبع، للوهلة الأولى، ثمة غرابة في أن يصدر هذا عن مبتكر مفهوم الجدل السلبي. يهاجم هذا الكتاب التعليم الجماهيري والتأقلم مع المعايير المؤسساتية. ثمة احتمال قائم الآن للتدخل فيما يعُتَبَر في أي موضع آخر كُلًّا متلاحمًا، لكن، حينئذٍ، يقع الحذر من أن الشخصيتين السلطوية واللاسلطوية ليستا مختلفتين في النوع بقدر ما هما مختلفتان في الدرجة. ويَظهَر أن الاختلاف الكيفي بينهما وهميٌّ أكثر منه حقيقيًّا. ويتأرجح المؤلفون ما بين تبنِّي الإصلاح وإنكار منفعته.

في «مدخل إلى علم الاجتماع» (٢٠٠٠) — وأعمالٍ أخرى — صرَّح أدورنو بمعارضته للسلبية المدنية ودعمه للإصلاح التقدمي. إلا أن مسألة التحرك لإحداث التغيير بقيت مجردةً. كما أنه لم يتناول أثر الإصلاح على المجتمع الخاضع للإدارة الشمولية أو أنطولوجيا الأوضاع الخاطئة. وفكرة أن أدورنو كان ينبغي أن يضطلع بنقد علاقة التبادل في ظل الرأسمالية لا يغير من الأمر شيئًا. إن المجتمع الخاضع للإدارة الشمولية والسلبية الأصيلة التي يتطلَّبها منفصلان عن أي مفهوم مقبول عمومًا للتحرك السياسي؛ لذلك في محاضرة «النظرية والتطبيق والفلسفة الأخلاقية» (٢٠٠١)، استطاع أدورنو تصور شكل جديد من التطبيق «يخالف الدعوة للعملية»، بل و«ينطوي على عنصر عملي بداخله»؛ وذلك نظرًا لأنه يرفض أي استخدام أداتي. أو — بعبارة أبسط — تصبح النظرية تطبيقًا؛ بالرغم من أنها ليست بحاجة إلى الإسهام بشيءٍ ذي آثار ملموسة من أجل تحرير المجتمع.

fig9
شكل ٨-١: ظهر اتجاهٌ جديدٌ للنظرية النقدية يرجع أصله إلى نقش شهير على التمثال الذي يعلو شاهد قبر كارل ماركس في لندن: «لم يفعل الفلاسفة شيئًا سوى تفسير العالم. المهم هو تغييره!»

يلزم الفحص الدقيق للتحول الميتافيزيقي الذي شهدته النظرية النقدية فيما يتعلق بتصنيفات مثل المجتمع الخاضع للإدارة الشمولية وأنطولوجيا الأوضاع الخاطئة. فالادعاءات التجريبية لمدرسة فرانكفورت فيما يتعلق بالأول باطلة والاعتماد الفلسفي على الأخير لا يساعد على جعلها حقيقية. إن استبعاد البروليتاريا بصفتها عنصرًا فاعلًا ثوريًّا لا ينتج عنه مجتمع خاضع للإدارة الشمولية، وإنما يتسبب في انشقاقات بين النخبة — أو الطبقة الحاكمة — حول بعض السياسات الاجتماعية والقِيَم الثقافية والتطورات المؤسسية؛ ولهذا الأمر آثار مختلفة للغاية على الطبقة العاملة والجماعات التابعة. لا يزال التعارض قائمًا بين ما أطلق عليه ماركس الاقتصاد السياسي لرأس المال والاقتصاد السياسي للعمالة.

إن إغفال صراعات المصالح الأيديولوجية والمادية الحقيقية باسم صورة مثل المجتمع الخاضع للإدارة الشمولية يعرقل القدرة على تفسير الأحداث بطرق هادفة ومبتكرة. إن الأمر ينطوي على ما هو أكثر من سوء التفاهم التواصلي أو تعرض العالم للخطر. تشير مفاهيم التضامن الهادفة إلى وجود صراعات حقيقية داخل المجتمع. وحين لا تَحظَى كلٌّ من المقاومة والهيمنة — في الواقع — بالتقدير، فإنهما تفقدان خصوصيتهما التاريخية؛ ومن ثم تفقدان ماديتهما، فتصبحان مجرد كلمتين لا أكثر.

كان الاغتراب والتشيؤ يومًا يعبران عن تجربة الهيمنة وحتمية التطبيق المحدِث للتحول. والآن باتا يعملان في الأغلب على تبرير التراخي. في رأيي، لكي نُعِيد لهذين المفهومين أهميتهما مرة أخرى، من المهم التمييز بينهما، ولربما كان من الأفضل البدء على النحو التالي: عَرَّف ماركس الشاب الاغتراب وعينه على التغلب على تقسيم العمل وإعادة التأكيد على السيطرة البشرية على عمليات الإنتاج.

لكن في القرن العشرين، اتخذ الاغتراب دلالات أخرى. فنظرًا لكون الاغتراب مراوغًا ومعاندًا، صار مرتبطًا بمشاعر الذنب والخوف والفناء والافتقار إلى المعنى. وتمثِّل اليوتوبيا ردَّ الفعل الوحيد للاغتراب، أو — لنقل — للمشكلات الوجودية التي نُبتَلَى بها والأسس الأنثروبولوجية التي يَنبَنِي عليها وجودنا. وعلى النقيض، ينبغي اعتبار التشيؤ قابلًا للاستبدال، وأنه المستهدف من التحرك الاجتماعي. إنه لا يُظهِر إطار عمل المجتمع الصناعي المتقدم بقدر ما يُظهِر أثر آلية عمله. إن العقلانية الأداتية لا تعدو مجرد تقنية رياضية للتعامل بكفاءة مع الندرة؛ بإمكانها أن تمكِّن ضحايا تحيزات ما قبل الرأسمالية بالسهولة نفسها التي تستطيع بها اختزال العامل إلى إحدى تكاليف الإنتاج والبشر إلى موارد يمكن الاستغناء عنها.

إن المهم ليس الطابع الشكلي للبيروقراطية والعقلانية الأداتية، وإنما القِيَم والمصالح (التي غالبًا ما تكون خفيةً) التي تحدد الكيفية التي يُوظفان بها، فينبغي على النظرية النقدية التدقيق في الغايات القصدية، أو لنَقُل، الأولويات والمصالح المختلفة المطمورة في السياسات والمؤسسات التي تشكل حياتنا. والتركيز الشديد على الطابع الشكلي للعقلانية الأداتية هو في حد ذاته تعبير عن التشيؤ الذي له آثار موهنة على تأويل العلوم ومناهجه.

لقد واجهتِ النظريةُ النقديةُ الماركسيةَ التقليديةَ في البداية من خلال فصل الدراسة المتقصِّية للمجتمع عن الدراسة المتقصية للطبيعة. لكن يُضعِف التعامل مع العقلانية الأداتية من منظور شكلاني معرفي هذا الفارق. وكل المحاولات الاجتماعية لتشكيل سياق للنظريات العلمية والابتكارات التكنولوجية مشروعة ومهمة. لكن أن تحكم نظرية معيارية على آليات العمل الداخلية الخاصة بالنظريات العلمية والتقنيات، فهذا شأن آخر، وبعبارة أكثر صراحةً، تستطيع النظرية النقدية تقديم وجهات نظر مثمرة عن الأصل التاريخي والاستخدامات الاجتماعية — على سبيل المثال — لنظرية النسبية التي قدَّمها ألبرت آينشتاين. لكن، لا ينبغي لها أن تحاول إصدار أحكام فلسفية عن طبيعة حقيقتها.

إن مكافحة التشيؤ لا تُلغِي الحاجة إلى الخبرة التخصصية والقدرة على معرفة ما يتحدث عنه المرء. إن الرؤى اليوتوبية لعلم جديد، ولا سيما علم تنعدم فيه معايير التحقق من ادعاءات الصحة الخاصة به، ترتبط كذلك بالتشيؤ الذي تعارضه. قد تنتفع النظرية النقدية بدرجة أكبر من خلال البناء على مفهوم «القابلية للتفنيد» الذي قدَّمه السير كارل بوبر في كتابه «منطق الاكتشاف العلمي» (١٩٥٩). إن الجدل الشديد حول الوضعية خلال ستينيات القرن العشرين بين مدرسة فرانكفورت وخصومها الأكثر ميلًا إلى العلم تناول تلك المسألة وغيرَها من عدد من وجهات النظر الرائعة. ومع ذلك، يَمِيل مؤيدو النظرية النقدية عادةً إلى التقليل من قدر الأهمية المنهجية والآثار العملية المترتبة على النظر إلى ادِّعاءات الصحة العلمية على أنها مؤقتة وقابلة للمراجعة في ضوء البحث المستقبلي. مثل هذا الموقف — في الواقع — يتناسب تمامًا مع المشروع النقدي.

من المؤكد أن الأُطُر العلمية ومعايير التحقق من ادعاءات صحتها سوف تتغير تمامًا. بل ستحدث «تحولات مفاهيمية». ألْمَح توماس كون في مؤلفه الكلاسيكي «بنية الثورات العلمية» (١٩٦٢) — مع ذلك — إلى أن هذه التحولات المفاهيمية ستحدث نتيجةً لمواجهة مشكلات جديدة لا تستطيع المناهج العلمية القديمة علاجها بالدرجة الكافية، وليس نتيجةً لانخراط الفلاسفة في نوع من الإدانة المجردة للعلم، التي تستند إلى رؤية يوتوبية غير واضحة.

على النقيض، قد يكون لدى المناهج اليوتوبية الواضحة شيء تقدمه، فمِن دون نبذ العلوم الطبيعية، وإنما عبر تحديد صلاحية تطبيق مفاهيمها، يقدم كتاب إرنست بلوخ «ابن سينا واليسار الأرسطي» (١٩٤٩) رؤية كونية مبتكرة للطبيعة تقوم على إعادة تأويل فكر أرسطو. فبإلقاء هذا الكتاب الضوء على مفاهيم أرسطو المهملة عن الإمكانية والديناميكية اللازمة لفهم هذا العالم، وتوظيف ابن سينا وابن رشد لمقارنة الطابع الحي للطبيعة (الطبيعة الطابعة) بصورها التجريبية (الطبيعة المطبوعة)، أنتج رؤية للنظام البيئي التي كان لها أن تكون ذات أهمية عميقة لعلم البيئة الحديث وحركة الحفاظ على البيئة.

يرى بلوخ أن الطبيعة لا يمكن أن تُختَزَل في مكوناتها التجريبية، (وهذا بالتحديد ما تفترضه العقلانية الرأسمالية)، وأنها أحد عناصر استمرارية الحياة بالنسبة إلى البشر. إن العقلانية العلمية ذات النمط التقليدي تحتفظ بمكانتها، لكن العنصر الكوني الذي تنطوي عليه الطبيعة يضع حدودًا لما تستطيع العقلانية الأداتية تحقيقه، وتبرز الأولويات الأخلاقية لتوظيفها. فيصبح النظام البيئي هدفًا للرعاية والحماية. إن إدراك ذات الطبيعة، أو سمة البقاء على الحياة التي تنطوي عليها — والتي تختبئ وراء مظاهرها الموضوعية — هو المتطلب الأساسي للراديكالية الأصيلة وأي مفهوم ذي مغزًى لليوتوبيا. ومع ذلك، ينطوي تقصي بلوخ التأملي في المادية — بغض النظر عن مشكلاته — على دلالات اجتماعية: فنَقْدُه يمثِّل استجابةً مفاهيمية إيجابية للافتراضات البيئية القائمة التي كان لها مثل هذه الآثار المدمِّرة.

لم يكن الاضطلاع بالنقد يتطلب انفصالًا أنثروبولوجيًّا عن الواقع. يلزم وجود قواعد لتقييم البدائل فيما يتعلق بأي موضوع بعينه، إلا أن هذه القواعد تكون مجردة لو لم تُربَط بالمصالح الدائمة التضارب والقدرة على تطبيقها. إن السلطة عنصر متأصل في المجتمع الحديث. وهي ليست بكيان اصطناعي ولا هي حتمية تعسفية للإرادة، بل إن وساطتها ومحدداتها تحدد طابع المجتمع ورد الفعل السياسي تجاهه، وتصبح الحرية — مجددًا — رؤية متبصرة في الضرورة.

يشير فرانس نويمان ضمنًا إلى هذه المسائل في مقالَيْه الكلاسيكيين «مداخل إلى دراسة السلطة السياسية» (١٩٥٠) و«مفهوم الحرية»، فيذكر أن المشكلة بالنسبة إلى المجتمع الحديث ليست تقليص السلطة السياسية بقدر ما تتعلق بتوظيفها العقلاني، فقط بتوضيح هذا الفارق يصبح من الممكن إنقاذ نظرية التشيؤ من أن تتشيأ، يبدأ النقد من التزامه تجاه الحرية، ولكن لكي يتحقق هذا، يتعين على النظرية أن تضم إليها مسألة السلطة، ومثلما تستطيع المؤسسات الاحتفاظ بقدر كبير من السلطة، يمكنها كذلك ألَّا تَحتَفِظ إلا بقدر قليل جدًّا منها. والرؤى المؤسسية المتنافسة ستقدِّم خيارات سياسات مختلفة على المستوى النوعي. إن المعايير ضرورية للتمييز بين الأشكال العقلانية واللاعقلانية من السلطة والسياسة. وأي نظرية نقدية أصيلة للمجتمع ينبغي أن تقدم مثل هذه المعايير.

الجانب السياسي للتنوير

ركزت نظرية وتطبيق التنوير على تقليص الممارسة التعسفية للسلطة المؤسسية ودعم التعددية وتعزيز الفردية. ليس «الرفض العظيم» وإنما هذه المجموعة من الموضوعات الأخلاقية والسياسية هي التي شكَّلتِ الحركات التقدمية العظيمة في الماضي، وكان هذا هو الحال فيما يتعلق بالحركة العمالية الاشتراكية، وحركة الحقوق المدنية، وحركة تحرير المرأة، والانتفاضات المناهضة للشيوعية في أوروبا الشرقية، وأشد الاتجاهات ديمقراطيةً ومناداةً بالمساواة في الديانات العالمية وفي العالم الذي كان مستعمرًا في السابق. والدلالة واضحة: يستدعي إنعاش غرض النظرية النقدية الذي يسعى لإحداث تحول مراجعة رؤيتها السلبية الأصلية لإرث التنوير.

وربما يمثِّل كتاب فالتر بنجامين (١٩٣٣) «الشعب الألماني» نقطة للانطلاق في هذا الإطار. فهو يتشكَّل من خطابات جمعها بنجامين على مدار السنين. لم يَخُطَّ هذه الخطابات أشخاص مشهورون، وإنما أصدقاؤهم أو أقاربهم أو زملاؤهم. لقد كان هؤلاء أشخاصًا عاديين ألهمتْهم مُثُل التنوير مثل أخو كانط أو صديق جوته المقرب، هذا الكتاب الصغير يتحدَّى الرؤية السائدة. فقد تجاوز مدى فكر التنوير حلقة المفكرين الضيقة، وتعبِّر قِيَمه السياسية ومخاوِفه الثقافية عن هؤلاء الذين يريدون عالمًا أكثر احترامًا وتحررًا.

وقد أخطأتْ مدرسة فرانكفورت خطأً كبيرًا بالاعتقاد في ضرورة تأويل التنوير — أو بالأحرى، عقلانيته العلمية — على أنه منتصر أو بمعزلٍ عن الجانبين النظري والتطبيقي لخصومه. لقد كان فكر التنوير دائمًا في موقف دفاعي، ولا يزال كذلك، فبدءًا من حركة «لا أدري» التي ظهرتْ في بدايات القرن التاسع عشر إلى حركة كو كلوكس كلان ولجنة «أمريكا أولًا» وحركة «حزب الشاي» في وقتنا هذا، عانت الولايات المتحدة في الواقع مما أطلق عليه ريتشارد هوفستاتر نزعة «جنون العظمة» في سياستها. وبمجرد نظرة خاطفة على بعض الأحداث العالمية تجد هذا التقييم مبررًا. إن حقوق الإنسان والتسامح والمُثل العالمية (بل وحتى العلم) تقع جميعها تحت الحصار — أو على الأقل تُحارَب — من قِبَل قوى التطرف الديني والعصبية الثقافية المحلية والرجعية السلطوية.

يزعم عمل إرنست بلوخ «تراث عصرنا» (١٩٣٥) أن العصرية تولد الاستياء ودعم القيم الرجعية من قِبل الجماعات ما قبل الحديثة التي تَشعُر أنها مهددة بسبب آثارها. في تحليل بلوخ للفاشية، يتقصَّى التناقضات القائمة في مجموعة من المجالات الاجتماعية المختلفة التي انتقلت من فترة زمنية إلى التي تَلِيها حيث اتخذت طابعًا جديدًا، فعلى سبيل المثال، إذا تشكَّل المجتمع الرأسمالي من صراعات بين مصالح طبقية بعينها، تظهر فيه كذلك مشكلات ما قبل الرأسمالية (ومن ثَم فإنها لا تزامنية) فيما يتعلق بالتحيز الجنسي أو العرقي أو حتى القيادة التي تتطلب حلولًا غير متوقَّعة سَلَفًا، وهذا السبب وحدَه كفيل بأن يجعل المستقبل غير محدد دائمًا. وما يجب على هذه الرؤية أن تُخبِرنا به هو أن الخصوم السياسيين والأيديولوجيين للعصرية لا يزال بإمكانهم الوصول إلى السلطة.

بإدانة مدرسة فرانكفورت للتنوير، أغفلت ما كان السير أشعيا برلين أول مَن أطلق عليه مصطلح مناهضة التنوير. إن أبرز رموز حركة مناهضة التنوير مثل يوهان جورج هامان كانوا ذوي قدرات فكرية أقل من خصومهم الليبراليين. وقد اتضح أنهم سلطويون وضيقو الأفق ومتعصبون لدرجة جعلت أعمالهم لا تستحق القراءة اليوم. مع ذلك، وبنسيان أمرهم، أثبت النقد الذي قدمتْه مدرسة فرانكفورت للتنوير في النهاية أنه مشوه. فقد حُكِم على الظاهرة بمعزِلٍ عن السياق وبمرجعية مجردة.

ترجع أصول النظام الجمهوري الليبرالي والاشتراكية الديمقراطية إلى عصر التنوير. وكان أتباع التنوير في مقدمة مَن يحاربون ممارسة السلطة التعسفية مِن قِبل مؤسسات لا تخضع للمساءلة. إلا أنهم كذلك قد ساهموا في تحول المجتمع المدني من خلال هجومهم على الأشكال الأساسية من القسوة والتعصب الديني والأمية والخرافة وكراهية الغرباء والسلوك غير المهذب، وهكذا تزيد الأهمية الاجتماعية والسياسية لإرث التنوير، وثمة ثلاث نقاط سياسية أساسية يجب على النظرية النقدية تأملها:
  • (١)

    تكشف مُثل التنوير عن تجاذب اختياري مع الحركات المناهضة للسلطوية. تميل الحركات اليسارية إلى تفضيل الأممية على التعصب وضيق الأفق، والعقل على الحدس، والتشكك على التقليد، والحرية على التسلط. ومن المنطقي إذن أن تتبنَّى الحركات اليمينية مناهضة التنوير، فالحركتان متعارضتان منذ البداية؛ ومن ثم فإن جدل التنوير مجرد خيال.

  • (٢)

    كانت أعراف التنوير ذات طابع نقدي متأصِّل. ويُشير إليها ضحايا التحيز حتمًا عندما ينادون بفعل إصلاحي. وعلاوة على ذلك، لا توجد عادة أو تقليد في حِلٍّ من الفحص الدقيق. تكافح الأعراف العمومية المرتبطة بالتنوير التحيزات الشخصية التي كان يتبنَّاها كثير من ممثليه البارزين.

  • (٣)

    تدعم مبادئ التنوير التعددية. وترفض القومية التكاملية والمجتمع العضوي رفضًا واضحًا. كما أنها تؤكد على أهمية التسامح والتجريب والاستقلال. فقط طالما تظل سيادة القانون الليبرالية فاعلة، يمكن الحديث عن ممارسة حرة وعملية للذاتية.

لم تقدر الحلقة الداخلية لمدرسة فرانكفورت أيًّا من هذه النقاط، وكانت آثار ذلك واضحة في تناولها للتعليم الجماهيري وصناعة الثقافة، وترى مدرسة فرانكفورت أن صناعة الثقافة تنمِّط التجربة الجمالية وتقوِّض الذاتية ما دامتِ الأعمال الفنية لا تُعامَل تعاملًا مختلفًا عن السلع الأخرى، ومن خلال هَوَس صناعة الثقافة بزيادة الأرباح إلى الحد الأقصى من خلال التقليص المستمر لأقل قاسم مشترك، تقع الخسارة الحتمية للمعايير الفكرية. إن شهرة العمل الفني تدمجه مع النظام؛ ومن ثم، تتضاءل بالضرورة طبيعة العمل النقدية وقدرته على إبراز بديل تحرري. ووحدها الأعمال البالغة التعقيد والرقي يمكنها من ثَم أن تُثِير في الذاكرة تلك الصور اليوتوبية والتجارب الذاتية المكبوتة القادرة على مقاومة دوافع المجتمع الجماهيري المدمرة.

ومع ذلك، لا يوجد شيءٌ كاسد في صناعة الثقافة، فإبداعاتها الجمالية وابتكاراتها التقنية كانت ولا تزال مذهلة، ولطالما عززت التعددية بتكوين جماهير متعددة، لكل منهم هدفه ومعاييره الخاصة. وكثير من أعمالها تتحدَّى الوضع القائم والتشيؤ. إلا أن هذه ليست المشكلة في الواقع. إن التأكيد على أن الفن الأصيل يحب أن يكافح بنحو ما أنطولوجيا الأوضاع الخاطئة ما هو إلا حنين إلى قاعات الندوات متنكر في عباءة الراديكالية.

وبهذا تُعرِّض النظرية النقدية نفسها للسخرية: فنفيها يبدو كأنه بمنزلة المنقذ العاجز عن تحديد الشكل الذي ينبغي للتحرر أن يتخذه أو عن التعامل مع تبني المضطهد للاضطهاد. وعلى وجه الخصوص، لم يبدُ يومًا أن أتباع الجدل السلبي مستعدون لإخضاع أي شيء للنقاش سوى رؤيتهم التعسفية تمامًا لما يشكل المقاومة. لطالما وُظِّفَت الثقافة في الحفاظ على سيطرة القوي وخضوع الضعيف. كتب بريشت في مسرحيته «جان دارك قديسة المسالخ» (١٩٢٩) يقول: «إن الأفكار الحاكمة هي أفكار مَن يحكمون.» لكن باهتمامات مدرسة فرانكفورت المجردة، فإنها تُجرِّد مقاومة تلك الأفكار من أي مرجعية مادية.

تظل الصراعات الأيديولوجية داخل الآلة الثقافية غير محددة وغير مُعرَّفة. قد تُدين الاتجاهات الشعبية المتطرفة من قِبَل اليسار التعقيد، وتتجاهل القواعد وتنبذ فكرة الأعمال الكلاسيكية بنحو يعتبرها متواطئةً في الاضطهاد الذي تتعرض هي نفسها له. لكن ربما تستفيد النظرية النقدية من تقليل تركيزها على الطريقة التي تطوِّع بها صناعة الثقافة الفنَّ وزيادة تركيزها على قدرتها التي لم تَزَلْ غيرَ مطروقةٍ بعدُ على تشكيل وعي سياسي تقدمي.

لقد ساهَمَ برنامج «ساترداي نايت لايف» والممثلة الكوميدية تينا فاي في تحطيم حاكمة ولاية ألاسكا سارة بالين — الترشيح السيئ السمعة للسيناتور جون ماكين والجمهوريين في عام ٢٠٠٨ لمنصب نائب رئيس الجمهورية في حالة فوز ماكين — في تلك الحملة على الأقل. بالطبع، وظف ديماجوجيو اليمين وسائل الإعلام. إلا أن أفضل نحو يمكن تصور صناعة الثقافة عليه هو ما وصفه أحد فلاسفة النظرية النقدية دوجلاس كلنر ﺑ «منطقة متنازَع عليها»، تدور عليها المعارك باستمرار بين مقاتِلِين غير متكافئين ذوي رؤًى وقِيَم أيديولوجية مختلفة. أو — بعبارة أخرى — تُعتَبَر صناعة الثقافة فرعًا من إنتاج السلع الذي يمكن أن يثبت أنه نفسه ينتقد الإنتاج السلعي.

تناول فالتر بنجامين هذه الموضوعات في «العمل الفني في عصر استنساخه التكنولوجي» (١٩٣٥). يقارن هذا المقال الشهير بين تجربة ما قبل الحداثة وتجربة الحداثة فيما يتعلق بالرسم. إن تجربة مشاهدة لوحة في عصر ما قبل الحداثة — تلك التجربة التي تقع في سياق ديني — تكون مغمورة ﺑ «هالة»: فالرائي يجد العمل فريدًا وأصيلًا ورمزًا حيًّا يتجاوز التقنيات المستخدمة في إنتاجه، وأساسه راسخ في تقليد ملحوظ. أما القدرة التكنولوجية على استنساخ العمل — تخيل لوحة لبيكاسو وقد تحولت إلى ملصق يزين حائط غرفة طالب جامعي — فتجرده من هالته وتَفرُّده وأصالته وارتكازه على تقليد ثابت. فقدان الهالة يمكن أن يزيد مشاعر الاغتراب وجاذبية الحركات الرجعية الهادفة إلى توفير حس انتماء وهمي. لكن تآكل هذه الهالة يمكن كذلك أن يُتيح العمل للتأمل النقدي أو ما يطلق عليه بنجامين «الحضور الشديد للعقل.»

ومن ثَم، يَظهَر هنا احتمالان: إما أن يستسلم الجمهور للتطويع العاطفي في محاولة زائفة لاختبار ما لم يَعُد يمكن اختباره، وإما أن يوظف التأمل النقدي لدعم الوعي الوجودي والسياسي. مع ذلك، فكثيرًا ما ينكر ناقدو صناعة الثقافة في الأساس هذا الاختيار: عادةً ما يُدرك فقدان الهالة على أنه إنذار بتطويع الذاتية وتبرير انفصال الفن عن أذواق واهتمامات القاعدة الأوسع من الجمهور.

إن التسلية والتأمل ليسا متعارضَين دائمًا. تقدم وسائل الإعلام البديلة وعالم الإنترنت خيارات جديدة للقوى التقدمية، كذلك لا تكون المبالَغة بالضرورة إحدى سمات البراعة الفنية. هاجَمَ كارل كراوس — الذي كانَ أدورنو يُجِلُّه إجلالًا كبيرًا — الصحافة والمفكِّرين التقليديين في وقته بعدوانية ساخرة وبراعة لغوية نادرًا ما توجد اليوم، إلا أن هجوم كراوس على «فشل الخيال» الذي وصم به زمنه كان له بؤرة تركيز واضحة؛ إذ كان موجَّهًا إلى أبرز الشخصيات الثقافية التي كانت عاجزةً عن تصور الآثار العملية لكلماتهم.

تشغل اهتمامات مماثلة رواية تجريبية — وإن كانت مثيرة للجدل إلى حدٍّ بالغ — مثل «دخان إنساني» (٢٠٠٨) للكاتب نيكلسون بيكر، يوظف ذلك العمل، الذي يتناول فترة ما بين الحربين العالميتين وولادة جريمة الإبادة الجماعية، مئات من الاقتباسات والحكايات لكي ينظمها القارئ في تشكيلة تحلل الديناميكيات المروعة للعنف السياسي، وتستخف بالرموز الأسطورية، وترد رجالًا ونساءً منسيين من ذوي الضمائر إلى صوابهم، وتبلور سمو السلمية. من المحتمل أن تختلف مع استنتاجات مؤلف هذا العمل، لكن من المستحيل أن تتجاهل المنظور النقدي للتاريخ الذي يوظفه، أو الدوافع الأخلاقية التي تلهم عمله. وثمة عدد كافٍ من المفكرين المشهورين من داخل وخارج صناعة الثقافة منخرطون في إنتاج تشكيلات جديدة ودفع التاريخ ضد التيار، وغالبًا ما يكون ذلك من أجل غرض سياسي.

دافع إحداث تحول

كان الهدف الأصلي من النظرية النقدية أن تكون مشروعًا متعدد التخصصات قد يُسهِم فيه كل شخص بمهارته وخبرته التخصصية الفريدة، وقد ألْقَى ممثِّلوها الضوء على العلاقة بين الفلسفة والسياسة، والمجتمع وعلم النفس، والثقافة والتحرر، لقد تصوروا الكل وغيَّروا الطريقة التي تنظر بها العلوم الاجتماعية، والعلوم الإنسانية، بل ومفسرو العلوم الطبيعية إلى العالم.

ألقَتْ مدرسة فرانكفورت بظلال الشك على مفاهيم عفاها الزمن، ونظروا إلى أطلال الثقافة، والآمال المفقودة وما تجاهلتْه أو قمعتْه القوى الثقافية المُهيمِنة، وطالَبوا بأن يستجيب الملتَزِمون بمُثُل التحرُّر للأحداث الطارئة والقيود الجديدة. وكذلك أشاروا إلى الحاجة إلى فهم جديد للعلاقة بين النظرية والتطبيق. إنه إرث عظيم جدير بالحفاظ عليه، وإنْ كان ذلك دون أيِّ ولاء أعمى لهذا الرأي أو ذاك أو لهذه النبوءة أو تلك. ثمة أحوال جديدة على النظرية النقدية أن تواجهها؛ فقد ازداد العالم اتساعًا وحدثتْ مواجهات جديدة مع الحضارات القديمة، وتعدَّدتِ الهويات، وأصبح الحديث — ربما للمرة الأولى — عن اقتصاد ومنظومة ثقافية عالميين ممكِنًا.

حين تولى ماكس هوركهايمر رئاسة معهد البحث الاجتماعي، أمَلَ أن تصبح النظرية النقدية بنحو أو بآخر فلسفة عامة بدلًا من كونها تخصصًا أكاديميًّا آخَر يُقدَّم لجمهور من الخُبَراء. فإذا كان ذلك لا يزال الهدف، يتعين على منظِّري النظرية النقدية التوقف عن استخدام أسلوب نموذج الإقرار الضريبي ونبذ التحليل الأحادي الجانب للثقافة الجماهيرية بناءً على الافتراض القائل بأن الشهرة — أو الوضوح — يضر بطبيعته على نحو ما براديكالية العمل.

إن تعزيز فلسفة عامة راديكالية أمر ممكن فقط بتقصِّي المشكلات العامة وتقديم بدائل للطرق التي يُقزِّم بها المجتمع الفردية. ولقد ظلت النظرية النقدية طويلًا تساير ما أطلق عليه توماس مان «الاستبطانية التي تحميها السلطة.» إلا أن الأهداف والمناهج الجديدة ضرورية لإلقاء الضوء على اختلالات توازن القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مع التركيز على فرص التدخل.

يعتمد مثل هذا المشروع على توضيح القِيَم والمصالح التي عادةً ما تَمِيل الأيديولوجيات والمؤسسات القائمة إلى إخفائها، بحيث يستطيع الأشخاص العاديون الحكم عليها والاستجابة لها بالنحو المناسب. وقد أوضح سي رايت ميلز هذه النقطة بالضبط في عمله «الخيال السوسيولوجي» (١٩٦٠). في ذلك العمل الكلاسيكي — الذي تأثَّر بقوة بالنظرية النقدية — طالب ذلك المفكر الراديكالي الشهير الأكاديميين والمفكرين بتحويل «المشكلات الخاصة إلى قضايا عامة». وقد حوَّلت النساء بالفعل زنا المحارم والعنف الزوجي من مشكلات خاصة إلى مشكلات عامة، ودافع الشواذ جنسيًّا سواء من الرجال أو النساء عن الحاجة إلى تشريع ضد «الجرائم بدافع الكراهية»، ولا يزال الملونون يتحدَّوْن العرقية المؤسسية، وثمة محاولات أخرى لا تُحصى — ولا تزال قائمة — لجعل العدد الضخم من المؤسسات التي يُدِيرها الأقوياء قابلًا للمساءلة أمام الضعفاء.

لم تختفِ القدرة على الفعل من العالم. ولا تزال الحركات الاجتماعية الراديكالية قائمة؛ إلا أنها منقسمة بفعل الاختلافات العميقة والمستمرة. ثمة سباق من أجل الموارد والولاء والشهرة. وتوجد حوافز لمجموعات المصالح المنظمة للانخراط في الاقتصاد الأخلاقي القائم على الصفقات المنفصلة، بحيث يصبح كل اليسار أقلَّ من مجموع أجزائه. وتستطيع النظرية النقدية الإسهام في تنسيق المصالح من خلال تقديم تصنيفات ومبادئ جديدة، كما أن لها مهامَّ أخرى كذلك.

لا تزال الديمقراطية غير مكتملة، وتواجه الأممية تحدي الهوية، وتحتاج الاشتراكية إلى تعريف جديد، ولا تزال المُثُل الطبقية في انتظار التحقق. لم يُستردَّ إرث الماضي الثقافي بعدُ، ولا تزال خبرتنا بالعالم محدودة للغاية، ولا تزال قدرة الجماهير على التعلم تتطلب معايير تتعلَّق بالأشياء التي يتعيَّن تدريسها لها، وربما لا تزال هناك أشكال جديدة من الخلاص للشذرات اليوتوبية المنسية التي راحت تُنثَر عبر التاريخ. وربط هذه المسائل معًا يتطلب رؤيةً متعددة التخصصات تلهمها الأعراف المُحررة، هناك دائمًا مساحة لمناقشة المُثُل التنظيمية كالعدالة والحرية وما شابه.

والحال نفسه ينطبق على التصنيفات الأنطولوجية التي تتعامل مع بنية الوجود ومعناه. لكن هناك أشياء على منظِّري النظرية النقدية القيام بها أفضل من مسايرة ما أصبح هوسًا، وهي محاولة التعبير عمَّا لا يمكن التعبير عنه. فمِن الأفضل تحديد ماهية الأشياء المعروفة غير الواضِحة، والأشياء المُؤلِمة القابلة للعلاج، والأشياء المكبوتة التي تعمل على تمكين الناس. فقط بمواجهة العالم بمشروع متعدد الأوجه يهدف لإحداث تحول فيه، تستطيع النظرية النقدية إعادة التأكيد على تفردها وقوة المُثل التي تقوم عليها والمتمثلة في التضامن والمقاومة والحرية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠