الفصل الأول

سنن التطور الأدبية

(١) مقتضى التطور

(١-١) للإنسان غاية قصوى يرمي إليها

رأينا في غضون مباحثنا الماضية أن الإنسان لا يسلك في عالمه اعتباطًا إلى مصير مطلق غير مقيد ولا محدود، ولا هو ملقًى في عالمه كريشة في مهب الرياح تحت تصرف العوامل الخارجية المطلق. لا، بل هو يسلك ونصب عينيه دائمًا غاية يسعى إليها، هو يعقلها ويعينها. وبهذا يمتاز على سائر المخلوقات المسيرة غير المخيرة، وعلى الحيوان الذي وإن كانت فيه نبضات حيوية تتجه إلى غاية محدودة، بيد أنه قلما يعقلها، وقلما يُعيِّنها.

وقد علمنا أن الغايات سلاسل متصلة يفضي بعضها إلى بعض كأن هناك غاية قصوى يبتغيها الإنسان، أو يتجه إليها بسلوكه، فهل هناك حقيقةً غايةٌ قصوى؟ وما هي؟

أما إنَّ هناك غاية قصوى فيثبته تسلسل الغايات، وتوسل الإنسان بالواحدة إلى الأخرى، ولا بد للسلسلة من نهاية؛ فإذا كان السرور غايته القصوى يقف عند الغاية التي تجلب له أعظم سرور، ويكتفي بها كما يكتفي الحيوان الأعجم بالشبع. على أن تحمل الإنسان ألم المشقات في سبيله إلى غاياته يدلك على أن الشعور بالسرور ليس غايته القصوى، وإلا لسعى إلى سروره من أقل السُّبل إيلامًا. إذن لا بد أن يكون للإنسان غاية قصوى أخرى غير السرور يتجه إليها، فما هي؟

(١-٢) الجودة غاية الإنسان القصوى

وقد أشرنا إليها فيما سبق إشارات جلية؛ إذ اتضح من سياق البحث أن النوع الإنساني سائر في خطة تميزه على سائر المخلوقات، وهي أن يسبك شخصيته أو ذاتيته الروحية في قالب الجودة، أو بالأحرى في قالب الجمال النفساني، فاختيار الإنسان دائمًا الأجود والأحسن إنما هو لنزعة فيه إلى الجودة والحسن، أو بعبارة شعرية «إلى الجمال».

وبتمتعه بالجمال يصوغ شخصيته على مثال جميل، فغايته القصوى هي المثل الأعلى من هذه الصياغة الجميلة. إذن سلوك الإنسان — ونعني النوع الإنساني — متجه دائمًا إلى تحسين الشخصية على هذا النحو، وغايته القصوى الاقتراب ما أمكن إلى الكمال المطلق — الذي هو مرادف للمثل الأعلى — وما الأدبية إلا توجيه السلوك الإنساني في الطريق السديد المؤدي إلى هذه الغاية القصوى.

(١-٣) الغاية القصوى تستلزم التطور

فالمستفاد مما تقدم إذن، أن الحياة الأدبية حركة نمو أو عملية رقي؛ ولذلك لا بد أن تكون لها سنن تطور، فيحسن بنا إذن أن نبحث فيها من قبيل نظرية التطور. وهو معلوم أن فكرة التطور لم تنضج في العقل البشري إلى أن صارت علمًا قائمًا بذاته إلا في القرن الماضي؛ إذ اكتشف العلماء والفلاسفة أن سنة التطور عامة في جميع الخلائق الكونية من أجرام سماوية وجمادات وأحياء وحيوانات وإنسان، وإنما تختلف أشكالها باختلاف المخلوقات التي تتمشى عليها. ولعل الفيلسوف سبنسر أول من عمم سنن التطور على جميع الخلائق وأشكالها، وطبَّقها على أدب النفس أيضًا.

(٢) سنة المصاقبة

(٢-١) رأي سبنسر

وفحوى نظريته هكذا: لكل نوع من أنواع الحياة حركات ندعوها سلوكًا في كل حركة من حركاتها ما يقال عنه: إنه جيد أو رديء، وفي رأيه أن عملية الحياة قائمة حتى في أشكالها السفلى باستمرار مصاقبة متناسباتها الداخلية إلى متناسباتها الخارجية؛ أي بمواظبة الجسم الحي على المجاهدة في توفيق ذاته مع أحوال بيئته الخارجية. فكل سلوك من قبل الحياة — أو الجسم الحي — متجه إما إلى إتمام هذه المصاقبة، أو إلى عرقلتها ومنعها.

فما دام السلوك متجهًا في جهة المصاقبة يعدُّ حسنًا، وما دام مناقضًا لها يعدُّ سيئًا. والسلوك الحسن على هذا النحو يحدث سرورًا؛ لأنه يجعل الحي «السالك» على وئام مع بيئته، وبالعكس السلوك السيئ يحدث ألمًا لانعكاس السبب. وكل سلوك تقريبًا يكون بعضه حسنًا وبعضه سيئًا.

والسلوك التام الجودة هو الذي يُحدث سرورًا فقط بلا ألم، وإنما يقال عن السلوك: إنه حسن نسبيًّا إذا كان سروره يربو على ألمه؛ أي حاصل اتجاهه يؤدي إلى أفضل ما يمكن من المصاقبة للبيئة. والغاية الأدبية العليا هي مساعدة الحي في عملية التطور هذه التي تقوم بأتم ما يمكن من مصاقبة التناسبات الداخلية التي في الحي للتناسبات الخارجية في بيئته.

(٢-٢) مصاقبة الذات والبيئة للمثل الأعلى

وقد لاحظ مكنزي على سبنسر ملاحظة وجيهة في تعليل الغاية الأدبية على هذا النحو، وإليك فحوى ملاحظته: «إنه لواضح أن معنى الرقي استمرار عملية المصاقبة بين الحي وبيئته، وتطبيق الحياة على مقتضيات البيئة، فرقي المعرفة إنما هو استمرار تطبيق تصوراتنا على حقائق الطبيعة أكثر فأكثر فأكثر، كذلك تقدم الفنون إنما هو تعلمنا تدريجيًّا أن نطبق أشكال حياتنا على الضرورات التي تفرضها علينا أحوال عالمنا الخارجي. وهكذا في الأدبيات نزعم أن لنا عادات أجمل، وقوانين أفضل مما كان لأسلافنا، بقدر ما لنا من واسع التصورات فيما هو مطلوب منَّا، وبقدر ما نحن حسنو الضمير في تلبية هذا المطلوب. ومعنى ذلك أننا نطبق أشكال حياتنا على مقتضيات هذه الحال.

ولكن ماذا يتضمنه هذا التطبيق غير ذلك؟ أليس أنه يتضمن عدا ذلك أن لنا غايات خاصة نضعها نصب أعيننا لكي نسعى إليها؟ … إن الإنسان يدرك حاجته إلى مصاقبة بيئته لأن له أغراضًا محدودة: فالعالِم يرى أن أفكاره أو تصوراته غير مطابقة تمام المطابقة لحقائق الطبيعة؛ ولذلك يسعى إلى زيادة المعرفة لكي يتسنى له أن يطبقها أتمَّ تطبيق، فالإنسان العلمي يعلم حاجته إلى هذا التطبيق أو المصاقبة بينه وبين بيئته؛ لأنه يعلم أن له غاية يريد الحصول عليها، وبعبارة أخرى: لأنه يأتي إلى الوجود ومعه مثل أعلى ليس له في الوجود شكل مطابق له، بل هو يجاهد في ابتداعه.

فإذا كان الأمر كذلك انعكست الآية، فلا يقال: إن النقص الذي في الأحياء — والذي يزيله رقي حياتهم التدريجي — أنهم غير مصاقبين لبيئتهم، بل أن بيئتهم غير مصاقبة لهم؛ لأن القاعدة التي عرف بها هذا النقص موجودة فيهم لا في البيئة، فإذا كان الإنسان يبتغي أحيانًا أن يغير مجرى الطبيعة، فلأنه يريد أن يكيف البيئة لكي تصاقبه.

أو بالأحرى لأنه يريد أن يكيف البيئة ونفسه معًا لكي تصاقبا المثل الأعلى الذي يجب أن تتمثل به حياته، حتى إن الحيوانات العجماء في كثير من الأحوال تجعل البيئة مصاقبة لها كما تجعل نفسها مصاقبة للبيئة. ففي كل حال نرى هناك مثلًا أعلى للمصاقبة؛ أي إن هناك غاية يرمي الحي إليها مدركًا لها أو غير مدرك. وإذا كان الأمر كذلك؛ فمما لا ريب فيه أن الغاية هي التي تعين نوع عملية المصاقبة التي تنال بها الغاية نفسها.»

ووجه الخلاف بين مكنزي وسبنسر: هو أن سبنسر يجعل سبب عملية المصاقبة في عوامل البيئة الخارجية، ومكنزي يجعله في الغاية التي يرمي إليها الحي بواسطة هذه المصاقبة، على أن مكنزي لم يبسط وجاهة ملاحظته مع أنها من الأهمية بمكان عظيم، بل وقف عند تفنيد نظرية سبنسر كما رأيت. أما وجاهة هذه الملاحظة فهي في «يقيننا» في وضع الغاية القصوى في المكان الأول من الأهمية، وفي جعلها القوة الرئيسية المنبثة في عملية التصاقب.

(٢-٣) العقل يخضع الطبيعة لخدمة المثل الأعلى

ولو كانت الحركة الحيوية مقتصرة على المصاقبة المتبادلة بين الحي والبيئة لكان التطور بطيئًا جدًّا قلما يختلف عن تطورات الجمادات كالتطورات الجيولوجية مثلًا، ولو كان التطور مقتصرًا على مجرد نتيجة التفاعل الطبيعي بين قوتي الحي والبيئة لقلَّ التنويع فيه، ولرسا الحي على حالة واحدة في بيئة واحدة دهورًا طوالًا، ولما نشأ من الحياة العالم العقلي، ومن العالم العقلي العالمان الاجتماعي والأدبي؛ لأنه إن كانت الحياة نتيجة تفاعل كيماوي أو شبه كيماوي بين عناصر المادة، فالعقل ليس كذلك؛ بل هو في دوره الأول نتيجة تفاعل بين عمليات الجهاز العصبي وقوى الطبيعة الخارجية من تخيل وذاكرة إلخ، وفي دوره الآخر نتيجة تفاعل القوى العقلية نفسها، من تجريد واستدلال واستنتاج إلخ، مستقلة عن المادة.

فلذلك منذ تم نشوء الحياة وتميزها عن الجماد صار في جوهر الحي نزعة إلى التغلب على الطبيعة والتحكم فيها؛ ليخضع قواها ويستخدمها لرغائبه. ففيما هو يصاقب البيئة الطبيعية لكي يستطيع أن يعيش فيها، كان يحاول أن يجعلها من نواحٍ أخرى مصاقبة له، وكان كلما ارتفع درجة في سُلَّم رقيه ازدادت وسائله لإخضاع الطبيعة له، وجعلها مصاقبة له.

(٢-٤) إبداع الحي العالَم العقلي

فإذن منذ شرع الحيُّ يصعد في سُلم رقيِّه نشأت فيه غاية تسيير هذه المصاقبة التي بينه وبين الطبيعة، وهي أن يتفوق على الطبيعة ليس بكيفية قوته المتغلبة فقط، بل بشكل مادتها وأسلوب تركبها، وليس بذلك فقط، بل بإنشاء عالم روحاني لم يكن موجودًا في الطبيعة، أو لم يكن فيها منه إلا جوهره، وأما شكله وبنيته فهما من مبتدعات القوة الحيوية ومخترعاتها.

فالعالم العقلي البحت من تخيُّل وتجريد وتعليل إلخ ليس موجودًا في الطبيعة الجامدة، وإنما هو من مبتدعات الطبقة العليا من طبقات الحياة، من مبتدعات الجهاز العصبي الإنساني. وليس ذلك العالَم نتيجة تفاعلات هذا الجهاز مع قوى البيئة الطبيعية فقط، بل هو بالأكثر نتيجة تفاعلات الأجهزة العصبية والدماغية المتعددة بعضها ببعض أولًا، ثم تفاعلات القوى العقلية الصادرة منها بعضها ببعض ثانيًا.

خذ مثلًا لغة التفاهم بين الناس والحيوانات العليا، فإنما هي ابتكار الحياة الدماغية، وقد تغلب بها الحي على المسافات بحيث يتصل عقل بعقل عن بُعد.

ثم خذ المتون التي تمطيها اللغة كالكتابة والقراءة والطباعة، فقد تغلب بها الإنسان على الزمان، وصار في وسع عقول الخلف أن تتصل بعقول السلف، ثم أضف إلى ذلك ما جدَّ من أدوات النقل والنسخ؛ كالتراسل على أجنحة الأثير، وكحفظ الأصوات على الأقراص الفوتوغرافية، وحفظ الرسوم والصور في الألواح والأوراق، تجد أن العقل البشري الذي هو عالَمٌ فوق المادة قد ابتدع عوالم جديدة ليس في العالم الجمادي إلا مادتها فقط، وأما صورها والقوة المنبعثة فيها فإنما هي من ابتكاره.

وإذا عطفت على هذا الفن الجميل وجدت هناك عالمًا آخر أعجب وأعلى قد ابتدعه العقل البشري ابتداعًا، وليس منه في الطبيعة سوى مادته فقط؛ فالموسيقى والمجاز الشعري والتمثيل والرسم التخيلي وجميع أنواع الزخرفة إنما هي عوالم محدثة لم يكن لها أثر في الطبيعة قبل أن ينضج العالم العقلي.

وأغرب من ذلك وأعجب عالم الرياضيات المجردة؛ فقد أصبح هذا النوع من العلوم عالمًا عظيمًا واسعًا كاتساع الفضاء، وكلما اتسع ظهر أنه غير محدود. فهذا عالم لا أصل له في الطبيعة على الإطلاق، وإنما هو من مستنبطات العقل البشري، ولا وجود له إلا في مخيلاته المجردة.

(٢-٥) نزعة الإنسان إلى المثل الأعلى أعلت مكانته في الطبيعة

فلو كان التطور مجرد تصاقب الحي مع البيئة فقط لبقي الحي المتصاقب مع بيئته إلى الأبد كما هو، ولا يتغير إلا حين تتغير البيئة، ولا يتغير إلا بحسبها، ولكن للحي غاية يرمي إليها في تصاقبه مع البيئة الخارجية — غير لذة الوئام مع البيئة كما يقول سبنسر — وهي التفوق على الطبيعة في تكييف القوة، ورشاقة حركاتها وتنوعها، وفي تكييف الشكل وتركيب أجزائه.

وهو ما يحسبه الحي أفضل أو أجود أو أحسن أو أجمل مما وجده في الطبيعة. وهذه الغاية نتيجة نزعة فيه لا ننكر أنه ورثها من جوهر الطبيعة المادية التي ولدته أو اشتق منها، وإنما استقوت فيه، وبهذه النزعة انفرد عن مادة الطبيعة المادية، وبها يدرب تصاقبه مع البيئة، فتارة يصاقب البيئة، وأخرى يؤثر فيها فيجعلها تصاقبه.

ولولا هذه النزعة لما كان إلا خاضعًا للبيئة، ولا تأثير له فيها. وبتدريبه عملية التصاقب هذه على هذا النحو تطور صاعدًا في سُلَّم الرقي إلى أن بلغ ما بلغ إليه منه الآن، حتى كاد يسيطر على البيئة سيطرة تامَّة، وقلما تسيطر هي عليه.

فهذه الغاية، غاية التفوق على الطبيعة في الجمال الشكلي والقوة المتلاعبة إنما هي المثل الأعلى الذي تتجه إليه تلك النزعة التي اقتنصها الحي من الطبيعة الجمادية منذ تميَّز عنها.

(٢-٦) ابتداع العالَم العقلي عوالم أخرى

رأيت فيما تقدم أن العالَم العقلي إنما هو درجة تطورية عليا ابتدعها الجهاز العصبي في الحي، ثم أن العالم الاجتماعي الذي تشيَّد على أساس التفاهم هو درجة تطورية أخرى أعلى ابتداعها العالَم العقلي، ثم انضم إليها فتعاونا في ترقية العقلية والاجتماعية معًا، ثم إن العالَمَيْنِ الرياضي والفني هما درجة تطورية ثالثة أعلى أيضًا ابتدعها العالَمان العقلي والاجتماعي معًا، فماذا بعد هذه العوالم؟

بعدها نجد العالَم الأدبي الذي هو في درجة من الرقي أعلى من العوالم الثلاثة الآنفة الذكر، وقد ابتدعته هي ابتغاء للكمال في الجمال، أو سعيًا إلى المثل الأعلى في الجمال. فصوغ الشخصية الإنسانية بقالب الفضيلة وسجية إحقاق الحق إنما هو درجة أعلى من درجة صياغته العقلية بقالب الروح الموسيقية أو الشعرية إلخ؛ لأن هذه الصياغة لا تزال متصلة بالمادة أو قريبة منها. وأما الصياغة الأدبية فقد بعدت عن المادة، فالجمال الأدبي إذن أعلى وأرقى من الجمال الفني؛ إذن إلى الآن الغاية الأدبية هي مثل الإنسان الأعلى في الجمال.

ثم ماذا بعدها؟ الله أعلم.

(٣) سُنَّةُ الانتخاب الأدبي

(٣-١) الانتخاب الطبيعي

إذا كان العالَم الأدبي نتيجة تطور العوالم التي سبقته؛ فلا ريب أنه هو متمشٍّ على سنن التطور التي تمشت عليها تلك العوالم قبله، وإنما سنن التطور هذه تختلف في كل عالم عنها في الآخر بعض الاختلاف؛ ولذلك لا بد من تنقيح معناها في كل عالَم. وهنا لا يهمنا إلا تنقيحه في العالَم الأدبي. فلنرَ ما هي سنة التطور الأدبي؛ أي السنة التطورية التي يتمشى عليها العالَم الأدبي.

أول من صاغ هذه السُّنة دارون أبو علم التطور وفلسفته، ومحصلها أن تطور الأنواع الحيوانية أو تدرجها في مدارج الرقي يحدث بواسطة تنازع البقاء الذي ينجلي عن بقاء الأنسب أو الأكثر مصاقبة للبيئة. وهذه العملية الحيوية تجمل بعبارة الانتخاب الطبيعي بفعل الوراثة؛ أي إن الطبيعة بواسطة ذلك التنازع تنتخب الأفضل أو الأكثر مصاقبة لها.

والانتخاب الطبيعي أصبح تعبيرًا عن عملية التطور التي تتنازع فيها الأنواع المختلفة بما لها من بيئة وأعضاء خاصة، تتنازع السيادة إلى أن يتفوق نوع فيها ويطغى، ويبقى مستمرًّا في الحياة إلى أن يكثر ويتدفق إلى بيئات أُخر؛ حيث يضطر إلى مصاقبة تلك البيئة الجديدة، فيتنوع إلى أنواع أخرى بحكم البيئة. وهذه الأنواع الجديدة تستأنف تنازع السيادة، وهكذا دواليك.

فلنرَ كيف تطبق هذه السنة التطورية على العالم الأدبي، أو كيف تمشي الأدبيات على هذه السُّنة.

(٣-٢) التنازع العقلي

يحدث التنازع في المملكة الحيوانية في الدرجة الأولى بين الأفراد أو جماعات الأفراد، فبعضها يهلك وبعضها يبقى، ولكن في المملكة الإنسانية قلَّ هذا التنازع الحيوي، أو انتفى بين الأفراد أو الجماعات؛ بسبب نشوء الأنظمة الاجتماعية التي أوجدت الأفراد في جماعات، إلى أن صار التنازع الفردي تمزيقًا لوحدة الجماعة، وبالتالي فناء للفرد؛ فانتقل التنازع من بين الأفراد والجماعات المتحدة إلى ما بين الأمم المنفصلة. ولأن تعامل الأمم آيل حتمًا إلى ترابطها واتحادها؛ فهذا التنازع يقلُّ تدريجيًّا فيما بينهما. فالتنازع الحيوي الذي رأيناه بين الحيوانات أخذ يتلاشى في المملكة الإنسانية.

وإنما في المملكة الإنسانية تنازع آخر يختلف في شكله عن ذلك، هو تنازع عقلي لا تنازع حيوي؛ فليس هو ضد الأفراد الضعفاء أو غير المصاقبين للبيئة، بل هو ضد الآراء والعادات والأنظمة التي لا توافق المجتمع. فلا يؤذن لأي رأي أو عادة أو نظام أن يتفوق ويبقى إلا إذا كان ملائمًا لسعادة المجتمع، فإذن هو تنازع بين الأفكار والأنظمة أو بين المثُل العليا، لا بين الأشخاص ولا بين جماعات الأشخاص.

نعود إلى سبب هذا التنازع الحيوي في المملكة الحيوانية، وهو أن بعض الأفراد تولد — بسبب عوامل بيئية — ممتازة بمزايا طبيعية خاصة تجعلها أصلح للبقاء من غيرها. وتلك تنازع هذه الرزق أو الحياة. فهذه تهلك، وتلك تبقى وتورث مزاياها لخلائفها، وأما تلك التي هلكت في حلبة النزاع فتنقرض سلالتها.

(٣-٣) التنازع الأدبي

أما في التنازع الأدبي فليس الأمر كذلك. هو تنازع عقلي اجتماعي، هو تنازع بين العقول؛ فإذا امتاز عقل «أو عقول» ببعض المواهب، فمن جراء تفاعله بالعقل الاجتماعي العام، وتأمله في حالة المجتمع، قد يكتشف نمطًا للسلوك أصلح لحياة المجتمع، كأن يرى مثلًا أن الرقَّ والنخاسة غير صالحين لحياة المجتمع، فيبتغي الحرية الشخصية، أو يرى — كما رأى قاسم بك أمين — أن تحجب المرأة لا يصلح للحياة الشرقية الجديدة، فيبتغي السفور.

وقد يصادف مقاومة عنيفة، وقد لا يجد إلا مظاهرين قليلين له، وربما اضطهده الرأي العام، ولكن إذا كان رأيه أصوب فلا بد أن ينتشر رويدًا؛ إذ يصادف قبولًا في عقول الأفراد، ومع الزمان يصبح رأيه هذا رأي المجتمع؛ فتفوق فكرة إطلاق الحرية الفردية على الرقِّ وتبقى، وينتفي الرقُّ — وهكذا كان — وتتفوق فكرة السفور ويتلاشى الحجاب — وهكذا سيكون. فترى فيما تقدم أن هذا التنازع لم يصب الأفراد بسوء، وإنما هو قضى على أنظمة قديمة فلاشاها، وأحيا أنظمة جديدة. على هذا النحو يكون الانتخاب الأدبي أو الانتخاب الاجتماعي.

(٣-٤) الجودة والنجاح

على أنه لا بد من إلفات نظر القارئ إلى ملاحظة جوهرية في هذا التنازع، وهي: أن أي نمط من السلوك، أو أي نظام أو عادة لا يعد جيِّدًا لأنه نجح، بل هو جيد لأنه فُضِّل على سواه، وما نجاحه إلا دليل على جودته، ولكن النجاح لا يكون دائمًا دليلًا على الجودة؛ فقد يكون الأمر جيدًا، ولكنه لا ينجح، وقد ينجح ولكنه لا يكون جيدًا.

فسر نجاح الأسلوب ليس في جودته، بل في أفضليته لحالة المجتمع كما هي؛ لأن فيه خصائص مصاقبة لأحوال المجتمع، بحيث إن المجتمع يصاغ به من غير أن يحدث احتكاك بين الأفراد؛ أي إن الأحوال الاجتماعية التي يدخل إليها هذا الأسلوب الجديد لا تضطرب. والمجتمع نفسه يستطيع أن يحيا من غير أن يعرقل قسم منه حياة الأقسام الأخرى، بل تبقى جميع أقسامه متوازنة فيه.

بهذا المعنى يعدُّ الأسلوب جيدًا، فحين كان الأرقاء راضين برقهم كان نظام الرق حسنًا، ولما شرع بإلغاء هذا النظام شعر الأرقاء بمثل ظلم في إلغائه؛ لأنهم وجدوا أنفسهم مضطرين أن يسعوا إلى رزقهم بأنفسهم، بمطلق اختيارهم، وبإرشاد عقولهم، بعد أن كانوا يعيشون متكلين على تدبير غيرهم جزاء لعملهم.

كذلك نرى جانبًا كبيرًا من المتحجبات متمسكات بالحجاب الآن؛ لأنهن تعودنه ويستحين بالسفور، أو لأن رجالهن لا يردنه وهُنَّ يأبين الخروج من تحت طاعة رجالهن؛ ولهذا يحدث اضطراب في المجتمع الشرقي بسبب تنازع الحجاب والسفور. فمتى زال هذا الاضطراب وعاد التوازن إلى المجتمع؛ يصبح السفور صالحًا للمجتمع، فنقول عنه حينئذٍ: إنه جيد، ونجاحه دليل على جودته.

(٣-٥) معركة التنازع

قد تقول: إذا كان أي أسلوب جديد في الحياة لا يعد جيدًا قبل أن يستتب، وإذا كان يحدث اضطرابًا في المجتمع، فلا نقدر أن نقول: إنه جيد؛ لأنه قد لا يستتب. فما الذي يجعلنا أن نتوخاه وأمامنا خطر الاضطراب الاجتماعي، أو فقد توازن الاجتماع؟ وعندنا أن دليل جودة أساليب الحياة هو توازن المجتمع. فهذا التوازن هو جيد بحد نفسه. فما الذي يحملنا على تعريضه للخطر ونحن غير واثقين من رجوعه إلى السلامة؟ ما الذي يقنعنا أن الأسلوب الجديد الذي نتوخى إدخاله إلى أنظمة المجتمع جيد؟

نقول: إن الانتخاب الأدبي الذي أشرنا إليه يعمل عمله من غير أن نريد، فهو سنة. وهذه السنة تقضي بالتنازع كما علمت، والتنازع يحدث اضطرابًا، ومتى انتهى ببقاء الأفضل عاد التوازن إلى حاله. فإذا كنا نعمد إلى مقاومة سنة التنازع الأدبي بالحرص على التوازن الاجتماعي كنَّا نعارض مجرى التطور أو الرقي الأدبي، ونصده في سبيله. فما دام هذا التطور جاريًا في مجرى الرقي، فلا بد من اختلال التوازن كلما نزل نظام جديد، أو أسلوب أدبي جديد إلى ميدان النزاع، ولا بد من رجوع التوازن إلى نصابه متى انتهت المعركة.

وهكذا يكون الرقي الأدبي والاجتماعي درجات تنازعية أو سلسلة معارك. ولا بد من التدرج في ميادين النزاع على هذا النحو ما دام أمام الإنسانية «مثل أعلى» تسعى إليه، فكلما أَبدَلَتْ نظامًا جديدًا بنظام عتيق ولو بمعركة خطَتْ خطوة إلى المثل الأعلى، ولا بد أن تبتدع أنظمة جديدة ما دامت بما لها من النزعة إلى الرقي تبتدع عقولًا متميزة بالمواهب. وهذه المواهب العقلية قوى تحدث حركة، وحركتها في تقليب الأنظمة.

(٣-٦) هل الرقي سعادة؟

هنا يلوح في البال مبدأ السعادة الذي هو من أهم العناصر الأدبية، وهو محور من محاور الحياة الأدبية، فقد نسأل أنفسنا: هل في هذا الرقي القائم على سُنَّة التنازع وبقاء الأفضل سعادة؟ وما هي السعادة المتضمنة في عملية الانتخاب الأدبي على نحو ما رأيناها؟

لقد فسرنا السعادة فيما سبق بأنها إرضاء للرغبة، أو بالأحرى إرضاء لعدد أوفر من الرغائب النفسية، وعلمنا أن السعادة ليست الغاية الأدبية القصوى، وإنما هي مصاقبة لها، أو أنها تأتي معها وبها، وأن الغاية القصوى هي صوغ الشخصية بسجية الرغبة في المثل الأعلى. فإذن السعادة القصوى هي في تنظيم الرغائب وتوجيهها إلى المثل الأعلى، وفي إدراك هذا التنظيم.

وما عملية الانتخاب الأدبي إلا هذا التنظيم؛ تنظيم الرغائب المؤدية إلى المثل الأعلى، والجالبة معها السعادة القصوى، تنظيمها بحيث تجعل أساليب الحياة وأنماطها مصاقبة لأحوال المجتمع. فالسعادة مندمجة في الغاية؛ ولهذا تبدو لنا أنها الغاية نفسها. فنحن نبتغي السعادة، والإنسانية المطلقة تبتغي المثل الأعلى في تحسين الشخصية وتجميلها، متذرعة إلى هذه الغاية بإحداث السعادة في النفس البشرية.

(٣-٧) ماذا يدفعنا أن نسلك إلى المثل الأعلى؟

بقي أن نعلم كيف ينشأ «الواجب» الذي يؤدي بنا إلى المثل الأعلى. ما الذي يوجب علينا السلوك إلى الغاية الأدبية المتضمنة المثل الأعلى؟ لماذا نريد أن نسلك السلوك الأدبي الذي يلائم المجتمع ككلٍّ نحن جزء منه؟

بابتغائنا السعادة كغاية نهائية نشعر أن الصوت الذي يدعونا إلى القيام بالواجب هو صادر من ذاتيتنا، وإنما الإنسانية التي هي أعلى طبقة في الوجود، وفي أعلى درجة من الرقي، هي التي تحدث هذا الصوت ولسان حالها يقول: كن شخصية اجتماعية لا ذاتية حيوانية. هي التي أقامت الضمير وسلمته ميزان الدينونة، وهي التي عينت السعادة جزاء للقيام بالواجب، والألم عقابًا لمخالفته. فصوت الضمير الديان هو صوت الإنسانية الصادر من الشخصية الاجتماعية الحقيقية؛ ولذلك متى ندم الإنسان على فعل مذموم قد فرط منه يقول مخاطبًا نفسه: ماذا فعلت يا هذا؟ لماذا فعلت هذا الفعل؟ كأنَّ شخصيته الإنسانية تعاتب ذاتيته البهيمية، كأنه يقول: «لم أكن أنا نفسي حين فعلت هذا الفعل الشنيع.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١