حرية المرأة

لم يخطئ قدماء الفلاسفة في مسألة خطئهم في معنى الحرية الإنسانية؛ وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن الله خلق الناس على قسمين: قسم ميزه بالحرية، والقسم الآخر قضى عليه بالرق.

وكانت معيشة الأحرار بعيدة عن الاستقلال، ومتأثرة بسلطة رؤساء العائلات ورؤساء الحكومة.

والتاريخ يحدثنا بأن الحكومة في تلك الأعصر الخالية كانت تتداخل في كل ما يتعلق بالحياة الخاصة، وكان لها الشأن الأول في نظام العائلة، والتربية، والديانة، والأخلاق والعواطف؛ حتى إنها كانت تحدد في المعاملات التجارية أثمان البضائع، وقد وصلت بها الأثرة بالتداخل في شئون الحياة الخاصة، إلى حد أن قوانين اليونان القديمة كانت تحجر على النساء الخروج من منازلهن إلا في أحوال مبينة، فكانت المعيشة الاجتماعية هي أشبه شيء بالعيشة العسكرية، يأمر الحاكم حينما يريد بما يريد، وما على المحكومين إلا أن يطيعوا أوامره.

ولما تقدم العالم في المدنية، تخلص الفرد شيئا فشيئًا من سلطة الهيئة الاجتماعية، ووسع في دائرة حريته. وانعكس الأمر، فما كان في السابق أصلا عاما، أصبح الآن من المستثنيات، ومن ثم صارت غاية التمدن أن ينال الفرد أقصى ما يمكن من الاستقلال والحرية.

ذلك لأن الإنسان ترقى في فكره، فهو يرى أن تسليم نفسه إلى تصرف الحاكم أمر لا تسلم به لمنزلته من الإنسانية، ولا يتفق مع راحته وسعادته؛ ولهذا فهو لا يقبل أن يتنازل لأحد عن حريته. ولا أن يأتمن أحدًا عليها ولو كان أقرب الناس إليه، ولا يسمح بأن يترك منها إلى الحكومة إلا بقدر ما يلزم تركه؛ لتتمكن من تأدية وظيفتها، وهي المحافظة على الأمن العام في الداخل، والمدافعة عن سياج الأمة في الخارج، وأيضا القيام بالأعمال التي تعود منفعتها على الجميع.

بحسب هذا الشرط يخضع الفرد إلى ما تقرره عليه من الأعمال والأموال، أما إذا أرادت الحكومة أو أيّ فرد من الناس أن يدخل في عمل من أعماله أو شأن من شئونه الخاصة، فإنه يشعر بثقل الضغط عليه، ويجد في نفسه ألم الظلم.

ولذلك سببان:

الأول: أن رأي الحاكم أن طابق هوى شخص، فقد يخالف أهواء الأغلب؛ لأن الأمزجة مختلفة، والغرائز متباينة، والأذواق متفاوتة على حسب الأشخاص والأعمار والأزمان والأمكنة.

فوضع قاعدة واحدة لجميع الأعمال الخاصة بكل فرد لا يسهل على الطباع البشرية قبوله.

والثاني: ما دلت عليه التجارب، من أن تداخل الحاكم في الشئون الخاصة للأفراد يضعف من قواهم، ويحرمها القدرة على تأدية وظائفها، ويورث النفوس الخمود والعجز عن العمل، والاتكال على الغير، وهو وإن أشعر بعض النفوس لذة الكسل، عاقبة أقفال المدارس اشتداد ثورة الأفكار عما كانت عليه من قبل، والخلود إلى الراحة، لكنه يعود عليها بالخسة وشقاء المعيشة.

فالحرية هي قاعدة ترقي النوع الإنساني ومعراجه إلى السعادة؛ ولذلك عدتها الأمم التي أدركت سر النجاح من أنفس حقوق الإنسان.

ومن المعلوم أن المقصود من الحرية هنا هو استقلال الإنسان في فكره وإرادته وعمله متى كان واقفا عند حدود الشرائع، محافظًا على الآداب، وعدم خضوعه بعد ذلك في شيء لإرادة غيره، اللهم إلا في أحوال مستثناة، كالجنون والطفولية، حتى بالنسبة للأطفال رأى علماء التربية الصحية أن الضغط على الأطفال مميت لعزيمتهم، ورجحوا أن يترك الطفل يتصرف في نفسه بحرية، وإنما على والديه إرشاده ونصحه.

فهذه الحرية على ما بها من سعة هي التي يجب أن تكون أساسا لتربية نسائنا، يتعجب بعض الناس من طلبي تخويل الحرية للنساء، ويتساءلون: هل هن في قيد الرق؟ ولو فهموا معنى الحرية لما اختفلوا معنا في الرأي:

ليس مرادنا أن نقول: إن المرأة اليوم تباع وتشترى في الأسواق، ولكن ليس الرقيق هو الإنسان الذي يباح الإتجار به فقط، بل الوجدان السلم يقضي بأن كل من لم يملك قياد فكر وإرادته وعمله ملكا تاما فهو رقيق!

لا أظن أن القارئ يختلف معي في الرأي إن قلت: إن المرأة في نظر المسلمين على الجملة ليست إنسانا تاما، وإن الرجل منهم يعتبر أن له حق السيادة عليها، ويجري في معاملته معها على هذا الاعتقاد، والشواهد على ذلك كثيرة.

فليس من الأدب في كثير من العائلات ألّا تقبل المرأة يد الرجل عند السلام عليه، ولا من الأدب أن تجلس النساء مع الرجال، ولا من الأدب أن يأكلن معهم.

وقد رأيت مرارا بعيني أن الرجل يجلس على مائدة الطعام، وامرأته قائمة تطرد الذباب عنه، وابنته تحمل قلة الماء.

نعم، إن معاملة الرجل للمرأة على هذه الطريقة الفظة المستهجنة تشاهد في الغالب في بعض الطبقات، خصوصا في بلاد الأرياف، لكن استعباد المرأة في الطبقات الأخرى وفي المدن موجود على أشكال أخرى.

فالرجل الذي يحجر على امرأته ألا تخرج من بيتها لغير سبب سوى مجرد رغبته في أن لا تخرج، لا يحترم حريتها، فهي من هذه الجهة رقيقة بل سجينة، السجن أشد سلبا للحرية من الرق. ولا يقال: إن عدد الرجال الذين يسجنون نساءهم صار اليوم قليلا، فإنه وإن قل بالنسبة إلى الماضي، لكن كلنا نعلم أن من النادر جدا أن تكون المرأة متروكة لإرادتها واختيارها في ذهابها وإيابها، على أن كلامنا الآن، إنما هو في مقام المرأة في نفس أغلب الرجال وما يجب عليها في اعتقادهم أن تعمل به وأن تكون عليه، فسواء قل احتباس المرأة أو لم يقل، فالمرأة المقصورة في بيتها التي لا تفارقه عندهم خير امرأة.

ولو أخذ المسلمون برأي الجهال من فقهائهم، وهم أهل الرأي عندهم، لرأوا من الواجب عليهم أن يسجنوا نساءهم وألا يسمحوا لهن بالخروج إلا لزيارة الأقارب في العيدين، ورأوا من الأفضل ألا تخرج من بيتها في جميع الأحوال، وقد عدوا من مفاخرهم ألا تخرج المرأة من خدرها إلا محمولة إلى قبرها!

ولا شك أن تقرير الحق للرجل في سجن زوجته ينافي الحرية التي هي حق طبيعي للإنسان.

والمرأة التي يسوقها والدها كالبهيمة إلى زوج لا تعرفه، ولا تعرف شيئا من أحواله معرفة تسمح لها بأن تتبين حقيقة أمره، وتحصل لنفسها رأيا فيه، لا تعتبر حرة في نفسها، بل تعد في الحقيقة رقيقة، ومن المعلوم أن عموم الآباء في جميع طبقات الأمة يزوجون بناتهم على هذه الطريقة، فيتخابرون مع الخطّاب، ثم يعقدون عقد الزواج، أما هن فلا رأي لهن في هذا الأمر الخطير الذي في ذلك كحال المرأة؛ إذ هو أيضا لا يعلم من أحوال مخطوبته شيئا؛ لأن الرجل يمكنه أن يتخلص من عواقب جهله بأن يطلقها في أيّ وقت شاء، أو يتزوج غيرها مثنى وثلاث ورباع،

أما المرأة التي تبتلى برجل لا ترضى نفسها بمعاشرته، فليس لها إلى الخلاص منه سبيل، فتزويج المرأة برجل تجهله، وحرمانها حق التخلص منه، ومع إطلاق الإرادة للرجل في إمساكها وتسريحها كيف يشاء، هو استعباد حقيقي.

والمرأة التي يجب ألا تتعلم فروض العبادة، كما يقول الفقهاء ومن أخذ عنهم، أو يجب ألا تتعلم إلا مقدارا ومحدودا من مبادئ بعض العلوم، تحسب رقيقة؛ لأن قهر الغرائز الفطرية والمواهب الإلهية على لزوم حد مخصوص، ومنعها عن النمو إلى أن تبلغ الكمال الذي أعدت له، يعد استعبادا معنويا.

والمرأة التي تلزم بستر أطرافها والأعضاء الظاهرة من بدنها، بحيث لا تتمكن من المشي ولا الركوب، بل لا تتنفس ولا تنظر ولا تتكلم إلا بمشقة، تعد رقيقة؛ لأن تكليفها بالاندراج في قطعة من قماش إنما يقصد منه أن تمسخ هيئتها وتفقد الشكل الإنساني الطبيعي في نظر كل رجل ما عدا سيدها ومولاها.

وبالجملة، فالمرأة من وقت ولادتها إلى يوم مماتها هي رقيقة؛ لأنها لا تعيش بنفسها ولنفسها، وإنما تعيش بالرجل وللرجل، وهي في حاجة إليه في كل شأن من شئونها، لا تخرج إلا مخفورة به. ولا تسافر إلا تحت حمايته ولا تفكر إلا بعقله، ولا تنظر إلا بعينه؛ ولا تسمع إلا بإذنه، ولا تريد إلا بإرادته ولا تعمل إلا بواسطته، ولا تتحرك بحركة إلا ويكون مجراها منه.

فهي بذلك لا تعد إنسانا مستقلا. بل هي شيء ملحق بالرجل.

انظر إلى صبي لا يزيد عمره عن خمس عشرة سنة، وقارن بينه وبين والدته، تجد أنها أحط منه في العقل والمعلومات والتجارب، وأنه أكبر منها شأنا، ليس فقط فيما يتعلق بالأمور الخارجة عن المنزل، بل في نفس بيتها.

كيف لا وهو الذي يأمر وينهى فيه. وهو الذي ينوب عنها في إشغالها وادارة بيتها وتدبير ثروتها؟

انظر إلى امرأة تمشي في الطريق، ومعها خادم، تجد في نفسك لأول وهلة أن الخادم يشعر من نفسه أنه هو صاحب الإرادة والرأي والقوة، وكأن لسان حاله يقول: إني اؤتمنت على هذه الذات الجاهلة الضعيفة، وعلى ملاحظتها وحراستها وحمايتها. لا حظ أن امرأة محجبة تمر على جماعة من أهل الخلاعة تجد أنهم لا يتحاشون من أسماعها كل ما يخطر على بالها من العبارات المخلة بالأدب.

وفي بعض الأحيان يترامون عليها بأجسامهم ويلمسونها بأيديهم، مع أنه لم يصدر من تلك المرأة حركة يرتاب فيها وتغريهم بالاندفاع عليها والتهافت على هذه الأفعال القبيحة، لم تصبر المرأة على هذا الاعتداء من الرجال ساكنة خائفة لا تنبعث إلى دفاع؟ ولم لا يجرؤ هولاء الرجال على إتيان ما يأتونه من الأقوال والأعمال الشنيعة مع امرأة سافرة؟ هل ذلك لأن المرأة المبرقعة أشد فتنة للرجال بجمالها من النساء السافرات؟ كلا وإنما وقر في نفوس الرجال عندنا أن البرقع والحبرة هما عنوان الجهل والضعف وآية الانخداع، ورأوا في عائلاتهم أن المرأة ليست محترمة، ولا تحس باحترامها لنفسها، وأنها سهلة القيادة، لينة المغمز، تتبعه لأول إشارة بيده أو كلمة يرميها، وأنها تخشى الرجل ولا تجرؤ على تأديبه، فاستخفوا بها، وتجاسروا على امتهانها، وتعودوا على ألا يحترموا امرأة مبرقعة إلا إذا وجد معها رجل ولو كان خصيّا!

فهل هذه الذات الحقيرة متمتعة بحريتها؟ وهل مع هذا الامتهان تعد نفسها نفس إنسان؟

سيقول قوم: كيف لمدع أن يدعي أن المرأة مستعبدة عندنا، مع أنا نراها في مكانة من السلطان على قلب الرجل منا بحيث تسخره لإرادتها وأهوائها، وتصرفه عن أعماله لقضاء رغائبها، وأن الرجل ليتجشم الأسفار ويتردد بين المدينة والأخرى لينتقي لزوجته لباسا، أو يختار لها نوعا من أنواع الحلي يرضي بها هواها، ويقضي به رغبتها؛ ليستجلب رضاها، ثم هي سيدة بيته، لا يرفع فيه إلا ما رفعت، ولا يضع فيه إلا ما وضعت، فهل مع هذا كله يقال: إن المرأة مسترقة للرجل؟ نعم، لا ننكر شيئا من هذا كله، ولكننا ننكر أن يكون ذلك عاما عند جميع الناس، كما ننكر أنه ناشئ عن احترام الرجل للمرأة واعتقاده باستحقاقها لهذه المعاملة بما لها من العقل والأدب، وما كسبته من حق الصحبة الناشئ عن عقد الزواج، وإنما يرفع المرأة أحيانا إلى تلك المنزلة إفراط في الشهوة من الرجل، يحدثه براعة في الجمال أو تفنن في ضروب الاحتيال.

فهي سيدته ما تعلقت بها شهوته، فإذا خمدت نيران الشهوة وعاد ما بينهما إلى المعروف مما بين رجل وزوجته سقطت المرأة من أوج عزتها إلى حضيض الذلة، ولبست ثياب الاسترقاق.

سيقال أيضا: أن حرية المرأة تستلزم في الواقع أن يعاملها الرجل باحترام، وألا يضغط على إرادتها وفكرها. وأن يسمح لها بالخروج للزيارة والرياضة، ولكن ما العلاقة بين حريتها وكشف وجهها، واختلاطها بالرجال، ومعاملتها لهم؟ فالجواب: أن إلزام النساء بالاحتجاب هو أقسى وأفظع أشكال الاستعباد؛ ذلك لأن الرجال في أعصر التوحش كانوا يستحوذون على النساء، إما بالشراء كما بيناه، وإما بالاختطاف.

وفي كلتا الحالتين كانوا يعتبرون أنفسهم مالكين نساءهم ملكا تاما، وتبع ذلك أن الرجل جرد امرأته عن الصفات الإنسانية خصصها بوظيفة واحدة وهي أن تمتعه بجسمها، فأقرها في مسكنه. وألزمها بأن تلازمه ولا تخرج منه؛ حتى لا يكون لأحد غيره حظ في أن يتمتع بها، ولو بالنظر أو الحديث، شأن المالك الحريص على ملكه الذي يريد أن يستأثر بجميع مزايا المتاع الذي يملكه.

ولما كان من المحال ألا تعرض ضرورة تقضي على المرأة بالخروج من منزلها في بعض الأحيان، أراد أن يتبعها بالحجاب، حيث سارت فألزمها بستر وجهها إذا خرجت.

هذا الحجاب الذي قرره الرجل في الأصل على زوجته تتعدى بعد ذلك إلى البنات والأمهات والأخوات، وإلى عموم النساء؛ لأن كل امرأة هي زوجة أو كانت زوجة، أو مستعدة لأن تكون زوجة.

فالحجاب هو عنوان ذلك الملك القديم، وأثر من آثار تلك الأخلاق المتوحشة التي عاشت بها الإنسانية أجيالا قبل أن تهتدي إلى إدراك أن الذات البشرية لا يجوز أن تكون محلا للملك لمجرد كونها أنثى، كما اهتدت إلى أن تفهم أن سواد البشرة ليس سببا لأن يكون الرجل الأسود عبد الأبيض.

وليس من الغريب بقاء الحجاب بعد زوال السبب الذي أوجده، أي بعد خروج المرأة عن ملكية الرجل، فقد جرت سنة الله في خلقه بأن الانتقال من طور إلى طور آخر لا يكون دفعة واحدة، وإنما يحصل بضروب من التغيير ربما لا يحس بها من كانوا موضوعًا لها، فكثيرًا ما يظن الناس استحالة انتقالهم عن حالة من الحالات، مع أنهم سائرون عنها منتقلون إلى غيرها، متحولون إلى إرادتهم أو أحسن منها، وهم لا يشعرون، حتى إذا انتهت الحركة إلى غايتها ظهر لهم أنهم صاروا إلى الطور الذي كانوا من قبل ينكرون.

فلما بطل حق ملكية الرجال على النساء اقتضت سنة التدريج أن تعيش النساء في حالة وسط بين الرق والحرية حالة اعتبرت فيها المرأة أنها إنسان، لكنه ناقص غير تام. كبر على الرجل أن يعتبر المرأة — التي كانت ملكا له بالأمس — مساوية له اليوم، فحسن لديه أن يضعها في مرتبة أقل منه في الخلقة، وزعم أن الله لما خلق الرجل وهبه العقل والفضيلة، وحرمها من هذه الهبات، وأنها لضعفها وقلة عقلها وميلها مع الشهوات يلزم أن تعيش غير مستقلة تحت سيطرة الرجل، وأن تنقطع عن الرجال وتحتجب بأن تقتصر في بيتها وتستر وجهها إذا خرجت؛ حتى لا تفتنهم بجمالها أو تخدعهم بحيلها، وأنها ليست أهلا للرقي العقلي والأدبي فيلزم أن تعيش جاهلة.

وذلك هو السر في ضرب الحجاب، وعلة بقائه إلى الآن، فأول عمل يعد خطوة في سبيل حرية المرأة، هو تمزيق الحجاب ومحو آثاره.

ولما كانت تهمة المرأة بنقصان العقل هي الحجة التي اتخذها الرجل لاستعبادها، وجب علينا أن نبحث في طبيعة المرأة؛ لنعلم إن كانت — كما يقال — أحط من طبيعة الرجل أم لا؟

إذا سألنا الرأي العام فالجواب سهل معلوم.

ولكن الرأي العام لا يصح أن يكون له صوت في مسألة علمية كهذه؛ لأن مبنى الرأي العام القضايا المشهورة، التي صاغتها العادة وقررتها الألفة بدون بحث ولا تنقيب، فهي مرجع العامة في أحكامها، يردون إليها كل حادث طبيعي أو اجتماعي لا يعرفون أسبابه، والرأي العام يعتبر أن تغير كل عادة ألفها مخالف للطبيعة؛ لأنه لا يفرق بين العادة والطبيعة؛ حيث يظن أن ما هو حاصل الآن كان كذلك وسيبقى إلى الأبد.

ولا ريب أن المرأة اليوم أحط من الرجل في الجملة، ولكن علينا أن ننظر هل هذه الحال طبيعية لها أو ناشئة عن طرق تربيتها؟

تلك هي المسألة التي يلزمنا لحلها أن نرجع إلى الأصول العلمية؛ لنعلم ما تقرره فيها.

رأي العلماء أنه لا يصح الحكم على طبيعة المرأة ومبلغ استعدادها للكمال الإنساني بآثارها التي صدرت منها إلى الآن.

وإنما يصح ذلك بعد أن تملك من حريتها ما يملك الرجل، وبعد أن تشتغل بتثقف عقلها مدة من حريتها ما يملك الرجل، وبعد أن تشتغل بتثقيف عقلها مدة من الزمن تساوي المدة التي قضاها الرجل في تربية ملكاتهم العقلية والأدبية، غير أنهم حكموا بأن المرأة ليست مثل الرجل في الخلقة وأنه يوجد بين الصنفين اختلافات تشريحية وفسيولوجية يتميز بها كل صنف عن الآخر. ولكن ليس في هذه الاختلافات ما يدل على أن أحد الصنفين أرقى من الآخر أو أحط منه.

ذلك ما يستنتج من كلام العلامة (جاك لوربيب) في كتابه المسمى: (المرأة أمام المعلم).

وقال الأستاذ فرشلو: «إني ألقيت دروسًا كثيرة في العلوم الحسابية وعلوم الأخلاق والفلسفة لطلبة العلم، وكان بينهم كثير من النساء، والذي شاهدته بنفسي هو أنه لا يوجد فرق بين الصنفين، وكانت نسبة الدرجات بينهما واحدة».

وقال العلامة (ما نتجازا المدرس لعلم الإنسان والعضو في مجلس الشيوخ الطلياني في كتاب جديد سماه (فسلوجيا المرأة): «جميع المناقشات عبث إذا أريد أن يتوصل بها على اختلاف القوى العقلية بين الصنفين» ثم قال:

«ما أكفر الرجل! ألجأه كبره أن يزوّر حتى في علم التشريح، فلم يكتف بأن يغتصب المحل الأول في العالم، بل أراد أن يبرهن أن المرأة أقل منه في الإنسانية، وأنها في مرتبة بين القرد والإنسان؛ ولهذا فيكون له الحق في أن يجردها من الحقوق التي منحها نفسَه، كأنه نسي أن الذات التي يريد أن يحط بقدرها هي أمه، والحقيقة أن المرأة — أمام علم التشريح — ليست أقل درجة من الرجل ولا أرقى منه، وإنما تختلف عنه؛ لأن لها وظائف تقوم بها غير وظائف الرجل».

وقد بين هذا العالم الاختلافات الدقيقة التي توجد بين الرجل والمرأة بالنسبة للإحساسات والعواطف، فقال ملخصه:

«إن السبب في أهم ما تختلف فيه المرأة عن الرجل من الجهة الأدبية هو الاستعباد الذي استولى على المرأة زمانًا طويلًا؛ حيث تغلب الرجل على المرأة في الطبقة السفلى بقوة عضلاته، وفي الطبقات الأخرى بعلو معارفه وتربيته، وهذه المنزلة المنحطة قضت على المرأة بأن تستعمل حيل الرقيق لتدافق نفسها، ويظهر أن الرجل يمتاز عليها بقوة عزيمته وزيادة الثبات في أعماله، ولكنها تمتاز عليه في قوة الإحساس وتحمل الآلام، وهي تصبر على الأمراض والعلميات الجراحية صبرًا يعجز عنه الرجل، وربما كان السبب في ذلك أنها أقل أثَرَةً من الرجل، أو أنها اعتادت على الاستسلام والخضوع.

وتتميز المرأة على الرجل أيضا بأنها أضعف شهوة منه، فالحب عند الرجل ميل شهواني إلى استيفاء اللذة الجسدية، والحب عند المرأة وداد قلبي غايته امتزاج الروحين، واستدل على ذلك بأن الرجال يستعملون جميع أنواع الحيل والخديعة مع النساء لاستمالتهن، والكثير منهن مع ذلك يدافعن عن عرضهن، ويتغلبن على شهواتهن وقال: «إنه إذا عكس الأمر وفرضنا أنه أبيح للنساء أن يستعملن مع الرجال — لاستمالتهم — ما يستعمله هؤلاء الآن مع النساء فربما لم يستطع رجل أن يحافظ على عفته!»

وقال: «إن حب المرأة للخير من المألوفات المشهورة، أما الرجل فيسود عنده حب النفس؛ لذلك تراه يفتكر أولا في نفسه ثم في أولاده، بخلاف المرأة، فهي تفكر أولا في غيرها ثم في نفسها، فهمُّ الرجل أن يكون سعيدًا، وهم المرأة أن تجعل الغير سعيدًا، وهذا الإحساس يشاهد في جميع أعمال الحياة، صغيرها وكبيرها، وأعظم مثال لإيثار المرأة غيرها على نفسها هو حب الأم لولدها، فهي تحبه أكثر مما يحبه أبوه، وتحبه مهما كانت عيوبه، بل يمكن أن يقال: إنه كلما كان ولدها سيّئ البخت زاد حبها له، والأب على عكس ذلك».

فالمرأة في رأي أعظم العلماء وأدقهم بحثا مساوية للرجل في القوى العقلية، وتفوقه في الإحساسات والعواطف، وإنما يظهر للناظر وجود فرق عظيم بينهما في العقل؛ لأن الرجال اشتغلوا — أجيالا عديدة — بممارسة العلم، فاستنارت عقولهم، وتقوت عزيمتهم بالعمل، بخلاف النساء، فإنهن حرمن من كل تربية، فما يشاهد الآن بين الصنفين من الفروق هو صناعي لا طبيعي.

لا نريد بهذا التساوي أن كل قوة في المرأة تساوي كل قوة في الرجل، وكل ملكة فيها تساوي كل ملكة فيه، ولكنا نريد أن مجموع قواها وملكاتها يكافئ مجموع قواه وملكاته، وإن كان يوجد خلاف كبير بينهما؛ لأن مجرد الخلاف لا يوجب نقص أحد المتخلفين عن الآخر.

فعلى أي دليل علمي يستند الرجال لاستعباد النساء؟ وبأي حمق جاز لهم أن يحرموهن من حريتهن؟ لنفرض جدلا أن عقل المرأة أقل من عقل الرجل، فهل نقصان العقل في شخص يبيح أن يجرد من حريته؟ أما يوجد بين أفراد الرجال اختلاف في العقول أكبر من الاختلاف الموجود الآن بين الرجال والنساء؟ أليس عقل المصري يختلف باختلاف طبقات الأمة المصرية، ومع ذلك نرى جميع الرجال متساوين في تمتعهم بحريتهم البدنية؟ ألا يوجد بين نسائنا المصريات من هن أكبر عقلا وأكمل أخلاقًا من أزواجهن أو آبائهن أو أبنائهن؟

لا يصح أن يكون اختلاف العقول سببًا لتجريد الإنسان عن حريته بل الذي يجر إليه الاختلاف إنما هو أن يعلو فكر على فكر فيقوده بقوة الإقناع أو تسود إرادة على إرادة بقوة الاستمالة؛ حتى تسخرها على طوع منها.

ما قررته الشريعة الإسلامية من حقوق المرأة — وقد أشرنا إليه في ما تقدم — يقودنا إلى أن هذه السلطة الأدبية هي التي ترمي إليها الآية الشريفة التي ذكرت أن الرجال قوامون على النساء، وقد نحت الشرائع الأوربية هذا النحو فخولت للرجل مثل هذه السلطة على زوجته وسمتها: سلطة الزوجية، ومع ذلك فكل إنسان يرى النساء الغريبات متمتعات بحريتهن.

ولنفرض جدلا — أيضًا — أن حجاب النساء وسيلة لصيانتهن عن الفساد، فهل يكفي ذلك لحرمانهن من حريتهن؟

إذا كانت معاملة الرجال للنساء جالبة للفساد، فلماذا تُداس حرية المرأة وتحترم حرية الرجل؟ هل يختلف نظر العدل بالنسبة إلى الرجل والمرأة، وهل يوجد حقان: حق للرجال وحق للنساء؟ أليس كل ذي اختيار موكولًا إلى اختياره يتصرف به كيف يشاء متى لم يخرج في عمله عما حدده له الشرع والقانون؟

نرى أن مسئولية المرأة في هذه الدنيا، وفي الآخرة، لا تقل أمام الشرع عن مسئولية الرجل، ونرى أن القوانين لا تعافيها من العقوبات إذا ارتكبت جريمة، ولا تقضي بتخفيف عقوبتها، بل نرى أن الرأي العام جسم مسئوليتها، حتى جعلها أشد من مسئولية الرجل، فإذا استهوى رجل عمره أربعون سنة بنتا عمرها خمس عشرة سنة، وانتهز فرصة ضعفها وفسق بها، يحكم الرأي العام أن هذه البنت الصغيرة هي التي فقدت شرفها، ويهمل شأن الرجل كأنه لم يأت منكرا! أليس ذلك لأن الشرع والرأي العام يعترفان أن المرأة مسئولة عن أعمالها؟ فإن كانت مسئولة بهذه الدرجة أليس ذلك لأن الشرع والرأي العام يعترفان أيضا بأنها حرة مختارة؟

لا أظن أن عقلا يقبل أن تعتبر المرأة إنسانًا كامل العقل والحرية من جهة استحقاقها لعقوبة الشنق إذا قتلت، ثم تعتبر إنها ناقصة العقل، بحيث تحرم من حريتها في شئون الحياة العادية!

اعتقاد الرجل أن امرأته إذا منحت حريتها تسيء استعمالها لا يبيح له حرمانها منها؛ لأنه لا يباح لإنسان أن يتعدى على آخر بسلب حريته والسيطرة على إرادته بحجة أنه يريد منعه من ارتكاب خطيئة. ولو جاز — لدفع ضرر محتمل الوقوع — تجريدُ الإنسان عن حريته لوجب وضع تسعين في المائة من الرجال تحت قانون الحجاب؛ منعًا لهم من الفساد!

بل لو قبلت المرأة أن يوضع عليها الحجاب لم يعتبر قبولها هذا التزامًا صحيحًا بحيث يمتنع عليها بعد ذلك أن تحل عقدته؛ لأنه التزام باطل؛ لمنافاته للطبيعة البشرية والقواعد الشرعية.

على أن ما قيل من أن حرية النساء تعرضهن للخروج عن حدود العفة، كله كلام لا أصل له، تبطله التجارب وينبذه العقل؛ إذ أن التجارب المؤسسة على الشاهدات الصحيحة تدل على أن حرية النساء تزيد في ملكاتهن الأدبية وتبعث فيهن إحساس الاحترام لأنفسهن، وتحمل الرجال على احترامهن.

ولا نذهب في تأييد هذا الرأي مذهب غيرنا بالإتيان بإحصاء مخترع لا حقيقة له، نشره بعضهم في الجرائد الهزلية تفكهةً للقرّاء، ونسب فيه إلى أحد العلماء أنه شاهد أن المرأة الألمانية تخون زوجها سبع مرات! والبلجيكية ست مرات وأربعة أخماس المرة! والهولندية أربع مرات! والطليانية مرة وخمسة أسداس! والفرنساوية مرة واحدة! وهكذا إلى أن وصل إلى التركية، والمراد بها الشرقية، أنها لا تخون زوجها إلا عشر المرة الواحدة!

فقد انتهى الهذيان المعتمد على مثل هذه الإحصاء إلى الاعتقاد بأن ما نشر في تلك الجريدة على سبيل الهزل هو من (الأبحاث العلمية الدقيقة المستندة على الأرقام)، ولم يمر بفكره أن الحصول على إحصاء في مثل هذا الموضوع هو من الأمور المستحيلة، لأن وقائع الزنا لا يمكن إحصاؤها إلا إذا وصلت المحاكم، ومعلوم أنه لا يصل إلى المحاكم منها إلا النادر:

ولا نسند رأينا إلى قضايا مسلمة تؤخذ من غير دليل، كما يفعل أولئك الذين يدعون أن المرأة متى جلست مع الرجال في مكان واحد مدة خمس دقائق، وجب محو اسمها من قائمة النساء الفاضلات! فإن كل قضية لا ترجع إلى أحد أنواع البدهيات المعروفة عند أهل النظر لا تصح أن تكون مقدمة لدليل، أولئك جماعة لو طولب الواحد منهم بدليل على ما يقول لما وجد في خزانة مخه إلا أن الرجل والمرأة، هما دائما في طوع شهواتهما، هكذا شأنهما، يستعملان من أنفسهما الأخلاق التي جُبلا عليها، ويعتقدان أنها أخلاق الإنسانية كلها، فهما في نظر أنفسهما يمثلان الرجل من حيث هو، والمرأة على حالتها المعهودة اليوم تمثل في نظرهم المرأة من حيث هي، وما دروا أن الرجال يختلفون في أخلاقهم ومزاياهم إلى ما لا نهاية له، على حسب الزمان والمكان وطرق التربية، وأن المرأة تختلف خلائقها وآدابها على نحو ما يختلف به الرجال.

هذا الاختلاف الذي يعرض في حياة النساء الأدبية ينشأ غالبًا من اختلاف العادات.

أول شيء يطلبه الرجال عندنا من المرأة هو أن تكون عفيفة، ولهم الحق في أن يطلبوا منها أن تكون متحلية بهذه الفضيلة، ولكنهم بذلوا ما في وسعهم لمحو هذه الفضيلة، وجعلها من المستحيلات؛ وذلك لأن نظام المعيشة عندنا يبعث في المرأة شدة الميل إلى الشهوات؛ فإن سجن المرأة والتضييق عليها في وسائل الرياضة، يعرضانها دائما لضعف الأعصاب، ومتى ضعفت الأعصاب اختل التوازن في القوى الأدبية، هذه حقيقة يلزم أن يعترف بها كل إنسان، فإن من الحقائق الثابتة أن الجسم إذا كان قويًا وكان القلب يرسل الدم إلى جميع خلايا الجسم تشعر نفس الإنسان بقوتها، فكما لا تنهزم عند ملاقاة المصاعب والمتاعب المادية، فهي لا تضعف عن مقاومة الأهواء والنزعات الرديئة، ومن المشاهد أن التعب الشديد والمرض المضعف يعقبهما فتور في الجسم وانحلال في القوى يؤثران في الإرادة وفي العزيمة، فكما إذا حاول الجسم نهوضًا لا يكاد يستطيعه فيسترسل مع الميل إلى الراحة كذلك تشعر النفس بعجزها عن ضبط أهوائها ومقاومة كل ميل تقتضي مدافعته جهدًا ومشقة.

لا شك أن قوة البنية وسلامة الأعصاب هما من أهم أعوان الإنسان على ضبط نفسه. وإن ضعف البنية واعتلال الأعصاب هما من أهم الأسباب التي تجعل الإنسان آلة تلعب بها الشهوات والأهواء.

فإن كانت في حاجة إلى الاستشهاد برأي بعض العلماء على ما نقول فإني أنقل ما قاله رجل أجاد درس علم التربية وهو الدكتور فلوري.

قال في كتابه المسمى (جسم وروح الولد): «إن آلة العقل هي المخ، فكل انحراف يعرض في الصحة البدنية يؤثر فيه، فإذا استوفينا شروط صحة الجسم، أمكننا أن نحصل سلامة الإرادة وقوة الحكم، ونحسن في أخلاق المرء وآدابه».

فالنساء المسجونات يحسبن قبل كل شيء نساء مريضات؛ ولهذا فهن أشد تعرضًا لمطاوعة شهواتهن من النساء اللواتي يتمتعن بحريتهن!

فإذا اقترن الحجاب بالبطالة، ولا يمكن انفكاك الحجاب عنها, تبعها قتل كل فضيلة في نفس المرأة.

هذا التلازم بين الحجاب والبطالة لا يروق لبعضنا التصريح بوجوده، وربما يعجبهم أن يقال: إن نساءنا المحجبات عندهن واجبات عديدة تشغل أوقاتهن، وإن منحهن الحرية المطلوبة قد يكون سبب في تحويل عنايتهن عن هذه الواجبات وتوجيهها إلى أمور لا يعود منها نفع على المرأة ولا على بيتها. ولكن نحن لا يهمنا إلا تقرير الحقيقة كما هي. نحن نقول: إن وجود الواجبات شيء والقيام بها شيء آخر، وإن نساءنا اللاتي لا عمل لهن، ولا شأن لهن خارج المنزل لا يجدن من الوقت ما يسع القيام بواجباتهن لأزواجهن وأولادهن، وأنهن تركن شئون الحياة البيتية إلى غيرهن. بخلاف النساء العربيات اللاتي اتسعت دائرة أعمالهن حتى كادت تساوي دائرة أشغال الرجال. فإنهن يجدن مع ذلك الوقت الكافي لتأدية جميع واجباتهن المنزلية وما سبب ذلك إلا أن العمل يدعو إلى العمل، والراحة تدعو إلى الراحة.

ثم إن الطريقة التي يربى بها الأطفال في البيوت لها مدخل عظيم من انحطاط الآداب أيضا.

يمكنني أن أجاهر هنا بلا تردد أن صبيًا من أولادنا، ذكرا كان أو أنثى، لا يزيد عمره عن عشر سنوات قد يحشد إلى ذهنه من الألفاظ والصور المحركة للشهوة، وينمو في قلبه من الميل مع ما تدعو إليه غريزة التناسل، ويبلغ مع ذلك ما لا يبلغه شاب أو شابة في سن الخامسة عشرة أو الثامنة عشرة من أبناء البلاد الأوربية.

وليس لاختلاف الإقليم دخل في ذلك، وإن كان له أثر فهو أثر ضعيف، وإنما الأثر الحقيقي هو لطريقة تربية الأطفال.

لو كان الرجال الأذكياء والمتعلمون منا يلاحظون ما يقع ويقال أمامهم كل يوم، لو كانوا يفكرون في ما يعرض على أعينهم وآذانهم في الطرق والمجتمعات في كل آن، لاتفقنا جميعا في هذه المسألة وغيرها من المسائل الأخرى التي لا سبب لاختلاف الرأي فيها إلا اهتمام بعضنا بالانتصار على بعض وعدم اهتمام أحد منا بأن يفهم ما يقول الآخر.

لو أمكننا أن نفصل جميع المؤثرات المادية والأدبية التي تتكون منها إحساسات الطفل وأمياله لرأي القارئ بنفسه أن البنت التي تربى في عائلة مصرية لا يمكن أن تنمو فيها خلالُ الفضائل. ويكفينا آن نذكر هنا أمثالا من هذه المؤثرات التي تقع في العائلات المتوسطة التي هي أحسن الطبقات أدبًا.

فمنها أن أقارب الأطفال لا يتحاشون — غالبًا — تسمية كل شيء باسمه الحقيقي ويذكرون الوقائع التي تجري بين الزوج وزوجته أمامهم، بدون أن يخطر على بالهم أن يأمروهم بالخروج في هذا الوقت إلى مكان آخر، وأيضا أول شيء يأتي على لسان الزائر إذا صادف بنتا صغيرة في بيت هو أن يسألها إذا كانت تريد أن تتزوجه أو تتزوج بابنه الصغير، وإذا كانوا عدة زائرين سألها كل واحد عمن أعجبها من بينهم!

ومنها حضور الأطفال في حفلات الأفراح، ومشاهدتهم رقص الباغيات، وسماعهم الأغاني التي تدور كلها على الحب الشهواني.

بمثل هذه المناظر، وبمثل تلك العبارات تتنبه البنت الصغيرة إلى ما كان يجب أن تغفل عنه، وينبت فيها الميل الشهواني.

ثم إذا عرف أن بنتا عانقت صبيًا في أثناء اللعب، يوجه اللوم عليها من أهلها، ويقال لها: إنها أتت أمرًا فاضحًا، فإذا سألت البنت: أيّ عيب في ما فعلت؟ أجابها المسئول بما يعن له، وما تسمح له به تربيته، وكلما تقدمت الصبية في السن زاد الحجر عليها وإبعادها عن مخالطة الرجال، وفي هذا من استلفات ذهنها إلى ما بين الصنفين من الاختلاف ما يضطرها إلى البحث في هذا الأمر الذي يشغلها ويشغل أهلها إلى هذا الحد، فتسأل عنه من تثق به من زميلاتها، فتتعلم منهن بعضه، وتشتغل مخيلتها بفهم الباقي.

فهذه العيشة التي تمر على البنت، وأهم ما فيها عندها الرجل وأحواله، ونسبها إليه وعلاقاتها به، وبعدها عنه وقربها منه، هي بلا ريب أعظم مؤثر في مزاجها؛ لأنها تجعل للوظائف التناسلية الشأن الأول في حياتها.

ولتأكد الرجال من صحة ما ذكرنا، وشعورهم بأن النساء لا همَّ لهن ولا شاغل لعقولهن إلا شأنهن مع الرجال، لا ترى رجلًا بين المصريين يأتمن زوجته، ويرضى بمعاملتها لرجل أجنبي عنها، وفي بعض البيوت لا يأتمن الرجل شقيقه، ولا يسمح لامرأته أن تكلمه أوتكشف وجهها عليه ولو كان حاضرًا معهما، وكذلك في كثير من العائلات لا يختلط الرجل بشقيقة زوجته.

وليس من رأيي أن أعيب الرجال والنساء على سوء ظن بعضهم ببعض إلى هذا الحد؛ لأن عوائدنا وتربيتنا الحالية قضت عليهم بألا يثق بعضهم ببعض، وجعلت الحجاب الوسيلة الوحيدة لصيانة النساء، ولم تجعل من الدين ولا من المرؤة ولا من كرم الخلق ولا من حسن الأدب أدنى وسيلة لصيانة العفة والتنزه عن الفحش.

ولكن ليسمح لي القارئ أن آتي على بقية فكره فأقول:

بقي الحجاب إلى الآن مستمرا للأسباب التي بيناها، أي: لأنه كان تابعًا لهيئتنا الاجتماعية الماضية، من الجهة السياسية والعقلية والأدبية، كنا محكومين بالاستبداد، فظننا أن السلطة العائلية لا تؤسس إلا على الاستبداد، فسجنا نساءنا وسلبناهن حريتهن، وملكنا وحدنا حق قيد الزواج، واستعملنا في تربية أولادنا الأمر والنهي، والإخافة والضرب، وكنا جهالًا فتخيلنا أن المرأة لا وظيفة لها ولا عمل لها إلا أن تكون موضعًا لشهوة الرجل، وواسطة من وسائط مسرته، وفاتنا أنها هي أيضا إنسان مثلنا، وأن لها الحق في أن تسعى إلى طلب سعادتها بالوسائل التي وضعها الشارع تحت تصرف الرجال لطلب سعادتهم، فلما أسقطنا منزلة المرأة بغير حق انتقم الحقُّ منا وشدد انتقامه، فحرمنا كذلك من السعادة الحقيقية، وانحطت أخلاقنا وفسدت تربية أولادنا، واستولى الحزن واليأس على قلوبنا، حتى ظن الكثير منا أن حياة الأمم الإسلامية اقتربت من نهايتها، ولم يبقَ لها في التزاحم العام نصيب من النجاح. وأخذوا يتباهون بالمدنية الإسلامية القديمة كلما تحدث الأوربيون بعلومهم وفنونهم، ويفتخرون بالتمدن العربي في الأعصر الماضية كلما ذكر التمدن الغربي الحديث، كما تسلي نفسها عجوز وصلت إلى سن الشيخوخة بتذكار جمالها مدة صباها.

لكنا اليوم قد تغيرت حالتنا الاجتماعية تغيُّرا كليًّا، فأصبحنا أحرارا ونحب الحرية، وبدأ التعليم الصحيح في أن ينتشر بين أفراد أمتنا، وتهيأت عقولنا إلى إدراك منزلة الإنسان في الوجود ومرتبة المرأة في البيت، وشأنها في العالم، فهل يليق بنا بعد هذا أن نحافظ على العادات والتقاليد القديمة، ونحرص على عادة الحجاب، ونتخذها وحدها وسيلة لصيانة المرأة ؟ أو يكون من الأليق بنا أن نبحث عن وسيلة أخرى تكون موافقة لحالتنا الجديدة التي انتقلنا إليها ويكون من شأنها أن ترتقي بنا إلى ما هو خير منها؟

وبعبارة أخرى يوجد مذهبان:

أحدهما: ينصح الناس بالتمسك بالحجاب.
والثاني: يشير عليهم بإبطاله، فأيّ هذين المذهبين يجب أن تختاره؟ وما هو رائدنا في الاختيار حتى لا نقع في عاقبة الخطأ؟

أما الحجاب فضرره أنه يحرم المرأة من حريتها الفطرية، ويمنعها من استكمال تربيتها، ويعوقها عن كسب معاشها عند الضرورة، ويحرم الزوجين من لذة الحياة العقلية والأدبية، ولا يأتي معه وجود أمهات قادرات على تربية أولادهن، وبه تكون الأمة كإنسان أصيب بالشلل في أحد شقيه.

ومزاياه تنحصر في أمر واحد هو أنه يقلل الزنا؛ حيث يحول بين الصنفين، ويمنع الاختلاط بينهما في الظاهر، وإن لم ينزع الميل إليه من النفوس، فيكون ما يسمونه: عفة على حد ما قيل:

«إن من العصمة ألا تحد» فالأجساد في صيانة، وأغلب القلوب في خيانة!

وأما الحرية فمزاياها هي إزالة جميع المضار التي تنشأ عن الحجاب، وسبق ذكرها وضررها الوحيد أنها في مبدئها تؤدي إلى سوء الاستعمال، ولكن مع مرور الزمن تستعد المرأة إلى أن تعرف مسئوليتها، وتتحمل تبعة أعمالها وتتعود على الاعتماد على نفسها والمدافعة عن شرفها؛ حتى تتربى فيها فضيلة العفة الحقيقية، التي هي ترفع النفس المختارة الحرة عن القبيح، لا خوفا من عقاب ولا طمعًا في مكافأة ولا وجود حائل ليس في الإمكان إزالته بل؛ لأنه قبيح في نفسه.

وليس من الممكن أن تصل المرأة إلى هذه المنزلة الأدبية ما دامت في الحجاب، ولكن من السهل جدًا أن تصل إليها بالحرية.

تصل إليها كما وصلت إليها غيرها من النساء الغربيات، فإنا نرى أنه كما زيد في حرية المرأة الغربية زاد عندها الشعور بالاحترام لنفسها ولزوجها ولعائلتها.

قال الهامة (مانتجازا): (أعظم شيء يؤثر في أخلاق البنات الحرية التي تعطى إليهن من عهد طفولتهن).

وقال: «إن الفضائل الجليلة التي تشاهد عند النساء اللاتي يتمتعن بحريتهن لا يصح أن تنسب إلى الإقليم؛ لأني وجدت هذه الفضائل في «بيونس–آيرس» التي تشتد فيها الحرارة ويصفو فيها أديم السماء، وتنمو فيها الثرثرة العمومية، ولو كان لطبيعة الإقليم مثل هذه الأثر في الأخلاق لفسدت أخلاق النساء في تلك البلاد.

كانت البنات لا يخرجن من الأديرة إلا عند الزواج، وكن جاهلات بكل ما يتعلق بالحب فكن يتلقين دروس الحب من غير الزواج في أغلب الأحيان؛ ذلك لأن من القواعد العامة أن البنت التي لا تختار زوجها بل تكلف بقبوله تكون قد قطعت نصف المسافة التي توصلها إلى الخطيئة، فلا شيء يقي البنت من الفساد مثل اختيارها زوجها بنفسها بعد أن تعرفه وتقارن بينه وبين غيره من الرجال».

وقال في وصف نساء وطنه: «إن المرأة الطليانية أقل من غيرها عفة؛ لأنها تتزوج غالبًا من غير أن تحب زوجها. وكذلك الحال تقريبا في نساء فرنسا».

أما النساء الإنكليزيات والأمريكيات والألمانيات، فأثنى على كمال عفتهن ونسبها إلى طرق تربيتهن وتمتعهن بالحرية والاستقلال في أعمال الحياة.

فالحجاب والحرية وسيلتان لصيانة المرأة، ولكن ما أعظم الفرق بينهما في النتائج التي تترتب عليهما! حيث إن الوسيلة الأولى تضع المرأة في وصف الأدوات والأمتعة، وتجني على الإنسانية، والثانية تخدم الإنسانية، وتسوق المرأة في طريق التقدم العقلي والكمال الأدبي.

فقد رأيت مما ذكرناه أن ما اخترناه في تربية المرأة ووقاية عفتها ليس مبنيا على أمر نظري لا يستند إلى واقع بل هو مؤسس على المشاهدة والتجربة.

وصل احترام الرجل الغربي لحرية المرأة إلى حد أن الأب يخجل من نفسه أن يفتح الخطابات التي ترد لابنته، وكذلك الزوج يرى الأجدر به ألا يفتح الخطاب الذي يرد إلى امرأته، وهذه المسألة الأخيرة كانت موضوع بحث مهم بين أعضاء جمعية المحامين الفرنساويين من منذ عشر سنين تقريبا، وتقرر فيها أن سلطة الزوج لا تتيح له أن يطلع على أسرار زوجته؛ لأن هذا العمل يعد تجسسًا مهينا لحرية المرأة وشرفها.

نعم، إن أغلب الزوجات يطلعن أزواجهن على ما يرد إليهن من الخطابات، كما أن أغلب الأزواج يعرضون المراسلات التي ترد إليهم على زوجاتهم، ولكن يوجد فرق عظيم بين ما يحصل بالرضا وما يعد واجبًا بمقتضى حق يدعى.

بلغ من أمر احترام الرجل الغربي لحرية المرأة أن بنات في سن العشرين يتركن عائلاتهن ويسافرن من أمريكا إلى أبعد مكان في الأرض، وحدهن أو مع خادمة، ويقضين الشهور والأعوام متغيبات في السياحة، متنقلات من بلد إلى أخرى. ولم يخطر على بال أحد من أقاربهن أن وحدتهن تعرضهن إلى خطر ما.

كان من حرية المرأة الغربية أن يكون لها أصحاب غير أصحاب الزوج، ورأي غير رأي الزوج، وأن تنتمي لحزب غير الحزب الذي ينتمي إليه الزوج، والرجل في كل ذلك يرى أن زوجته لها الحق في أن تميل إلى ما يوافق ذوقها وعقلها وإحساسها، وأن تعيش بالطريقة التي تراها مستحسنة في نظرها.

ومع كل ذلك ترى نظام بيوت الغربيين قائما على قواعد متينة! ونرى هؤلاء الأمم في نمو مستمر! ولم يحل بهم شيء من المصائب التي يهددنا بها، أولئك الكتاب والفقهاء من قومنا الذين أطالوا الكلام من شرح المضار التي تنتج عن إطلاق الحرية للنساء! فكثيرا ما سمعنا منهم أن اختلاط الرجال بالنساء يؤدي إلى اختلاط الأنساب، وأنه متى اختلطت الأنساب وقعت الأمة في هلاك.

فهذه ممالك أوربا جميعًا، نساؤها ورجالها مختلطون، في كل أطوار الحياة وفي كل آن، وها هم إخواننا وأبناء وطننا المسيحيون، واليهود الذين تركوا عادة الحجاب من عهد قريب، وربوا نساءهم على كشف وجوههن، ومعاملة الرجال، فأين هم من الاختلال والهلاك؟!

لنترك هذه النظريات الخيالية التي لا قيمة لها أمام الوقائع:

دلت التجربة على أن الحرية هي منبع الخير للإنسان، وأصل ترقيه، وأساس كماله الأدبي، وأن استقلال إرادة الإنسان أهل عامل أدبي في نهوض الرجال، فلا يمكن أن يكون لها إلا مثل ذلك الأثر في نفوس النساء.

غاية الأمر أن كل تغيير يعرض على الأنظار في صورة مشروع يلتمس قبوله ولم يكن بدأ الناس فيه من قبل هو في الحقيقة فكر سبق أوانه وقت عرضه؛ ولهذا لا يفهمه ولا يقدره حق قدره إلا العدد القليل ممن يمتد نظرهم إلى ما يمكنه المستقبل من الحوادث.

انظر إلى حالة مصل: عاشت الأمة المصرية أجيالا في الاستعباد السياسي، فكانت النتيجة انحطاطا عاما في جميع مظاهر حياتها، انحطاط في العقول وانحطاط في الأخلاق، وانحطاط في الأعمال، وما زالت تهبط من درجة إلى أسفل منها حتى انتهى بها الحال إلى أن تكون جسمًا ضعيفا عليلا ساكنا يعيش عيشة النبات أكثر من عيشة الحيوان، فلما تخلصت من الاستعباد رأت نفسها في أول الأمر في حيرة لا تدري معها ما تصنع بحريتها الجديدة.

وكان الكل لا يفهم لهذه الكلمة معنى، ولا يقدر لها قيمة، وكان الناس يستخفون ويهزءون بالحرية، بل ويتألمون منها، وينسبون إليها اختلال عيشتهم وعلل نفوسهم، فكم من مرة سمعنا بأذننا أن سبب شقاء مصر هو تمتعها بالحرية والمساواة ؟!

ثم اعتاد القوم شيئًا فشيئًا على الحرية، وبدءوا يشعرون بأن اختلال عيشتهم لا يمكن أن يكون ناتجًا عنها، بل له أسباب أخرى، وتعلق بنفوس الكثير منا حب الحرية، حتى صاروا لا يفهمون للوجود معنى بدونها، ولنا الأمل في أولادنا الذين يشبون على الحرية التامة، يجنون جميع ثمراتها النفيسة التي من أهمها تهيئة نفوسهم للعمل، عند ذلك يعرفون جيدًا أن الحرية هي أساس كل عمران.

وهكذا يكون الحال بالنسبة لحرية النساء.

أول جيل تظهر فيه حرية المرأة تكثر الشكوى منها، ويظن الناس أن بلاء عظيمًا قد حل بهم؛ لأن المرأة تكون في دور التمرين على الحرية، ثم مع مرور الزمن تتعود المرأة على استعمال حريتها وتشعر بواجباتها شيئا فشيئا، وترقى ملكاتها العقلية والأدبية، وكلما ظهر عيب في أخلاقها يداوى بالتربية؛ حتى تصير إنسانا شاعرًا بنفسه.

ذلك لأن النمو الأدبي لا يختلف في سيره عن النمو المادي، فكما أن الطفل يحبو قبل أن يمشي، ويتعلم المشي بالتدريج، فيمسك الحائط ويستند على يد مرضعته، ثم متى تعلم المشي وحده، لا يحسنه إلا بعد تمرين يدوم مدة أشهر يقع في خلالها مرات كثرة، كذلك الإنسانية في سيرها الأدبي لا تنتقل من حال إلى حال أحسن منها إلا بالتدريج، وبعد تمرين طويل يعرض لها فيه كثير من التخبط والاختلاف والتجارب المؤلمة؛ حتى تستقيم في سيرها.

تلك سنة الفطرة، فلا يجوز لنا أن نتخيل أن في إمكاننا الخلاص منها ولا الفرار من قيودها، كذلك لا يكون من الحكمة أن نرجع إلى الوراء أو نوقف تقدمنا إلى الأمام.

فإن أركنا أن نصل إلى الغاية التي وجهنا إليها آمالنا فما علينا ألا أن نستسلم إلى حكم السنة الإلهية، ونقبل المتاعب والمشاق التي بدونها لا يمكن الوصول إليها، وإلا كان مثلنا كمثل أب مجنون خاف على ولده إذا مشى أن يسقط على الأرض، فمنعه المشي حتى كبر، فعاش مقعدا مشلول الرجلين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠