مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي خلق الإنسان علَّمه البيان، وفضَّله على خلقه بنعمة العقل واللسان، والصلاة والسلام على من أيَّده بالقرآن، محمد بن عبد الله خير سلالة عدنان، وآله وصحبه نجوم الهُدَى والعرفان.

وبعد، فقد رأيت بخزانة المرحوم أحمد باشا تيمور بدار الكتب الملكية نسخةً مخطوطة من كتاب نوادر الحمقى والمغفلين للإمام ابن الجوزي رحمه الله، منسوخة عن نسخة بالمكتبة الظاهرية بدمشق، غير أنها كثيرة الغلطات كبيرة السقطات لعدم عناية ناسخها بمراجعتها بالدقة، فاستخرت الله تعالى وقدمتها للطبع بعد أن بذلت الجهد في تصحيحها وتحقيق عباراتها، وراجعت كثيرًا من المظانِّ في كتب الأدب والسِّيَر التي نقلت كثيرًا عن هذا الكتاب القيم لمناسبات عِدَّة، وعلَّقت على حواشيها ما استغلق من ألفاظها مشروحًا سهلًا ليغني المطالع عن المراجعة ويسفر عن وجوه معانيها الغر.

فجاءت بحمد الله خالية من الأسقام وافية بالمرام.

غير أنه — رحمه الله — التزم أن يأتي قبل كل حديث أو حكاية بسند طويل — كما هي عادة المؤلفين في عصره — وذلك يضاعف حجم الكتاب وليس له كبير فائدة الآن للقراء؛ لتباعُد زمن رجاله، ولأن الكتاب لا يتعلق بأحاديث تُحقَّق، أو آيات تُفسَّر أو أحكام تُدوَّن.

بل هو فكاهة وسمر وموعظة وعبر.

لذلك أتيت — على سبيل المثال — بالسند الأول والثاني من الكتاب ليكون نموذجًا للمُطَّلع، وليعلم سبيل المؤلف في نهجه الذي انتحاه، وتجاوزت عن الأسانيد في باقي الكتاب مكتفيًا بالراوي الأخير الذي أسند عنه الحكاية أو الحديث.

وقد تنبَّه لذلك قبلي حضرة الأديب المفضال حسام الدين أفندي القدسي في طبعته الأولى للكتاب، فحذف الأسانيد جميعها، غير أنه لم ينبه على ذلك وإن كانت عنايته بالكتاب ظاهرة في بحثه وتحقيقه، جزاه الله عن الأدب خيرًا.

وإني أقرر في هذا المكان لابن الجوزي رحمه الله حسنةً من حسناته العديدة بتأليفه مثل هذا الكتاب الفَكِه؛ لأن النفوس إذا حُمِلَتْ دائمًا على الجد البحت ملَّت وحرنت، ولأن العظة أقرب فيه للنفس والفائدة مرجوَّة منه، وقد كتب فيه صاحب العِقد الفريد والأغاني وغيرهما في ثنايا مؤلَّفاتهم نبذًا يسيرة جاءت عفوًا، غير أنه لم يفرد أحد بالتأليف قبل ابن الجوزي هذه المُلَح والفكاهات كتابًا بالمعنى المفهوم، فله في ذلك قصب السَّبْق، أسأله تعالى أن يجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم إنه سميع مجيب.

تحريرًا في شهر جمادى الأولى سنة ١٣٤٧ﻫ الموافق شهر نوفمبر سنة ١٩٢٨م.

عثمان خليل

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١