الفصل السابع

١

١٣ آب، حلب

أمامه كَومةٌ من دفاتر الامتحان، راح يُرتِّبها بعناية فوق مكتبه الخشبي، ضغط على زر بدء التشغيل وانطلقَت موسيقى «ياني» في الأجواء، ارتشف رشفةً من القهوة السوداء، وسحَب الدفتر الأول. هكذا يدسُّ نفسه في طقوسٍ خاصة حين يشرع بتصحيح دفاتر الامتحان؛ فهو عملٌ يحتاج كثيرًا من الصبر والمهارة، خاصةً مع ازدياد عدد الطلاب في السنوات الأخيرة الماضية.

الوقتُ لا يزال باكرًا جدًّا، بإمكانه إنجاز مُغلفَين من الدفاتر قبل موعده، ثم تقافَزت إلى ذهنه صورة تلك الفتاة الصغيرة. وضع القلم الأحمر جانبًا، وراح يتأمل دقيقة، كيف تمكَّنَت تلك النجيبة من إعادة الأمل بلقائي برندة من جديد بعد أن كدتُ أفقده؟ إنها شعلةٌ من حماس، لقد مضى على غيابها زمانٌ طويل، إنه لا يعرف بالضبط؛ فالزمان عنده لا يُقاس بالوحدات المعروفة من أيام وشهور وسنوات. إنه زمانٌ طويل أو قصير، وغير ذلك لا يهمُّه. إنه مثلًا لا يمتلك أي ساعة، لا على جدران بيته ولا يرتديها في يده، لا جدوى منها، كما يُصِرُّ دائمًا؛ فهو يحضر في مواعيده ومحاضراته في الوقت المناسب تمامًا أو قبله بقليل، ونادرًا ما يتأخر، الوقت عنده مادةٌ هضَمَها منذ زمنٍ حتى عافها. وهو للسبب نفسه لا يهمه أن يعرف عمره بالتحديد، لكنه يعلم يقينًا أنه كبيرٌ بما يكفي ليكون حكيمًا فينأى بنفسه عن التهور والحماقة، وهو في الوقت ذاته صغيرٌ بما يكفي ليتمسَّك بالحياة على الرغم من إجحافها وسوء تعامُلها، ألا يحظى كل يوم بامتناناتٍ صادقة من طلابه؟ وكلماتٍ خالصة من محبيه؟ إن هذا كافٍ بالنسبة إليه.

أطرق مليًّا وارتشَف رشفةً من القهوة، وفكَّر: إنها فتاةٌ ذكية، وسليمان صديقٌ أثير، لكنهما في خطر، نعم إنهما في خطرٍ كبير ينتظر قلب الصغيرة على أقل تقدير؛ فسليمان كبير بما يكفي، لكن ما العمل؟ شعر بحنانٍ دافق تجاهها، رفع حاجبَية، تنهَّد طويلًا وأكمل العمل.

اقترب موعده، لكنه حدْسًا يعرف أنه بعيدٌ بما يكفي ليُنهي شطرًا من عمله قبل الموعد. بعد مدة أغلق الدفتر الذي أمامه، أكمل فنجانه الثاني، خلع نظارته، وأعاد الدفاتر إلى مكانها، لقد حان الموعد.

٢

«لِمَ لا؟ فهو مشهورٌ وغنيٌّ وله مستقبلٌ باهر، وعلاقاته واسعة وستعيشين ملكةً معززة مكرمة في بيتٍ فخم.» هكذا راحت أم رمزي صديقة والدتي تُقنعني برائد النجم المتألق الحاصل على اللقب. سألتُها: «خالة، لكن رائد يكسب رزقه من الغناء، والغناء كما تعلمين حرام، أم أنكِ نسيتِ كلام الآنسة في الدروس التي كنا نحضُرها؟ وبناءً على ذلك فإن ثروتَه التي تتحدَّثين عنها حرام أيضًا.» راقبتُ وجهها وهو يتلوَّن ويتغيَّر، أحسستُ كما لو أن الأمر كان بيدها لقطعَت لساني.

ومن يوم وقوف رائد بباب بيتنا صرتُ أتلقَّى الرسائل والاتصالات من صديقاتٍ أعرفهنَّ ولا أعرفهنَّ، فهذه تُريد لقاءه، وتلك تُريد صورةً معه، وأخرى قالت لي بكل صراحة: «إذا ما تريدينه أنا آخذه!» وظلَّت الأسئلة تتردَّد حولي: «كيف دَبَّرتيه؟ هل عملتِ له عملًا؟ سحرًا عن بُعد؟ إنه يتسلَّى وحسبُ، مستحيلٌ أن يُفكِّر أمثاله في الزواج، سيتركُكِ من الشهر الأول …» بعدها لم أرُدَّ على أي اتصالٍ يَرِدُني مطلقًا.

كانت أمي موافقة؛ فزواجي به فرصةٌ لن تتكرر، وسعيد لم يُعلِّق كثيرًا على الموضوع، ترك حرية الاختيار لي، أما أبي فهو من كان يُحيِّرني، لا يقول شيئًا، يكتفي بالمراقبة وحسبُ ونظرة تأنيب أقرؤها في عينَيه.

لا أنكر أنني في بادئ الأمر طرتُ فرحًا، عادت إلى ذهني ذكريات المكتبة القديمة، والكلمات التي كان يقولها، الندبة في يده اليسرى، رحلتي ذات يوم للبحث عنه في المكتبات، ها هو الآن أتى إليَّ، ولكنه تغيَّر كثيرًا، صار أوسم شابٍّ رأيتُه على الإطلاق، وراح يجلب لي الهدايا ويضعها على باب بيتنا ويُغادر كل يومَين أو ثلاثة، الأمر الذي أحرجَني أمام الجيران كثيرًا. كنتُ مترددة حائرة، لم يدخل بيتنا إلا مرةً واحدة جلس فيها مع أبي، ولم يتصل بي أو يُكلِّمني، بل أعطاني رقمه الخاص لأُرسل له موافقتي، قال لي: «يكفي أن ترني رنةً واحدة وستجدينني فورًا أمامكِ مع أهلي وجيراني وأقاربي وأهل حلب كلهم لأطلب يدكِ للزواج!» لكنني لم أفعل. كما لم أعُد أخرج من البيت خوفًا من أن أُصادفه أمامي، وهربًا من بعض الفضوليين الذين يتطفَّلون بكاميراتهم لالتقاط صُورٍ للفتاة التي عاد من أجلها الفنان المشهور إلى الحرب.

أسبوعان مرَّا وأنا في حَيرةٍ شديدة، وبكاءٍ مُتجدِّد، هذا هو الحلم الجميل للشاب الوسيم ذي الجبهة العريضة يقف أمامي بشحمه ولحمه، فلماذا أتردَّد؟ لماذا لا أقول له «نعم.» وانتهى الأمر وينتهي عذابي؟ لمَ أشعُر بغُصَّة في صدري؟ ولمَّا وجدَني أبي على هذه الحالة قال لي: «سأطلبه ليأتي عندنا وحده، ونجلس نتكلم معه، ثم نرى ما ستجري عليه الأمور.»

في اليوم التالي حضر رائد مع باقةِ وردٍ كبيرة آسرة الجمال، كان يرتدي ثيابًا رسمية، سروالًا رماديًّا وقميصًا كحليًّا، وكنتُ أرتدي ثيابي التي أخرج بها إلى الشارع، معطفي العسلي، وغطاءً بنيًّا على رأسي. جلس أمامي مع والدي وتحدَّثا معًا دقائق، ثم ذهب أبي إلى غرفةٍ أخرى، وبقينا وحدنا.

– كيف حالُكِ سما؟

– الحمد لله.

– تأخرتِ بردِّك كثيرًا.

– يعني … امم … تعرف …

– نعم أعرف من حقك أن تتدلَّلي.

– أنا لا أتدلَّل، أنا أُفكِّر.

– وأنا في انتظارك دائمًا.

– هل لي أن أسألكَ لمَ اخترتَني أنا بالذات؟

– سؤالك جميل؛ لأنني أعتقد أنكِ الفتاة المناسبة لي، ولنا معًا ذكريات جميلة. لا أريد أن أتورَّط بعلاقة من الوسط الفني؛ فكلهم كاذبون، أما أنتِ فمختلفة عن الجميع، أنتِ صادقة، ثم إن النجاح الذي حقَّقتُه لن يكمُل إلا بوجودكِ معي، سأتألق أكثر وأنتِ معي، تعرفين الصحافة والإعلام وظيفتُها أن تتسقَّط هذه الأخبار، ألا تَرينَ الكاميرات لا تتركني لحظةً واحدة؟ أُراهِنُ أنهم الآن خلف الشبَّاك يحاولون التقاط صورةٍ أو سماع كلمةٍ مما أقوله الآن.

فكَّرتُ في نفسي: نجاحك أنت؟ وهل هذا هو المهم؟ أن يتحدث عنكَ الإعلام؟ لم أقل شيئًا، فقال: سأجلب لكِ مكتبةً بأكملها وأشتري لكِ كُتبَ العالم، هل تذكُرين سما؟ كم كنتُ أعمى في ذلك الوقت، قبل أعوام، هل تذكُرين في مكتبة النيل الجديد؟

– سأُحضر لك القهوة.

وقمتُ من فوري إلى المطبخ، قلبي يتقاطر خوفًا، وأصابعي تهتزُّ رعشةً، كلماته هزَّتْني من الأعماق، أرعبَتْني وأسعدَتْني في الوقت نفسه، يا للحيرة التي تملَّكَتني؟ وزادت عليَّ! ذهبتُ إلى المطبخ، وبمساعدة والدتي حضَّرتُ فنجانًا من القهوة له، وكوبًا من الشاي بالنعناع لي. أخذتُ نفسًا عميقًا حتى أتمكَّن من حمل الصينية بثبات، مشيتُ باتجاهه وأنزلتُ الصينية ليتناول فنجانه. أشعر بنظراته تخترقني وهو ينظر إليَّ من مكانه، استدرتُ وأخذتُ كوبي، مَسكتُه بيديَّ الاثنتَين أتلمَّس منه حرارةً أُدفئ بها برودة أطرافي وأُسكِّن رعشة قلبي. قال: شاي يا سما؟ ألا تشربين القهوة؟

– لا؛ فأنا لا أُحبها.

– خسارة، عليَّ إذن أن أبذل جهدًا في جعلك تُحبينها؛ فأنا أعشقها، كيف سنشربها معًا كل صباح؟

ثم ارتشف رشفةً من فنجانه وأخذ يتحدث عن نفسه، وأنا ما عُدتُ أُصغي إليه، كلماته كانت كمصباحٍ وضعَني على الطريق الصحيح، وتراقصَت أمامي ذكرياتُ كلماتٍ أخرى صادقة …

– تعرفين يا سما، أنت مثل القهوة، تُضيفين نكهة رائعة إلى الحياة.

– لكني لا أحب القهوة.

– القهوة لا تُدرك قيمة ذاتها، وما تفعله في القلوب.

– لا أعرف ماذا عليَّ أن أقول!

– لا شيء على الإطلاق، غدًا تقولين لي.

٣

– في داخلكِ جرح، روحكِ مضطربة، أشعر بذلك.

– وما أدراك أنت؟

– دلائلُ كثيرة، ثم ألا تثقين بذكائي؟

– لم أعُد أعرف شيئًا.

– أنا لا أدعوك لتثقي بشخصي، بل بذكائي وخبرتي.

– ماذا تُريد مني؟

– يسُرني الحديث إليكِ ويأخذني إلى عوالمَ جديدة من الخير الأول، أنت مختلفة، ثم إني متورطٌ بك، والهرب أمر غير وارد بالنسبة إليَّ.

– لقد سئمتُ وتعبتُ.

– من أي شيء؟

– من كل شيء، ألا تعيش هنا؟

– الحرب!

– وهل غيرها؟

– لم تفعل الحرب شيئًا سوى أنها وضعَتْنا على شفرة الحقيقة، عرَّتْنا أمام أنفسنا، عليكِ تجاهلها وحسبُ.

– كيف وهي تزكم أنوفنا، وتحشر نفسها تحت ألحفتنا؟

– صدِّقيني، هناك أسوأ من الحرب.

– ماذا؟

– الخوف.

– الحرب تجلب الخوف.

– العكس هو الصحيح.

– أحيانًا لا أفهمكَ!

– أما أنا، فأفهمكِ دائمًا.

– مادح نفسه يُسلِّم عليك سيد سليمان!

– ههههه، أنت جميلة، وكم أنا سعيدٌ بالحديث معك! هل سنبقى هكذا نتحدث عَبْر كلماتٍ على الشاشة، أنا كما تعلمين لا أحب تكنولوجيا الشباب، ولولا أنني مضطرٌّ إليها لأُحدِّثكِ لما لجأتُ إليها.

– وما العيبُ في تكنولوجيا الشباب؟

– لا شيء سوى أنني لا أجيد التعامل مع حرفٍ جامد أظل أُفتِّش عنه في لوحة المفاتيح لأكتب كلمة تستهلك جزءًا كبيرًا من وقتي.

– بإمكانكَ أن ترسل لي رسالةً صوتية إذا أردتَ، أنا أكتب وأنت تُسجِّل.

– هذا أسوأ، أتخيل نفسي أُحدِّث كَومةً من حديد وأنا وحدي في الغرفة! يا للجنون!

– ماذا تُريد إذن؟

– أن أراكِ، وجهًا لوجه، أُحدِّث كائنًا حيًّا.

– تعرف أن هذا صعب جدًّا عليَّ.

– تعالي إلى بيت نور، هناك على الأقل يمكنني أن أراك مصادفةً ولو كذبًا.

– أو بإمكانكَ أن تأتي هنا إلى البيت.

– هل أنت جادة؟ بأي صفةٍ أدخل بيتكم هكذا من الباب؟

– لا أدري، أنت قل لي.

– أنتم الشباب عجيبون! هل كل مَن في عمركِ هكذا؟

– هكذا كيف؟ وما خطبنا نحن «الشباب»؟

– كانوا معي في الجامعة، بعضهم لا يزال يتواصل معي إلى الآن، أشعر بالأسف عليهم.

– لماذا؟

– تلك ذكرى لا أحب استرجاعها.

– هل أساءوا لك؟

– على العكس تمامًا، بعد أن بادلتُهم الود، وفتحتُ لهم قلبي، كما أفعل معكِ الآن، وصارت علاقتنا أكثر متانة، تساقطوا من حولي.

– كيف؟

– أنت مصرة على إعادة الماضي الحزين.

– لكلٍّ منا ذكرياتٌ حزينة.

– حسنًا، لقد مات أحدهم.

– حقًّا؟ يا للأسف! رحمه الله.

– قُتل، إن صحَّ التعبير.

– يا إلهي!

– نعم، كان الخبر فاجعةً كبيرة لي، أحببتُ ذلك الشاب تحديدًا، وبعدها انفَرطَ عِقْد أصدقائه عني ولم أعُد أعرف من أخبارهم شيئًا.

– هذا مؤسف.

– نعم، الألم يموت لكن الجرح يبقى، أحيانًا ألوم نفسي على موته.

– لماذا؟ وما دخلُكَ أنت؟

– يعني كما تعلمين كنا نتحدَّث كثيرًا، عن الماضي الذي يخصُّني أحيانًا، وكانوا يتأثرون، ربما ثارت النقمة في قلوبهم، خاصة ذلك الشاب، لستُ أدري، فحملَه ذلك على التصرُّف بتهوُّر.

– لا تُحمِّل نفسكَ فوق طاقتها.

– هكذا أقول لنفسي أيضًا، لكن مضى على ذلك عام أو يزيد، ومع ذلك فتاريخ استشهاد ذلك الشاب الأشقر محفورٌ في قلبي، «السابع عشر من تموز!»

٤

اجتماعٌ مغلق، شعرتُ بذلك ووالدي يُغلق الباب، ويدعوني للجلوس، هذه أول مرة يقوم بذلك، أخذَت التوقعات تدور في رأسي عن أي شيء سنتحدث. جلستُ على طرف الكرسي متوثبة أنتظره أن ينطق، وجلس هو أمامي على الأريكة يُحدِّق في الأرض. الساعة تدور بتثاقُل، تك تك تك، تهزأ بي ربما، أو تطرُق على رأسي لتذكرني بوجودها الفجِّ في هذه اللحظة.

نطق أبي أخيرًا وقال: «بنتي، هناك شابٌّ تحدث معي بخصوصك، تعرفين، يريد أن يطلبك للزواج.» من يكون؟ سليمان؟ لكنه ليس شابًّا! أو ربما رائد؟ أو لعله شابٌّ لا أعرفه أبدًا! أكمل أبي: «لكن لن أقول لكِ رأيي فيه حتى أسمع رأيكِ، لا أريد أن أؤَثِّر عليك؛ فأنتِ صاحبة القرار.» يا للحنان والحكمة التي تُغلِّف كلماته! تسارَع نبض قلبي وحبستُ أنفاسي أنتظره أن ينطق باسمه، الساعة تصرُّ على إثبات وجودها، تك تك تك، أسند أبي ظهره على الوسائد ونظر إليَّ وقال: «شادي أشتر.»

أكادُ أجزم أن فمي ظل مفتوحًا دهرًا من وقع المفاجأة، شادي تحدَّث مع أبي؟! كيف؟ ومتى؟ وأين هو الآن؟ تقافَزَت الأسئلة إلى ذهني مثل مفرقعاتٍ اشتعلت دفعةً واحدة، هل أخبرَه شادي بكل شيء؟ هل يعرف محادثات الفيسبوك؟ يا إلهي، هل أخبرَه عن لقائنا في المتحف؟ تك تك تك تك، الساعة مجددًا أخذَت تسلخ بدقاتها قلبي، إنه لم ينسني! إنه جادٌّ في الارتباط بي! «حازمٌ جدًّا» كما قال لي.

أضاف أبي: «لقد جاء إليَّ هو ووالده قبل أشهر، وتقدَّما رسميًّا بطلب يدكِ، أخبَرني أنه مسافر إلى اليمن.» اليمن؟! ما الذي يفعله هناك؟ أكمل أبي: «وقمتُ بالطبع بالسؤال عنه، لكنني لم أقل لك لأسبابٍ كثيرة، التي من أهمها ظهور رائد، أما الآن فعليكِ اتخاذ قراركِ، ما رأيك؟» وسكَتَ ينتظر جوابي، لكن المفاجأة عقدَت لساني. كنتُ أنظر إلى يديَّ المتعرقتَين، وكثيرٌ من علامات الاستفهام تتقافز أمام عيني. قام أبي وقال: «طيب، أظن أنك تحتاجين وقتًا.» وخرج تاركًا إياي غارقةً في بحرٍ من حَيرة وذكريات.

٥

لم تكن الرحلة سهلة على الإطلاق، بقينا أيامًا ننتظر الوقت المناسب للانطلاق ونحن نتواصل يوميًّا مع «أبو أمجد» سائق سيارة الأجرة الذي سيُوصلنا إلى الحافلة التي من المفترض أن تسير بنا في طريق خناصر ومنها سننطلق برًّا إلى بيروت. وبعد أيامٍ انطلقنا، مشينا في طريقٍ شبه مُعبَّد لكنه غير مزفَّت. الحواجز كثيرة جدًّا على طول الطريق، جاوزَت الخمسين حاجزًا، إجراءات وتفتيش واتصالات وتدقيق ومحسوبيات ورشاوٍ على المكشوف، فما نكاد ننطلق ساعةً حتى نقف مجددًا مع حاجزٍ جديد ويتكَرَّر السيناريو مع وجوهٍ مختلفة، ومفاوضاتٍ مغايرة وأرقامٍ تهبط أو ترتفع بحسب المعرفة و«الموانة» السابقة وبحسب أمورٍ أخرى لا نعرفها. والسعر الذي اتفَقنا عليه مع «أبو أمجد» ومع سائق الحافلة «زكوان» تضخَّم كثيرًا وترهَّل أضعاف حجمه الأصلي؛ فمن الضروري أن يسعى كل سائق إلى إرضاء كل حاجزٍ عَبْر عُلب السكائر أو المال أو ما شابه، ومن يمتنع عن ذلك يتعرض لتفتيشٍ دقيق مهين، وتأخيرٍ قد يمتد لساعات بلا أي مُبررٍ حقيقي سوى رغبةِ عناصر الحاجز بالحصول على الرشوة التي يجمعها السائق أخيرًا من محافظنا.

أسافر مع «خالتي نوال» وزوجها إلى بيروت؛ فلم يتمكن والداي من مرافقتي، أبي مرتبط بعمله، وأمي مرتبطة به وبأختي فاطمة، أودعَتْني أمي مع أختها نوال للسفر إلى بيروت. كنتُ قد سمعتُ كثيرًا عن مشاقِّ الرحلة لكن سماع الشيء يختلف كثيرًا عن الخوض فيه، وكأنها رحلة الانتقال من الموت إلى الحياة؛ فالطريق الذي كان يستغرق سبع ساعاتٍ بين حلب وبيروت تطاوَلَ حتى وصل معنا إلى سبع عشرة ساعة، مع الأخذ في الحسبان الساعات التي قضيناها في ضيافة «أشقائنا» في الحدود اللبنانية، وما واجهناه هناك من تأخير وتفتيش وخوفٍ من منعنا من الدخول من قِبل الأمن اللبناني، ونظراتِ بعضهم لنا وكأننا حشرات.

في اليوم الذي تبدأ الحرب في بلدك تصير منبوذًا ومشبوهًا، ومتهمًا عالميًّا حتى لو كنتَ بريئًا، الآن فقط بدأنا نشعر بمعاناة الفلسطينيين قبل عشرات السنين. وفي زمن الحرب تختلف كثيرٌ من الأمور، أنا مثلًا عشتُ عامَين في الحرب، هل أقول إنهما عامان مرَّا من عمري؟ أم أقول دهرًا؟ الحرب آلة حصدٍ هائلة، تَحصُد كل شيء، الأماني والأحلام، الأرواح والأحباب، والزمان أيضًا، لا يبقى إلا الأرض المحروقة من نفوسنا المتعبة. كل شيء في الحرب يتغير، من أكبر شيء إلى أصغره، أساليب الناس في حياتهم، عاداتهم اليومية، أحاديثهم، أمنياتهم، لُعب أطفالهم، مشاعرهم، حتى أفراحهم؛ فبعد أن فرح الكون كله بارتباط أخي سعيد بمحبوبته الجميلة سلمى، افترقا فعاد أخي إلى قطر على أمل أن يطلبها فتلحق به، لكن مضى على ذلك تسعةُ أشهر وهو لا يتمكن من ذلك، تعقَّدَت الأمور أمام السوريين كثيرًا. المشكلة أنه لم يعُد بإمكانه العودة إلى حلب، فهل يلتقيان مجددًا؟ لا أحد يعرف!

وأنا مثلًا لا يتمكَّن أهلي من الجلوس مع شادي إلا عن طريق صورةٍ مُتقطِّعة على برنامج السكايب أو الفايبر، يسألون عنه، يقابلون والدَيه، وتتم الموافقة، نقرأ الفاتحة عَبْر تسجيلٍ صوتي، تُلبسني والدته خاتم الخطوبة، نحتفل أربعتنا أنا وهي وأمي وخالتي مع كئوسٍ من العصير وقطع الكيك، وينتهي الأمر وأذهب وحدي لأُلاقيه في بيروت. هكذا جرى الاتفاق، ثم يُشرف زوجُ خالتي على كتب الكتاب فهو محامٍ، ويتولى بقية الأمور القانونية من استصدار صك الزواج، ودفتر العائلة وغيرها من الإجراءات. نجلس أسبوعَين أو ثلاثة في بيروت، ثم أسافر معه إلى اليمن. أنا كنتُ فرحة بكل ذلك ومشدوهة، هل حقًّا سألتقي به بعد غيابِ ما يقرب من عام؟ وهل سأتزوَّج أخيرًا من غير عُرسٍ أو فستانٍ أبيض أو زفة وزغاريد ورقص؟

٦

بيروت أخيرًا! أرى البحر للمرة الأُولى بعد أعوام، في سورية قمنا بتأجيل ذهابنا إليه عامًا بعد عام، فأبعدَتْنا الحرب عنه أعوامًا أخرى. للبحر جمالٌ مبهج يعجُّ بالحياة نهارًا، أما ليلًا فله سحرٌ خاص؛ ذلك لأني لا أتلقَّاه بنظري كالعادة، لا أرى زرقته الصافية، ولا امتداده الفسيح، ولا تراقُص ضوء الشمس على أمواجه الرائقة. البحر في الليل يثير حواسي المختلفة الأخرى، أمامي ظلمةٌ حالكة، أغمضتُ عيني فلا شيء لأراه، وسمحتُ لحواسي الأخرى بتلقي البحر. شعرتُ بأمواجه تغمُرني، تُلامس قدميَّ بإيقاعٍ منتظم، وصوتُها الرتيب يتكسَّر على شاطئ قلبي. ملأتُ رئتيَّ من هوائه المشبع بالرطوبة، وخباياه المحتملة، وأسراره المخفية، تخيَّلتُ أعماقه السحيقة، مخلوقاته العجيبة، ورحتُ أتقدَّم أكثر وأكثر. بدأَت برودةُ الماء تُلامس ساقيَّ حتى ركبتيَّ، فأعلى وأعلى، أصابَتْني رِعدةٌ من بردٍ ورهبة. فرَدتُ ذراعيَّ وأخذَت الرياح والأمواج والظلمة تلعبُ برأسي فأُصبتُ بالدوار، كادت ساقاي تَخذلانِني، واشتغلَت غريزة البقاء بتحذيري من خطرٍ محتمل. فتحتُ عينيَّ، وتلفَّتُّ حولي، كنتُ في بحرٍ من ظلام، ولولا أنوارٌ تسبح بعيدًا كغرقى مُتشبِّثين بالحياة لَمَا عرفتُ اتجاه الشاطئ، مشيتُ باتجاهها عائدة إلى الشاطئ، ومستسلمةً للحياة.

«في بيروت» هكذا عنونَت صورةً لها على «الواتساب» وهي واقفة أمام صخرة الروشة، يا للمفاجأة! رندة هنا؟ عليَّ أن أفعل شيئًا. تذكَّرتُ حماسي الأول في جمعها بجدو نور، وأن الفرصة هذه ربما لن تتكرر، لكني أواجه مشكلةً كبيرة، كيف سأفعل ذلك؟ ما الذي يمكن أن يجعل سيدةً تعيش حياتها مطمئنة في تركيا، وتُقيم أيامًا في بيروت تُسافر إلى حلب أخطر مدينة في العالم؟ لا يُوجد دافعٌ سوى الحب، وأن أسافر معها، وهذا ما عليَّ أن أفعله. كتبتُ لها: كيف حالُكِ سيدة رندة؟ أرى أنكِ في بيروت، حمدًا لله على سلامتك.

وبعد ساعات جاءني ردها: الله يسلمك. شكرًا، كيف حالك أنت؟

– بخير. أريد أن أسألكِ سؤالًا.

– تفضَّلي.

– ما الذي يجعل شخصًا يترك بيته الآمن ويسافر إلى الحرب؟

– سؤالُكِ غريب، لكن لا أعتقد أن أحدًا يفعل ذلك إلا إذا كان مضطرًّا.

– هل تقع الضرورة الروحية أو العاطفية ضمن هذه الضرورات؟

– بالتأكيد، إذا كانت قويةً بما يكفي ليضع الشخص حياته على كفِّ الخطر.

– طيب سيدة رندة، هل يعني لك الثالث عشر من آب عام ١٩٩٥م شيئًا؟

بقيتُ بعدها دقائق أنتظر ردها لكنها لم تُرسل شيئًا، هل أخطأتُ في تدخُّلي بخصوصياتها؟ هل كان أسلوبي سيئًا؟ يظهر عندي أنها متصلةٌ لكنها لا تجيب، ماذا فَعلتُ بكلماتي؟ هل أثَرتُ غَضبَها؟ أم ذكرياتها؟ أم أحزانها؟ كتبتُ أخيرًا: آسفة سيدة رندة، ما قصدتُ أبدًا إزعاجك. لكنها أيضًا لم ترد حتى اليوم التالي، جاءتني رسالة منها كتبَتْ فيها: لستُ أدري ماذا تعرفين وكيف، أنت صديقةٌ عزيزة، لكنكِ ما زلتِ صغيرة، هناك الكثير مما لا تعرفينه.

فأرسلتُ لها على الفور: آسفة، أعتذر منك مجددًا على تطفُّلي، لكنني أُحبكِ حقًّا وأحترمك جدًّا.

– وهل محبتكِ لي تُبرِّر لك النبش في ماضٍ يخصُّني؟

– أنا لم أنبش، لقد وجدتُ نفسي متورطةً بكما من غير إرادةٍ مني.

– ماذا تقصدين؟ من حكى لك؟

بدأ قلبي يخفق بشدة، لقد اقتربتُ جدًّا من قول الحقيقة لها، عليَّ أن أختار كلماتي بعناية، كتبتُ: إنه الشخص نفسه الذي ظل ينتظرك كل يومٍ أمام مفترق الطرق المؤدي إلى بيتكم في حي بستان القصر، ثم أخذ ينتظركِ كل شهر، ثم كل عامٍ في الثالث عشر من آب. إنه الشخص نفسه الذي يعيش وحيدًا إلى الآن على أمل اللقاء بك، إنه «نوار» سيدة رندة «نوار».

نظرتُ جيدًا إلى الرسالة، تعمَّدتُ أن أكتب اسمه «نوار» وليس «نور»، عدَّلتُها قليلًا ثم ضغطتُ زر الإرسال، وانتظرتُ، وطال انتظاري، إنها لا تزال متصلة لكنها لا تكتب، ثم ظهر لي أنها تكتب، حبَستُ أنفاسي، وجاءت رسالتها: احكي لي كل شيء.

٧

– هل أنتَ جادٌّ يا سعيد؟ ماذا تعني بقولكَ هذا؟

– أنا متفاجئ مثلك تمامًا، لكن صدِّقيني ما باليد حيلة.

– كيف؟ ألم تُرِهِمْ عقد الزواج ودفتر العائلة؟

– بلى، فعلتُ، لكن الأمور باتت معقدةً جدًّا.

– ماذا تقصد؟

– لا أدري، ربما قبل عامٍ كانت أمور الاستقدام أفضل.

– وما الجديد؟

– لم يعُد منحُ الإقامات أمرًا سهلًا كما كان سابقًا.

– لكنني زوجتُكِ.

– أعرف، حتى لم الشمل توقَّف منذ مدة، ابن خالتي هنا أيضًا لقد مضى له عامٌ تقريبًا وزوجتُه وأولاده في حلب، لا هو يتمكن من العودة إليهم، ولا هم قادرون على اللحاق به. تصوَّري لقد وُلد له بنتٌ لم يتمكَّن حتى الآن من رؤيتها.

– وما الحل إذن؟

– ما علينا سوى الانتظار.

– الانتظار مجددًا؟ وانتظار ماذا؟ وهل سيتغير شيء؟

– لستُ أدري.

– لكنني …

– ماذا سلمى؟

– اشتقتُ إليكَ …!

٨

المفاجأة صارت مفاجأتَين، والفرحة فرحتَين، هذه هي المرة الأولى التي أراها فيها، كانت تنتظرني في ساحة النجمة. ارتبكتُ أول الأمر، لم أدرِ إن كانت هي على الحقيقة؛ فالسيدة تلك الواقفة على بعد أمتار مني محجبة، ورندة التي أعرفها ليست كذلك. اقتربتُ أكثر أتفحص ملامحها، قالت: «سما؟» ضحكتُ ومددتُ يدي أصافحها، نعم، إنها هي، قلتُ: أنا فرحةٌ جدًّا برؤيتك، أشعُر أن حلمي يتحقق، هل أنت رندة الجميلة حقًّا؟

– هههه، راح الجمال، وبقِيَتْ رندة، وأنا ممتنَّة لكِ جدًّا.

– أنتِ جميلةٌ على الدوام.

جلسنا في أحد المقاهي هناك، وتحدَّثنا طويلًا، أخبرتني عن قرارها بالحجاب، ومحبتها الكبيرة له، قالت: «في اللحظة التي ارتديتُه شعرتُ أنه جزء مني، وأنه كان ينتظرني منذ زمن، أحمد الله الذي أهداني إياه.» كان وجهها مشرقًا بالفرح، وهي بين فترةٍ وأخرى تُمسك بيدي وتضغط عليها، شعرتُ بارتباكها، فقلتُ لها: متى تنوين السفر؟

– لا أعرف سما، أشعر بقلق العودة.

– هل ذلك بسبب الحرب؟ أم بسبب جدو نور؟

– ليس هذا وحسبُ، إنما أخاف من صدمتي لرؤية حلب التي أُحبها قد تغيَّرتْ، لقد عشتُ فيها تسع سنوات.

– معكِ حقٌّ فحلب لم تعُد كما كانت، كل شيء تغيَّر، قلوب الناس ووجوههم، في عيونهم مزيجٌ رهيب من خوف وقلق ووجع، الأطفال أكثر من يُحيِّرني، لم أعُد أرى أطفالًا، إنما أرواحًا هرمة في أجسادٍ صغيرة!

– مؤسفٌ جدًّا، أنتِ أيضًا تتكلَّمين كشخصٍ في الستين من عمره.

– هههه، أرجو ألا يشمل ذلك شكلي أيضًا! آه ليتني أتمكَّن من السفر معكِ! كيف سأُفوِّت على نفسي فرصة لقائكما؟

– لا تقلقي، لقد قمتِ بواجبكِ وزيادة، لا أعرف كيف أشكرك.

– هل تمزحين؟ تشكُرينني؟ أنا الآن أعيش حُلمي، تعرَّفتُ أخيرًا إليكِ وأرجو أن يكتمل الحلم بجمعكما معًا. دعيني أسافر معكِ غدًا وهكذا أرحل قبل وصول شادي، سأُخبره لاحقًا وسيفهمني بالتأكيد.

– أنتِ فتاةٌ مجنونة، لا يمكنني أن أقبل إطلاقًا.

– أرجوكِ سيدة رندة.

– هذا موضوعٌ غير قابل للنقاش، ثم إنني لستُ صغيرة لأحتاج مرافقًا، فلا تقلقي.

ثم نظَرتْ إلى ساعتها وقالت: هل لك أن تعذريني سما، عليَّ أن أقوم حتى لا تفوتني صلاة العصر.

– نعم بالتأكيد، لكن هل لي أن أسألكِ سؤالًا؟

– بالطبع، تفضَّلي.

– هل تحافظين هكذا على الصلاة في كل الأوقات؟ وفي أي مكان؟

– نعم أحاول دائمًا.

– أنا لا أصلي إلا نادرًا، ليس تهاونًا أو نسيانًا.

– وإنما؟

– وإنما لأنني أشعر أن صلاتي نفاقٌ وكذبٌ ولا فائدة منها.

– كيف ذلك؟

– دائمًا يقولون لنا إن الصلاة صلة العبد بربه، أنا لا أشعر بهذه الصلة؛ ففي لحظة دخولي في الصلاة تأخذني الأفكار من كل جانب، البيت والأحداث والأصدقاء وكل شيء عدا الصلاة، ما هذا الكذب؟

– أنت لديكِ أختٌ صغيرة. صحيح؟

– نعم، فاطمة.

– طيب، ماذا تفعل فاطمة إذا طلبَتْ منكِ شيئًا ولم تحصل عليه؟

– يا إلهي! إنها لا تملُّ أبدًا، تُكرِّر الطلب وتُحاول بمختلف طُرق الاستعطاف والترجِّي والوساطات والمفاوضات حتى أُنفِّذ لها ما تُريده.

– هكذا افعلي أمام بابه! يكفي أنكِ تُحاولين.

التقيتُ برندة مراتٍ عِدَّة في بيروت، كانت أحاديثنا مزيجًا من ذكريات ودموع وضحك، لم أُخبرها بالطبع عن العِقد السماوي، سأتركُ ذلك لجدو. ومثلما تخيَّلتُها تمامًا، فهي سيدةٌ قوية واضحة مهذَّبة، وعلى الرغم من التجاعيد الرفيعة التي تظهر حول فمها حين تضحك، فإنها جميلةٌ وأنيقة بحجابها الجديد الذي قالت لي عنه إنه نعمة.

سألتُها مرة عن بحثها عن الحقيقة الذي كانت قد بدأَتْه أيام برلين، أريد أن أستعين بها، وأستوحي منها في علاقتي بالله، وأن أكتشفَ أسطورتي الشخصية كما قرأتُ في «الخيميائي»، قالت: لقد استَهلكَ مني ذلك عُمرًا بأكمله.

– وإلى ماذا توصَّلتِ؟

– لم أصل إلى الآن.

– حقًّا؟!

– لقد حاورتُ كثيرين من مختلف الاعتقادات الدينية واللادينية، وأجريتُ أبحاثًا كثيرة، وتوصَّلتُ إلى حقيقة أن كل واحدٍ منهم ينسب الحقيقة إلى نفسه، ويُحارب من يخالفه.

– وأيهم كان يملكها؟

– هذا هو السؤال الذي كان يشغلُني طوال تلك المدة.

– طيب؟

– ثم اكتشفتُ أن هذا السؤال بالتحديد هو أكبر مغالطة، وأنه يُضيِّعني بدل أن يُرشدني.

– كيف ذلك؟

– أي طريقٍ سلكتِ للوصول إلى بيروت؟ الطريق المعتاد نفسه قبل الحرب؟

– بالطبع لا، سلكنا طريقًا أطول وأصعب.

– وهل وصلتِ إلى بيروت؟

– …

– أرأيتِ؟ الطرق كثيرة، يطول بعضها ويقصُر بعضها الآخر، يسهُل أو يصعُب، وتتقاطع كثيرٌ منها في بعض النقاط، وتفترق في أخرى، والمهم هو الوصول.

– لكن بعضهم لا يصل.

– صدقتِ؛ فبعضُ الطرق تتوه بسالكيها، إما بسبب كثرة تعرُّجات الطريق، أو فقدان البوصلة، أو ضياع المرشد، أو تطرُّف السالك واعتداده بنفسه.

– والمهم الوصول.

– تمامًا، والأجمل أن تحملي دائمًا خارطتَكِ في قلبك، فلا يكون اعتمادُكِ إلا عليها.

٩

حان الموعد، وضع نظَّارته جانبًا، أخذ صينية القهوة إلى المطبخ، غسل فنجانه بعناية، وضعه على المشبك، وراح يتأمل تساقُط قطراتِ الماء عنه، كم مضى عليه من الزمن وهو يشرب بهذا الفنجان تحديدًا؟ فنجانٌ أبيض مُذهَّب الحواف! لم يكونا يملكان غير هذه الفناجين، لطالما شربا القهوة فيها، كانت مُولعةً بالقهوة. لقد تكسَّر من طقم الفناجين هذا حتى اليوم ثلاثة فناجين وطبقان، في كل مرة ينكسر فيها فنجان كان يدخل في حالة حدادٍ وكأنه فقد أحد أبنائه، ومنذ تلك الأيام لم يستبدل فناجينه بأخرى، كان يعُد ذلك نوعًا من الوفاء، أو التشبُّث بقشة أمل، أو هو مجرد تحايُلٍ على النفس لإرضاء رغبتها بأن يبقى كل شيء على حاله حتى عودتها. ضحك سخريةً في سِرِّه، ابتلَع حُرقته واتجه إلى غرفته، بدَّل ملابسه، ارتدى سرواله الكحلي الأثير لديه، وقميصه الأبيض. ألقى نظرة إلى نفسه في المرآة، نظرةً خاطفة واحدة استغرق فيها من الوقتِ ما يسمح له أن يطمئن على مظهره بشكلٍ عام، وانتظام الشعرات الفضية على رأسه، ثم استدار هاربًا من عينَيه اللتَين ستسألانه السؤال نفسه: ماذا تفعل كل هذه الأعوام؟ ألم تملَّ بعدُ؟ كفاك جنونًا فلن تعود. هرب من الأسئلة كلها إلى جرحٍ يتيم في صدره: وهل هناك شيءٌ آخر لأفعله؟

عاد إلى مكتبته مجددًا، استلَّ عُلبة شامواه من دُرْج مكتبه الثاني، لقد اهترأَت العلبة كثيرًا، وانمحى لونها الأخضر، مسَح الغُبارَ عنها، وفتحَها متأملًا العِقْد ذا الحجر السماوي. أغلق العلبة ووضعها في كيسٍ من الكرتون وخرج إلى موعده.

لم يكن الطريق سهلًا، وخاصة في السنوات الأخيرة التي اشتعلَت فيها الحرب في حلب وأحيائها الشرقية خاصة. إن عليه أن يذهب هناك إلى حي الشعار تحديدًا، صحيحٌ أن البيت الذي سكَناه معًا كان بالأجرة، لكنها لا تعرف غيره، قد تعتقد أنه لا يزال هناك. تطاوَلَ الوقتُ معه كثيرًا فلم يصل إلى الحي حتى انتصفَت الشمس في كبد السماء.

لقد تغيَّرت الحارة كثيرًا، وتبدَّلَت ملامحها منذ عامٍ إلى الآن. أبنيةٌ مُهدَّمة وأخرى مُسْودَّة من آثار الاحتراق، أصوات إطلاق رصاصٍ من بعيد يتخلَّلها صفيرُ صاروخ أو دويُّ انفجار. في كل مرة يسمع فيها صوتًا قويًّا كان ينحني إلى الأرض ليحمي بحركةٍ لا إرادية رأسه ويشُد الكيس الورقي إلى صدره، ثم يعود فينتصب واقفًا ويُكمل طريقه، وكذلك يفعل الناس من حوله، ويستمرُّ بعدها كلٌّ إلى وجهته. وبصعوبةٍ كبيرة اقترب من بلوغ المكان، إلى مفترق الطرق المؤدي إلى بيتهما القديم.

كان يلهث تعبًا من طول المدة التي قضاها ماشيًا، أو خوفًا من يأسٍ ينتظره، أو رهبةً من أمل قد يتحقَّق. تسارعَت نبضاتُ قلبه مع كل خطوة يخطوها، وتسارعَت معها خطواته وصارت أقرب إلى الهرولة. راحت حبات العرق تنسكب من جبهته ورقبته وتُبلِّل ياقة قميصه؛ فشمسُ آب كانت كعادتها سخية بحرارتها مع سماءٍ مُقفِرة تمامًا من الغيوم. وشيئًا فشيئًا خلَت الشوارع في مثل هذا الوقت من المشاة، على بعد أمتار منه هناك رجلٌ يمشي أمامه حاملًا سطلًا من اللبن وأكياسًا سوداء، وعلى الرصيف المقابل كانت هناك سيدةٌ بدينة تمشي ببطء وتتمايل على الجانبَين وتشُدُّ بيدها طفلًا بالكاد يمشي.

تقدَّم أكثر وخلا المكان تمامًا من الناس؛ فالحارة التالية مهدَّمة بالكامل، من بعيدٍ رأى الشجرة التي يعرفها جيدًا، أسرع باتجاهها هربًا من الشمس الحارقة، وطلبًا للظل. اقترب أكثر ولاح له لأول مرة سوادٌ على الأرض، اضطرب قلبه، ارتعشَت شفتاه، أخرج منديلًا ومسح العرق من جبينه، تَوقَّف لحظة وراح يُحدِّق خلف الشجرة. مشى بضع خطواتٍ وتبيَّن له بما لا شك فيه أن هناك شخصًا يجلس تحت الشجرة. أتكون هي؟ وعند هذه اللحظة انشل كل شيء فيه، وتسمَّرت قدماه، وكأنهما صخرتان مُثبَّتَتان في الأرض، ليته يمشي خطوتَين أيضًا ليتأكَّد أكانت هي أم لا، ليته يعرف؛ فأن يفقد الأمل هذا العام أيضًا خيرٌ له من هذه الحالة التي تملَّكَته الآن! تجمَّد مكانه دقائق كانت بالنسبة إليه خرقًا للزمان وسقوطًا في العدم.

وفجأةً تحرَّك ذلك الشخص الجالس تحت الشجرة، وقف، لا، بل وقفَتْ، إنها سيدة بتنورةٍ بُنيَّة طويلة وسترةٍ مزهَّرة وحجابٍ سكريِّ اللون. التوى على نفسه فقد آلمه قلبه وكأنما سرى فيه سيخٌ من نار. قامت السيدة ونفضَت ثيابها، انحنَت إلى الأرض وحملَت سجادة وقامت بنفضها أيضًا، إنه لا يرى وجهها إلى الآن، فتحَت حقيبتها، أخرجَت نظَّارةً شمسية وارتدَتها، رفعَت يدها اليسرى ونظَرتْ إلى ساعتها، تقدَّمَت إلى الأمام قليلًا، استدارت فالتقَت أعينهما.

خلعَت نظَّارتها على الفور، وقطَّبتْ جبينها محاولةً تركيز نظرها على هذا العجوز الواقف أمامها على مسافة عشرة أمتارٍ تقريبًا. رقص قلبها بخفَّة، وعَلِمَت على الفور أنه هو، ابتسمَت، وشيئًا فشيئًا تحوَّلَت ابتسامتها إلى ضحكةٍ عالية وصاحت: نوار. ركضَت إليه، تأمَّلَته عن قرب، أما هو فقد غاب عن العالم، وطار إلى الجنة، إنها هي …!

توقَّفا دقيقة، ظل صامتًا تاركًا روحه تقول كل شيء، يتأملها مُركِّزًا على عينَيها الدامعتَين، وكانت هي تتحدَّث وتبكي بلا انقطاع. لم يكن يُصغي ولم يعرف ماذا تقول، كان مكتفيًا بلذة قُربها، بفرحها الطاغي، ببكاءٍ كان يغالبه. وثار أخيرًا إثْر لمسةٍ حانية من كفَّيها على وجهه، واضعةً إبهامَيها على حاجبَيه كعادتها دائمًا حين كانت تتدلَّل بحُبٍّ.

بيوتٌ مهدمة وأخرى محروقة، ركامٌ هنا، وأوساخٌ هناك، أصوات الحرب تُقطِّع الأجواء، رائحة احتراقٍ ممزوجةٌ بروائح الطبخ الحلبي الخارجة من البيوت، شمسٌ حارقة، وقُرب الشجرة وقَف اثنان متعانقَيْن.

١٠

كانت شديدة الارتفاع، إنها «كوكبان» يُخيَّل إليك وأنت تسير في شوارعها أنك عُدتَ إلى ما قبل الحضارة والمدنية؛ فشوارعها ترابية، وكل أبنيتها من الحجارة والطين، لا لون هنا سوى لون التراب، ولن تلحظ أي اختلاف أو تبايُن بين الشوارع والأبنية، حتى الناس ملامح وجوههم كلها متشابهة، هل يعيش الناس هنا حقًّا؟ ووسط هذا التشابُه والتماهي اللوني، كان وحده بريق الجواهر يلتمع في عيني ويجذب اهتمامي، قلاداتٌ قديمة، وأساورُ فضية، ومصابيحُ مذهبة، ومسابحُ فضية مزيَّنة بالأحجار الكريمة من مختلف الألوان، وبالطبع فإن العقيق له النصيب الأكبر من هذه الأحجار.

تجمَّع أصحاب العربات حولنا؛ فقد لاحظوا بالتأكيد أننا غرباءُ ما يعني أن جيوبنا مليئة وأننا نرغب حقًّا في الشراء، وهذا ما جعل الباعة يطلبون أضعاف السعر الحقيقي، لكن من يعرف السعر الحقيقي لأي شيء هنا؟ حمدًا لله؛ فقد كانت معي سيدةٌ عاشت هنا لفترةٍ طويلة فماطلَت معه بالأسعار حتى نزلَت إلى النصف أو أقل، فابتعتُ عِقدًا من حجر الجزع، كان لونه أسود بخطوطٍ بيضاء وفضية ويُشبه شكل العين.

وهناك على ارتفاع آلاف الأمتار صلَّيتُ الظهر والعصر، عجبًا! هل كنتُ أتخيل ولو للحظةٍ واحدة في حياتي أنني هنا في أقصى الجنوب وعلى ارتفاع ٢٨٠٠ متر، وعلى هذه البقعة الصغيرة من الأرض بالتحديد سأُصلي واضعة جبهتي على الأرض؟ من يدري فيما بعدُ أين ستكون صلاتي؟

السيدة سمر من دمشق العريقة، احتضنَتْني هي وعائلتها الجميلة، كانت كريمة معي إلى أبعد درجة، خصَّصَت لي غرفةً عندها لأُقيم ريثما أتدبر أموري. في بيتها لم أشعر إلا وأني في سورية مع أهلي وبيتي وحارتي، معاملتُها الراقية معي، نظرتُها الجميلة للحياة، محاولتُها الدائمة لرؤية الجانب المُشرِق حتى في أعقد الأمور وأكثرها سوءًا؛ كلها أمور ميَّزَتها عن غيرها. بيتها يتحدث عن رُقيِّها وذَوْقها الدمشقيِّ الأصيل، وكأنه جوهرةٌ مُنتزَعة من قلب دمشق ومزروعةٌ هنا وسط صنعاء اليمن. أوصَتْها بي السيدة رندة فهما صديقتان قديمتان جمعَتْهما الدراسة في برلين وفرَّقَتْهما دروب الحياة. وضعَتْني السيدة سمر في عينَيها كما يقولون، وعرَّفَتْني على البلد والناس الطيبين هنا، مع عاداتهم وأكلاتهم الشعبية ومطاعمهم البسيطة منها والفاخرة. أخذَتْني إلى الآثار القديمة للمكان، إلى الأسواق التقليدية المرصوفة بالحجَر، والمسقوفة بالأقواس، والمحلات التي تفوح منها روائح الهال والحنَّاء والتوابل الأخرى. كم تُذكِّرني هذه المحالُّ الصغيرة المتقاربة بأسواق حلب القديمة في «المْدينة وسوق العتمة والسويقة».١

غدًا هو يوم الجمعة، وعلى الرغم من إصرار السيدة سمر عليَّ بالبقاء عندها فترةً أطول، فإن عليَّ أن أُغادر؛ فأسبوعٌ واحد من استضافتها السخية لي يكفي، كما أن هناك عملًا مُهمًّا عليَّ أن أُنجزه.

١  بعض أسواق حلب القديمة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١