الفصل السادس

الرذائل

(١) ماهية الرذيلة

(١-١) ظل البهيمية في ضوء الإنسانية

ولئن كان الإنسان قد خرج من طور الحيوانية البهيمية إلى طور الإنسانية الأدبية، لم يخرج خروجًا نهائيًّا من معركة التنازع، فهو قد جاء إلى درجة الإنسانية وجلب معه غرائز البهيمية ونبضاتها، ولم يرتق بعدُ في سلم الأدبية إلى درجة أن يتطهر من هذه النبضات البهمية بتاتًا بحيث تبرد حدة تنازعه، فهو قد جاء إلى دائرة الإنسانية بإطماعه وأثرته وحبه لنفسه إلخ؛ لذلك كثيرًا ما يستصعب الرضوخ للحق، أو قد يشكل عليه الحق والباطل.

ثم إن الحياة الاجتماعية جعلت ظرف حياة الإنسان الأدبية ضيقًا جدًّا بحيث لا يسع جميع رغائبه، حتى إذا تدفقت هذه الرغائب اصطدمت بما في محيط الدائرة من رغائب المجتمع، وحينئذٍ لا تسلم أدبيته من الانثلام. فلا يندر أن يهتضم حقًّا ليس له، وأن يستميل ميزان العدل إلى جهته؛ ففي الإنسان إذن ردَّة إلى الشر كما فيه نزعة إلى الخير، وكلما تطهر من أدران الحيوانية صفت شخصيته الأدبية وشفت، فإذا وقعت عليها أشعة الفضيلة ألقت أدران حيوانيته من الجهة الثانية ظل الرذيلة.

فبقدر طهارة النفس من أدران البهيمية يسطع فيه نور الفضيلة، ويختفي ظل الرذيلة، والعكس بالعكس؛ فالرذيلة إذن ظل الطبيعة الحيوانية القائمة لدى نور الفضيلة. والإنسان وهو متردد بين الفضيلة والرذيلة إنما هو فوق رجاسة الحيوان ودون قداسة الإله، وبقدر ما ينظف نفسه عن أدران البهيمية يدنو إلى نور الألوهية حيث يسطع في وجهه ضياء الفضيلة.

(١-٢) الرذيلة مموهة بلذة

لا يبتغي الإنسان الشر كغاية شريرة أو رديئة، وإنما يبتغيه كغاية حسنة في ظروف تحسنه له، وإلا فلا يبتغيه بتاتًا، فإذا أتى الشر إرضاءً لشهواته ونزعاته وعواطفه؛ فلأنه ابتغى اللذة الوقتية في هذا الإرضاء غير مكترث بالعواقب، فهو آثر اللذة القربى على القصوى، واللذة الحادَّة القصيرة على المعتدلة الطويلة المدة، وفضَّل قيد الشهوات الخفيف على حرية النفس العنيفة.

وفي كثير من الأحوال يضأل في نظر الإنسان الخير العام إلى حد أن لا يراه مستحقًا تضحية شيء من المشتهيات لأجله، بل إلى حدِّ أن تصبح مناقضة هذا الخير العام غاية مرغوبة؛ كأن يماطل المرء الحكومة في دفع الضريبة، أو يلقي قمامات الأقذار في الشارع حين غفلة البوليس، أو أن يخفي عن دائرة الصحة العمومية خبر إصابة وباء في بيته. فكل هذه وأمثالها يرتكبها الإنسان وهو يعتقد أنها ليست جرائم، ما دامت عين الحكومة لا تقع عليها، وقد يخدع الإنسان نفسه إذ يبررها لظنه أنها لا تضر أحدًا، ولكن إذا ارتكبها سواه رأى شرَّها أعظم مما يراه لو هو ارتكبها.

وسبب ذلك أن الواجبات الاجتماعية تبدو دائمًا مهددة رغائب الإنسان الذي لم يتعلم، ولم يتحقق جيدًا، ولم يفهم أن خير المجتمع وخيره الشخصي واحد؛ ولذلك هو يقابل الواجب نحو المجتمع كوقر ثقيل عليه، وينظر إلى القوانين والأنظمة المدنية كخصوم له. يرى أن هذه الأنظمة والقوانين تضيق دائرة حريته، وأن الواجبات المفروضة عليه نحو المجتمع تضغط على رغائبه.

ولذلك هو يقاوم القوانين ويحاول نفض الواجبات عن عاتقه، ولكنَّه إذا كان يفهم أن خيره متوقف على خير المجتمع جعل نظام المجتمع نظام نفسه، ووفق سلوكه عليه باختياره. فبقدر ما يفهم المرء هذه الحقيقة ويتشربها ويسلك بموجبها مختارًا يكون فاضلًا، وبقدر ما يجهلها أو يتجاهلها أو يأباها ويخالفها في سلوكه يكون رذيلًا.

(١-٣) الرذيلة سقم سجية الفضيلة

الرذيلة كالفضيلة سجية، أو هي سقم سجية الفضيلة وضعفها؛ فكلما قويت هذه السجية تمكنت الفضيلة، وكلما ضعفت ظهرت الرذيلة، وبتلاشيها تتلاشى الفضيلة وتقوم الرذيلة مقامها. هي النزعة إلى أحد جانبي الخير والشر؛ فكلما مالت بالإنسان إلى الخير تعدلت الفضيلة، أو إلى الشر تعدَّلت الرذيلة. واتجاه هذه النزعة إلى الخير أو إلى الشر يتوقف على قوة الشخصية وضعفها، من حيث مقاومة الغرائز والنبضات والعواطف والشهوات البهيمية.

وقوة الشخصية تتفاوت بحسب اختلاف الظروف والأحوال التي تستدعي أقدارًا معينة من القوة للمقاومة؛ ولذلك تتلون أعمال الإنسان وتصرفاته بألوان الفضيلة والرذيلة حسب الظروف والأحوال من جهة، وحسب متانة الشخصية الأدبية من جهة أخرى؛ فالشخصية الأمتن أكثر اتجاهًا إلى الخير، وتطبعًا بالفضيلة، والعكس بالعكس.

وقد تقدم القول: إن الرذيلة كظل لما تحجبه الطبيعة الحيوانية من نور الفضيلة؛ فبقدر ما يكون نور الفضيلة ساطعًا يكون ظل الرذيلة حالكًا، وحيث لا نور فلا يظهر ظل. بهذا المعنى لا يختلف مظهر الرذيلة باختلاف الأشخاص من حيث تطبعهم بسجايا الفضائل، فإثم العاقل أوضح من إثم الجاهل، وخطأ العالم أفظع من خطأ الساذج.

تختلف مظاهر الرذيلة بحسب اختلاف الأحوال المقترنة بها؛ فهي شر أو معصية أو جريمة أو زلة كما ترى فيما يلي:

(٢) طائفة الرذائل

(٢-١) الشر

الشر سجية في النفس تلوثها بأدران الشهوات البهيمية، والشرير مَن كانت له هذه السجية من غير نظر إلى سلوكه؛ فقد لا تؤذن له الظروف بأن يأتي شرًّا، ولكن متى أذنت له أتى الشر. وقد يأتي من المحامد ما يوهم أنه فاضل، ولكن شرًّا واحدًا خطيرًا يأتيه في ظروف حرة لا يدع عندك شكًّا بأنه شرير؛ ففعْلُ الشر هو أعم مظهر للرذيلة.

إن السجية صفة داخلية للنفس، وهي واسعة المجال في العالم النفساني الخفي؛ ولذلك قلما تظهر للعالم المحسوس، ولا تتمثل دائمًا كما هي في الأعمال الخارجية الظاهرة، كما أنها لا تختفي كل الاختفاء، بل لا بد أن يظهر ظلها ولو بعض الظهور في الأفعال الخارجية المحسوسة.

ولذلك لا يقف الحكم الأدبي عند الظواهر، بل يتغلغل إلى البواطن حيث تنبض محركات الأفعال، وتسيطر مُدرِّباتها، فلا يحكم على هذا الفعل إن كان حقًّا وعدلًا وصوابًا لمجرد ظاهره فقط، بل يحسب محركاته ومدرباته؛ فإذا شبَّت النار في هشيم من سيكارة رماها شخص في مكان قريب، فقذفتها الريح إلى الهشيم، فلا بد من التحقيق إن كان الشخص قد قصد برميها إلى هذه الغاية أو لم يقصد. قد يفشل المحقق فلا يستطيع إثبات القصد، ولكن رامي السيكارة نفسه يعرف نفسه إن كان قد تعمَّد إحراق الهشيم أو لم يتعمده.

فثبوت الشر لا يتوقف على التحقيق الخارجي، بل على حكم الفرد الداخلي؛ ولذلك يشترط الناموس الأدبي أن يكون القلب أولًا صالحًا لكي يكون الفعل صالحًا، فإذا كان القلب شريرًا فلا عبرة في نجاح التحقيق أو فشله فيما إذا كان الفعل الحاصل متعمدًا أو غير متعمد.

فإذا كان حامي القانون ومنفذه لم يجد إثباتًا لجريمة ليأمر بالعقاب؛ فالضمير المنفذ للشريعة الأدبية هو الشاهد والقاضي والمعاقِب.

(٢-٢) الخطيئة

ظهر لك فيما تقدم أن الشرَّ المضمر خطير الشأن كالشر الظاهر في الأفعال؛ لأن هذا صادر عن ذاك، أو أن ذاك إذا فاض تدفق في الأفعال الظاهرة، فالشر من الوجهة الأدبية، ظهر أو أُخفي أو بقي في النية، إنما هو شر على كل حال. ومن قبل عهد موسى كان من يشتهي امرأة غيره أو متاعه يعد أثيمًا، كان كأنه زنى أو اغتصب.

مع ذلك بين الشر الذي يبقى مضمرًا في النفس والشر الذي يظهر في الفعل والسلوك فرق واضح من حيث القيمة، كالفرق بين الفضيلة الكامنة في القصد الصالح والنية الحسنة، والفضيلة التي تبدو في الأفعال الصالحة. قد يتفق اثنان على سرقة منزل ويشرعان في العمل، ولكن أحدهما يتردد خوفًا من الوقوع في يد القضاء ثم يعدل، والآخر يستمر في العمل إلى أن يتمكن من السرقة، فالاثنان شريران، ولكن الثاني وحده مجرم؛ لأنه نوى السرقة وارتكبها، وأما الأول فنوى ولم ينفذ.

كذلك الأمر في الفضيلة ظاهرة أو مضمرة، فقد ينوي شخصان في ظروف متماثلة أن يعملا عملين خيريين متماثلين، فأحدهما ينفذ نيته بلا تردد، والآخر يتردد ويسوِّف تحينًا لظرف آخر أفضل. وقد يأتي الظرف الآخر أردأ، فيتعذر عليه التنفيذ. فكلاهما فاضلان؛ لأن كلًّا منهما نوى عملًا صالحًا، ولكن الأول عمل والآخر لم يعمل.

(٢-٣) تفاوت القيمات الأدبية

فترى مما تقدم أنه لدينا أربع حالات أدبية مختلفة القيمة:
  • (١)

    شخص نوى نية صالحة ولم ينفذها.

  • (٢)

    شخص نوى نية صالحة ونفذها.

  • (٣)

    شخص نوى شرًّا ولم ينفذه.

  • (٤)

    شخص نوى شرًّا ونفذه.

فأي هؤلاء الأربعة أفضل وأيهم أشر؟ وكيف يترتبون من حيث القيمة الأدبية؟ لأول نظرة عامة يتبادر إلى الذهن أن القصد الصالح «الحالة الأولى» الذي يظهر في الفعل أفضل من الذي يبقى مضمرًا؛ لأن الفعل الصالح يشمل الأمرين معًا، أو هو نتيجة النية الصالحة. وبعبارة أخرى: إن النية الصالحة أقل قيمة من العمل الصالح، وكذلك العمل الرديء «الحالة الرابعة» شرٌّ من النية الرديئة؛ لأنه يشتمل على النية والفعل معًا، ولأنه أعظم ضررًا من النية.

ولكن هذه القاعدة لا تطرد لعدم اطراد الظروف، بل كثيرًا ما تنعكس في ظروف مختلفة، والأفضل أن لا تحسب قاعدة؛ لأن النية والفعل غير مستقلين، بل هما مقيدان بالظروف والأحوال؛ فإذن الظروف تعين قيمة الشر والصلاح في كل من النية والفعل.

فأولًا يمكن أن تكون النية الصالحة التي لم تنفذ أعظم قيمة من الفعل الصالح إذا كان المانع من تنفيذها قوة قاهرة، كأن يموت صاحب النية الصالحة، أو يفقد قوة التنفيذ قبل أن يتمكن من التنفيذ. وتكون قيمة الفعل الصالح أقل من قيمة هذه النية الصالحة إذا كان صاحب الفعل الصالح يتذرع به إلى نفع شخصي، فلم يجعل الفعل غايته القصوى، بل واسطة لغاية أخرى.

هكذا كان فلس الأرملة عند المسيح أعظم قيمة من إحسان الغني، فمرجع قيمة الصلاح سواء في النية أو في الفعل يعود إلى مقدار تطبع النفس فيه كسجية، فالشخص المطبوع على الفضيلة يفعل الصلاح كلما سنحت له الفرصة، والمرء المتكلف الفضيلة يأتي الأفعال الصالحة أقل مما يأتيها ذاك.

كذلك الأمر في الرذيلة؛ فقد يمكن أن يكون الفعل الشرير أقل رداءة من النية الشريرة إذا كان قد أتاه شخص ليس الشر من طبعه، بل أتاه عن طيش أو تهور. فهذا الفعل الشرير قلما يتكرر من قِبل الشخص نفسه، أو لا يخشى أن يتكرر. والنية الشريرة تكون أردأ من هذا الفعل الشرير إذا كانت صادرة من شخص مطبوع على الرذيلة؛ فهو يتحين الفرص الملائمة لإتيان الشر، ولا يمنعه عنه تردد أدبي أو زجر الضمير، بل يمنعه خوف العقاب الزمني. مثل هذه النية الشريرة أخطر وأضرُّ؛ لأنها عرضة للبروز إلى حيِّز الفعل كلما سنحت الفرصة.

وهناك اعتبار آخر يجعلها أشرَّ من الفعل الشرير، وهو أنها خفيفة لا تبلغ إليها يد العقاب، ولا تتقي أذاها عين الحذر. وأما الفعل الشرير فيتلقى عقابه على الأثر، ولأنه ظاهر ينبه عين الحذر من تكرره.

والغالب أن العقاب يقمع الفعل الشرير، ولكنه لا يقمع النية الشريرة للأسباب المتقدمة، كذلك الثواب يشجع الأفعال الصالحة. ولأن النية الصالحة غير ظاهرة فلا يبلغ إليها ثواب. فهذا اعتبار آخر لنظرية أن العمل الصالح الظاهر أفضل من النية الصالحة المضمرة.

بعد هذا البيان يتضح لك أن الشر أعم من الخطيئة أو المعصية؛ لأن هذه تقتصر على العمل الشرير الظاهر، ولا تتناول النية الشريرة المضمرة، فلا نقول: إن زيدًا كذب لمجرد أنه نوى الكذب؛ إذ لا حكم لنا على نيته، وإنما نحكم على فعله؛ أي إذا كذب بالفعل.

فالشر يحكم به الضمير، وأما الخطيئة أو المعصية فيحكم بها الرأي العام، فالخطيئة أضيق دائرة عن دائرة الشر، وهي ضمنه، ثم تأتي الجريمة، وهي أضيق دائرة من الخطيئة كما ترى فيما يلي:

(٢-٤) الجريمة

الجريمة هي الشر أو الخطيئة التي يفرض لها قانون الحكومة عقوبة تنفذها السلطة المنفذة، ويستطيع القضاء التثبت منها. إذن يخرج من دائرة الجرائم:
  • أولًا: الآثام التي يتعذر سن قوانين لها لتعذر تحديد أذى ظاهر منها يقع على آخرين، كالسب والشتم غير العلني، وكالتقصير في النظافة الشخصية، وكمساكنة رجل وامرأة ليسا بزوجين شرعيين — في بعض بلاد دون أخرى — إلى غير ذلك، فيوكل الحكم فيها إلى الرأي العام، وعقوبتها احتقاره لها.
  • ثانيًا: الآثام التي يكفي تشويه السمعة ومقت الرأي العام عقوبة لها؛ كالبخل إلى حد النكوص عن إسعاف المنكوب، أو الطمع إلى حد انتهاز الفرص لاقتناص المنفعة من تعب الضعيف، عند إمكان تحايد المأخذ القانوني، وكالإخلاف بالوعد وعدم المحافظة على الميعاد، وكإنكار الجميل إلخ مما لا يعاقب القانون عليه، ولكن الرأي العام يستنكره ويزدري مرتكبه.
  • ثالثًا: الجرائم التي لها قوانين ولكن القضاء لا يستطيع التثبت منها؛ كأن يقرض المرابي مالًا بِرِبًا فوق الرِّبَا القانوني، ويتحاشى ظهوره في العقد بطرحه من القيمة المعينة في العقد حين يدفعها للمقترض؛ وبذلك يفلت من يد القضاء، وكذلك أن يغنم الطماع فرص أزمات بعض الناس المالية لكي يشتري أملاكهم بالبخس بواسطة الاسترهان ونحو ذلك.
  • رابعًا: الآثام التي كان يجب أن تدخل في عداد الجرائم التي يعاقب عليها القانون، ولكن التغرض في الاشتراع أخرجها من دائرة القانون؛ كمضاعفة الأسعار حين يقلُّ العرض عن الطلب بحجة أن التجارة حرة، وكإنقاص أجرة العامل حين يقل طلب العمال وهم كثيرون، بحجة أنه ما دام يوجد من يقبل أجرًا أقل تنقص الأجرة حسب القبول، ولا عبرة بقيمة العمل. ولأقل تبصرة في النظام الاجتماعي التنازعي، نجد كثيرًا من أمثال هذه الأحوال قد قصرت عنها يد القانون، بزعم أن الاسترزاق تنازع حر.

فترى مما تقدم أنه ليس كل شر خطيئة أو معصية؛ فالشر يشمل النية والفعل معًا، والمعصية مقصورة على الفعل فقط.

وليست كل معصية جريمة؛ فالمعصية تشمل ما يستحق عقوبة قانونية وما لا يستحقها، والجريمة مقصورة على ما يستوجب عقوبة.

وهذا البحث يسوقنا إلى كلمات جوهرية عن العقاب والثواب، وطبيعتهما، وحدودهما، والغرض منهما، وتأثيرهما.

(٣) العقاب

(٣-١) الصلاح والشر مصحوبان بثوابهما وعقابهما

الإثم زيغان عن جادَّة الصواب إلى ناحية الخطأ، ونتائج الخطأ دائمًا سيئة مؤلمة مؤذية؛ فلذلك يمكن القول كقاعدة مطردة: إن الإثم يصطحب معه شرًّا؛ أي أذًى، كما أن العمل الصالح يصطحب معه خيرًا. ولا بد أن يرتد مدى شرِّ الإثم على الآثم بأية طريقة، فيكون الأذى الذي يصيبه منه كعقاب له، كما أن صدى الخير الناجم عن العمل الصالح يرتدُّ إلى عامله كثواب له، فإذا صح هذا القياس كان الآثم يجلب عقابه معه، والصالح يجلب ثوابه معه.

أما أن القياس صحيح فلأن العمل الصالح إنما هو العمل الموافق لرقيِّ المجتمع ونجاح جميع أعضائه، والمرء الفاضل الذي يجاهد في الأعمال الصالحة إنما هو مجاهد إلى جانب المجتمع ومعه وبموافقته، ومتعاونٌ مع سائر أفراده؛ ولذلك ينتظر أن ينجح عمله كنتيجة لنجاح المجتمع العام، ولما يناله من معاونة المجتمع له وموافقته.

وكذلك العمل الطالح «أو الآثِم» إنما هو العمل المخالف لرقيِّ المجتمع ونجاح أعضائه. والمرء الشرير الذي يعمل طالحًا إنما هو مجاهد ضد المجتمع، ومحارب لرقيه، ومقاوم لنجاحه؛ لذلك لا ينتظر أن ينجح في مساعيه لمقاومة روح المجتمع له، ومناهضة أعضائه إياه، ولأن له نصيبًا من الأذى يورثه صلاحه للمجتمع.

إذا تأملت جميع أحوال من تعرفهم جيدًا من الناس الصالحين والطالحين، وما تقلبوا عليه من خير وشر، وجدتَ أن الشواهد على هذه النظرية الآنفة صادقة كثيرًا؛ فما من بارٍّ إلا تمتع بقدر وافرٍ من الهناء في حياته الزمنية، وكذلك ما من شريرٍ إلا قاسى في حياته كثيرًا من رزايا شروره.

(٣-٢) عكس النظرية الآنفة

وهنا لا بد أن يتمثل في ذهن القارئ ما يناقض هذا القول؛ لأنه يرى كثيرين من الأشرار ناجحين يتمتعون، كما أنه يرى كثيرين من الأبرار فاشلين يقاسون، وربما كان الأشرار المتمتعون أكثر من الأبرار المتمتعين، والأبرار المقاسون أكثر من الأشرار المقاسين.

أجل إن الأمر لكذلك، وببالرغم من وجاهة هذا الاعتراض تبقى النظرية التي نحن بصددها صحيحة، أي أن الآثام لا بد أن تنتج شرورًا ومصائب، فإن لم يرتد صداها إلى فاعلها في الحال أو في الغد القريب، فلا بد أن يرتد في الغد البعيد، فإن لم تدركه في إبان عجزه أدركته في أواخر أيامه، وإن لم تدركه في شيخوخته أدركتْ ذريته من بعده.

وإذا اعتبرنا الحياة الإنسانية حياة السلالة لا حياة الفرد، كان عقاب الإثم واقعًا على فاعله معجلًا. وبهذا الاعتبار يصح القول: «إن الآباء يأكلون الحصرم والبنين يضرسون.» وبهذا الاعتبار ينتفي الحيف الذي يتراءى لنا في الوصية الثانية من وصايا الله العشر عن يد موسى: «افتَقِدْ ذنوب الآباء في الأبناء.»١

كذلك الأمر في الصلاح؛ فإن ثواب المرء البار يدركه معجلًا أو مؤجلًا، أو يدرك ذريته من بعده، وإذا لم يتمتع في حياته بثمرة نجاح عمله، فلا بد أن يتمتع بلذة نجاح مبدئه الذي يجاهد لأجله. إن غاليلو الذي كان يضطهد لأجل دعايته بنظرية دوران الأرض كان مسرورًا عظيم السرور؛ إذ كان يرى أن دعايته ناجحة، وأن أتباعه يزدادون.

(٣-٣) مَنشَأ العقاب

وليس القصد من التعليل السابق أن شر كل شرير يقع على رأسه وحده، ولا أن صلاح كل صالح يعود عليه بالخير وحده، ولا يمكن أن يكون الأمر كذلك ما دامت الهيئة الاجتماعية جسمًا حيويًّا مترابط الأعضاء كما علمت؛ فلا بد أن يصيب أذى الشرير كثيرًا من أعضاء المجتمع المتصلين به، كما أن اضطراب المعدة يحدث صداعًا، وكذلك خير الصالح يشمل كثيرين أيضًا؛ ولذلك يتوقف نجاح المجتمع على تغلب أبراره على أشراره، والعكس بالعكس.

وإذا كان ثواب البار غير مضمون له جزاء في حياته القصيرة، وكان الشرير يسلم في الأحوال الكثيرة من شر عمله، وإذا كان شر الشرير يلحق بسائر المجتمع، ويمكن جدًّا أن يصيب البار؛ فلا بد أن يتمثل لذهن القارئ هذا القول: إذن هذا الارتباط الاجتماعي غير حسن أو غير صالح؛ إذ لا يكفل العدل وإعطاء كل ذي حق حقه، أو هو ذو عيوب، فينبغي البحث في عيوبه، ومعرفة ما إذا كان ممكنًا إصلاحها، وإذا كان جزاء الإثم أو الصلاح يحتمل أن يكون مؤجلًا، فذيوع هذه الفكرة كافٍ لأن يقتل روح الصلاح في البشر؛ لأن السواد الأعظم من الناس «سروريون»؛ أي إنهم لا يعملون بحسب الفضيلة حبًّا بالفضيلة نفسها، بل حبًّا في اللذة التي يتوقعونها من ورائها.

وهذا قول وجيه أيضًا، وما غفل عنه العقل الاجتماعي؛ فقد جعل للآثام عقوبات أخرى — غير صدى شر الإثم الآنف ذكره — لا يستطيع الأَثَمَةُ أن يتملصوا منها، أولاها: عقوبة تأنيب الضمير، فإن لم يخافوا الضمير فهناك: ثانيًا؛ العقوبة الدينية، أي الوعيد بنار جهنم، فإن لم يحسبوا حسابًا لهذه ولا لتلك فهناك: ثالثًا؛ العقاب الحكومي الذي تفرضه القوانين. وإذا استطاع الآثم أن يتخلص من نوع العقوبة الأخير؛ فلأن في أنظمة المجتمع — لا في جسمانية المجتمع نفسها — عيوبًا لا بد أن تنصلح في المستقبل أو تقل على تمادي الزمان، كما أنها كانت في القديم أفظع منها الآن، وقد تصلحت.

(٣-٤) الغرض من العقاب

رأيت فيما تقدم أن شر الآثم أو المجرم وإن كان في بعض الأحوال أو في أكثرها يعود إليه، فلا بد أن يقع أولًا على المجتمع، أو على جانب من المجتمع، أو على فرد واحد منه على الأقل؛ ولذلك يعد الإثم أو الجريمة ضد المجتمع في الدرجة الأولى.

وبهذا الاعتبار يبرر للنظام الاجتماعي فرض العقوبات على قدر الجرائم، وإنزالها بالمجرمين عاجلًا، فمن ثمة سنت قوانين العقوبات. ولكن لماذا العقاب؟! وما غرض المجتمع منه؟

للمشترعين ثلاث نظريات بهذا الموضوع:
  • (١)

    أن يكون العقاب عبرة لغير المجرمين لكيلا يرتكبوا نفس الإثم، ولسان حال القضاء حينئذٍ: «لم يُعاقَب فلان لأنه سرق سلعة غيره، بل لكيلا تسرق السلع كلها.» ولكن ليست «العبرة» وحدها مقصودة من العقاب، وإلا لكان العقاب ظلمًا للمُعاقَب؛ لأن المراد به نفع الآخرين، أي تحسين أدبيتهم، على حساب غيرهم، أي بإيقاع العقاب على المُعاقَب. إذن لا بد من غرض آخر من العقوبات.

  • (٢)

    تأديب المجرم نفسه حتى لا يعود إلى الإجرام. وهو غرض أصح من الغرض السابق، وإنما يعيبه عدم اتفاقه مع قانون الحكم بالموت على القاتل؛ لأن قتل القاتل ليس تأديبًا له، بل هو حسْمٌ لشرِّه، هو بتر عضو في جسم المجتمع لأنه لم يعد صالحًا.

    ناهيك عن أن بعض العقوبات لا تؤثر هذا التأثير في بعض المجرمين، كما أن بعض المجرمين يكفي التأنيب اللطيف لكي يُتِيبَهم؛ ولهذا ذاع قانون «برانجه»، أي إيقاف تنفيذ العقوبة فيمن أخلاقه حسنة وليست له سابقة.

  • (٣)

    جزاء المثل بالمثل؛ أي إيقاع أذى على المجرم يساوي الشر الذي أحدثه جُرْمُه؛ لكي يفهم أن شرَّ إثمه واقع على رأسه معجلًا لا مؤجلًا.

بهذا المعنى كانت شريعة موسى عين بعين، وسن بسن، وشريعة العرب الجزاء الحق من نفس العمل، والسارق تقطع يده. ولا يخفى ما في هذه الشريعة من القساوة، وما في معناها من روح الانتقام، فهل حقيقي أن المجتمع يبتغي من العقاب الانتقام، وإلا فما هو غرضه منه؟

(٣-٥) جزاء المثل

كيان المجتمع قائم بنظامه الحسن، ونظامه مؤيد بشريعته الصالحة له التي تنفذها سلطته. والسلطة تحمي النظام من الخلل بمنع التعدي على الشريعة، وإن حدث هذا التعدي تثبت السلطة وجودها، وحسن نظامها، وصلاحية شريعتها، برد ضرر هذا التعدي على من فعَله، أو بإيقاع مثله عليه. وتوبة المتعدي بعد ذلك وعدم تكرر الاعتداء — منه أو من غيره — إنما هما برهان على وجود السلطة في المجتمع، وعلى حسن نظام المجتمع وصلاحية شريعته لحفظ كيانه.

فالغرض الرئيسي من العقاب إذن إشعار المعاقَب بأن النظام الحسن والشريعة الصالحة هما ركنا حياة المجتمع، وأن الإخلال بالنظام والاعتداء على الشريعة يعرضان المجتمع للخطر، وقلما يرجى أن تقل الجرائم وتصلح أخلاق المجرمين إلا إذا كان سواد الناس يدركون هذا الغرض من العقاب، ويمتنعون عن الإجرام، لا خوفًا من العقوبة، بل كرهًا للجريمة لأنها عدوة المجتمع.

فجزاء المثل بالمثل من قِبل سلطة المجتمع ليس انتقامًا، بل المقصود منه تأييد وجود السلطة والنظام والشريعة أركانًا لحياة المجتمع. بهذا الاعتبار جعل جزاء المثل في قوانين الأمم المتمدنة أقل قساوة وعنفًا مما كان في شريعة موسى ومثيلاتها؛ فبدل أن تقلع عين من يقلع عين امرئ آخر تفرض عليه غرامة للمعتدى عليه لإيفاء العدالة حقها، وبدل أن تُقطع يد السارق يُحبس ويُؤخذ منه ما سرقه، وإن كان قد بدده فيحبس أيامًا تساويه قيمة. وهكذا نرى أن شريعة جزاء المثل بالمثل على هذا النمط لا تعني الانتقام، بل منع التعدي على الشريعة، ومنع الإخلال بالنظام، أو إثبات وجود السلطة والحرص على سلامة المجتمع.

(٣-٦) المعاقبة حق للحكومة وحدها

وكما أنه ليس لسلطة المجتمع في العقاب غرض الانتقام، كذلك ليس لها أن تسامح وأن تتسامح، أو أن تبالغ في الرحمة؛ لئلا يُنسى وجودها، وتضعف قوة الشريعة، ويتعرض النظام للخلل، والمجتمع للخطر.

فلو فرضنا أن الشريعة أو السلطة تسامحت واقتصرت في عقوبة السرقة على وجوب رد السرقة للسارق، فإذا استطاع السارق أن يستهلك المسروق وينتفع به قبل أن يُسترَد منه؛ فليس ما يمنعه عن إعادة الكرة وتكرار السرقة، وحينئذٍ يتعرض المجتمع ونظامه وشريعته للخطر.

ولأن سلطة المجتمع لا تنتقم لكيلا يقع حيف على المجرم، ولا تتسامح لكيلا يقع خطر على المجتمع نفسه؛ حُصِر حقُّ المعاقبة فيها، وإن كان أذى المعتدي يقع على المعتدى عليه شخصيًّا، وعلى المجتمع برمته معنويًّا.

ولأن الفرد عرضة للانفعال النفساني ولتأثير العواطف في تصرفه، فيحتمل أن يرد للمعتدى عليه مضاعف الأذى الذي أصابه من اعتدائه، أو أن يتسامح معه أو يسامحه؛ فليس من مصلحة المجتمع ولا من الحرص على سلامته أن يسوغ للفرد أن يتولى عقاب من يسيءُ إليه، فإذا تولى المُعتدَى عليه معاقبة غريمه عدَّ مجرمًا وعوقب، وإذا سامح غريمة فالشريعة تصرُّ على عقاب الغريم، فهناك حق المجتمع قبل حق الفرد، وواجب المجتمع قبل واجب الفرد.

(٣-٧) الانتقام

ولكن إذا كان العقاب كما نفهمه الآن يعلل بإشعار المجرم بوجود السلطة وقوة النظام والشريعة، فلا ينتفي أنه كان في الأصل انتقامًا، فهو معلوم أن الاعتداء يثير غضب المُعتدَى عليه وحنقه وحقده، ولا يسكن غضبه حتى يروي غليله بالثأر من غريمه. ولما كان محتملًا أن يتجاوز الآخذ بالثأر حقه، ويصبح معتديًا بعد أن كان مُعتدًى عليه، وكان إطلاق الآخذ بالثأر بلا حد ولا قيد يعرض الجماعة لخطر الفوضى الهادمة لكيانها، اهتدت سلطة الجماعة بالاختبار إلى صلاحية تقييد الأخذ بالثأر بشريعة تضمن التوازن بين الجريمة والثأر.

وما زالت شريعة الثأر محترمة عند القبائل الهمجية إلى اليوم. ولما شرعت الجماعات تفهم أن تدخل سلطاتها في مسائل الجرائم والثارات حسنة النتائج لها، جعلت تسلم حق الاشتراع هذا للهيئة الممثلة السلطة من شيخ قبيلة أو زعيم أو مجلس شيوخ. ومن ثمة، جعلت السلطة المسيطرة تتولى نفسها الأخذ بثأر المُعتدَى عليه من غريمه؛ لكيلا يتجاوز المُعتدَى عليه حقه في الثأر. ومنذ ذلك الحين صار يتلاشى معنى الثأر ويتحول إلى معنى العقاب إلى أن أصبح كما نفهمه اليوم.

(٣-٨) التسامح

والعوامل الارتقائية التي لاشت روح الانتقام أو الأخذ بالثأر من معنى العقاب ومن العقل الاجتماعي، هي نفسها خففت كثيرًا من غلواء روح الانتقام من نفسية الفرد، فكان أنه كلما صار الفرد يعتقد أن العقاب من حق سلطة المجتمع، وما هو انتقام، بل هو إشعار بقوة الشريعة وحسن النظام، كان يتسامح مع غريمه إذا كان ذنبه زهيدًا؛ لأنه يفهم أو يعتقد أن الذنب البسيط لا يعد جريمة ضد المجتمع، وليس كل مذنب يعد عدوًّا للمجتمع.

أضف إلى ذلك أن توثق الرابطة الاجتماعية، الذي هو من نتائج تفاعل العوامل الأدبية والاجتماعية جميعًا في عملية التطور، يوطد في ذهنية الفرد أن من أركان نجاحه في مناهج الحياة مسالمته لأخيه الإنسان، وكسب ودِّه وصداقته؛ ولذلك يتذرع إلى هذه الغاية بالتسامح معه، فإذا أذنب ذنبًا بسيطًا سامحه.

(٣-٩) المسامحة

فمن ذلك ترى أن ارتقاء الأدبية وتدمث الأخلاق الإنسانية أفضيا إلى إضعاف روح الانتقام في الأفراد، واستقواء روح المسامحة، وإذا شاعت هذه الروح وعمَّت السواد الأعظم من الناس ظهرت في سلطة المجتمع نفسه، وفي الشريعة أيضًا. فمع أن النظام الاجتماعي متصلب، قليل الانفعال والعاطفة، بحيث لا تصح نسبة الانتقام والمسامحة له، فلا بد أن يتأثر من الروح التي تعم الأفراد، ويتخلق بأخلاقهم على قدر ما تلين صلابة طبعه.

ولذلك لما كانت روح الانتقام في عهد الهمجية شديدة، كانت شريعة العقاب عنيفة، ولما ضعفت هذه الروح وجعلت روح المسامحة تحلُّ محلها، صارت الشريعة أقل صلابة وعنفًا من قبل. فالشريعة الآن تجيز الصلح بين المتخاصمين في الأحوال التي لا يعد ذنب المذنب فيها تجاه المجتمع كبيرًا.

وكذلك فسحت الشريعة المجال بين حدود العقوبات، وخوَّلت للقاضي أن يعتمد على وجدانه وضميره في تعيين قدر العقوبة، وأن يميل للرأفة أكثر منه إلى العدل، ثم سوَّغت الشريعة للقضاء أن يساعد المجرم في إثبات براءته. فكل هذه من مظاهر تسامح سلطة المجتمع وانبثاث روح المسامحة في الشريعة نفسها، تأثرًا من روح المسامحة التي نشطها ارتقاء الأدبية الاجتماعية كما تقدم التنويه.

(٣-١٠) التوبة

إذا كان الخوف من ألم العقاب رادعًا عن الإجرام، فازدراء الجريمة واحترام الشريعة أردع عنه؛ لأن الخوف من العقاب لا يصاحب كل جريمة، فقد يؤمل المجرم أن يرتكب جريمته سرًّا، أو أن يفلت بأي وسيلة من يد القضاء؛ ولذلك قد لا يقوم الرادع في وجهه، ولكن الاعتقاد بأن الجريمة أمر خسيس مكروه، وأن الشريعة قوة مقدسة، حاضر في الذهن دائمًا؛ فهو رادع دائم، والضمير حارس له.

وإذا كانت الجماعة قد بلغت هذه الدرجة من النظر إلى الجريمة كشيء خسيس دنيء، وإلى الشريعة كشيء مقدس يجب أن يحترم، وإذا كانت ضمائر أفرادها قد بلغت إلى هذا الحد من الحرص على احتقار الجرائم وتقديس الشرائع، إذا بلغت الجماعة إلى هذه الدرجة من الرقي الأدبي تقل الحاجة إلى العقاب؛ لأن المسامحة تصبح أفعل منه في الردع، أولًا: لأن عنف العقاب في النفوس الراقية الأدبية يتمثل كانتقام فيثير الحقد والحنق من مكمنهما، وثانيًا: لأن المسامحة التي هي كمكافأة لتبكيت الضمير الذي قام مقام العقاب تُزيِّن التوبة للمذنب كطريق جميل إلى دار الفضيلة.

فإذا بلغت الجماعة إلى هذه الدرجة من الرقي الأدبي، بحيث تصبح المسامحة أو العفو أفعل من العقاب في الردع عن الإجرام؛ كانت صاعدة في سُلَّم الرقيِّ الأدبي باطراد، وكان الإجرام يقل من نفسه كلما حلت المسامحة محل العقاب. حينئذٍ تكون الهيئة الاجتماعية أقرب مسافة إلى المثل الأعلى.

(٣-١١) قدر المسئولية والمعذورية

بقي أمر جوهري من خصائص العقاب لا يمكن إغفاله من هذا الفصل، وهو: هل يكون المرء دائمًا مسئولًا عن سلوكه أو عمله، أم أنه يكون في بعض الأحوال معذورًا؟ فما هو الحد الفاصل بين مسئوليته ومعذوريته؟ ومتى يجب أن يقوم العفو مقام العقاب؟

قد علمت فيما سبق أن السلوك هو فعل مراد بتعقُّل، وفي الإرادة والتعقل معنى الحرية، وحيث يكون الإنسان حرًّا يكون مسئولًا ولا عذر له. فإذن متى تجرَّد الفعل من الإرادة والتعقل، أو من التعقل وحده؛ ضعفت المسئولية عنه إلى أن تكاد تتلاشى.
  • (١)

    فالمجنون غير مسئول عن فعله؛ لأن فعله مجرد من الإرادة والتعقل، أو من ثانيهما على الأقل، ومثله السكران، فسكره جنون وقتي، فهو معذور فيما فعله في أثناء سكره، ولكنه ملوم على سكره لأنه تعمده في حالة صحوه.

  • (٢)

    كذلك الجاهل يُعذَر، وإنما يلام إذا كان لإهماله جَهِل ذنبه؛ ولهذا يعد العقاب في الجماعة الجاهلة بقصد الإرهاب أو الردع جائرًا؛ لأنه واقع على أشخاص قليلي المسئولية لجهلهم. فالعاميُّ الذي لا يعرف القراءة لا يلام إذا لم يعلم بقانون جديد لم يُذع في الجرائد، أو في الجريدة الرسمية، والسلطة التي تعاقبه أولَى بأن تُعاقَب هي؛ لأنها حرمته المعرفة التي تقيه من ارتكاب الذنب الذي ارتكبه غير دارٍ به.

  • (٣)

    إذا كان الباعث على الإجرام يثير الانفعال الإنساني بحيث يتغلب الخلق على الإرادة والتعقل؛ فتخف المسئولية وتقوى المعذورية بنسبة هذا الانفعال.

وقد حسب بعض المفكرين الإجرام مرضًا جنونيًّا، وكل جريمة ضربًا من الجنون؛ ولذلك خففوا المسئولية إلى الحد الأدنى، واقترحوا أن يعالج المجرمون من هذا الداء، داء الإجرام، بدل أن يعاقبوا. وهم يبنون هذه النظرية على نظرية أن أفعال هؤلاء المجرمين ليست صادرة عن مطلق إرادتهم، بل هي نتيجة تغلب الظروف المحيطة بهم على إرادتهم وتعقلهم؛ ولذلك يعذرون. فإذا صحت هذه النظرية سقطت نظرية حرية الإنسان برمتها، وإذا كانت نظرية الحرية صحيحة، فنظرية هؤلاء في المعذورية المطلقة ساقطة لا محالة.

(٣-١٢) قيمة اليمين في الشهادة

إذا لم يخف المجرم عقاب الآخرة، ولا عقاب المجتمع، ولا عقاب الضمير، واستطاع أن يفلت من القضاء، فلا يبقى مهددًا له إلا الشاهد. وهو آخر وسيلة من وسائل درء الجرائم، ولكن الشاهد نفسه إنسان كالمجرم يحتمل أن يكون شريرًا لا صالحًا كما تفترضه الشريعة، لا سيما لأن ضوابط صلاحيته التي عينتها الشريعة لا تكفي ضمانة لكونه شاهدًا عادلًا، وأعظم ضابط للشهادة هو اليمين. فما هي قيمة اليمين؟

إما أن يكون الشاهد صالح الضمير أو شريره؛ فإن كان صالح الضمير فالشهادة صادقة من غير يمين، وإن كان شرير النفس فاليمين لا تضمن صدق شهادته؛ لأن الشرير يحلف زورًا، وإذا كانت يمين الشاهد لا قيمة لها، فبالأحرى يمين المجرم نفسه لا قيمة لها؛ لأن من يجرم وينكر جريمته لا يتردد في أن يحلف زورًا.

لليمين قيمة حيث تخيم الخرافات والأوهام، وحيث يعتقد الناس أن المقسم اليمين زورًا يعاقب عاجلًا في حياته، ولكن حيث لا وجود للخرافات والأوهام والسخافات، أو حيث هي ضعيفة جدًّا، فلا تأثير لليمين بتاتًا لا باسم الله ولا باسم الشرف، فالضمانة الوحيدة لصحة الشهادة في المجتمع الراقي العاري من الخرافات هي ارتقاء أدبية ذلك المجتمع، وارتقاء أخلاق أهله.

(٤) الثواب

(٤-١) الثواب نتيجة طبيعية للشريعة الأمرية

اقتصر بحثنا في هذا الفصل على العقاب كأنَّ الثواب لا شأن له فيه؛ وسبب ذلك أن الشريعة على الغالب شريعة النهي عن المحرَّمات — شريعة ردع الشهوات — فوصايا موسى العشر «ما عدا اثنتين» مصوغة بصيغة النهي: لا يكن لك إله غيري، لا تصنع تمثالًا منحوتًا، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق إلخ، فالامتناع عن هذه المنهيات لا يستحق ثوابًا، تكفي النجاة من عقاب مخالفتها ثوابًا.

أما الشريعة الأمرية، أي شريعة فعل الخير، فهي شريعة الإرادة الحسنة، شريعة الروح الصالحة، شريعة القلب الطيب، فهي لا تقتصر على ردع الشهوات فقط، بل تقتضي بالتبرع بالعمل الصالح أيضًا، وكما أن لاندفاع الشهوات في الطلاح عقابًا، كذلك لاندفاع النفس الصالحة في عمل الصلاح ثواب.

فالعقاب لمخالفة الشريعة السلبية، والثواب لطاعة الشريعة الإيجابية.

على أن الحقيقة في الثواب لا تقف عند هذه النظرية فقط، بل تتضح في نظرية أخرى، وهي أن الثواب حاصل كنتيجة طبيعية لطاعة الشريعة أو عمل الخير؛ فإن الذي يطيع الشريعة ويسير حسب الفضيلة يكون مجاهدًا في ميدان الحياة بالاتفاق مع إخوانه ونظام المجتمع، فيجد في التعاون ثوابًا لصلاحه، وفي النصيب الذي يناله من رقي المجتمع العام أجرًا لحسناته.

(٤-٢) الثواب المعجل

وهنا قد تقول: إذا كان الثواب الطبيعي قد يأتي مؤجلًا كالعقاب الطبيعي، فلماذا تتعمد سلطة المجتمع تعجيل العقاب ولا تتعمد تعجيل الثواب؟ لماذا لا يكون قانون للمثوبات كما يوجد قانون للعقوبات؟

والجواب: أولًا أن ثواب العمل الصالح من تلقاء نفسه معجلًا على الغالب، وقلما يأتي مؤجلًا؛ لأن المرء وهو يسعى ويعمل ويكد مصاقبًا لنظام المجتمع، وموافقًا لمساعي إخوانه يكون ساعيًا إلى النجاح بالطريق الأقرب؛ فيبلغ إليه عاجلًا، وهو الثواب المعد له. ويمكن أن يستحق المرء الصالح ثوابًا لمبرات نافلة غير محتمة الوجوب عليه، فإذا لم ينل هذا الثواب إلا آجلًا؛ فلأن الثواب نفسه نافلة كالمبرة؛ ولذلك لا يجعل له شريعة، كما أن لا شريعة للمبرة النافلة.

وهناك اعتبار آخر أهم شأنًا — وهو لا يخفى عليك — أن الشريعة النظامية الحتمية؛ أي شريعة الحكومة أو الدين، حتى الشريعة الأدبية الاختيارية، إنما هي مضيقة للحرية الشخصية، وكل ما يُضيِّق الحرية يقلل المسئولية؛ وبالتالي يضعف قوة الأدبية.

فالفعل المحتوم بموجب الشريعة يخرج من دائرة الأدبيات؛ فلذلك اقتصرت الشرائع على النهي عن الأفعال الشريرة التي تعرض المجتمع للخطر، وأنذرت فاعليها بالعقوبات العاجلة حرصًا على سلامة المجتمع؛ لأنه لو أمهل الأشرار إلى أن يقع العقاب الطبيعي الآجل عليهم، فقد يتقوض نظام المجتمع قبل أن يقع شرهم الخاص على رءوسهم وحدهم؛ فلذلك اقتضي تعجيل إيقاع العقاب عليهم.

وأما الأفعال الصالحة التي تئول إلى رقي المجتمع، فقد ترك الأمر فيها لحرية الناس لكي يأتوها بدافع القوة الأدبية بمطلق اختيارهم، فلم تقيد بثواب، ولا تقيد التقاعدُ عنها بعقاب.

وبالإجمال يقال: إنه لا ثواب معين للقيام بالواجب حسب مقتضى النظام والشريعة. حسبه النجاح ثوابًا له. ولكن لعصيان الشريعة ومخالفة النظام بعكس الواجب عقابًا معينًا. هكذا اقتضى الرقي الاجتماعي العام الذي تتوزع نعمه على الجمهور.

١  التوراة، سفر الخروج، الإصحاح العشرون، العدد الخامس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١