الفصل الثاني

١

١٩٨٦م

وكم أعجب من قرطها اللؤلؤي، حبتان من اللؤلؤ لا تفارقان أذنَيها، أتُراهما تهمسان لها من الغزل والدلال بالقَدْر الذي يُرضي غرورها فلا تخلعهما؟ أيعجز الإنسان أن يبتكر من معاني الحب والجمال ما يضاهي به حبَّتَي لؤلؤ؟ أم أن البريق الذي تمنحانه لها آثرُ عندها من حُبي البائس؟

ويا لحظ ذلك الخاتم الذي يلُفُّ إصبعها ويتوسَّط كفَّها اليمنى! أتُراني أبتذل الكلمات حين أغبطه وهو يلامس حلاوة شفتَيها، ويستريح على حرير وجنتَيها؟ ويرقبها وهي تسبح في بحر النوم متنقلًا بين خصلات شعرها؟ ما لي ولهذا الخاتم؟ ولِمَ يثيرني؟ وأنا من يشغل حيزًا من تفكيرها، لا هو، أحقًّا أكون كذلك؟ أتُراني أخطُر على بالها؟

أنهى القراءة وأخذ يرمُق أثر كلماته عليها، لكنها كعادتها ظلت تبتسم، رفعَت يدها إلى أذنها تُداعب قرطها اللؤلؤي في حركةٍ ساهمة، وانحنَت برأسها خجلًا إلى الأمام أكثر، فانثالت خصلةٌ من شعرها المموَّج على وجهها حاجبةً عنه رؤيته، يا للروعة! كيف يمكن للجمال أن يُختصر في انحناءةٍ، وطيف ابتسامةٍ، وخصلة شعرٍ تعبثُ في قلبٍ ولهان؟! وكيف للحُب أن يسري في يده التي تُزيح خصلة الشعر عن وجهها فتُعاوِد الانسدال، وتُعاود اليدُ حركَتَها، والحب يتردَّد ما بين رفع وانسدال؟!

وها إنَّ اليد قد قاربَت الوجنة الوردية كثيرًا فما ضَرَّها لو لامستها؟ لتُحِس بالنور الساحر المنبثق عنها، لتغوصَ في العذوبة وتذوقَ حلاوتها الطاغية؟ وبظاهر أصابعه حاول الملامسة لكنها أشاحت بوجهها هامسة بنبرة عَتبٍ حلوة: «نوار!» من الجيد أنه لم يفعل، كان يُفكِّر وهو يرقب وجنتَيها اللتَين هما من الرقة والعذوبة بحيث لو لامسها النسيم لتسبَّب في جرحها، فكيف بيده؟ وها قد ازداد ورد الوجنتَين حمرةً وألقًا، وزاد في قلبه ولهًا وإكبارًا وعشقًا، فابتعَد عنها إلى الوراء خطوة، واقترب منها في روحها رتبة، وقال: «ها، ما رأيك؟» فقالت بدلال: «بماذا؟» فتجاهل سؤالها وأجاب على دلالها: «بحبي؟» فارتمت أروع الألحان وأجمل النغمات في صوتها فضَحِكَت فرحًا، وضَحِك هو طربًا.

شهران مرَّا، والسعادة تتهادى على مهلٍ بين قلبَيْهما، يلتقيان في الزمان؛ فكل الزمان لهما، ولِمَ العجلة؟ قلبٌ أنثوي رقيق كرفَّة فراشة تناغَم مع روحٍ رجولية شغوفة كدهشة طفل. ويتواعدان في أي مكان؛ فكل مكانٍ لهما، والحب خلَّاق، يُتوِّجُهما ملكَين فيتلاشى كل شيء؛ ما كان وما سيكون، الأسباب والعلل والنتائج، الحركة والسكون، ويمحو في عينَيْهما كل شيء سواهما، يصبحان ويمسيان ولا أحد أسعد منهما؛ فحبهما نادر لا مثيل له، وكذا شأن المحبين.

٢

في اليوم التالي قرَّرتُ الذهاب إلى جدو نور؛ فقد مضى على زيارتي الأخيرة له عشرة أيام، هاتفته فلم يرد، لكنه عاود الاتصال بي. كان مرحًا هذه المرة ورحَّب بحضوري، وفي المساء خرجتُ مع فاطمة وذهبتُ إليه.

استقبلَنا بوجهه المبتسم الذي يبعث على الارتياح، وقادني إلى المكتبة، فوجدتُ فيها شابَّين وفتاة. تفاجأت وشعرتُ بالإحراج، تردَّدتُ في مشيتي، فأحسَّ بذلك فقال: «تعالي، لا بأس، هؤلاء بعض طلابي، من أفضلهم في الحقيقة، تفضَّلي أُعرِّفكِ عليهم؛ أنس، وعبد الله، وإنجي.» ونظر إليَّ وقال: «وهذه سماء وأختها فاطمة، أيضًا هما من أفضل الجيران، أسماء تحب القراءة وتأتي لتستعير من عندي بعض الكتب.» لستُ أدري لِمَ شعرتُ بخجلٍ كبير، ابتسموا لي وأطرَوْا عليَّ، وبادلتُهم الابتسامة لكن لم أكد أنظر إليهم. وإنجي لم تكن ترتدي الحجاب، لكن ثيابها كانت جميلة جدًّا، كانت ترتدي تنورةً طويلة بيضاء، وسُترةً مُلوَّنة مزهَّرة، وكانت تضع وشاحًا سماويًّا، آه! السماوي مجددًا؟ كان شعرها أسودَ منسدلًا على كتفَيها، كم كانت جميلة! شعرتُ تجاهها بشيءٍ من الإعجاب والنفور في آنٍ معًا، صافحَتْني وقالت: «في أي صفٍّ أنتِ؟» قلتُ: «نجحتُ من الثانوية العامة أدبي.» قالت: «رائع، وأي اختصاصٍ اخترتِ؟» فأحسستُ بغُصَّة، وأخذَت الحرارة تنبعثُ من وجهي، فسارع جدو إلى القول: «الحقيقة أنها لم تُسجِّل بعدُ ولم تُقرِّر. سعدتُ بوجودكم، أتمنَّى أن تُطلعوني على ما تنجزونه مستقبلًا، أراكم غدًا في الجامعة.» وهكذا ودَّعهم ورحلوا.

كم كان لطيفًا! قلتُ له بعد رحيلهم: «أشكركَ.» قال: «على ماذا؟» أجبتُه: «على إنقاذك لي.» حرَّك يده وقال: «آه، لا داعي، هل أنهيت الرواية؟» أخرجتُها من حقيبتي وقلتُ: «بالتأكيد، تفضَّل.» وأعدتُها إليه، والرسالة في مكانها الذي كانت فيه. أخذها من يدي ووضعها على الطاولة، وقال: ها، هل من جديدٍ تُحبين أن تُطلعيني عليه؟ كنتِ المرة الماضية تَودِّين الحديث عن الخيميائي، صحيح؟

– نعم، في الحقيقة أعجبَتْني كثيرًا، لكنني لستُ أدري كيف لي أن أعرف ما هي أسطورتي الشخصية. أنتَ قرأتَ الرواية، صحيح؟

– ليس بعدُ في الحقيقة.

– حقًّا؟

– نعم، ويسعدني أنكِ قرأتِها، بإمكانكِ أن تحكيها لي الآن.

فكَّرتُ قليلًا أحاول استرجاع تفاصيلها وبدأتُ أحكيها له وهو يصغي مبتسمًا، وحين انتهيتُ سألته: «والآن كيف لي أن أعرف ما هي أسطورتي الشخصية؟» أجابني: «وهل تعتقدين أن بوسعي معرفة ذلك؟ إنها أسطورتكِ أنتِ، وعليكِ أنتِ اكتشافها.» شعرتُ بخيبة أملٍ من إجابته لكنها استفزَّتني في الوقت نفسه فقلتُ: «وهل تعرفها أنت؟» التفت إليَّ مبتسمًا وقال: «بكل تأكيد.» سألتُه: «وما هي؟» قال: «هذا أمرٌ يخصُّني.» أحسستُ بالقهر والغضب؛ فمن المفترض أن يعلِّمني لا أن يتعالى عليَّ، ثم تذكَّرتُ أنني أملكُ شيئًا من أسراره، العقدَ ذا الحجر السماوي، والرسالة، وهذان سلاحان لا بأس بهما.

تركتُه ومشيتُ نحو المكتبة لأُفكِّر كيف أبدأ هجومي؛ فإجابته الأخيرة لي أزالت كل تردُّد عندي في أن أُخبره بأمر الرسالة على الأقل، فلم أعُد أشعر نحوه بأي أسًى. ثم التفتُّ إليه وقلتُ: «أريد أن أخبرك بأمر.» فنظر إليَّ: «تفضَّلي»، أكملتُ: «لقد قرأتُ الرسالة التي كانت مُخبَّأة في الرواية: «كتاب الوداع»، وما إن نطقتُ بالكلمتَين الأخيرتَين حتى عمَّ السكون طويلًا، وطويلًا جدًّا. عندها شعرتُ بندمٍ كبير، كنتُ أنظر إليه، وكان ينظر إلى الأسفل، وشفتاه ترتجفان رجفةً خفيفة. لم أَدْرِ ما أفعل، لقد أخطأتُ حتمًا، لكني أدركتُ ذلك متأخرًا، ثم مشيتُ على الأرض الخشبية بخطواتٍ سريعة إليه وقلتُ: «أعتذر منك، لكنها كانت مُخبَّأة في الرواية فقرأتُها رغمًا عني، سامحني أرجوك، سأرحل ولن أعود إذا كان هذا يُرضيك.» ولم أنتظر ردَّه، أمسكتُ بيد فاطمة وقلتُ: «هيا، نحن ذاهبتان.» امتنعَت فاطمة وانتزعَت يدها وقالت: «لا، لقد وصلنا للتوِّ.» نهرتُها وقلتُ: «كلا، سنرحل.» هنا نطق أخيرًا وقال: «دعيها، لا بأس، بإمكانكما البقاء، لا تعتذري؛ فما حدَث حدَث، تعالَي اجلسي، سأحكي لك قصة الرسالة.» استجبتُ له بخجل، وجلستُ في الكرسي الذي كان أمامه، وبدأ حديثه.

•••

«اسمها رندة، كنتُ في بعثةٍ لإكمال دراستي إلى ألمانيا، التقيتُها في إحدى حدائق الجامعة، كانت جاثية على ركبتَيها لتلتقط كتابها من الأرض.»

وسكَت قليلًا، وسرح في خياله، وكأنما يغوص في ذاكرته بعيدًا، ثم أكمل: «خمَّنتُ من هيئتها أنها عربية، فتجرأتُ وقلتُ: «السلام عليكم.» رفعَت رأسها وكانت لا تزال جاثية، نظرت إليَّ بحاجبَين مرفوعَين دهشةً، وزهرةٌ حمراء كانت تزينُ شعرها الكستنائي، وسألَتْني على الفور «أنت عربي؟» كان هذا أوَّل ما سمعتُه منها، ثم عرَّفتُها عن نفسي، وتحدَّثنا قليلًا، كانت من تونس تدرس الفلسفة، تُقيم مع عائلتها في برلين منذ سنوات. في اليوم التالي رأيتُها في الحديقة نفسها، فجلسنا معًا. وهكذا صرنا نلتقي كل أسبوعٍ يومَين أو ثلاثة نتحدَّث لساعاتٍ في الحديقة، كنا نتكلم عن الواقع العربي، عن وضع المرأة وعلاقتها بالرجل، عن بعض العادات الاجتماعية التي كانت تنتقدها. أخبرتْني أنها تُحب سورية وتتمنَّى لو تزورها، أُعجبتُ بطريقة تفكيرها، بأسلوبها السريع في الحديث، وكأنما تزدحم الكلمات والأفكار في رأسها فتلقيها كلها دفعةً واحدة حتى لا تنسى شيئًا. وكثيرًا ما كانت الأفكار تتداخل وتتوالد وتتشظَّى، وكنتُ أُصغي لها في أغلب الوقت؛ فهي من كانت تتحدَّث أكثر. كانت مغرمةً بكل شيء يتعلق بفرنسا، بثقافتها وأدبها ولغتها وطعامها، ووعدَتْني أن نزور باريس معًا يومًا ما. وفي أحد الأيام أهدَتْني رواية «البؤساء» هذه التي قرأتِها أنت، كانت الهدية الوحيدة التي أهدَتْني إياها، وقد كانت نسختها الشخصية.

كانت رندة مفعمة بالحياة، تُحب أن تُناديني «نوار»، أنستني الغربة ووحشتها، وملأَت حياتي بالحب والأمل والتفاؤل. وكان أن أحببتُها، هكذا بكل البساطة الممكنة، وكلما تحدثنا أكثر أحببتها أكثر، ورحت أغوص في عقلها وأفكارها أعمق وأعمق، كانت شديدة الحساسية لكل ما يحيط بها. أحيانًا كنتُ أعتقد أنها تمتلك حاسةً غير عادية ونظرًا فائقًا، فترى ما لا يراه غيرها. كانت تبهرُني بكلامها على الناس، وعلى الكائنات والأشياء، كانت «تُروحِن» كل شيء، وهذا ما زاد من تعلُّقي وإعجابي بها. ما زلتُ أذكر كيف كانت تضع يدها الصغيرة على صدري وتقول: «يومًا ما سيشع نورك يا نوار.» كانت دائمًا تذهب للصلاة وحدها، على الرغم من أنها غير محجَّبة وهو ما كان يُثير استغرابي كثيرًا في ذلك الوقت، وكنتُ أنتظرها. لم أكن أصلي، ومن كان يُصلي في برلين؟ فقد كنتُ مثل أي طالبٍ عربي انتقل إلى أوروبا، أما هي فقد كانت متفردة لا تُشبه إلا ذاتها.

بقينا سبعة أشهر وأسبوعًا معًا، كانت هي أجمل أيام حياتي، كل شيء فيها كان مثاليًّا، تراسَلْنا، وتحدَّثنا، لعبنا ومشَينا كثيرًا وركَضْنا، أكلنا وشربنا وتنزَّهنا، ثم رحلَتْ.»

عندها رنَّ جرس الهاتف، كان أبي يسأل عني، نظرتُ إلى ساعة يدي فوجدتها الثامنة والربع مساءً، لم أشعر بمرور الوقت هنا، قال جدو: «عليكما الرحيل، والدكِ قلقٌ عليكِ.» أجبته بأسًى: «لكنك لم تكمل لي ما حدث معك.» قال: «لاحقًا، ربما لاحقًا.» وأردف: «خذي هذا الكتاب حتى لا تعودي خالية اليدَين.» وناولَني كتابًا دسستُه في حقيبتي وخرجنا عائدتَين إلى البيت.

استقبلَني أبي بغضبٍ كبير، وأخذ يُعنِّفني على تأخُّري وندَمه في أن سمح لي بالذهاب، وتوعَّدني بألا أعود إليه مجددًا، واختتم كلامه بقوله: «عارٌ عليك، ماذا سيتحدث عنا الجيران الآن؟» وما دخل الجيران فينا؟ وعن أي عارٍ يتحدث؟ وماذا فعلتُ لأستحق هذا؟ دلفتُ إلى غرفتي والقهر يخنقني، بكيت قليلًا، كنت أظن أن أبي على حق؛ فقد تأخرتُ فعلًا، ثم تذكَّرتُ قصة جدو نور، كان الفضول لمعرفة ما حدث معه الشاغل الأكبر لتفكيري. لم أتمكَّن ليلتها من النوم سريعًا، أخذت أتخيَّل رندة وجدو عندما كان شابًّا، شعرتُ أنني أحسدها على تحرُّرها وجرأتها، على حبها له وحبه لها، كيف لي أن أحب أحدًا؟ وأنا لا أرى ولا يراني أحد؟ وها قد حُرمتُ رؤيةَ جدو نور أيضًا! ثم أخذتُ أتخيل رندة بتنُّورتها الطويلة المزركشة، بشعرها الكستنائي المجعَّد، وتضع وشاحًا سماويًّا طويلًا، أين رحلَت؟ ولماذا؟ كانت جميلةً وممتلئةً بحبٍّ صادق، لكن ما أدراني؟ وهل أعرف الحب أنا؟ كتبتُ في صفحتي على الفيسبوك:

ليس الحب حظًّا أو قطعةَ حلوى، لكي تعرف الحب عليك أن تحيا، ولكي تحيا عليك أن تحب.

الحياة شلالٌ متدفق، وجود صخرة في وجه الشلال لا يعني توقُّفَه أبدًا.

٣

في الأيام والأسابيع التالية تجنَّبتُ الحديث مع والديَّ عن جدو نور، مع أن قلبي كان يذوب شوقًا لمعرفة المزيد. كنتُ أعلم أن الوقت لم يَحِن بعدُ، وأنني لو طلبتُ الذهاب فسأقابَلُ بالرفض. كانت الأيام تسير كعادتها، أصحو من النوم لأُساعد أمي في تنظيف البيت التنظيف النصف سنوي وهو ما نُسمِّيه «تعزيل». كنا نُنظِّف كل شيء وأي شيء، الوسائد والشراشف والأثاث والجدران والأسقف والأبواب والأرضيات والنوافذ. كنا لا نتوقف إلا لتناوُل الطعام، وحين يكون أبي وإخوتي في البيت بالطبع، كان لا يحل الليل إلا وأنا في قمة الإنهاك، فأنام سريعًا. كانت أمي تحثُّني على العمل بقولها: «الشغل «يُجوهر» الصبية.» تعني أن أعمال المنزل تجعلني جوهرة! حسنًا، لِمَ لا؟ أما عنِّي فكنتُ أعمل لسببَين آخرَين؛ إذ ما من أحدٍ سيُساعد أمي أولًا، وثانيًا لأنني قرأتُ أن أعمال المنزل أفضل رياضة، وكنتُ أحب أن أظل رشيقة وجميلة!

في أحد الأيام دخل أبي صامتًا على غير عادته ورمى بظرفٍ أبيضَ على الطاولة، تناولَتْه أمي وفتحَتْه، قطَّبَت جبينها وناولَتْني إياه. قرأتُ وإذا به دعوة لحضور حفل زفافِ ابن عمَّتي سامر غدًا، يا إلهي! بهذه السرعة؟ علَّقَت أمي: «أرأيتِ أي حظٍّ أفلتِّه من يديك، هل قرأتِ في أي صالة؟ ومع عَشاءٍ أيضًا، سعيدة الآن؟ فلنرَ إلى أين ستأخذك أفكارك.» لم أُعلِّق بشيء سوى أن قلتُ: «هنيئًا لهما.» في الحقيقة أُحب حضور الأعراس، أحب الموسيقى الصاخبة وأن أحدًا لا يمكنه سماعُ أحد، وأن أرقص حدَّ الإعياء، سألَتْني أمي: «وهل ستذهبين؟» أجبتُها على الفور: «ولِمَ لا؟ بالتأكيد سأذهب.»

في مساء اليوم التالي جهَّزتُ نفسي، وضعتُ القليل من مساحيق التجميل؛ فلم تكن أمي لتسمح لي بالمبالغة فيها. لبستُ حذائي ذا الكعب العالي ورافقتُ أمي إلى الصالة «الفخمة»، دخلنا فوجدنا القاعة شبه خالية، أين الحضور؟ لقد قارب الوقت منتصف الليل ولم تأتِ النسوة. هذا أفضل؛ فهو يتيح لنا الجلوس في أفضل مكانٍ لنرى كل شيء؛ المسرح حيث يجلس العروسان، وقوالب الكعك المزيَّنة، والساحة حيث ترقص النساء. جلست مع أمي وتحدثنا وبالكاد أسمعها وتسمعني، ومع مرور الوقت علَت الأصوات أكثر فأكثر، وتوالى حضور النسوة، ولم تمتلئ الصالة حتى الواحدة صباحًا؛ إذ كلما تأخرت أكثر يعني أنك أرقى و«أكابر» أكثر! لا يهم، أخذتُ أراقب النسوة والفتيات اللاتي يدخلن الصالة، كانت الواحدة منهن تمشي أسرع من السلحفاة بقليل، ولا تلتفت يمينًا ولا شمالًا، ولا حتى ترى موقع قدمَيها، تتبختر في مشيتها وهي تعلم أن كل الجالسات ينظرن إليها، إلى فستانها، وتسريحة شعرها، وحذائها البرَّاق، تجلس وتنتظر أي فرصة لتتحدث عن فستانها من أين ابتاعته وكم دفعَت ثمنًا له، وعن الصالون الراقي الذي عملت فيه شعرها وزينَت وجهها، وعن حذائها الغالي الثمن، وهي بالطبع تصرخ وتُلصق فمها في أُذن صاحبتها حتى تتمكَّن الأخرى من سماعها. كنتُ أُراقب وأضحك في داخلي، لا سيما وهي تقف وتدور حول نفسها ليراها الجميع جيدًا، وتظل جالسةً تُراقب حلبة الرقص بفارغ الصبر، تنتظر من تشُدُّها من يدها وتدعوها للرقص، فتتظاهر بالتمنُّع والخجل، ثم تقوم أخيرًا فترقص وترقص ولا تعود للجلوس إلا والعرق يتصبَّب منها!

هكذا كان حال معظم النسوة إن لم يكن كلهن، أما أنا فلم أكن أنتظر أن أُدعى إلى الرقص، أقوم وحدي، وأتوسط الحلبة وأرقص مع من أعرف ومن لا أعرف. كان الرقص يُسعدني كثيرًا، خاصة أن الموسيقى كانت صاخبة جدًّا، فلا تترك لي مجالًا لأُفكِّر في أي شيءٍ سوى في الدخول في الإيقاع. كنتُ أبتسم لكل واحدةٍ ألقاها وأرقص معها لنُشكِّل ثنائيًّا فنتبادل الأدوار والانحناءات، وحين أسمع أغنية لا أُحبها أستغل الفرصة لأعود إلى أمي وأرتاح قليلًا. كانت أمي فخورة بي، هكذا تُريدني؛ فالرقص برأيها يجلب الخاطبات فيُسرع حظي و«ينطلق نصيبي».

وبينما كنتُ جالسة أراقب الحضور شاهدتُ عمتي تتحدث مع مجموعة من النسوة وكن يُحدِّقن فيَّ، وكانت هي تُشير إليَّ بحاجبَيها. عرفتُ على الفور أنني محور حديثهن، وأنني في نظرهن الغبية التي رفضت ابنها الساحر. عندها أمسكتُ بيد ابنة عمي التي تكبرني بعامَين والتي كانت حزينة لأن عمتي لم تتقدم لخطبتها بحجة أنها كبيرة عليه. سحبتُها من يدها وتوسَّطنا حلبة الرقص وأخذنا نرقص بجنون، وحاولتُ الاقتراب أكثر فأكثر من عمتي، فأخذَت ترقص بوجهٍ عَبوس، وأنا وابنة عمي ضحكنا ورقصنا حتى الإعياء.

ثم حلَّت الساعة المرتقبة من الجميع، دخول العروسَين، خفتَت الأضواء ودخل العروسان بخطًى بطيئة، وموسيقى هادئة فيما أخذَت النسوة تتهامسن. أخذني الفضول لأعرف عن أي شيء، فتقدَّمتُ وجلستُ بجوار إحداهن، ولم أبذل كثير جهدٍ لأسمع؛ فقد كانت ترفع صوتها بكل ما أُوتيَت من قوة، قالت: «واه! العريس أجمل بكثير من العروس، ما وجدوا أجمل منها؟ ثم انظري إليها إنها أطول منه، كما أن فستانها من موضة العام الماضي، وكذلك تسريحة شعرها، ألا تخجل من نفسها؟ أم أن العريس بخل عليها ولم يأخذها إلى صالونٍ محترم؟ سمعتُ أنه من الأثرياء؛ فهو كما تعلمين يشتغل في قطر ويأخذ راتبه بالدولار.» أجابت جارتها: «انظري، انظري إليه إنه كالمخبول يمشي ولا يُزيح نظره عنها، واضح أنها ستحكمه، مسكينةٌ أمه، إنه نسيها من اللحظة هذه، وهي تُصفِّق وتضحك كالبلهاء.» وتمايلَتا من فَرْط الضحك. هنا وصل العروسان إلى المنصة، فوقفتُ أشاهدهما، وأخذَت المصورة تأخذ لهما الصور بوضعياتٍ مختلفة، وكانت عمتي كلما أرادت أن تقف بينهما أزاحتها المُصوِّرة، فتعود إلى الوراء، ثم تتقدَّم، والمُصوِّرة تُزيحها مجددًا، والعروس تتمايل على عريسها، والعرق يتصبَّب منهما. شعرتُ بالملل وبألمٍ في قدميَّ من الوقوف، فعدتُ وجلستُ على أحد الكراسي، فسمعتُ اثنتَين من النسوة العجائز تتحدثان، ودار بينهما هذا الحوار: العروس جميلةٌ جدًّا، ومسكينة جدًّا أيضًا؛ فجمالها كله سيذهب مع هذا العريس القصير الدميم. إنها أجمل منه بكثير، وكذلك فستانها وشعرها وزينتها جميلة ورائعة. لستُ أدري كيف فرَّط بها أهلها وهي لا تزال في السادسة عشرة؟

– حبيبتي، كل شيءٍ يُحل بالمال، انظري إنه الآن يُلبسها عقود الذهب واللؤلؤ، يظهر أنه كريم ومن عائلة كريمة، لكن لمَ تبدو أمه غاضبة وتبتسم رغمًا عنها؟

– ما سمعتِ ما حدث؟

– ماذا؟

– حقًّا لا تعرفين؟ كل الناس يتحدثون في هذه السيرة، يقولون في يوم حفلة الخطبة لمَّا دخلَت العروس إلى الغرفة صافحَت حماتها فقط ولم تُقبِّل يدها.

– حقًّا؟ يا للعار! ما تعرف الأصول؟ أم أن أهلها لم يُعلِّموها؟ لا عجب في ذلك فهي من عائلةٍ وضيعة.

وأمَّنَت صديقتُها على كلامها، وتابعتا مشاهدة العروسَين.

يا إلهي! أي سخف وأي ظلم تمارسه هؤلاء النسوة على الناس؟ وما هذه الأفكار والآراء المتناقضة؟ أيقنتُ حقًّا أن رضا الناس غايةٌ لا تُدرك!

بعد ذلك جاء العَشاء تُوزِّعه المضيفات على الحاضرات، في هذه الأثناء كانت الأصوات قد خفتَت، وكل من كانت واقفة جلسَت خشية أن يفوتها عَشاؤها. وقفتُ أنظر إليهن، وذلك بعد أن استلمتُ طبقي بالطبع فقد كنتُ جائعةً جدًّا، انهمَكْن جميعًا في الطعام وفي الحديث الذي لا ينتهي. بدأتُ بتناول الطعام، كان شكله شهيًّا لكنه كان باردًا ولا روح فيه، ومع ذلك التهمتُه كله، نظرتُ إلى أمي فإذا بها تنتهرني بعينَيها، واقتربَت من أذني وهمسَت: «كم مرة عليَّ أن أقول لك عليكِ أن تتركي شيئًا في الطبق؛ فمن العيب التهامه كله.» «لكنني جائعة» أجبتُها رافعةً صوتي، فتغيَّر لون أمي، وأخذَت تتلفت يمينًا وشمالًا، وشعرتُ أنني أصبتُها بسكتةٍ قلبية، خاصة أن النسوة حولنا التفتن ليَريْن من هذا الكائن النَّهِم الذي التهم كل ما في الطبق؟! عندها سمعتُ امرأة كانت تجلس خلفنا: «وهل يُسمُّون هذا عَشاءً؟ أفقر العائلات تُقدِّم أفضل من هذا، يا لبخلهم!» التفتُّ لأرى صاحبة الصوت، فوجدتها مثلي قد التهمَت الطبق كله إلا أنها تزن أضعاف ما أزن فلا يكاد الكرسي يحملها، ضحكتُ وكتمتُ ضحكتي، وعُدتُ أراقب العروس. كانت جميلة وصغيرة وسعيدة لا تكاد الضحكة تفارق فمها، أحببتُها ورثيتُ لحالها؛ فبعد يومَين ستترك أهلها وإخوتها وبيتها وغرفتها وذكرياتها لتسافر بعيدًا حيث كل شيء جديد عليها. لكنني في الوقت نفسه تمنيتُ أن أسافر أنا أيضًا لأكتشف الجديد، لأرى وجهًا آخر للعالم، ولأبحث عن الله كما كنتُ قد عاهدتُه يومًا.

عُدنا إلى البيت وقد أذن الفجر، وأنا أترنح من ألم قدميَّ من الحذاء ذي الكعب العالي، وقبل أن يسطو عليَّ النوم كتبتُ في صفحتي:

في بلادي، تأتي النسوة إلى الأعراس لغرضَين لا ثالث لهما؛ أما الأول فلكي تتباهى كل واحدةٍ منهن بثيابها ومجوهراتها وبأنها تملك أكثر فهي إذن أرقى وأفضل. وأما الثاني فلمراقبة العروسَين، والحكم على شكلَيهما، والتدقيق فيما جلبه العريس لعروسه من ذهب وهدايا، وما أنفقَه أهله على الحفل من عشاء وسواه. تيقَّنتُ أنه لا يمكن إرضاءُ الناس مهما فعلْت، وأن النسوة فوَّتْن على أنفسهن متعة الأعراس الحقيقية، الرقص.

وكتبتُ أيضًا:

انتقاد الآخرين وإطلاق الأحكام عليهم يعطيك شعورًا بالنشوة التي تُوقِعك في وَهْم الصواب المطلق، وأن ما سواك خطأٌ مطلق، فتعمَى عن رؤية معايبك.

ورحتُ أغطُّ في نومٍ عميق.

٤

استيقظتُ ظهر اليوم التالي منهكة؛ فالسهر لا يناسبني. وجدتُ أمي مهمومة وحين سألتُها عن السبب أجابت: «تعرفين أم رمزي التي تحضر الدروس معنا؟» قلتُ: «نعم، ما بها؟» قالت: «لقد كانت حاضرة ليلة البارحة في العرس، ورأتني ولم تُسلِّم عليَّ»، أجبتُها: «نعم، وماذا في ذلك؟» قالت: «لا تعرفين؟ نحن نحضر دروس الدين، من المفترض إذن ألا نحضُر حفلًا فيه غناءٌ وموسيقى، أنا متأكدة أنها ستخبر الآنسة والجميع، لكنني كما تعلمين لم أحضر إلا صلةً للرحم، وتلبيةً لخاطر أبيك في حضور زفاف ابن أخته.» قلتُ وقد صدَمني جوابها: «أتعنين ذلك حقًّا، وهل هذا بالأمر الذي تهتمين له؟ إذا كان هذا صحيحًا فلم حضَرتْ أم رمزي إذن؟ إنها شريكتكِ في الجريمة!» جمدَت أمي وكأنما أسمعتُها شيئًا جديدًا، ثم تهلَّل وجهها وقالت: «صحيح، أنتِ على حق، هي أيضًا كانت حاضرة، فلو تكلَّمَت عليَّ فإنها في الوقت نفسه تؤكِّد على حضورها؛ لذا فإن من مصلحتها ألا تنطق بشيء.» ثم أمسكَت بكتفيَّ وأكملَت: «لقد أرحتِني فعلًا، هيا قومي إلى المطبخ!»

وها هي التصنيفات تدخل بيتنا أيضًا، ومع أمي تحديدًا؛ فهذه تحضر دروس دين إذن عليها ألا تكون هنا، يجب أن تكون هناك، وتلك لا تحضر إذن يمكن أن تكون هنا لا هناك. تذكَّرتُ فتاةً جاءت مرَّة مع أمها إلى الدرس، ولم تكن مُحجَّبة، عندها أخبرتْها الآنسة أمام الجميع أن عليها أن تلتزم بكل الشروط والتي منها الحجاب في الخارج والداخل لكي تنال امتياز الحضور، وإلا فلا يحق لها، لقد كان ذلك اليوم أول وآخر يومٍ لها معنا.

في المساء خطر جدو نور على بالي كثيرًا، واشتقتُ لسماع بقية قصته، تذكرتُ أنني استعرتُ كتابًا منه لكنني لم أفتح حقيبتي منذ أن كنتُ عنده آخر مرة. مددت يدي وأخرجت الكتاب كان عنوانه «هكذا غنَّى طاغور»، مَن طاغور هذا؟ قلَّبتُ الأوراق وإذا به ديوان شعر وليس رواية، لكنني لا أُحب الشعر، فهو يُشعرني بالملل. ومع ذلك فتحتُ الديوان وأخذتُ أقرأ، كان شعرًا مترجمًا عن لغته الأصلية لذلك هو بلا وزن ولا قافية، ومع ذلك فقد أحببته، كان بسيطًا سهلًا لم تكن فيه مفرداتٌ صعبة كما في الأشعار التي كنا ندرسها. وطاغور شاعر هندي ذو شهرةٍ واسعة كما قرأتُ عنه في الإنترنت ونال جائزة نوبل للأدب. كانت حياته غنية مليئة بالأشياء العجيبة؛ فهو أولًا لم يكن مسلمًا، كما كنتُ أظن في بادئ الأمر، وتزوَّج باكرًا جدًّا من فتاةٍ صغيرة جدًّا وقد أحبَّها وألَّف لها الكثير من القصائد الرائعة، لكنه عاش ألمًا كبيرًا بوفاتها ووفاة ابنه وابنته. لكن ما أدهشَني حقًّا في سيرته أنه بدأ يرسم في الستين من العمر، بل إنه أقام عدة معارض! إنه حقًّا رجلٌ متميز؛ فليس للعمر قيمة بالنسبة إليه، والوقت عنده لا يفوت أبدًا. الأهم من كل ذلك هو الشغف، فعلى الرغم من أنه سافر إلى إنكلترا لاستكمال دراسته في الحقوق إلا أنه عاد إلى موطنه بلا شهادة؛ لأنه لم يكن شغوفًا بها! كيف يفعل ذلك؟ كيف واجه عائلته ومجتمعه حين عاد إليهم؟ كيف يترك إنكلترا بعظمتها ويعود إلى البنغال في الهند ببساطته؟ كيف يُفوِّت فرصة السفر والاكتشاف؟ ما كنتُ لأفعل ذلك لو كنتُ مكانه! لكن لعله وجد في موطنه ما لم يجده في لندن. تذكَّرتُ قصة الفتى في «الخيميائي» الذي سافر بحثًا عن كنزٍ عند الأهرامات، لكنه اكتشف أخيرًا أنه مُخبَّأ تحت شجرة الجميز بقرب بيته! وأنا، أين عليَّ أن أبحث؟ وعن أي شيء؟

كتبت في صفحتي:

بقَدْر أهمية الكنز تكونُ أهميةُ الطريق الموصلة إليه.

ثم قرأتُ شيئًا من ديوان طاغور، وكان مما أعجبني:

بسيطةٌ كلماتُك أيها المعلم،
بساطة لا يملكها أولئك الذين يتحدثون عنك.
إنني أفهم صوتَ نجومك،
وصمت أشجارك،
وأعرف أن قلبي سيتفتح كالزهرة،
وأن حياتي قد أفعمَها نبعٌ خفيٌّ،
وإني لسعيد،
بانتظار الموسم الجميل.

أحببتُ هذه الكلمات لأنها تُعبِّر تمامًا عما في قلبي، عما كنتُ أُحِسُّه وأبحث عنه لكنني لا أجده، كم أشعر برغبة في أن ألتقي برفيقٍ يُشاركني بحثي، ويُماثلني في أفكاري، فيُساعدني وأساعده! أتُراني ألتقي ذلك الشابَّ ذا الجبهة العريضة مجددًا؟ أشعر أن لديه شيئًا ما، سأكون أكثر جرأةً حين ألقاه، ما كنتُ أدري أنني فوَّتُّ عليَّ فُرصًا كثيرة في الحديث معه، والتعرُّف إليه، من يدري؟ لعل الحياة كانت ستأخذ مجرًى آخر معي؟ لكن الوقت لم يفُت بعدُ؟ في هذه اللحظة بالذات نظرتُ إلى ديوان طاغور وتذكَّرتُ أن الوقت لا يزال قائمًا، عندها عقدتُ العزم على البحث عنه، لكنني لا أعرف سوى اسمه الأول فحسب «رائد»، هكذا سمعتهم مرةً ينادونه في المكتبة، يا له من اسم! سأبحث عنه، وسأجده، وسأتحدَّث إليه، صحيح أنني لا أعرف تمامًا كيف وأين، لكن الأمر الوحيد الذي أعرفه جيدًا أنني لن أتوقف حتى أجده.

أين أنت؟ ففي جعبتي حكايا لم أحكها لأحد، وفي عينيَّ رؤًى لم أروِها لأحد، وفي صدري أحلامٌ تكاد تنفلت من عقال المستحيل، لا تتباطأ في الوصول، فخيلُ آمالي مُسْرجةٌ تترقب الرحيل.

وقُبيلَ أن أنام فتحتُ بريدي الإلكتروني كعادتي، وإذا برسالةٍ تصلني من عنوان لا أعرفه، عجبًا! لا أتلقى عادة رسائل من مجهولين، فتحتُ الرسالة وقرأتُ التالي:

الصديقة العزيزة

أشكركِ على ثقتكِ الغالية بأن أعطيتِني عنوان بريدك الإلكتروني، وهي وسيلة التواصل الأفضل حاليًّا بسبب اضطراري للسفر. أتمنى أن تُفكِّري مليًّا فيما اقترحتُه عليك، ولكِ خالص الشكر.

شادي

٥

١٩٩٧م

إنها الساعة الثانية صباحًا، الحرارة تحت الصفر بثلاث درجات، مطرٌ خفيف تلسع حباته كإبرٍ مسمومة، هواء مثلَّج يلفح الوجوه، الأبواب كلها مغلقة، المحال والأكشاك مقفلة، والتيار الكهربائي مقطوع، والقمر مختبئ خلف الغمام متواطئًا مع كل شيء ليظهر وجه الشتاء الكالح. حافلةٌ تتحرك بتثاقُل يشق هدير مُحركها الصاخب صمتَ الليل والشتاء، تقف جاثمة عند ساحة «سعد الله الجابري»، تفتح بابَيْها دفعةً واحدة ليخرج منها اثنان وأربعون رجلًا قد نالهم العفو العام، وها هي أقدامهم تطأ الأرض للمرة الأولى بعد عشرة أعوام على الأقل. تبادلوا نظرات الوداع بعيونٍ تفيض فرحًا وألمًا وشوقًا، إنها كومةٌ من مشاعر تتفجر في قلوبهم دفعةً واحدة.

تفرَّق الجميع واختفَوا في السواد، كلٌّ إلى وجهته المحتملة، نظر سليمان إلى «الحاج صالح» الذي كان أكبرهم سنًّا وعزم على اللحاق به؛ فلم يعُد يعلم أين يسكن أهله في حلب، توغَّل خلفه في الحارات المظلمة، كل شيء يبدو غريبًا وجديدًا حتى الهواء بدا له خارجًا للتو من رئة الطبيعة البكر. وعلى الرغم من الوحشة والعتمة تملَّكَته دهشة الاكتشاف الأول وهو يراقب مدخل الحديقة العامة بأدراجها العريضة الممتدة نحو الأسفل، وأشجارها الكثيفة، وتمثال أبي فراس الحمداني القابع في المنتصف. كانت رؤيتها بعد كل هذه السنين بمثابة النقرة الأولى في جليد ذاكرته المتجمدة منذ خمسة عشر عامًا. إنها هي كما هي، لكنه لم يعُد هو، ها هو ينزل درجاتها ركضًا ليلحق بوالدته وأخيه الذي يحمل المثلجات حتى يتناولها قبل أن تذوب. هنا كان يجلس بائع الألعاب «صطيف»، وبجانبه «بسطة أبو عبدو» للموالح والمكسَّرات، وهناك عربات البوشار وبائع اليانصيب. خطا إلى الأمام خطوتَين فانزلقَت قدمه في حفرة تجمَّع فيها ماء المطر وسقط أرضًا ليستفيق من طوفان الذكريات على ألمٍ في كاحله أعاد إليه الإحساس بالزمان والمكان. بحث عن «حاج صالح» لكنه لم يجده، قطَّب جبينه فقد صار وحيدًا الآن بلا مكانٍ يأوي إليه، ولا أحد يلحق به.

قادَته خطواته في الحارات المظلمة مستهديًا بحدْسه وبخريطةٍ انطبعَت منذ زمان في ذاكرته المجمَّدة حين كان يخرج من الحديقة كل مرَّة إلى دكان جارهم في «الجميلية» بائع الألبان والأجبان ليشتري لترَيْن من الحليب كما كانت تُوصيه أمه دومًا، ويا للعجب! وجد المحل كما هو، وقف قبالة «درابيته» الحديد المغلَقة، واستسلم لفيض الذكريات، راح يبتسم وعيناه تجودان بالدموع كمن عاد أخيرًا إلى حضن أمه بعد فراقٍ طويل. تذكر الحاج بكري وهو يُلوِّح له بالعصا حين يراه يختلس قطعة من الجبن الشهي الساخن الذي خرج توًّا من الماء المغلي، وداعبَت رائحته الممتزجة بالمحلب وحبة البركة حواسَّه المتلهِّفة ومعدته الخاوية، ابتلع ريقه وهو يتذكَّر طعمها الذائب في فمه، تَذكَّر أنه لم يتذَوَّقها كل تلك السنين «لا بأس؛ فالحياة تنتظرني الآن بكل ما فيها من متعٍ مؤجَّلة!» تلفَّت يمينًا وشمالًا، لاحظ على بعد دكَّانَين بصيصًا من نور ينبعث من أسفل أحد الأبواب المُغلَقة، يبدو أن أحدهم في الداخل، اتجه إليه وطرق طرقًا خفيفًا. بعد دقيقة فتح الباب وخرج رجلٌ خمسيني قصير أصلع الرأس، يضع نظَّارة على أرنبة أنفه، ويرتدي معطفًا سميكًا من الجوخ يصل إلى تحت ركبتَيه.

نظر إليه متفحصًا مرتابًا من الأعلى إلى الأسفل، فبادره سليمان بقوله: السلام عليكم.

– وعليكم السلام.

– أعرف أن الوقت متأخر لكن ليس لي مكانُ أذهب إليه، وا…

– طيب؟

– أتساءل إن كنت تسمح لي بالمبيت عندك حتى الصباح فقط، البرد هنا لا يُحتمل.

أخذ الرجل يتفحصه مليًّا، ثم تنحَّى عن الباب وأشار إليه بالدخول، شكره سليمان كثيرًا ودخل. كان المحل صغير المساحة، تتوسَّطه ماكينةُ خياطةٍ قديمة، وقطع من القماش المتراكم على الأرفف والأرض، وبعض الثياب المعلقة، وعلى الجدار خلف الماكينة عُلِّقَت صورة بالأبيض والأسود لرجل يرتدي طربوشًا، وفي الزاوية مدفأة مازوت صغيرة تضطرم فيها النار وتملأ المحل دفئًا. قال الرجل: «تشرب شاي؟» ردَّ سليمان بارتياح: «نعم شكرًا.» فغاب الرجل خلف ستار وعاد بعد دقائق حاملًا كوبَين من الشاي الساخن، وفطيرة جبن، قال: تفضل، ستشعر بالدفء الآن.

– أشكرك وأعتذر لإزعاجك.

– بالعكس، أتيتَ في وقتكَ المناسب؛ فقد بدأتُ أشعر بالنعاس والضجر، وعليَّ عملٌ كثير لأنهيه الليلة؛ فغدًا هو العيد كما تعلم، والناس لا تفطن لإصلاح ثيابها أو تقصيرها إلا ليلة العيد.

– آه، صحيح، غدًا العيد! الله يعطيك العافية، وكل عام وأنت بخير.

– حظك حلو، لولا العيد ما وجدتَني هنا في المحل.

ابتسم سليمانُ وارتشف رشفةً من الشاي.

– أنا أبو أنس الخياط، وجنابك؟

– سليمان.

– احكِ لي يا ابني سليمان، كم سنة بقيت؟

– بقيتُ في ماذا؟

– في الحبس!

فتح سليمان عينَيه دهشة، هل هو مكتوب على جبيني أم ماذا؟ ضحك أبو أنس وقال: نعم، هذا واضح، لا أحتاج إلى ذكاءٍ كبير لأعرف.

اكتفى سليمان برشف الشاي فقد شعر بالاستياء، فعاجلَه أبو أنس بقوله: عليك ألا تنزعج، أنا لا أُحاكمك.

ابتسم سليمان بشرود، وأكمل كُوبه وفطيرة الجبن الباردة، ودلَف خلف الستار، واستلقى على إسفنجةٍ كانت هناك نصف استلقاء؛ فالمساحة لم تكن لتسمح له بالتمدُّد الكامل، لكن من يأبه؟ لقد اعتاد سليمان على النوم في ظروفٍ وأمكنةٍ أسوأ من هذه بكثير.

٦

من شادي هذا؟ لا بد أنه أخطأ العنوان، وهممتُ أن أُرسل له رسالةً توضيحية وأُخبره أنه أخطأ، لكن شيئًا ما منعَني من ذلك، فأقنعتُ نفسي بأن أؤجل ذلك ليوم غدٍ، وخلَدتُ إلى النوم.

استيقظتُ صباح اليوم التالي باكرًا، وشيءٌ واحد يشغل تفكيري: سأبحث عن رائد اليوم حتمًا، وأعرف تمامًا أين أبحث. ارتديتُ حجابي وخرجتُ متوجهة صوب طريق الجامعات، هناك الكثير من المكتبات لا بد أنه انتقل إلى إحداها حين ترك حارة بيتنا، كانت هناك مكتبتان فقط تبيعان الكتب أما البقية فهي للأدوات القرطاسية. اتجهتُ نحو أول مكتبة وقلبي يرتعد، هل يُعقل أن أجده هنا؟ في أول مكتبةٍ أدخل إليها؟ ماذا سأفعل إذا رأيتُه؟ ماذا سأقول له؟ ربما لن يتذكرني وقد مضى أكثر من عام على آخر مرة رأيتُه فيها. على أية حال، فلأجده أولًا ثم سأرى ما سيحدث بعدها. فتحتُ الباب ودخلتُ، كانت المكتبة مكيَّفة من الداخل فسَرَت رعشةٌ خفيفة من البرد في جسدي، وتقدَّمتُ إلى الأمام أفحص وجوه البائعين أبحث عنه، لكنه لم يكن هنا!

«تفضَّلي يا آنسة»، التفتُّ إلى مصدر الصوت وإذا به أحد الباعة يعرض خدماته، ارتبكتُ قليلًا واعتذرتُ وخرجتُ. يا لحماقتي! ماذا أفعل؟ كم أنا واهمة! هل يُعقل أنني أبحث عن شخصٍ لا أعرف عنه شيئًا في هذه المدينة الكبيرة؟ ولا دليل يقودُني إليه سوى عمله في مجال الكتب؟ حسنًا، عليَّ ألا أفقد الأمل سريعًا.

ذهبتُ إلى المكتبة الثانية واكتفيتُ بالنظر من خلف الزجاج لكنه لم يكن هناك أيضًا! يا للخيبة! توجَّهتُ فورًا إلى الحافلة المتوجهة إلى المدينة القديمة؛ فهناك الكثير من المكتبات التي تبيع الكتب. استغرقتُ في التفكير وأنا أراقبُ الأبنية كيف تتبدَّل من الحارات الجديدة إلى الحارات الأكثر قدمًا. أصبحَت المباني أقصر وشبابيكها أضيق، لكنها أكثر دفئًا وحميمية، أشعر بها ترمقُني بنظراتٍ حانية فأنا ابنتها التي وُلدَت في أحضانها، ولَعبَت على شوارعها المرصوفة التي كانت تقودنا إلى بيت جدي في حارة «باب قنسرين» العتيقة التي تعبق برائحة صابون الغار الشهير. جميلةٌ هي مدينتي القديمة! على الرغم من سواد الأدخنة الذي علق بجدرانها على مر السنين، كم شَهِدَت هذه الجدران أناسًا وقصصًا وحكايا؟ بالتأكيد مر شابُّ أحلامي من جوارها يومًا ما، ليتها تُخبرني أين أجده! كانت الحافلة تتوقف مراتٍ عند كل محطة ويصعد أناس وينزل آخرون، وبقيتُ أنا حتى نهاية الخط تقريبًا.

نزلتُ وواصلتُ رحلتي سيرًا على الأقدام حتى وصلتُ حارة باب النصر. كانت الشمس قد توسَّطَت كبد السماء، والحياة تضِجُّ في كل ركن وزاوية، والحارات تنبض أناسًا وباعة وبضائع وخليطًا من مختلف الروائح؛ خبز طازج، وكباب مشوي، وأدخنة الحافلات، وعطور نسائية وأخرى رجالية. وصلتُ حي باب النصر وهناك وجدتُ المكتبات، كان عليَّ، لأرفع الحرج عن نفسي، أن أختلق شيئًا لأسأل عنه، دخلتُ مكتبتَين أو ثلاثة وكلما سألتُ أحدًا كان يدلُّني على «شيخ الكار»، كما يقولون، وهو «الحاج إبراهيم» الذي يعمل في هذه المصلحة منذ زمن؛ فهو يعرف كل شيء عنها وعن أصحابها. توجَّهتُ إليه ودخلتُ مكتبته، كانت بالفعل أكبر مكتبة كُتبٍ رأيتُها، بطابقَين واسعَين وكُتبٍ تملأ الأرفف حتى السقف. لم يكن هناك من حاجة إلى السؤال عن «الحاج إبراهيم»؛ فبمجرد دخولي وجدتُ رجلًا كبيرًا في العمر يجلس وراء مكتبٍ خشبي في زاوية المكتبة، ويرتدي نظارةً طبية تدلَّت حتى أرنبة أنفه. توجهتُ إليه مباشرة، كان يتحدَّث على الهاتف، رمقَني بنظرة من خلف عدسات نظَّارته، وأكمل حديثه وحين وضع السماعة قال لي: ها يا بنتي، ما طلبُكِ؟

– في الحقيقة أوَدُّ أن أسأل عن شخصٍ لا عن كتاب.

– ما اسمه؟

فقلتُ له مستحضرة الحبكة التي اختلقتُها: اسمه رائد، لكنني لا أعرف كنيته، القصة أنه كان يعمل في مكتبة بجوار بيتنا، وكنتُ أستعير منه الكتب، وقد استعرتُ كتابًا وتأخرتُ في إعادته، ولمَّا ذهبتُ إلى المكتبة وجدتُها مغلَقة، ولم تُفتح من يومها، وأريد أن أُعيد الكتاب إلى صاحبه، فهل تعرفه؟

ابتسم الحاج إبراهيم وأخذ ينظر إليَّ رافعًا حاجبَيه وكأنه اكتشف كذبتي، ثم قال: عندي فكرة لكِ أيتها الشابة الأمينة، أقترح عليك أن تضعي الكتاب في إحدى المكتبات العامة ليستفيد منه الجميع، وبهذا تكونين قد برَّأتِ ذمتكِ منه، ما رأيُكِ؟

– لكن الكتاب ليس لي حتى أهَبَه للمكتبة العامة، إنه ملكٌ لصاحبه وعليَّ أن أبحث عنه، فضلًا أتمنَّى أن تساعدني.

– حسنًا، صفيه لي.

وأخذ يُراقبني مُتفحِّصًا، فأحسستُ بحرارة في وجهي وقلت: إنه شابٌّ طويل بشعرٍ داكن، وجبهةٍ عريضة، وشفتَين رقيقتَين، وحاجبَين كثيفَين، وندبةٍ واضحة في يده اليمنى، وثيابه في العادة غير رسمية، و…

قاطعَني الحاج بضحكةٍ عالية لفتَت الأنظار إلينا، عندها تمنيتُ أن أذوب في ثيابي لأختفي عن الجميع، أو تنشق الأرض لتبتلعني. وبعد موجة الضحك قال الحاج: طيب، طيب، انظري إليَّ جيدًا يا بنتي، أنا خبرتُ الحياة طويلًا، ولديَّ شيء من فراسة، ولما أنظر إليكِ أرى فيك فتاةً طيبة ذكية متمردة، سأسألك سؤالًا أجيبيني عليه بصدق: هل يعجبك هذا الشاب؟

لستُ أدري ماذا أصابني حين سمعتُ كلماته؛ فقد زال عني الحرج دفعةً واحدة، نظرتُ مباشرة في عينَيه وقلتُ: وما دخلُ هذا بالموضوع؟

وكأنما نزل جوابي كالصاعقة على رأسه، فأخذ يضحكُ مرةً أخرى بصوتٍ أعلى حتى سالت دموعه، وقال: تمامًا كما وصفتُكِ، ذكية ومتمردة، معكِ حق، معكِ حق، لا دخل لهذا بالموضوع.

– وهل ستُساعدني أم ماذا؟

– لا!

ثار الدم في عروقي ونقمتُ عليه، وقمتُ على الفور، والتفتُّ خارجة من المكتبة، فأخذ يُناديني: «انتظري، أنا أمازحكِ تعالي.» التفتُّ إليه فوجدتُه واقفًا فقال: «ألا تُريدين أن تسأليني لماذا لا أريدُ أن أساعدك؟» لم أنطق بشيء ولم أتحرك خطوة، فقال: «هيَّا تعالي، أعرفه تمامًا، تعالي.» هدأتُ لجوابه قليلًا، فعُدتُ إليه، ووقفتُ أمامه ملتزمة الصمت فقال: «رائد، إنه في الحقيقة ابن صديقي!»

وا خجلي! أيُعقل أن تقودني الأقدار في البحث عنه لأقف وجهًا لوجه أمام صديق والده؟! حاولتُ أن أقول شيئًا لكن ما من شيء يُقال، فابتلعتُ ارتباكي وبقيتُ صامتة، فقال: «إنني لا أُريد أن أساعدكِ لأنني أرى أنه لا يستحق أدنى اهتمام منك.» وسكَتَ قليلًا وقطَّب جبينه وما عاد ينظر إليَّ، وأكمل: «شابٌّ فاسد، ماذا أحكي لكِ عنه؟ مع أنني عاملتُه كولدٍ من أولادي، لا تريدين أن تعرفي، أنت تستحقين الأفضل.» فكَّرتُ في نفسي: أنا من يُقرِّر ذلك وليس أنت، لكنني آثرتُ الصمت وقلتُ: «هل لي أن أعرف أين هو الآن؟» قال: «ذهب إلى بيروت، يريد أن يصبح مغنيًا، سيشارك في مسابقات الغناء السخيفة.» ثم نظر إليَّ ينتظر ردَّة فعلي، عندها شكرتُه وقلتُ: «على الأقل هو يعرف ماذا يريد.» وتركتُ المكتبة وخرجتُ.

وهكذا انتهت قصة مطاردتي الفاشلة لشابٍّ أعجبَني يومًا، ولم يكن بيننا سوى بضع كلمات وبعض نقود والكثير من الكتب، كلمات ونقود وكتب، أكانت كافيةً لتجعلني أتعلَّق بوهم؟ بشابٍّ ما كنتُ لأجرؤ على التحدُّث إليه أو النظر في عينَيه؟ ولماذا رحتُ أبحث عنه؟ ماذا يُشكِّل بالنسبة إليَّ؟ وهل حقًّا أُحبه؟ أم أنني أُحب أن أعيش الحب؟ على أية حال فقد عرفتُ أن القصة انتهت.

كان الوقت ظهرًا، وقد أتعبني المشي وشعرتُ بالجوع، فخطَرَت ببالي فكرةٌ مجنونة، لم أفكر بها كثيرًا؛ فالأفكار الجميلة تموت حين نُحلِّلها ونُعيد التفكير فيها، نظرتُ في محفظتي فوجدتُ أن المال الذي معي يكفي لتنفيذها. ركبتُ الحافلة العائدة وتوجَّهتُ فورًا إلى مطعم وردة الشهباء الشهير ﺑ «شهبا روز». دخلتُ واخترتُ طاولةً ذات إطلالة على السماء، فبادر أحد العاملين يسألني: «طاولة لشخصَين؟ أم أكثر؟» أجبتُه مبتسمة: «لا، أنا وحدي.» وجلستُ.

شعرتُ بشعورٍ غريب؛ فهذه هي المرة الأولى التي أجلس فيها وحدي في مطعم، ليس جميلًا أن أتناول الطعام وحدي وخاصة في مطعم؛ فالطعام ليس لسد الجوع فحسب، إنه طقس اجتماعي وأجمل شيء فيه المشاركة، وكل ما يُصاحبه من أحاديث وذكريات وضحكات لا يقل أهمية ومتعة عن الطعام نفسه. أخذتُ أرقُب الجالسين وأنتظر أن يُفاجئني القدر بالحب هنا، كما في الروايات، أجلس وحدي، أستمتع بطعامي، وبالموسيقى الكلاسيكية التي تلف الأجواء، وإذا بشابٍّ وسيم يقترب مني ويستأذن بالجلوس، ويكون بيننا حديثٌ جميل ومن ثَمَّ قصة حب! سلَّمتُ نفسي تمامًا هذه المرة، سأقوم بدور المشاهد، وسأدع الأقدار تأخذ مجراها لتُقرِّر عني المشهد التالي.

اقترب مني النادل بقائمة الطعام، تصفَّحتُها وطلبت فورًا أحد الأطباق، لم أُفكِّر كثيرًا كعادتي، وبقيتُ أنتظر، وأُراقب الناس حولي. كان في الصالة عائلة من أبوَين وثلاثة أطفال يتناولون طعامهم بكثير من الصخَب فأصغرهم يرفض تناوُل أي شيء، وهناك رجلان بلباسٍ رسمي يأكلان، بوجهَين جامدَين وصمتٍ مطبق. وفي الزاوية الأبعد والأظلم كان هناك شابٌّ وفتاة يتناولان المثلَّجات، يظهر من نظراتهما وحركاتهما أنهما حبيبان، يا للسعادة التي ترشح عن وجهيهما! ومن مكاني استطعتُ رؤية يده تتسلَّل تحت غطاء الطاولة لتُلامس ركبتها، شعرتُ بالنفور ولم أعُد أنظر إليهما.

في الطاولة المجاورة لي كانت هناك مجموعة من الفتيات اللاتي خرجن من الجامعة، عرفتُ ذلك من الكتب والملازم التي يحملنها، كم أحسدُهن! تمنيتُ أن أقترب منهن وأتعرف إليهنَّ، لكن لا، إذا فعلتُ ذلك فسأُفوِّت عليَّ فرصة اللقاء بالشاب المُنتظَر.

حضر الطعام وأخذتُ أتناوله ببطء وأُراقب مدخل الصالة علَّه يأتي في أية لحظة، ثم بدأَت تتبدَّل الموسيقى الكلاسيكية إلى بعض الأغاني العربية القديمة، وتحديدًا لعبد الحليم، هذا هو الوقت المثالي تمامًا لظهور الحب. ولم يطُل انتظاري كثيرًا؛ فقد حضَر سريعًا مستجيبًا لنداء القدَر، عرفتُه على الفور! دخل وتلفَّتَ يمينًا وشمالًا، مشى مباشرة إلى الجهة التي أجلس فيها، واستكمالًا لدهشتي فقد اختار الطاولة التي تُواجهني تمامًا. كان رجلًا في الثلاثين من عمره، ببشرةٍ فاتحة وشعرٍ أسْودَ خفيف، وكان يرتدي قميصًا أبيض وسروالًا داكنًا، وحذاءً عسليًّا من الشامواه. كان أنيقًا ببساطة تليق بقوامه الجميل، يحمل حقيبةً سوداء جلدية وضعَها على الطاولة وأخرج منها حاسوبًا محمولًا فتحه على الفور وأخذ يعمل، بقيتُ أنظر إليه وهو بقي ينظر إلى شاشته، طلب قهوة ثم عصيرًا. كنتُ قد أنهيتُ طعامي فطلبتُ كوبًا من الشاي، وأخرجتُ بعض الأوراق وتظاهرتُ بالكتابة وأنا أختلس النظر إليه، كان بمفرده، وكنتُ بمفردي، ما ضرَّ لو جلسنا معًا؟

وطال انتظاري، وأنهيتُ كوبي لكن لم تبدُ منه أية بادرة، ومرةً أخرى شعرتُ بتفاهةِ ما أفعل. عزمتُ أخيرًا على طلب الحساب والمغادرة على الفور، خاصة أنني تأخرتُ كثيرًا، وها هي رحلتي تنتهي بفشلٍ مركَّب. حضر النادل، دفعتُ الحساب وقمتُ أمشي باتجاه الباب، ولما وصلتُ بمحاذاته قمتُ بالحركة الوحيدة المتبقية لي، أوقعتُ حقيبتي عليه! جفل أولًا فقد كان منهمكًا في العمل على حاسوبه، سارعتُ بالاعتذار وقلتُ وأنا أرفعها: «أنا آسفة حقًّا، أتمنى ألا أكون قد آذيتكَ.» قال: «على الإطلاق، تفضَّلي.» ناولَني الحقيبة، فأخذتُها وشكرتُه فعاد إلى حاسوبه، وانصرفتُ أنا إلى خيبتي. ضحكتُ من نفسي في سري؛ فما يحدث في الروايات والقصص لا يحدث بالضرورة في الحياة الحقيقية. وحين وصلتُ إلى الباب أوقفَني أحد العاملين قائلًا: «يا آنسة، أحد الحضور يُشير إليكِ.» التفتُّ فوجدتُه واقفًا يُلوِّح لي بيده، كاد قلبي يقع، وشعرتُ بألمٍ في معدتي من هول المفاجأة. عُدتُ أدراجي مسرعة، أخيرًا؟ هل يُعقل أن ما ببالي سيحدث الآن؟ لكن الوقت تأخر، لكن ربما لا، عليَّ ألا أتعجَّل كثيرًا.

وصلتُ إليه فوجدتُه ممسكًا بمحفظتي فقال مبتسمًا: «محفظتكِ، لقد أوقعتِها.» أخذتُها وابتسمتُ وقلتُ: «أشكركَ، أنت حقًّا رجلٌ أمين.» فقال: «لا، هذا واجبي تجاهك؛ فأنتِ جارتي.» «جارتك؟ أين؟» سألتُه على الفور باستغراب، فابتسم وأجاب: «نعم، جارتي المؤطَّرة بهذا الزمان وهذا المكان، ألم نأكل معًا؟ صحيح أنكِ في طاولة، وأنا في أخرى، لكننا متجاوران، فحقُّكِ عليَّ هو حق الجيرة، صحيح؟» ضحكتُ لكلماته وأعجبَتْني فقلتُ: «صحيح، أشكركَ مرةً أخرى أيها الجار الطيب.» ثم لم أَدرِ ما أقول بعدها فمشيتُ خطوة إلى الوراء، وقلت: «إلى اللقاء إذن، عليَّ أن أرحل.» فقال: «كما قلتِ: إلى اللقاء، نعم، وليس وداعًا.» قطَّبتُ جبيني وبقيتُ واقفة فلم أفهم تمامًا، وظل هو مبتسمًا، فخرجتُ من المطعم وأنا في حَيْرة وفرح.

وصلتُ إلى موقف الحافلة أنتظر قدومها، وأنا لا أزال أُفكِّر في كلماته الأخيرة، فسمعتُ صوتًا من خلفي يقول: «ألا تُريدين على الأقل أن تتعرَّفي على اسمي يا سماء؟» أجفلَني الصوت، فالتفتُّ ورائي فرأيتُه هو بذاته مبتسمًا، فشعرتُ بخوفٍ مفاجئ، ثم قلتُ: «كيف عرفتَ اسمي؟» فضحك وقال: «لا تخافي، لستُ عرَّافًا، محفظتكِ كانت مفتوحة وفيها اسمكِ مخططًا بشكلٍ جميل.» قلتُ وقد تذكَّرتُ تلك الورقة: «آه، صحيح.» فقال: «اسمي خالد.» ومد يده مبتسمًا ليُصافحني، لستُ أدري ما الذي جعلني في هذه اللحظة أتراجع خطوة إلى الوراء؛ فقد لمحتُ في ابتسامته شيئًا أخافني، شيئًا ما كان يمنعني من الاستمرار في هذه اللعبة الخطرة، لكن الخوف سيطر عليَّ وشلَّ حركتي فلم أنطق بحرف، ولم أفعل شيئًا سوى التحديق في كفه الممدودة لمصافحتي. بعد لحظاتٍ وصلَت الحافلة، نظرتُ إليها بفرح، فقد كانت وسيلةَ خلاصي، عندها فقط تمكَّنتُ من الحركة والكلام، انطلقتُ إلى الباب المفتوح وقلتُ: «عليَّ أن أرحل.» وقفزتُ إلى الداخل وقلبي يخفق هلعًا. جلستُ وأنا أتلفَّت خلفي خشية أن يلحق بي، تحركتِ الحافلة فرأيتُه من النافذة لا يزال واقفًا وهو يبتسم بغرابة!

وصلتُ إلى البيت متأخرة، فتلقَّيتُ جام غضب أبي، مُنعتُ من الخروج مجددًا، لم أقل شيئًا، كان على حق، رميتُ بنفسي على السرير وشعرتُ أخيرًا بالأمان، فتحتُ الفيسبوك وكتبتُ:

ثِق بغريزتك؛ فقد تقرع ناقوس الخطر محذرةً إياك في أية لحظة، لا تتجاهلها، قم بما تمليه عليك فقط.

٧

في غرفته جلس وحيدًا؛ فالليلة هي الأولى التي يتمكَّن فيها من الانفراد بنفسه ليُطلِق ما كان محتبسًا في صدره لأشهرٍ طويلة، وقبل فعل أي شيء أفرغ حقيبته مما فيها حتى وصل إلى الصندوق، فأخرجه بعناية وعاد ليجلس على الأرض مُسندًا ظهره على الخزانة. كانت مشاعر الرهبة والترقُّب تُسيطر عليه وهو يرمق الصندوق وخفقاتُ قلبه تتسارع على نحوٍ مؤلم، أزاحه جانبًا، ربما لم يحِن الوقت بعدُ. وقف واتجه نحو النافذة، كانت تُغطِّيها طبقةٌ سميكة من الغبار المتراكم، لعل أحدًا لم يفتحها منذ زمن، وهل أحدٌ يفتح النوافذ هنا؟ لكن الغرفة تحتاج فعلًا إلى هواءٍ نظيف؛ فالرائحة هنا لا تُطيقها رئتاه؛ مزيج من توابلَ غريبة، وغبار، وعفونة.

فتح النافذة ليُجدِّد الهواء، وليرى كيف يبدو العالم الخارجي من غرفته الجديدة، تذكَّر المشهد الذي كان يراه من نافذة بيته في موطنه؛ أشجار الزيتون تزينُ الرصيف ذا اللونَين الأصفر والأحمر أمام بيته، وكذلك رصيف الشارع المقابل الذي يقبع في آخره دكان عم حسن (السَّمان).١

أخذ نفسًا عميقًا وأطل برأسه من النافذة، فرأى على بعد مترَيْن أو ثلاثة على أبعد تقدير جدرانًا عالية ونوافذَ متراصَّة مغلقة تُقابل نافذته، وهدير المكيفات يخترق الأجواء، وبالكاد كان يرى السماء، «سماء! ماذا ستفعل بعد غيابي؟» أخذ يُفكِّر ووجهها الجميل يتراقص أمام عينَيه. عاد وأغلق النافذة فقد بدأَت حبَّاتٌ من العرق تغزو جبينه، أخذ نفسًا عميقًا من هواء المكيف البارد، حمدًا لله؛ ففي مثل هذا الجو يُعد التكييف من ضروريات الحياة.

عاد إلى صندوقه وتذكَّر وجوه عائلته وأصدقائه وهم يُودِّعونه، كان الجميع يدعو له، تذكَّر كلماتِ والده جيدًا: «انتبه إلى نفسك، ولا تسرف في أموالك؛ فما بعثناك إلى الغربة إلا لتفُكَّ نفسك من الخدمة، وترجع إلى بلدك وناسك، ومكانك في الشغل محفوظ حتى ترجع، الله معك يا ولدي.» كان الجميع يعتقد أنه سافر لهذا السبب، والله وحده يعلم الحقيقة المخبَّأة في صدره وفي هذا الصندوق الذي لا يزال مغلقًا في يده، تسارع نبض قلبه مجددًا، شيءٌ ما كان يمنعه من فتحه، ربما الخوف من ألمٍ مؤجَّل، أو لعله الخوف من الفراغ من ألمٍ محبَّب، كان يريد أن يظل مسكونًا فيها ومسكونة فيه حبًّا أو شوقًا أو ألمًا، لا يهم.

فتحه أخيرًا في لحظةٍ واحدة، وتأمَّل ما فيه دهرًا، وعادت إليه الذكريات صورًا وأصواتٍ وشذًى وكلماتٍ.

التقى بها في أسبوعه الأول في المعهد التجاري، ووحدَه من بين الجميع تعلَّق قلبه بها، لم تكن فائقة الجمال، أو شديدة الأناقة، كانت نحيلة ببشرةٍ بيضاء وعينَين داكنتَين. كانت ترتدي غطاء رأس قطنيًّا من قطعتَين، ومعطفًا أسود يصل إلى الركبتَين مع بنطال من الجينز الفاتح وحذاءٍ رياضي صيفًا، وجزمةٍ جلدية عالية الساقَين شتاءً. لم يكن مظهرها ليلفتَ انتباه أحدٍ خاصة في وجود حسناوات الجامعة الكثيرات، لكنه وحده كان هناك مستسلمًا لقدرٍ نسج لهما معًا خيوطًا تتشابك وتتعقَّد وتتباعد لتلتقي أخيرًا هنا، في هذه اللحظة بالذات، وفي هذا المكان بالتحديد.

التقط عذوبتها وحده من بين الجميع، واحتفظ بإعجابه بها، كانت رقيقةً صادقة بسيطة حزينة، وهذا كل ما كان يرغب فيه، أن يسبر أغوار هاتَين العينَين الحزينتَين، ويكتشف سر روحها. وببراعته المعتادة تمكَّن من كتم مشاعره عن أصحابه وأهله، ظل عامًا ونصف العام يراقبها عن بُعد وعن قرب، والأيام تمضي وحبها في قلبه ينمو برفق، وهو يُداريه كبذرةٍ صغيرة لن تنبُت إلا بصبرٍ وطولِ نَفَسٍ وكثيرِ عِناية؛ فالحبيبة مثل الوردة، مغلقة على سر روحها بأوراقها اللطيفة الرقيقة، فإذا أحبها قلبٌ سكب من ماء عاطفته على جذورها فترتوي، وأشرق من نور ذاته على أوراقها فتشرع بالتفتُّح، إلا أنها تحتاج صبرًا ودراية وطول عناية، فإن استعجلتَ كشف سرها، وحاولتَ فتح أوراقها، ذبلَت وماتت وغاب سرها إلى الأبد، ولن يبقى منها إلا خيال كان يومًا ما. وإن لامسْتَها بحبك، وغمرتَها بعنايتكَ شرعَت تتفتح على يدَيك ورقة ورقة، وتبدَّى لك منها في كل يومٍ جمالٌ خاص، وفتنةٌ مختلفة، وزادكَ انشراح كل ورقة منها لوعة وشغفًا للغوص أكثر في أعماقها واقتناص سرها، لكن ذلك لا يتأتى لك إلا بعد أن تُذيب حُشاشة قلبكَ في قلبها باللطف الذي هو سر الحب الإنساني الرفيع، حتى إذا ما استتمَّت أوراقها، وأكملَت تفتُّحها، واستوت على عروشها، حارت ملكاتك الذهنية والنفسية والروحية في استيعاب ما يرشح عنها من حسن هيئتها، وروعة عبيرها، وكمال جمالها، فتذهل فيها، وتعشقها، وتشقى بها، وتشتاق إليها، وكذا شأن المحبين؛ ذهولٌ وعشقٌ وشقاءٌ واشتياق.

لم يكن يتحدَّث إليها، كان يكتفي بالجلوس قريبًا منها في المحاضرات من غير كلام، ويظل يختلس النظر إلى يدَيها الصغيرتَين وحبة خالٍ تزين طرف يدها اليمنى، ورائحة زهر البرتقال الخفيفة تتهادى إليه كلما حركت يديها لتُعدِّل حجابها، أو لتُخرج شيئًا من حقيبتها الجينز الكبيرة. كم كان يطيب له أن يراقب يدَيها، ويَعجَب من هذا التناغُم في أطوال أصابعها، وانسجام حركاتها وهي تحتضن القلم بأظافرها الزهرية المقلَّمة بعناية، والتي لم يَرَها يومًا مصطبغة بأي لونٍ سوى سحر لونها الطبيعي الخالص، ثلاثة أصابع تحتضن القلم، واثنتان ترقدان أسفله في وداعة وسكون، والخال يتيه مختالًا بهذا الجمال الأخَّاذ.

كانت سارحةً مرَّةً في شيءٍ ما، شيءٌ ما حرَّك أصابعها على الورقة البيضاء فخَربشَت خطوطًا ودوائر، أتُراها ترسم قَدَرَيهما مفترقَين وملتقيَين؟ وفي زاوية الورقة الأقرب إليه رسمَت قلبًا صغيرًا ممتلئًا، أتُراها لاحظَته؟ هل التقطَت إيقاعاتِ قلبه؟ لكن عينَيها سارحتان ساهمتان، وقلمها استقرَّ عند القلب ساكنًا. وهكذا كانت تنتهي كل محاضرة؛ عيناه تتأملان يدَيها الصغيرتَين، وقلبها المرسوم في زاوية الورقة، ولا تزال الكلمات حائرةً لا تجد لها طريقًا إليهما؛ فقد احتفظ بصمته وبلذة القرب والمراقبة، واكتفت هي بخربشات على الورق.

عام ونصف العام، درس خلاله تفاصيل حياتها اليومية، مواعيد حضورها وانصرافها، كيف تمشي، وكيف تضحك، وماذا تُحب أن تأكل؛ عصير التفاح أو البرتقال مع فطيرة محضَّرة في البيت. حفظ كم مِعطفًا وبنطالًا وحذاءً لديها، تعرَّف على حقيبتيها الجينز الكبيرة والبيضاء الجلدية، راقب صديقتها الوحيدة التي تُشبهها كثيرًا، اختزل حركاتها وملامح وجهها وابتساماتها القليلة النادرة، وإذا حدَث والتقت نظراتهما، كان يهرب سريعًا إلى الساحة الخارجية وقلبه يطرق انفعالًا، ويظل يسأل نفسه كل مرة: ماذا أصابني؟ لمَ هذا الذهول والخوف؟ كيف يمكن أن أكون ضعيفًا إلى هذا الحد؟ ما تلك المشاعر التي تضطرب لها نفسي وتشقى بها روحي، وفي الوقت نفسه أجد فيها لذةً عجيبة وطعمًا حلوًا في قلبي لا طاقة لي في دفعها، ولا مهرب لي منها؟ النفور والجذب، اللذة والألم، كيف اتفَق أن اجتمعَت في قلبي؟ أكون عاشقًا؟

٨

في مساء اليوم التالي كنتُ في حاجةٍ إلى رؤية جدو نور كثيرًا، خاصة أنه قد مضت ثلاثة أسابيع على غيابي عنه، فجهَّزتُ نفسي وأختي، وهممتُ بالخروج. شاهدَتْني أمي فقالت: «يعني نسيتِ كيف غضب أبوكِ منكِ في آخر مرة ومنعكِ من الذهاب؟» أجبُتها: «أرجوكِ أمي، لن أتأخر مجددًا، أعدُكِ بذلك، كما أن كتابه لا يزال معي، ولا نريد أن يُقال عنا إننا لا نُعيد الأمانة، لن يُحب أبي ذلك أبدًا.» امتعضَت والدتي وأشارت إليَّ بيدها لأذهب ثم قالت: «لكن عليكِ أن تعودي قبل عودة والدك، لا أريد أية مشاكل، أسمعتِ؟» وعدتُها بذلك وخرجتُ.

فتح لي الباب جدو نور، وجدتُ عنده في المكتبة «إنجي» تلك الفتاة التي رأيتُها من قبلُ، وكانا وحدهما! شعرتُ باستياء وعدائيةٍ تجاهها، كانت جميلة كما رأيتُها أول مرة، أنيقة في ثيابها، لطيفة في ابتسامتها، لكنني اليوم لم أعُد معجبةً بها، ماذا تفعل وحدها مع جدو نور؟ يا لوقاحتها! قال قاطعًا الصمت: «تفضَّلا بالدخول، لماذا تقفين هكذا يا سماء؟ لقد قابلتِ إنجي من قبلُ، صحيح؟» أومأتُ بالإيجاب، وابتسَمَتْ لي، أخرجتُ الديوان من حقيبتي وأعدتُه إليه، فقال: «لقد تأخرتِ كثيرًا، بدأتُ أقلق عليكِ، أين كنتِ طَوالَ هذه المدة؟» أجبتُه وأنا أشعر بعدم الارتياح من وجود إنجي معنا وسماعها لكلِّ ما يُقال: «لا تكترث، ظروف البيت لم تسمح لي بالمجيء، أعتذر عن تأخُّري في إعادة الكتاب.» قال على الفور: «لا تقولي هذا، ما كنتُ مهتمًّا به بقَدْر اهتمامي بغيابكِ، والآن أخبريني كيف وجدتِ الديوان؟» أجبتُه: «أعجبَني كثيرًا، شعرتُ أنه في معظمه ينطق بلساني، يُعبِّر عن أمورٍ كنتُ أعجز عن التعبير عنها، وزاد من عجبي أنه غيرُ مُسلم وغير عربي أيضًا، ومع ذلك فإن شِعْره أعجبني كثيرًا.» وبعد أن قلتُ ذلك شعرتُ بحرجٍ شديد، قد تكون إنجي غير مسلمة، قد تعتبر كلامي إهانة لها، قلتُ بارتباك: «أعتذر، لم أقصد أن أنتقص من قيمة أحدٍ غيرِ مسلم أو أي شيء، لم أكن أعني أنني …» قاطعني جدو نور ضاحكًا: «ومن قال إن أحدًا ما شعر بالإهانة؟ لم يفهمكِ أحد بخلاف ما تقصدين، أنتِ تعنين أنه على الرغم من اختلاف المعتقد الديني والثقافي واللغوي فإنه نال إعجابك، وهكذا يكون الإنسانُ العظيم يا سماء، مهما اختلف عنا فإنه يتمكن دومًا من ملامسة روحنا لأننا نشترك معًا في الإنسانية يا عزيزتي، أليس كذلك؟» كانت إنجي تبتسم، وكذلك فعلتُ وقد زال عني الحرج.

بعد قليلٍ رحلَت إنجي، فسُرِرتُ لرحيلها، ولم يكن يشغل تفكيري سوى معرفة ما حدث مع جدو نور ومع رندة، ولمَّا هممْتُ بسؤاله قال: «هل أتيتِ لإعادة الكتاب أم لتسمعي بقية القصة؟» ابتسمتُ وبقيتُ صامتة، فقال: «أتعلمين أنكِ أنت وشخصٌ آخر الوحيدان اللذان تعرفان القصة هذه؟ الشخص الآخر هو صديق طفولتي وجاري في حارتنا القديمة الذي التقيتُه العام الماضي، ولا مانع عندي على الإطلاق من أن أُطلِعَك عليها؛ فالموت لم يعُد بعيدًا عني كثيرًا، فإذا متُّ أحب أن يبقى أحدٌ ليذكُرني وإياها بخير.» فكَّرتُ: أليس لديه أبناءٌ إذن؟ لكنني لم أشأ أن أسأله فقلتُ: «بعد عُمرٍ طويل إن شاء الله.» ضحك وقال: «شكرًا لك، لكن العمر الطويل بالنسبة إليَّ سنواتٌ معدودة على أبعد تقدير.» ثم قال: «على أية حال، إلى أين وصلنا؟» قلتُ على الفور: «حين رحلَت رندة ولم تقُل لي أين.» قال: «نعم، لقد عادت مع أهلها إلى تونس، وهناك لم تتمكَّن من التواصُل معي بسبب مشاكلَ عائليةٍ واصطدامها مع أهلها الذين قرَّروا الاستقرار في تونس. وهكذا غابت عامًا كاملًا، لم أستطع خلالها منع نفسي من البحث عنها، من رؤية خيالها في كل حسناءَ عربية، صرتُ أتخيَّل كل شالٍ أزرق سماوي هو شالها، وكل حقيبةٍ بُنيَّة حقيبتها، كنتُ أُفتِّش في عينَي كل أنثى عنها. في أثناء ذلك أنهيتُ دراستي، ونلتُ شهادتي؛ فقد عاهدتُ نفسي أن أُكمل طريقي حتى أصل إلى هدفي. لعلها لم تكن حُب حياتي، لعلها كانت مُقدَّرةً لغيري، لعل أنثى غيرها تنتظرني في مكانٍ ما. وهكذا طويتُ صفحتها، ونويتُ أن أعود إلى الوطن لأبدأ حياةً جديدة حتى عادت.»

وسَكتَ، وطال صمتُه وهو سارح في الكتب أمامه، حتى فقدتُ صبري فسألتُه: «ثم ماذا؟ ماذا قالت لك؟» أجاب: «برَّرَت لي غيابها، واعتذرَت مني وكان أن سامحتُها.» صرختُ وقد ثرتُ غضبًا: «كيف؟ هكذا؟ بهذه البساطة؟» ابتسم وقال: «نعم بهذه البساطة.» كان يتحدث ببرودٍ شديد أثارني وأغضبَني فقلتُ: «كيف ذلك؟ وهل سامحتَها؟ أقصد هل صدَّقتَها؟» ضحك وقال: «ماذا ستقولين إذن إذا أخبرتُكِ أنني فوق ذلك عرضتُ عليها الزواج؟» وظل ينظر إليَّ مبتمسًا ينتظر ما سأفعل، فوقفتُ من هول الصدمة وضربتُ رأسي وقلتُ: «يا إلهي! هذا جنون! لا بد أنك تمزح، أرجوكَ أخبرني أنك غيرُ جاد.» أجاب وهو لا يزال مبتسمًا: «اجلسي، اجلسي، يومًا ما ستفهمين، الغضب لا يفعل أي شيء أمام الحب، أتعلمين؟ كانت رؤيتها مُجددًا بمثابة الحُلم الذي لا أريد أن أستفيق منه؛ لذلك قررتُ إبقاءها إلى جانبي مدى الحياة، فعرضتُ عليها الزواج فوافقَت على الفور، كنا أسعد اثنَين، وعُدنا إلى ما كنا عليه.

أصبحَت تحكي لي كل يوم عن أفكارها وبحثها في مختلف الديانات والمعتقدات عن الحقيقة، وكنتُ أُجاريها وأُشاركها حتى غدوتُ أهتم لما تهتم به. صرتُ أقابل الناس وأتحدَّث إليهم عن تجاربهم الروحية، دخلتُ إلى الكنائس وحاورتُ الرهبان، ودخلتُ إلى المساجد لأول مرة وتحدثتُ إلى المشايخ والمصلين، زرتُ مختلف الأديرة والمعابد، وكنتُ سعيدًا بكل معلومة أحصل عليها لأنني سأنقلُها لها. كنتُ كالطفل الذي يتعلم بشغف وسعادةٍ كبيرَين، وكانت تزداد يومًا بعد يوم إشراقًا وجمالًا.»

سكتَ قليلًا فقد كنتُ أنظر إلى الساعة، فقال: «أعتقد أن عليكِ الذهاب.» تنهَّدتُ استياءً وقلتُ: «آه، نعم، الوقت يمر بسرعة هنا، أريد أن أُحدِّثكَ عما حدث معي البارحة.» فوقف وقال: «في المرة المقبلة، هيَّا إلى اللقاء، لا تتأخري عن البيت.»

عُدنا إلى البيت قُبَيلَ عودة أبي فاستقبلَتْني أمي وهي تحمد الله على وصولي باكرًا. أخذتُ أفكر في «رندة»، كنتُ أحسدُها على حُريتها وعلى جُرأتها وقُدرتها على السعي وراء هدفها. ليتني ألتقي بها، أشعر أنها تُشبهني، تُرى أين هي وماذا حدث لها؟

كتبتُ في صفحتي على الفيسبوك:

لا تكمن العظمة في أهدافنا فحسبُ، بل في أنفسنا أيضًا حين نرفض التخلي عنها لأي سبب.

ثم فتحتُ بريدي الإلكتروني فوجدتُ الرسالة التالية:

الصديقة العزيزة

أتمنى أن تكوني بخير، أتساءل ما سببُ عدمِ إجابتكِ لي على رسالتي الأولى، وتركي يومَين بلا رد، إذا كنتُ أزعِجُكِ برسائلي فإنني أعتذر وأعدُكِ بإيقافها. ولكِ خالص الشكر.

شادي
آه! يا إلهي! كنتُ قد نسيتُ أمره تمامًا، يا لفظاظتي! عليَّ أن أُجيبه، كتبتُ له على الفور:

السيد شادي

تحية طيبة، أعتذر منكَ إذ يظهرُ أنكَ أخطأتَ العنوان، أنا لستُ من تظن. تحياتي.

وأرسلتُها، وبعد دقائقَ تلقَّيتُ الرد التالي:

آسفٌ على إزعاجكِ برسائلي.

نظرت إلى كلماته المقتضبة، كنتُ أريد المزيد، فكتبتُ:

لا تعتذر، الأخطاء تحدُث دائمًا، أشكركَ على لباقتك.

وانتظرتُ، لكنه لم يرسل أي شيء. أغلقتُ الجهاز وخلدتُ إلى النوم.

٩

١٩٩٧م

كان أذان الفجر يصدَح من جامع الصِّدِّيق الذي لم يكن يبعُد كثيرًا عن دكان أبو أنس الخياط. انتبه سليمان وأخذ يجول ببصره في أرجاء المكان محاولًا إدراك كيف وصل، ثم تذكَّر كل شيء في لحظات. أخذ يسعلُ على عادة أهل حلب للتنبيه على وجوده، أزاح أبو أنس الخياط الستار، وقال: «يسعد صباحك، عيدك مبارك، ها قد أذَّن الفجر، أنا ذاهب إلى الصلاة وسأبقى حتى صلاة العيد، تحب ترافقني؟» ظل سليمان واجمًا، أتكون أول صلاة لي بعد خروجي هي صلاة العيد؟! هل تحتفل بي الأرض على طريقتها؟ أم أنها مجرد مصادفةٍ بحتة؟

كان أبو أنس ينظر إليه مُتفحِّصًا ثيابه، ثم قال: «اليوم عيد، ولا أعتقد يا ابني أنك ستذهب بهذه الملابس، قم معي.» ثم اتجه إلى هاتفٍ أخضر كان موضوعًا على المكتب وأدار قرص الأرقام، وتحدث: آلو مرحبًا.

– …

– الحمد لله.

– …

– نعم تقريبًا، اسمعي، أنا قادم إلى البيت ومعي ضيف، سخِّني الحمام وحضِّري لقمة.

– …

– بعدين بعدين، مع السلامة.

نظر إليه سليمانُ مستفسرًا، فأومأ له أبو أنس بالتزام الهدوء، فاستجاب سليمان وساعده في إغلاق درابية المحل، وتمشَّيا معًا في الشارع المظلم عدة دقائقَ حتى صَعِدا بنايةً عتيقة إلى الطابق الثاني. طرق أبو أنس باب الشقة اليُمنى، ولم ينتظر بل أخرج مفتاحه وفتح الباب «يا الله، يا الله، خذوا طريق.»٢ وأشار إلى سليمان بالدخول إلى الغرفة على اليسار، وقال: «تفضل يا ابني ارتح قليلًا، وسأعود إليك.» دخل سليمانُ إلى الغرفة، كانت غرفةً باردة مفروشة بالسجاد المزخرف ويلتمع دهانُ جدرانها ذو اللون السكريِّ تحت ضوء الثريَّا الضخمة ذات الشموع والكريستال. كان أثاث الغرفة من الخشب الذهبيِّ اللون المحفور باليد، والمُنجَّد بالمخمل الأحمر القاتم، وفي وسط الغرفة انتصبَت طاولةٌ ذات سطحٍ مرمري أبيض، يتوسَّطها مفرشٌ سكري اللون وتحفةٌ زجاجية ونفاضتان من الكريستال. دار سليمان حول الغرفة، أزاح ستارة النافذة، فارتدَّ إلى الوراء قليلًا، لقد رأى انعكاس صورته على الزجاج العاكس، فراح يُمرِّر يده على وجهه، على التغضُّنات التي علَت جبهته، على شعره الآخذ في التساقُط، تأمَّل ثيابه الرثَّة، وعظمتَي صدره البارزتَين، والعِرق الأزرق الناتئ في يسار رقبته، ثم راح يُمرِّر يده على ذقَنه التي استطال شعرها قليلًا، بدا شكله أشبه بمدمني الكحول، لقد كان أبو أنسٍ مُحقًّا! راح يتأمل هاتَين العينَين البُنِّيتَين، لهما اللون نفسه والأهداب نفسها لكنهما غريبتان عنه، متى كانت آخر مرة رأيتُ فيها نفسي في مرآة؟ من أنا؟ ما عُدتُ أعرفني! وهذا الشيب، منذ متى بدأ يشتعل في رأسي؟ كان سارحًا في صورته حين فتح عليه الباب أبو أنسٍ حاملًا معه ثيابًا ومنشفة، ابتسم وهو يراه يُحدِّق في شبَّاكٍ مغلق، ثم قال: «تفضَّل يا ابني، الحمام جاهز، أتمنى أن تُناسبكَ، هذه من ملابس ابني.» أسدَل سليمانُ الستارة وقال: «لا تؤاخذني، مضى لي أعوامٌ ما رأيتُ وجهي في مرآة!»

١٠

أخبرَتْني أمي في صباح أحد الأيام أننا سنذهب إلى أحد الجوامع للاحتفال ببعض الفتيات اللاتي أتممن حفظ القرآن أو أجزاء منه، وستكون «آنستنا» هناك. وصلنا متأخراتٍ فاضطُررنا للجلوس في آخر الصفوف. كانت النسوة جالسات على الأرض، ما عدا بعضهن اللاتي جلسن على الكراسي، مَيَّزتُ «الآنسة» من بينهن فقد كانت تجلس في المنتصف.

بدأَت الفتيات بتلاوة القرآن، ثم أخذن بإنشاد الأناشيد، ورقصَت الفتيات الصغيرات بحجابهنَّ، ثم حان موعد التكريم، فوقفَت «الآنسات» وبدأن بتكريم الحافظات وسط هتافات النسوة وتصفيقهن. كانت الواحدة منهن تستلم شهادتها وجائزتها وتُسلِّم على «الآنسات» وحين تصل إلى «آنستنا» فإنها تنحني لتُقبِّل يدها، مرة ومرتَين وثلاثًا. كلهن فعلن ذلك حتى إن إحداهنَّ حين وصلَت إلى «الآنسة» ارتمَت عند قدمَيْها لتُقبِّلهما! فأوقفنها النسوة فعادت لترمي بنفسها مجددًا، فسالت أعين النسوة بالدموع، ونكَزَتني أمي وقالت متأثرة: «أرأيتِ كم نحن محظوظاتٌ ببركة هذه الآنسة؟ انظري إلى محبة كل النسوة والفتيات لها، لو أنكِ استمعتِ لي فحفظتِ القرآن لكنتِ اليوم من بينهن ولرآكِ الجميع.» حملقتُ في أمي وقلت لها: «هل أنت جادَّة حقًّا؟ وهل الهدف من حفظ القرآن أن تتباهَي بي أمام النسوة؟» والتفتُّ قبل أن تُجيب، وخرجتُ من الجامع إلى الساحة الخارجية.

شعرتُ بالغضب يخنقُني، وبالغربة عنهن، وصرتُ أتحدَّث بصوتٍ عالٍ من فَرطِ غضَبي: «نعم، صحيح، إن عليَّ أن أحفظ القرآن لأُرضي غرور أمي، وعليَّ أن أُقبِّل يدَي الآنسة وقدمَيْها أيضًا، وإلا فلن تحُلَّ بركتُها عليَّ …» وعندها انتبهتُ إلى سيدةٍ كانت تجلس في ظل إحدى الأشجار فشعرتُ بالحرج وسكتُّ على الفور، والتفتُّ مُعطِيةً ظهري لها. بعد لحظاتٍ شَعرتُ بيدٍ باردة على كتفي وصوتٌ يقول: «لمَ أنتِ غاضبةٌ يا سماء؟» التفتُّ فوجدتُها، الفتاة النحيلة التي كانت تحضُر الدروس معي، تفاجأتُ من وجودها وتذكَّرتُ أنني لا أعرف اسمها، لكن رؤيتها أعادت إليَّ الهدوء قليلًا، قلتُ: «ماذا تفعلين هنا؟ لمَ لستِ في الحفل؟» ضحِكَت بسخرية وقالت: «وهل لمثلي حضور هذه الاحتفالات؟» استغربتُ من ردِّها وسألتُها: «ماذا تقصدين؟» قالت: «لقد أصبحتُ منبوذةً منذ ذلك اليوم الذي افتُضِحتُ فيه أمام الجميع، لم تعُد أمي تُعاملني كما كانت؛ فلم أعُد بالمستوى الذي يليق بها وبصديقاتها ومجتمعها الديني؛ فأنا خاطئة! كنتُ شديدة الأسف لما حصَل، فبذلتُ جهدي، وأتممتُ حفظ القرآن وأحاديث الأربعين النووية منذ أسبوع، كنتُ أُجهِّز نفسي للتكريم اليوم لكن لم يحدث هذا.» فقلتُ لها: «قد تكون الآنسة لا تدري بذلك، قُومي معي لنُخبرها.» وقفتُ على الفور وأمسكتُها من يدها، فسحبَتْها وقالت: «بلى، أخبرتُها بذلك بنفسي، لكن كما تعلمين فإن خطيئتي وصمةُ عارٍ لا تُمحى أبدًا. لقد تجاهلَتْني تمامًا، ولهذا أنا هنا؛ إذ لم يعُد لي مكانٌ هناك.» كانت ترتجف بردًا أو ألمًا وقد أصابَتْني كلماتها بالعجز فلم أَدرِ ما أقول. عُدتُ وجلستُ بجوارها وأحطتُها من كتفها وبقينا تحت شجرة الكينا الكبيرة التي كانت سخيةً معنا بظلِّها. كنا هادئتَين نتأمَّل انعكاس ظلال أوراق الشجرة على الأرض التي تُحرِّكها نسماتُ أيلول. بقينا صامتتَين وأصواتُ الاحتفال في الداخل تتنامى إلى مسامعنا وكأنها من عالمٍ غريب، شعرتُ بشيء من الحنين وبكثير من السكينة والفرح الرفيع. كان ثَمَّةَ نورٌ أحسستُه بقربي منها، وكنتُ سعيدةً بذلك حدَّ الاكتفاء. لم يكن بي رغبةٌ بالحديث، كأنني ولجتُ إلى رُوحِها وفهمتُ كل شيء. كنتُ أُمسِك بيدها وكانت باردة، وكنتُ دافئة. كنتُ على استعداد لأن أُمضي العمر وأنا بجوارها، تمنَّيتُ أن يستمرَّ هذا إلى الأبد. كانت دمعةٌ حلوة تستعد لتهطل من عيني وإذا بي أسمع صوتَ أمي فأعادني إلى وعيي بالزمان والمكان: «سماء، سماء، أنتِ هنا، بالله عليك ماذا تفعلين عندك؟ بحثتُ عنكِ في كل مكان، لقد فاتكِ الكثير، تعالَي.» واقتربَت مني أكثر فوقفتُ على الفور مخفيةً صاحبتي عنها خلفي، فجذبَتْني أُمي من يدي ومشَينا ثم التفتَت إلى الوراء وتمتمَت: «ماذا تفعلين معها؟»

في تلك الليلة كتبتُ في الفيسبوك:

هناك الكثير من التجارب التي لا يمكن تفسيرها إلا بالحب الخالص.

لا تستهِن بشيءٍ في طريقك إلى النور مهما كان؛ فالذنب الكبير قد يهبُكَ من الجمال مثله مثل الطاعة العظيمة.

استيقظتُ قرابة الثالثة فجرًا، جلستُ على سريري لدقائق، كان الصمتُ مطبقًا، والظلام كثيفًا؛ فقد كان التيار الكهربائي مقطوعًا. وقفتُ وأخذتُ أتلمَّس طريقي، وبصعوبةٍ بالغة وصلتُ إلى هاتفي النقَّال، فتحتُه ليهبني شيئًا من نور، ورحتُ أُقلِّب الصور فيه. لم تكن بي رغبةٌ في النوم، قمتُ إلى الحاسوب وفتحت بريدي الإلكتروني فوجدتُ رسالتَين من «شادي»، كانتا من الرسائل المُمرَّرة لمعلوماتٍ عامة، حذفتُهما وعدت إلى سريري أحاول النوم مجددًا لكنني لم أُفلح. استعنتُ بضوء الهاتف الضئيل واتجهتُ إلى الشرفة وخرجتُ، كان الهواء باردًا خفيفًا صافيًا. نظرتُ إلى السماء فإذا هي متلألئة بالنجوم التي ما كنتُ لأراها لولا انقطاع الكهرباء، كان ذلك رائعًا! سحَبتُ أحد الكراسي وجلستُ، ورحتُ أتأمَّل السماء، وسبَحتُ فيها طويلًا، وكنتُ سعيدة، بإمكاني قولُ ذلك بكل ثقة. اجتمع سكونُ الليل مع الظلمة والنسمات العليلة ليهَبوا لي جميعًا هذا الشعور اللذيذ الذي سكَن قلبي، وملأ كياني راحةً جميلة، ثم تناهى إليَّ «تسميع»٣ أحد الجوامع البعيدة، كان يقول:
يا من هواه أعزَّه وأذلَّني
كيف السبيل إلى وصالكَ؟ دُلَّني
ووصلتَني حتى ملكتَ حُشاشتي
ورجعتَ من بعد الوصال هجرتَني
الهجر من بعد الوصال قطيعةٌ
يا ليتَ قبل الوصل قد آنستَني.

ياه! ما أعذبَ صوتَه! وأجملَ كلماته! كأنه يحكي عن حالي. بعد قليلٍ أخذَت الجوامع القريبة بالتسميع فاختلطَت الأصوات وما عُدتُ أُميِّز كلماتها، ثم أذَّن الفجر، كنتُ أسمعه بإصغاءٍ شديد، وسكينةٍ تامة. قرَّرتُ أن أُصلِّي هنا بالذات، رحتُ وتوضَّأتُ وعُدتُ إلى الشرفة وبدأتُ أُصلِّي بعد طول انقطاع. أحسستُ بكل كلمة، وبكل حركة وبكل تسبيحة وتكبيرة، كان كل شيءٍ يفتح لي معانيَ جديدة ومشاعرَ جميلة لم أشعُر بها من قبلُ. أحسستُ بضياءٍ حانٍ يحيط بي، يلفُّني ويخترقني، لم أَدرِ كَمْ مضى عليَّ من الوقت لكنني أحببتُ الصلاة من جديد. كنتُ جالسةً على السجادة سعيدةً بما قمتُ به، وإذا بأمي تدخل وشمعةٌ في يدها، قالت: «ماذا تفعلين؟ الجو بارد، ادخلي.» دخلتُ ودسستُ نفسي في سريري. كانت اللذة تغمُر جوارحي وتهبط على جفنيَّ نومًا هنيئًا، بينما راحت خيوط الصباح تتسلَّل عَبْر النافذة لتُنير لي غرفتي وعالمي الصغير.

استيقظتُ نشِطةً في اليوم التالي، فهاتفتُ جدو نور وطلبتُ منه موعدًا فاعتذَر لملاقاتي صباحًا وأجَّل الموعد إلى المساء، كانت فرصةً لي لأُنهي كتابي الذي استعرتُه مؤخرًا. في المساء ارتديتُ ثيابًا سميكة قليلًا، وكذلك ألبستُ أختي فاطمة؛ فنحن في أواخر أيلول، وقد بدأ البرد باكرًا هذا العام. توجَّهنا إلى بيت جارنا ورحَّب بنا كعادته، وولجنا إلى صومعته. سألني: «أنهيتِ الكتاب؟» شعرتُ بالإحراج وقلتُ: «كلا، لكنني أعدُكَ أن أُعيده لكَ قريبًا. لقد شغلتني عدة أمور.» أجاب: «لا بأس، ما أخباركم؟» قلتُ: «بخير حال، عاد الجميع إلى مدارسهم أما أنا فلا مدرسة ولا جامعة!» قال: «الحياة بأكملها تنتظرك وهي ليست محدودة في أروقة الجامعة فحسبُ يا سماء.» لم أُجب؛ فلم أقتنع بكلامه، وكنتُ لا أزال واقفة، قال: «اجلسي، أنتِ تنتظرين إكمال القصة صحيح؟» هزَزتُ رأسي بالإيجاب فقال: «تزوَّجنا أنا ورندة وعُدتُ بها إلى الوطن.» وسكَت قليلًا، فقلتُ: «هذا رائع، كأنه حُلمٌ حقيقي.» ابتسم جدو نور بدوره وقال: «نعم، كان حلمًا عشناه حقيقة، وكانت سعادةً انتشَينا بها دفعةً واحدة حتى ما بقي لنا منها شيء.» قطَّبتُ جبيني وسألتُه: «ماذا تقصد؟ ماذا حدث؟»

١  «السَّمَّان» اصطلاحٌ محلي ويُطلق على محل البقالة.
٢  اعتاد السوريون عمومًا وأهل حلب خصوصًا على تنبيه أهل البيت بهذه النداءات لإعلامهم بوجود شخصٍ غريب لأخذ الحيطة بالحجاب أو البقاء في غُرفٍ أخرى.
٣  من عادة الجوامع أن يُنشد المؤذِّن بعض المدائح النبوية والابتهالات الإلهية قُبيل أذان الفجر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١