الفصل الثامن

التأهبات

وكان الرسول الذي جاء وليم بخبر ارتقاء هارلود إلى العرش رجلًا يدعى توستغ، وهو أخو هارلود نفسه، فإنه مع كونه أخًا له كان ألد أعدائه، وقلما يكون الإخوة أصدقاء في البيوت التي فيها تاج سلطة يتنازعونه، وعرش سيادة يتسابقون إليه، ومعلوم أنه لم يكن في تلك الأيام وسائل عمومية تؤدي الأنباء وتنقل الأخبار، وعليه فتوستغ علم بموت إدوارد وتتويج هارلود بواسطة رقباء أقامهم في أماكن معينة على التخوم بداعي تغيبه وقتئذٍ عن لندن، فلما بلغه الخبر قام يجدُّ السير إلى روان ليقص على وليم ما جرى، ويغريه على القيام ضد أخيه، وعندما وصل روان كان وليم في بقعة بظاهر المدينة يجرب قوسًا مصنوعة له جديدًا، وليس بخافٍ أن وليم كان رجلًا كبير الجسم قوي العضلات، حتى إنه كان مشهورًا بسهولة استطاعته على حمل قوس لا يقدر أحد غيره أن يحنيها، وقد كان قسم من هذه الشهرة عائدًا إلى ضروب الإطراء والتبجيل التي كان يرى أهل البلاط الملوكي استعمالها نحو الملوك من باب التحرز والدهاء.

على أنه بغض النظر عن ذلك كان وليم في غاية الاستحقاق لأن يمدح على حذاقته العقلية، وقوته الجسدية، ومهارته في استعمال القسي، وهذه التي كان يجربها عندئذٍ كانت مصنوعة بمنتهى المرونة والقوة، وقد خرج بقواده إلى تلك البقعة لكي يمتحن قوتها ويختبر فعلها، فتآثره توستغ إلى هناك، وقص عليه الأخبار، فتأثر وليم من استماعها تأثرًا بليغًا حتى سقط سهم قوسه إلى الأرض، فأعطى في الحال القوس إلى أحد الأتباع وقد عبث به الذهول، فلبث برهة لا ينبس بحوجاء ولا لوجاء ويده تعقد شريطة على مقدم صدره وتحلها مدة تلك الغيبوبة، حتى استفاق وأخذ يسير الهوينا راجعًا إلى المدينة، فتعقبه رجاله وكأن على رءوسهم الطير منذهلين وقائلين في نفوسهم: ماذا عسى أن تكون تلك الأخبار التي بعثته على هذا الذهول، وحملته على تأثير شديد كهذا؟

أما وليم فسار حتى دخل قلعته، وطفق يخطر في عرصتها ذهابًا وإيابًا ردحًا من الزمان مدفوعًا بعنف هياج عظيم للتأمل والافتكار، ورجاله واقفون صامتين لا يجسرون أن يكلموه حتى شاعت بين ظهرانيهم أنباء ذهوله، وأخذوا يضربون في استطلاعها أخماسًا لأسداس حتى جاء القلعة أحد كبراء القواد المقدمين عند وليم، وكان يدعى فتزسبورن، وفي دخوله اعترضه على الأبواب وفي المداخل الذين كانوا جالسين هناك واستكشفوه حقيقة الأمر، علمًا منهم بأنه خبير بما توقع نظرًا لما له عند وليم من المكانة في الثقة والاعتبار، فأجابهم: «لا أعلم شيئًا بعدُ لكني سأعلم عن قريب» ولما دنا من وليم خاطبه: «لماذا تخفي عنا الأخبار؟ فقد شاع في المدينة أن ملك إنكلترا توفي وهارلود حنث بأقسامه لك واغتصب الملك لنفسه، أفليس ذلك صحيحًا؟»

وعندها قص عليه وليم الخبر وأوقفه على بواعث غيظه وكدره، فأشار عليه فتزسبورن بأن يملك روحه، ولا يدع هكذا حوادث تروع عزمه، وتصغر نفسه، وزاد عليه قوله: «أما من جهة موت إدوارد فتلك حادثة مضت، وليس في الاستطاعة رد فائت كهذا، وأما من خصوص اغتصاب هارلود وخيانته فذلك داءٌ سهلٌ عليك علاجه، فحق الملك إنما هو لك، وعندك العساكر التي تقدرك على تحصيله، فأقدم عليه ثابت الجنان، ونصرك مكفول بإذن الله وعليه التكلان».

فأخذ وليم يجيل هذا الأمر في دائرة فكره، ويقلب فيه نظر التدبر والاستبصار ريثما حدة الغيظ قد انكسرت، وعادت أفكاره إلى مضاجع الراحة والسكون، فارتأى أن يعقد مجلسًا من العظماء والكبراء، ويطرح لديهم هذه المسألة ليس بقصد استشارتهم والعمل بمقتضى آرائهم، بل لكي يستميلهم إلى التصديق على الخطة التي عزم على انتهاجها، ويدعوهم إلى العمل معًا بجد وصدق، وكان من نتيجة ذلك المؤتمر المرءوس بوليم ذاته أن يَنفُذ رسول إلى هارلود يتنجزه العهود، ويتقاضاه الوعود، وبموجبه سار الرسول حتى جاء لندن وأطلع هارلود على الأمور التي استقدم ليخابره بها، وكانت كما يذكر القارئ ثلاثة — أن يرسل هارلود ابنته إلى نورماندي لتزف إلى أحد قواد وليم، وأن يتزوج هو ذاته ابنة وليم، وأن يمهد لوليم طريق الجلوس على العرش الإنكليزي — ثم ذكَّره بالطريقة الرهيبة التي ارتبط بها ما وعد به — بالأقسام التي حلف بها أمام أقدس ذخائر الكنيسة وأعظم حفلة مشهورة — فأجاب هارلود:
  • أولًا: من جهة إرسال ابنته لكي تزف إلى أحد قواد وليم، فذلك لم يستطعه بداعي وفاة ابنته، ولا يظن أن وليم يرغب في إرسال جثتها إليه.
  • ثانيًا: من خصوص تزوجه بابنة وليم التي خطبها في نورماندي، فقد ساءه أن هذا أيضًا كان فوق طوره من وجه أنه لم يقدر على الاقتران بزوجة غريبة بدون رضى شعبه، وفضلًا عن ذلك قد تزوج أميرة سكسونية من مملكته.
  • ثالثًا: من جهة العرش الإنكليزي، فلم يكن متوقفًا عليه أمر تعيين خلف لإدوارد، بل على مشيئة إدوارد ذاته وشعب إنكلترا، فأمراء الإنكليز وأشرافهم أجمعوا هم وإدوارد على أنه «هارلود» هو ملكهم الشرعي إفيرفس مناخس ويقاوم هذا الإجماع العام، وفوق كل ذلك كان يود أن ينفذ رغائب وليم ويقوم بإنجاز مواعيده له لو أمكنه ذلك، ولكنه قد وعده بشيء ليس له ولا يقدر أن يعطيه إياه.
  • رابعًا: من خصوص أقسامه، فمع أنه أجراها أمام الذخائر المقدسة الموضوعة تحت الغطاء الذهبي، يعتبر أنها عديمة التأثير من وجه أنه كان مضطرًّا إليها اضطرارًا، ومتخذًا إتمامها وسيلة للهرب من نورماندي، والمواعيد والأقسام التي تدعو إليها الضرورة تعد فارغة باطلة.

فرجع الرسول بهذه الأجوبة إلى نورماندي، وشرع وليم يتأهب للحرب، وأول خطوة قدرها لأجله في هذا السبيل كانت دعوته لأخلص أصدقائه واستشارتهم في هذا الأمر، وبعد المداولة والمباحثة أخلصوه الرأي في الحمل على إنكلترا واعدين بعضده وشد أزره، وبذل غاية جهدهم في تحقيق فوزه ونصره.

وفي الخطوة الثانية عقد مجلس شورى من جميع كبراء الدول وأشرافها ومشاهيرها ونواب المقاطعات ومشايخ المدن؛ للبحث فيما إذا كانت البلاد تقوى على تحمل زيادة الضرائب تحصيلًا للأموال المحتاج إليها في هذه الحملة، فإن وليم وإن كان كحاكم مطلق له حق التعويل على مهاجمة إنكلترا، وله استطاعة على حشد الرجال بداعي ارتباط كل أمير مقاطعة تحت يده بوجوب تلبيته بالمال والرجال، ففي حملة عظيمة كهذه كانت الاحتياجات أكثر جدًّا من المعتاد في تلك الأيام، ولم تكن القوانين الدولية في الأجيال المتوسطة لتساعد على سد نفقات كهذه بوجه مقبول متساوٍ، فلم يكن للحكومات حينئذ قوة على ضرب المكوس كما في هذه الأيام، حتى إنه إلى الآن تجمع الضرائب في فرنسا وإنكلترا على سبيل إحسان من الشعب إلى الحكومة، ولم يكن في أيام وليم وزير المالية لينشئ قرضًا ويرتب له ضمانات، فغاية ما كان في ذلك العهد من هذا القبيل استناد الحاكم في نفقاته على مداخيل بلاده ووارداتها الطفيفة.

أما وليم فرأى أنه في هذه الحملة يعوزه بناء السفن وتجهيز الأسلحة والذخائر والمؤن، وكل ذلك يتطلب أموالًا جزيلة، فمن أين يحصل على تلك الأموال؟ فأشكل على أولئك المندوبين البحث في هذا الأمر ومتعلقاته، وانتهوا إلى الاختلاف والشقاق في الآراء، فأهل الراحة والسكينة والصناع والتجار الذين كانوا لا يهتمون بسوى الاستمرار على مباشرة أعمالهم بالأمن والسلام رفضوا هذا المشروع رفضًا مطلقًا، وحسبوا ضربًا من الخرق والحماقة أن يكونوا مطالبين بالإسعاف مما تكسبه أيديهم أخذًا بناصر حاكمهم، وتقويته على الخروج بحملة محفوفة بالمخاطر مجهولة العواقب لا تجديهم على فرض تحقق نجاحها أدنى نفع، وقد وافقهم على هذا الرفض كثيرون من الأمراء الذين رجحوا نهايتها بالفشل والخيبة، وأنكروا كون ارتباطهم بتلبية حاكمهم بالرجال يفرض عليهم إطاعته إلى حد مظافرته خارج البلاد، وعبر البحر ذهابًا وراء مطالبته في عرش مملكة أخرى.

أما الباقون فكانوا بالعكس مستحسنين هذا المشروع كل الاستحسان، ومصوبين الخروج على إنكلترا، فكانوا أثبت قلوبًا وأوفر حمية وإقدامًا، أو لربما كانت مراكزهم وأحوالهم الراهنة تخولهم الانتفاع من نجاح هذه الحملة أكثر من أولئك، وتصغر في عيونهم الخوف من خطر سقوطها، وهكذا انقسمت الآراء وتضاربت الأفكار، وإذ إن القوانين الموضوعة في هذه الأيام لرفع التشويش وحفظ النظام حين مجاذبة أطراف الجدال في مجلس الأمة لم تكن بعد قد وضعت في ذلك العهد، كنت ترى مجلس أولئك النورمانديين غاصًّا بالجلبة واللغاط، وحافلًا بالضوضاء والعياط، والأعضاء يروحون في عرضه ويجيئون، ويقومون في طوله ويقعدون وهم جماهير متفرقة، وأحزاب مختلفة لكل حزب منهم زعيم قائم فيهم على اجتهاد في حشد السامعين حوله؛ ليخطب عليهم.

وأهدأ قوم في ذلك المحفل كانوا أطفر من الجنادب جائلين من عند خطيب إلى آخر، منساقين بقوة حدة الخطباء وفصاحتهم، ومجذوبين بمغناطيس استحسانهم للآراء التي يسمعون أولئك الخطباء يجاهرن فيها، وبالجملة كان منظر ذلك المجلس أشبه شيء بالمجالس التي كانت تعقد في أميركا أيام الثورات، وقبل تقييدها بنظامات ورؤساء.

أما فتزسبورن صديق وليم الأمين ومستشاره الخاص الذي مر الكلام على أنه كان الرجل الوحيد الذي أقدم على مكاشفة وليم خبر موت إدوارد وتملُّك هارلود، فإذ رأى أن استصواب هذه الحملة وتخطئتها ليسا من متعلقات ذلك الاجتماع؛ أسرع إلى وليم وأشار عليه بفض المجلس وترتيب ما يراه بعد ذلك موافقًا على انفراد، وتعهد له بتجهيز أربعين سفينة برجالها وأسلحتها وذخائرها، وعرض عليه أن يدعو كلًّا من أولئك الأعضاء والنواب ويسأله على انفراد: ماذا يروم هو أن يفعل؟

فاستصوب وليم رأيه هذا وعمل بموجبه، وصادف نجاحًا غريبًا، فإن الذين دعوا أولًا وعدوا بمساعدات وتقادم عظيمة، وفي الحال صار تسجيل وعودهم والإشهاد عليها، وكل من جاء بعدهم كان يغار ممن سبقه وتهزه الأريحية لإظهار كثير من الغيرة والكرم، وفي كل ذلك كان وليم يقتبل هذه التبرعات بمزيد الممنونية وجزيل الشكر، مبالغًا في معاملة أولئك المتبرعين بما لا يوصف من المؤانسة والملاطفة، وله في هذه المجاملات ضروب تحيل، وأساليب دهاء تحدَّاها تذرُّعًا لموالاة كبراء بلاده، واستمالة عظمائها تذليلًا لرقاب المصاعب في طريق فوزه ونجاحه.

وبكلمة نقول: إن جَزْر تلك المصاعب التي تهددت الحمل على إنكلترا أعقبه مدُّ تسهيلات فاض بالإسعافات، وتدفق بالمساعدات؛ فإن الأمراء والأشراف تبرعوا بالوعد بالرجال والمال والمراكب والأسلحة والذخائر، وبالاختصار بكل شيء احتيج إليه، وعند الفراغ من تقييد ما تبرع به أمير كل مقاطعة، وجد وليم بمزيد الاندهاش أن كل لوازمه صارت مقضية، فبقي عليه خطوة ثالثة مهمة في هذا المشروع، ألا وهي استحصال رخصة البابا؛ لأنه توقع من استمالة حبر رومية الأعظم إليه في هذا الأمر نفعًا عظيمًا لا يقدر، وبناء عليه سيَّر من قِبَله إلى رومية لنفرنك — ذات الرسول الذي نجح منذ سنتين في تثبيت شرعية زواج وليم ومتيلدا لدى البابا — وأمره أن يطرح المسألة أمام كرسي قداسته، ويتوسل إليه أن يصرح بعدالة تسمية وليم ملك إنكلترا، ويعلن له إجازة الاستيلاء على عرشها بقوة السلاح.

وقد نجح لنفرنك هذه المرة أيضًا، فإن البابا بعدما فحص دعوى وليم حكم بحقانيتها، وصرح بتسمية وليم ملك إنكلترا، وأمر بإصدار إجازة «منشور» له في ذلك، وعليه صدرت الإجازة غاية في الإتقان معلمة بالصليب على جاري العادة البابوية، ومختومة بختم مستدير من رصاص.

ولم يكن بالأمر الغريب أن البابا نظر بعين الاستحسان إلى دعوى وليم، وأظهر أشد الارتياح إلى نجاحها؛ إذ لم يكن ريب في أن تربع وليم على سرير الملك الإنكليزي كان أفيد للكنيسة من تربع هارلود، من وجه أن وليم باستيلائه على إنكلترا يمكن فيها سلطة كنيسة رومية، ويجعل قدم نفوذها راسخة في سائر أطرافها؛ لأنه كان في غاية الخضوع للسدة البابوية كما وضح من تصرفه في مشكل زيجته، وكان هو وامرأته متيلدا يميلان كل الميل إلى نجاح وتقدم الأديرة والكنائس والصوامع وسائر الأمور الدينية، ناهيك عن أن تصرفه هذه المرة في إرساله لنفرنك لكي يبسط دعواه لدى كرسيها، بينما هارلود لم يفعل أقل شيء من مثل ذلك كان يدل دلالة بينة على شدة احترامه لسيادة الكنيسة، ويرجح لمتوليها (البابا) أنه (أي وليم) سيكون في مدة جلوسه على العرش — إذا توفق إليه — ابنًا صادقًا لها، ويبرهن طاعته وخضوعه لأوامرها المقدسة بالسعي في رفع شأنها، وتعزيز كلمتها، بخلاف مناظره هارلود.

وعلى ذلك ما لبث البابا وكرادلته أن حقوا دعوى وليم، وأقاموا مطالبه، فأرسل له الحبر الأعظم فوق إجازة الاستيلاء على إنكلترا راية وخاتمًا، أما الراية فكانت مصنوعة بكل إتقان وإحكام، على أن قيمتها لم تنحصر في زخرفتها وكلفتها، بل بالبركة الفائقة التي تضمنتها من قبل قداسة مرسليها، وأما الخاتم فكان من ذهب وفيه الماسة عظيمة الثمن، على أن كلا الذهب والماس الذين فيه كانا فقط عبارة عن وسيلة لحفظ وإكرام شيء أثمن منهما وأكرم، وهذا الكنز المذخور كان شعرة من رأس بطرس الرسول — ذخيرة مقدسة ذات اعتبار عجيب، وثمن لا يقدر غريب.

ولما جيء بالإجازة «المنشور» والراية والخاتم إلى نورماندي كان لها وقع عظيم عمومي؛ لأن التصديق على هذه الحملة بقوة كهذه سامية من رأس الكنيسة الذي أكثر الناس ينظرون إليه بملء التجلة والاحترام، كان كختم على حق الشروع فيها، وتوقع الظفر والانتصار، وعندها لم تبق من صعوبة في إعداد الرجال وذخر المال، والتأهب للحرب والقتال، وقد أصبح كل لهفان متعطشًا لمقاسمة المجد وكسب أحسن الجزاء.

ولما رأى وليم الأمور مطردة مجرى النجاح والتحسين أنفذ بلاغًا إلى الزعماء والمقدمين في المقاطعات حوالي نورماندي، به يدعو الأمراء والعساكر وجميع أصحاب الإقدام من كل درجة إلى الاتحاد معه، والانضمام إليه، وهذا أحدث تيقظًا وانتباهًا عموميين، فتسابق إلى خدمته كثيرون من أهل الجراءة والبسالة، وانهالت عليه موارد الرجال والخيول والإسعافات انهيال الأمطار، وأصبح حديث مهاجمة إنكلترا والاشتراك في الحملة عليها ملء أفواه الجميع، وشغلًا شاغلًا عند الرفيع والوضيع، وسالت الطرق والشوارع بالأمراء والجنود، بعضهم فرسان منفردون، وبعضهم جماعات كبيرة أو صغيرة، قادمون إلى نورماندي لعرض الخدمة والتطوع لأجل هذه المهمة.

كل ذلك ووليم يقتبل الجميع بمزيد الترحاب والتأهيل، ويعد الكل بالمكافأة الحسنى والخير الجزيل متى دخل إنكلترا وأصاب في محاربته هارلود غلبة ونصرًا، فكان يعد هذا بالدراهم وذاك بالغنائم، وذلك بوظيفة لا يكون له فيها مزاحم، حتى نفس الكهنة وخدام الكنيسة، فقد وعد كلًّا منهم بمكافأة كريمة وجائزة نفيسة، وهؤلاء لم يقصروا في مقاسمة العوام المساعدة والاهتمام، فإن واحدًا منهم أعد سفينة وسلَّحها بعشرين رجلًا على شرط أن يُسام مطرانًا على أبرشية غنية في إنكلترا حينما يستوي وليم على عرشها.

وبينما كانت هذه الاستعدادات جارية على قدم وساق داخل البلاد كانت المين البحرية وسائر المدن على الشواطئ والتخوم النورماندية مَظهرًا لتأهبات بحرية حربية، فكنت ترى معامل السفن مشغولة ببناء المراكب والزوارق، بعضها لنقل الرجال، والبعض لحمل الذخائر والمُون، وبعضها قوارب صغيرة لأجل قطع الأنهر وإخراج العساكر إلى البر على الشواطئ الصلخة (حيث الماء قليل)، وكذا الحدادون وصانعو الأسلحة كانوا منهمكين على الدوام في طبع البيض الحداد، ومد السمر المداد، وتهيئة سائر العدد الحربية كالخوذ والدروع، بينما كان عدد عديد من الرجال ينقلون على حيوانات النقل تلك المعدات من المعامل إلى السفن، وحالما فرغ وليم من هذه الإجراءات رأى أنه باقٍ أمامه خطوة رابعة قبل الإقلاع إلى إنكلترا، وهي استشارة ملك فرنسا وطلب مساعدته، وكان اسمه حينئذ فيليب، فذهب إليه بنفسه، فوجده في قصره سنت جرمنس، وهناك بعد تأدية فروض الخضوع والاحترام أطلعه على مقاصده، وطلب منه الاستحسان والإمداد واعدًا إياه بأن يملك إنكلترا كما ملك نورماندي تحت سيادة حكومة فرنسا.

فلم يصوب فيليب هذا المشروع، وسأل وليم على مَن يترك إدارة دوكيته مدة غيابه للسعي وراء مملكة أخرى، وبعد الافتكار أجابه أنه مرزوق بحسن الحظ زوجة حكيمة، وشعبًا أمينًا، فيمكنه تسليم أمر الإدارة إليهم إلى حين رجوعه.

فظل فيليب مصرًّا على عدم استحسانه هذا العزم من وجه أنه مخيف ومخطر، ونصح لوليم بالعدول عنه والاقتناع بحالته الحاضرة، وفي النهاية عقد مجلس شورى وألقى مسألة وليم للبحث، وكان من خلاصة المداولة تخطئة وليم ورفض المساعدة له، أما وليم فودَّع فيليب وخرج بعدما قال له: «كان في عزمي أن أحكم على إنكلترا معترفًا بسيادتك لو نلت منك عونًا وإسعافًا، وأما الآن فقد عدلت لأنك أبيت تلبيتي؛ لأني إنما أشعر بالمكافأة لأولئك الذين يساعدونني».

وعاد وليم إلى نورماندي حيث وجد أن الاستعدادات قد أخذ فيها مدة غيابه بوافر الغيرة والنشاط، ومن ثم شرع في تدبير الأمر الأخير الذي كان عليه أن يتناول الاهتمام به قبل خروجه على إنكلترا، وهو تعيين أمر الحكم في غيابه، فعوَّل على وضع زمام القوة العالية في يدي زوجته، وعين في الوقت ذاته نخبة من مأموري الملكية والعسكرية على شكل مجلس نواب يساعدونها في تنفيذ الأحكام والمشورات والإفادات، ويدبرون تحت عنايتها مهام الحكومة، وهكذا دعيت إلى وظيفتها بلقب «نائبة دوك» بباهر التجلة والاحتفاء في مشهد حافل بكبراء البلاد، وفي ختام الحفلة قال لها وليم بعدما فوضها بالحكم والإدارة: «ولا تحرمينا من الانتفاع بصلواتك وصلوات كل سيدات محكمتك لكي ترافقنا بركة الله وتنجح مساعينا» وأرى أنه لم تعد لدينا ضرورة — كما في الماضي — تدعونا إلى اتهام وليم بالرياء والادعاء في اعترافه بالاتكال على العون الإلهي في الأهوال الشخصية والسياسية التي كان عازمًا على مباشرتها، ويرجح أنه كان يعتقد بإخلاص أن ميراث التاج الإنكليزي كان من جملة حقوقه، ومن الواجب عليه بذل القوة لأجل تحصيله؛ ولذا أقدم على تتميم الاستعدادات بما لا مزيد عليه من العزم والهمة، حتى غادر البلاد كلها قائمة قاعدة بالتأهبات، وبينما كان الأهلون على مزيد الثقة بأن هذا المشروع قد صدق عليه بأمر سماوي إذا به قد تثبت بظهور غريب، وتجلٍّ عجيب حدث قبيل الإقلاع من الشواطئ النورماندية، وذلك بأن ظهر نجم مذنب١ كبير معترض في عنان الجوِّ له — حسب تقرير الراصدين — ذنبان، فاتخذه الناس دليلًا ينبئ باتحاد نورماندي وإنكلترا مملكة مزدوجة تظهر للعالم بغاية المجد والبهاء.

هوامش

(١) كان القدماء يتشاءمون من هذه المذنبات ويحسبون ظهورها غضبًا من الآلهة، وكان أول من حسب فلك نجم مذنب على موجب قواعد تعليمية العلامة إسحق نيوتن، إلى أن قام غيره كهالي وإنكي وغيرهما، أما نور هذه المذنبات فمستمد من نور الشمس؛ بدليل أنه يطول عند اقترابه منها ويتلاشى عند ابتعاده، والأرجح أن النجم الذي ظهر على أيام نيوتن هو نفس النجم الذي ظهر بعده على أيام هالي، وذلك يتضح من تساوي المدة بينهما، وهي مقدار خمس وسبعين سنة كما يظهر من هذا الجدول:
وقت الظهور
سنة ١٤٥٦
سنة ١٥٣١
سنة ١٦٠٧
سنة ١٦٨٣
ولعل النجم الذي ظهر عندنا منذ بضع سنين هو ذلك النجم عينه، والله أعلم.
ومما يستحق الذكر النجم المدعو عندهم بذي المقدار الهائل، كان ظهوره سنة ١٣٠٥ للمسيح، وفي سنة ١٤٥٦ امتد ذنبه من الأفق إلى سمت الرأس، وكان هائلًا جدًّا إلى حد أن البابا الحالي أمر بتقديم صلوات خصوصية في جميع الكنائس لعل الله ينجي العالم من عواقبه، ولا يزال بعض السذج في عصرنا هذا يتطيرون من ظهوره، ولله في خلقه آيات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠