حفر-عميقة

غلفت سالي البيضَ المحشُوَّ؛ وهو طعام كانت تكره أن تأخذه معها في النزهات لأنه يتسبب في فوضى. شطائر لحم الخنزير، سلاطة السلطعون، فطائر الليمون؛ مُشْكلةٌ في تغليفها كذلك. شراب كول إيد بطعم الفواكه للأطفال، ونصف زجاجة شامبانيا «مام» لأليكس ولها. لن تحتسي إلا رشفة لأنها لا تزال في فترة الرضاعة. كانت قد اشترت أكوابَ بلاستيك للشمبانيا لهذه المناسبة، لكن حين رآها أليكس في يدها، أحضر الأكواب الحقيقية — وهي إحدى هدايا الزفاف — من الخزانة الصينية. اعترضت، لكنه أصر، وتحمَّل مسئوليتها بنفسه؛ إذ غلَّفها ورصَّها.

«أبي سيد مهذب برجوازي حقًّا.» هذا ما سوف يقوله كِنت لسالي بعد عدة سنوات حين يصبح مراهقًا ويتفوق في جميع مواده الدراسية في المدرسة، مُطَعِّمًا عبارته بكلمة فرنسية. كان في غاية الثقة من أنه سيصبح عالمًا ما إلى حد أنه يستطيع أن يفعل ما يروقه بالإطناب بالفرنسية في أنحاء المنزل بلا محاسبة.

قالت سالي بآلية: «لا تهزأ بأبيك.»

قال: «لا أهزأ، معظم الجيولوجيين يبدون متسخين عادةً، هذا هو السبب ليس إلا.»

•••

كانت النزهة على شرف أول مقال يُنشر لأليكس منفردًا في «مجلة الجيومورفولوجي (علم تشكل الأرض)». كانوا يتجهون إلى أوسلر بلاف؛ لأن المقال يسهب في وصفها، ولأن سالي والأطفال لم يَرَوْهَا مِنْ قَبْلُ.

ساروا بالسيارة بضعة أميال على طريق ريفي وعر — بعد أن انعطفوا من طريق ريفي ممهد لكن غير مرصوف — وكان هناك مكان للسيارات، خالٍ من السيارات في الوقت الحاليِّ. كانت اللافتة مطليةً بغير إتقان على لوح خشبيٍّ واحتاجت إلى ترميم: احْذَرْ، حُفَر-عميقة.

فكرت سالي: لماذا هذه الشَّرْطة؟ لكن مَنْ يهتم؟

بَدَا المدخل إلى الغابة عاديًّا جدًّا ومطمئنًا. أدركت سالي بالطبع أن تلك الغابات فوق جُرْف عالٍ، وتوقعت مشهدًا مرتفعًا مخيفًا في مكان ما. لكنها لم تتوقع أن تجد المنطقة الْمُسَيَّجَة أمامهم مباشرة تقريبًا.

فَجَوات وحفر عميقة حقًّا، بعضها بحجم الكفن، والآخر أكبر من ذلك، وكأنها غرف اقْتُطِعَتْ من الأحجار. تتلوى الممرات بينها وتنمو نباتات السرخس والطحالب على الجانبين. ومع ذلك لم يَنْمُ ما يكفي من النبات لكي يصنع غطاءً من نوعٍ ما فوق الحصى الذي بدا بعيدًا جدًّا إلى الأسفل. مضى الطريق يتلَوَّى بينها، فوق أرض قاسية أو رُفوف من صخر ليس مستويًا كليًّا.

جاء نداء الولدين؛ كِنت وبيتر، تسعة وستة أعوام، وهما يجريان في الأمام: «أووييي.»

قال أليكس: «لا ركضَ متهور هنا؛ لا استعراضات غبية، هل تسمعان؟ هل تفهمان؟ أجيباني.»

أجابا أَنْ نعم، وتقدم أليكس يحمل سلة الطعام بعد أن تصور على ما يبدو أنهما لا يحتاجان إلى مزيد من التحذيرات الأبوية. مشت سالي بخطوات متعثرة بسرعة أكبر من قدرتها، بحقيبة الحفاظات ووليدتها سافانا. لم تستطع أن تبطئ حتى يظهر ولداها أمام عينيها؛ إذ رأتهما يُهَرْوِلان ويُلْقِيان نظرات جانبية على الفجوات السوداء، وهما لا يزالان يصدران صيحات رعب مبالغًا فيها لكن مكتومة. كانت تنادي عليهما بإنهاك ورعب ونوع مألوف من الغيظ المتسرب تدريجيًّا إليها.

لم يظهر المنظر العلوي إلا بعد أن مَشَيَا عبر تلك الطرق القذرة والصخرية مسافة بَدَتْ لها نصف مِيل، وكانت على الأرجح ربع ميل. ثم كان هناك توهج، وظهرت السماء فجأة، وتوقف زوجها في المقدمة. أطلق صيحة الوصول متباهيًا، وصاح الولدان بانبهار حقيقي. وَجَدَتْهُمْ سالي — بعد أن ظهرت من الغابة — يصطفون على جُرْف فوق مستوى رءوس الأشجار — فوق مستويات عديدة من رءوس الأشجار كما اتضح — مع حقول صيفية تنتشر إلى بعيد، تتلألأ بِوَمِيض أخضر وأصفر.

ما إن وضعت سالي رضيعتها على البطانية حتى بدأت سافانا تبكي.

قالت سالي: «جائعة.»

قال أليكس: «تصورت أنها تناولت طعامها في السيارة.»

– «هذا ما حدث، لكنها جاعت مرة أخرى.»

أمسكت سافانا على جانب من جسدها لترضع، وبيدها الطليقة فَكَّت سلة الطعام. لم يكن هذا بالطبع ما خَطَّط له أليكس، لكنه تنهد تنهيدة مرحة، وأخرج كأسَي الشمبانيا من تغليفهما في حقيبته، ووضعهما على جانِبَيْهِمَا على رقعة حشيش.

قال كِنت: «أنا أيضًا عطشان.» وحاكاه بيتر على الفور.

– «وأنا أيضًا.»

قال أليكس: «اسكت.»

قال كِنت: «اسكت يا بيتر.»

قال أليكس لسالي: «ماذا أحضرتِ لهما ليَشْرَبَاهُ؟»

– «مشروب كول-إيد في الإبريق الأزرق، والأكواب البلاستيكية في مِنْدِيل تحته.»

رأى أليكس، بالطبع، أنَّ كِنت بدأ هذا الهُراء، ليس لأنه عطشان حقًّا؛ بل لأنه ينفعل انفعالًا فظًّا تقريبًا حين يرى ثدي سالي. اعتقد أن الوقت حان لكي تنتقل سافانا إلى الرضاعة الصناعية؛ كانت تبلغ ستة أشهر تقريبًا. واعتقد أن سالي كانت غير مبالية تمامًا بشأن المسألة كلها؛ إذ تدور أحيانًا في المطبخ تقوم ببعض الأعمال بيد واحدة بينما تلتقم الرضيعة ثديها. ويختلس كِنت النظرات، ويشير بيتر إلى إبريقَيْ لبن ماما.

قال أليكس إن هذا بسبب كِنت. كِنت مخادع ومُتعِب وله ذهن قذر.

قالت سالي: «حسنًا، يجب أن أستمر في القيام بهذه الأشياء.»

– «الرضاعة ليست من الأمور التي يجب أن تستمري في عملها. يمكن أن تحاولي غدًا إرضاعها من زجاجة حليب.»

– «قريبًا. ليس غدًا بالتحديد، لكن قريبًا.»

لكن ها هي، لا تزال تجعل سافانا وإبريقَي الحليب يهيمنان على النزهة.

سُكب شراب الكول-إيد، ثم الشمبانيا. قرع سالي وأليكس كأسيهما وسافانا بينهما. تناولت سالي رَشْفتها وتمنَّت لو أنها تستطيع أن تتناول المزيد. تبتسم لأليكس لتنقل إليه هذه الأمنية، وربما أمنية أنه من الألطف لو كانا وَحْدَهما. احتسى الشمبانيا من كأسه، وبدأ يستمتع بالنزهة، كما لو أن رشفتها الوحيدة وابتسامتها كافيتان لتهدئته. تخبره بأن الشطائر التي بها الخردل الذي يحبه، والتي بها الخردل الذي تحبه هي وبيتر، وشطائر كِنت، الذي لا يحب الخردل على الإطلاق جاهزة.

أثناء هذا، نجح كِنت في التسلل خلفها وشرب كأس الشمبانيا. لا بد أن بيتر رآه يفعل هذا، لكن لسبب ما لم يَشِ به. تكتشف سالي ما حدث فيما بعد ولا يعلم أليكس عن هذا أبدًا؛ لأنه ينسى سريعًا أن كأسها كانت بها أي بقايا من الشمبانيا، ويكيِّسه نظيفًا مع كأسه، بينما يحكي للولدين عن حجر الدولوميت. يستمعان، فيما يبدو، بينما يلتهمان الشطائر، ويتجاهلان البيض المحشوَّ وسلاطة السلطعون والفطائر.

الدولوميت؛ يقول أليكس. هذا هو الجلمود الصخري السميك الذي يرونه. تحته طميٌ طينيٌّ تحول إلى صخر حُبَيْبِيٍّ ناعم جدًّا. تشق المياه طريقها عبر الدولوميت، وحين تصل إلى الطمي تستقر هناك؛ لا تستطيع اختراق الطبقات الرفيعة؛ الحبيبات الناعمة. لهذا يستمر التآكل — يعني تفتت الدولوميت — رجوعًا إلى المصدر، ويصنع قناة، ويُكوِّن الجلمود مفاصل رأسية، هل تعرفون ماذا تعني رأسية؟

يقول كِنت بتكاسل: «فوق وتحت.»

– «مفاصل رأسية ضعيفة، تزداد وهنًا، ثم تترك صدوعًا خلفها، وبعد ملايين السنين تنفصل تمامًا وتسقط من فوق المنحدر.»

يقول كِنت: «يجب أن أذهب.»

– «تذهب إلى أين؟»

– «أريد أن أتبول.»

– «حسنًا، اذهب.»

يقول بيتر: «أنا أيضًا.»

تزمُّ سالي فمها في وصية آلية بالحذر. ينظر أليكس إليها موافقًا على تحذيرها. يتبادلان ابتسامة باهتة.

غلب النوم سافانا، تراخت شفتاها حول الحلمة. ومع خروج الولدين، يصبح من الأسهل فصلها عن ثديها. يمكن لسالي أن تجعلها تتجشأ وتضعها على البطانية بدون أن تقلق من انكشاف ثديها. لو أن أليكس يجد المنظر كريهًا — تعرف أنه يراه هكذا، يكره ربط الجنس بالرضاعة؛ تحول ثدي زوجته إلى ضرع — يمكنه أن ينظر بعيدًا، وهو ما يفعله.

بينما تزرر قميصها تصل إليهما صرخة، ليست حادَّة لكن شاردة ومقتضبة، وأليكس هو من يقف على قَدَمَيْهِ قبلَها، يجري في الممر، ثم وصلت صرخة أعلى وأقرب. إنه بيتر.

– «كِنت سقط. كِنت سقط.»

يصرخ والده: «أنا قادم.»

سوف تظل سالي تعتقد دائمًا أنها عرفت على الفور، قبل أن تسمع حتى صوت بيتر، عرفت ماذا حدث. لو أن حادثًا وقع، فلن يقع لابنها ذي الست سنوات، الذي كان شجاعًا لكن ليس مبدِعًا وليس محبًّا للاستعراض. سوف يقع لكِنت. تستطيع أن ترى كيف بالضبط. يتبول في الحفرة، يقف على الحافَة، يغيظ بيتر، ويغيظ نفسه.

كان حيًّا. كان يرقد بعيدًا في الأسفل على الحصى في قاع الصدْع الحَجَريِّ، لكنه كان يحرك ذراعيه، يناضل لكي يدفع نفسه إلى الأعلى، يناضل بوهن شديد. إحدى ساقيه محبوسة تحته، والأخرى مثنية ثنية غريبة.

قالت لبيتر: «هل يمكن أن تحمل الطفلة؟ اذهب إلى مكاننا، وضعها على الأرض وارْعَها. هذا ابني المطيع، ابني القوي المطيع.»

كان أليكس يهبط إلى الحفرة، متعثرًا، يطلب من كِنت أن يظل ساكنًا. كان النُّزول بأمان ممكنًا؛ لكن إخراج كِنت سيكون هو الجزء الصعب.

هل تُهْرَع إلى السيارة وترى إذا كان بها حَبْل؟ تربط الحَبْل حول جذع شجرة. ربما تربطه حول جسد كِنت، فتستطيع أن ترفعه إلى الأعلى حين يحمله أليكس.

لن تجد حبلًا. لماذا يوجد بها حبل؟

وصل أليكس إليه. انحنى ورفعه. أطلق كِنت صرخة ألم متضرعة. ألقاه أليكس فوق كتفه؛ إذ تتأرجح رأسه من جهة، والساقان العاجزتان من الجهة الأخرى. نهض، وتعثر بضع خطوات، وبينما كان لا يزال متمسكًا بكِنت، سقط على ركبتيه. قرر أن يزحف، وكان يشق طريقه — تفهم سالي هذا الآن — إلى الحصى الذي يملأ جزئيًّا نهاية الصدع. صرخ يعطيها بعض الأوامر بدون أن يرفع رأسه، وعلى الرغم من أنها لم تميز كلمة واحدة فقد فهمت. وقفت على ركبتيها — لماذا كانت على ركبتيها؟ — ودفعت بعض الفسائل إلى الحافَة حيث يبعد الحصى عن السطح مسافة ثلاثة أقدام. كان أليكس يزحف حاملًا كِنت المتدلي فوق كتفه مثل غزال مصاب بطلق ناري.

نادت: «أنا هنا، أنا هنا.»

كان يجب أن يرفع الأب كِنت، وتسحبه أمه إلى الجزء الصخري الصلب. كان ولدًا نحيلًا لم يَصِلْ بعدُ إلى أولى دفقات نموه، لكنه بدا ثقيلًا مثل كيس أسمنت. لم تستطع ذراعا سالي أن تفعل هذا من المحاولة الأولى. غيرت وضعها؛ إذ جثمت بدلًا من الاستلقاء على بطنها، وبكل ما في كتفيها وصدرها من قوة، وبدعم من أليكس، وبدفعه جسد كِنت من الخلف رفعاه إلى الأعلى. وقعت سالي به بين ذراعيها ورأت عينيه مفتوحتين تدوران في مَحْجَرَيْهِمَا بينما يفقد الوعي مرة أخرى.

حين تسلَّق أليكس وخرج من الحفرة، التقطا الطفلين الآخرين وقادا السيارة إلى مستشفى كولينجوود. هناك اتضح أنه لم يُصَبْ بإصابة داخلية. الساقان كلتاهما كانتا مكسورتين، كَسْرٌ منهما نظيف، كما وصفه الطبيب، أما الساق الأخرى فمحطمة.

قال الطبيب لسالي — التي دخلت مع كِنت بينما يراقب أليكس الطفلين الآخرين: «يجب مراقبة الأطفال كل دقيقة هناك. ألم يضعوا أي علامات تحذيرية؟»

كان سيتحدث مع أليكس بأسلوب مختلف. هكذا هم الأولاد؛ إذا أدرت ظهرك لهم فسيعبثون في المكان الخطأ. «الصبيان صبيان.»

كان امتنانها — إلى الله الذي لم تكن تؤمن به، وإلى أليكس، الذي كانت تؤمن به — هائلًا، فلم تشعر بغضب أو نقمة.

•••

كان من الضروري بالنسبة إلى كِنت أن يقضي نصف العام المقبل خارج المدرسة، مشدودًا في البداية إلى سرير مستأجر بالمستشفى. كانت سالي تحضر واجباته المدرسية وتعيدها، وكان هو ينهيها في وقت وجيز، ثم شجعته على أن يتقدم بتأدية بعض المشاريع الإضافية، كان أحدها هو السفر والاكتشاف؛ اختر بلدك.

قال: «أريد أن أختار ما لن يختارَه أحد.»

حينها قالت له سالي شيئًا لم تَقُلْهُ قطُّ لأي مخلوق. أخبرته كم كانت منجذبة إلى الجزر البعيدة، ليس إلى جزر هاواي أو الكناري أو جزر هيبريدز أو جزر اليونان، التي يرغب الجميع في زيارتها، بل إلى الجزر الصغيرة والغامضة التي لم يتحدَّث عنها أي أحد، والتي زارها القليل من الناس، إن كان هناك مَنْ زارها أصلًا، جزيرة أسينشين، وجزر تريستان دا كونا، وجزر تشاتام، وجزيرة كريسماس، والجزيرة المهجورة، وجزر فارو. بدأت هي وكِنت في جمع كل معلومة يمكن أن يعثرا عليها عن تلك الأماكن، دون أن يسمحا لأنفسهما باختلاق أي شيء. لم يخبرا أليكس قطُّ بما كانا يفعلانه.

قالت سالي: «سوف يظن أننا فقدنا عقلنا.»

كانت ميزة الجزيرة المهجورة الرئيسة هي نوع قديم من الخَضْراوات؛ كرنب فريد. تخيَّلا طقوسًا احتفالية له وأزياء ومواكب كرنب على شرفه.

قالت سالي لابنها إنها، قبل أن يولد، رأت في التليفزيون سكان تريستان دا كونا يهبطون في مطار هيثرو، بعد أن أخلَوا الجزيرة بسبب زلزال عظيم أصابها. كم بدوا غرباء ولطفاء وعظماء، مثل بشر جاءوا من قرن آخر من الزمن. لا بد أنهم تكيفوا مع لندن، بطريقة أو أخرى، لكن بعد أن هدأ البركان أرادوا أن يعودوا إلى وطنهم.

حين عاد كِنت إلى المدرسة، تغيرت الأشياء بالطبع، لكنه ظل أكبر من عمره، صبورًا مع سافانا التي أضحت جسورة وعنيدة، ومع بيتر الذي يندفع دائمًا إلى المنزل كما لو كان إعصارًا عاتيًا. وكان مهذبًا خاصة مع والده؛ إذ يحضر له الورق الذي أنقذه من سافانا مطويًّا بعناية، ويسحب له الكرسيَّ في وقت تناول وجبة العشاء.

كان يقول أحيانًا: «تكريمًا للرجل الذي أنقذ حياتي.» أو: «بطل البيت.»

كان يقول هذا بنبرة درامية إلى حد ما لكن ليست ساخرة على الأقل. ومع ذلك كان هذا يضغط على أعصاب أليكس، كان كِنت يضغط على أعصابه حتى قبل أن تقع دراما الحفرة العميقة.

كان يقول له: «كف عن هذا.» ويشكو لسالي على انفراد.

تقول له: «إنه يقول إنك حتمًا تحبه؛ لأنك أنقذتَه.»

– «يا إلهي! كنت سأنقذ أي شخص.»

– «لا تَقُلْ هذا أمامه من فضلك.»

•••

حين وصل كِنت إلى المرحلة الثانوية، تحسنت الأمور مع أبيه. اختار أن يدرس العلوم. اختار أصعب علم، ليس عُلوم الأرض السهلة، وحتى هذا لم يُثِر أي معارضة لدى أليكس. كلما كان أصعب كان أفضل.

لكن بعد ستة أشهر في الكلية، اختفى كِنت. قال الأشخاص الذين عرفوه قليلًا — إذ لم يَبْدُ أن هناك أحدًا يدعي أنه صديق مقرَّب — إنه تحدَّث عن الذهاب إلى الساحل الغربي. ثم وصلت رسالة، في الوقت الذي قرر فيه والداه الاتصال بالشرطة. كان يعمل في مخزن إطارات كندي في ضاحية شمال تورنتو. ذهب أليكس ليراه هناك؛ ليأمره بالرجوع إلى تعليمه. لكن كِنت رفض، وقال إنه سعيد جدًّا بعمله الذي حصل عليه ويكسب كثيرًا من المال، أو سوف يكسب مالًا وفيرًا قريبًا، حين يترقى. ثم ذهبت سالي لتراه بدون أن تخبر أليكس، ووجدته مرحًا وقد زاد وزنه عشرة أرطال. قال إنها البيرة. لديه أصدقاء الآن.

قالت لأليكس — حين اعترفت له بالزيارة: «إنها مرحلة. يريد أن يتذوق معنى الاستقلالية.»

– رد أليكس: «يمكنه أن يشبع منها قدر ما يشاء؛ لم يَعُدْ أمره يعنيني.»

لم يخبرها كِنت أين يعيش، لكن لم يكن هذا مهمًّا؛ لأنها عندما قامت بزيارته مرة ثانية قيل لها إنه ترك العمل. شعرت بالحرج — اعتقدت أنها لمحت ابتسامة متكلَّفة على وجه الموظف الذي قال لها هذا — ولم تسأل أين ذهب كِنت. ظنت أنه سوف يتصل بهم على أية حال ما إن يستقر من جديد.

•••

فعل هذا بعد ثلاث سنوات. كانت رسالته مرسلة من نيدل، كاليفورنيا، لكنه أخبرهم ألَّا يُكلفوا أنفسهم عَناء تعقُّبه هناك؛ إذ كان يمر فقط بالمدينة. قال: مثل بلانش؛ وقال أليكس: مَنْ بلانش هذا بحق الجحيم؟

قالت سالي: «مجرد مزحة. لا تهتم.»

لم يَقُلْ كِنت أين كان يعمل أو أين كان أو ما إذا كان لديه أصدقاء أم لا. لم يعتذر عن تركهم كلَّ هذه الفترة بدون أن يمدهم بأي معلومات أو يسألهم عن أحوالهم، أو حال أخيه وأخته. بدلًا من هذا كتب صفحات عن حياته الخاصة. ليس عن الجانب العملي من حياته، بل عمَّا يجب أن يفعله، وما كان يفعله بها.

قال: «يبدو سخيفًا جدًّا لي أنه يُنتظر من الشخص أن يحبس نفسه في بذلة. أعني بذلة مهندس أو طبيب أو جيولوجي وينمو الجلد فوقها، فوق القماش، أقصد أنه لا يستطيع خلعها أبدًا. حين تكون لدينا فرصة اكتشاف عالم الواقع الداخلي والخارجي كله، والعيش بأُسلوب يشمل الروحي والمادي والمدى الكامل من الجمال والشناعة المتاحين للنوع البشري؛ فذاك هو الألم، وكذلك هو الفرح والاضطراب. قد يبدو لكم هذا الأسلوب في التعبير عن نفسي مبالغًا لكني تعلمت أن أتخلى عن شيء واحد؛ هو التفاخر الفكري …»

•••

قال أليكس: «إنه يتعاطى المخدِّرات، يمكن معرفة هذا من على بعد أميال. المخدِّرات أفسدت مخه.»

في منتصف الليل قال: «الجنس.»

كانت سالي ترقد إلى جانبه مستيقظة تمامًا.

قالت: «ماذا عن الجنس؟»

– «هو الذي يجعله يدخل الحالة التي يتحدَّث عنها؛ يصبح شيئًا أو آخر حتى يستطيع أن يكسب عيشه، حتى يستطيع أن يدفع مقابل ممارسة جنسية ثابتة وتبعاتها. هذا ليس أحد الاعتبارات بالنسبة له.»

قالت سالي: «واو! رومانسي جدًّا.»

– «إن التعامل مع الأساسيات ليس رومانسيًّا أبدًا، كل ما أحاول قوله هو أنه ليس طبيعيًّا.»

كذلك كتب كِنت في رسالته — أو ما أسماه أليكس هِيَاجه — إنه أكثر حظًّا من معظم الناس؛ لأنه جرَّب ما يسميه تجرِبة الموت الوشيك، التي منحته وعيًا إضافيًّا؛ ولهذا لا بد أن يظل دومًا ممتنًّا لوالده الذي رفعه إلى العالم مرة ثانية، وإلى أمه التي تلقَّته بحب هناك.

يقول: «ربما وُلدت مرة ثانية في تلك اللحظات.»

تذمَّر أليكس.

قال: «لا، ما كنت لأقول هذا.»

قالت سالي: «لا، إنك لا تعني هذا.»

– «لا أعرف ما إذا كنت أعنيه أم لا.»

كانت الرسالة، التي وقَّعها مع الحب، آخر ما وصل إليهم منه.

•••

التحق بيتر بكلية الطب وسافانا بكلية الحقوق.

أصبحت سالي مهتمة بالجيولوجيا، على نحو أدهشها هي نفسها. ذات مرة، في مزاج آمِن بعد ممارسة الجنس، أخبرت أليكس عن الجزر؛ لكن لم تخبره عن تخيلها أنَّ كِنت يعيش الآن في واحدة منها. قالت إنها نسيت العديد من التفاصيل التي كانت تعرفها؛ ولهذا يجب أن تقرأ عن كل هذه الأماكن في الموسوعة التي كانت أول مكان حصلت منه على المعلومات عن تلك الجزر. قال أليكس إن كل شيء تود أن تعرفه يمكن أن تجدَه على الأرجح على شبكة الإنترنت. قالت بالتأكيد لا تعني معلومات غامضة، وأخرجها من السَّرِير، ونزلا إلى الصالة، وفي لمحة عين كانت أمام عينيها تريستان دا كونا، لوحة خضراء في المحيط الأطلنطي الجنوبي، مع وفرة من البيانات. صُدمت وابتعدت، وسألها أليكس — الذي شعر بالإحباط بالطبع — عن السبب.

قالت: «لا أعرف، أشعر الآن كأني فقدتها.»

قال إن هذا ليس جيدًا، وأنها تحتاج إلى شيء حقيقي تفعله. كان قد تقاعد توًّا عن التدريس ويخطط لتأليف كتاب. كان بحاجة إلى مساعِد؛ ولا يستطيع الآن أن يستعين بالطلاب الجامعيين كما كان يفعل حين كان في هيئة التدريس (لم تعرف إن كان هذا حقيقيًّا أم لا). ذكَّرته أنها لا تعرف أي شيء عن الصُّخور، وقال إن هذا ليس مهمًّا؛ لأنه يستطيع أن يستخدمها في ضبط المقياس في الصور الفوتوغرافية.

هكذا أصبحت المساعدة الصغيرة التي ترتدي ملابس سوداء أو لامعة تتناقض مع شرائط صخور العصر السيلوري أو العصر الديفوني، أو مع الصخور الجرانيتية الصوانية التي كوَّنها الضغط الشديد، وانطوت وتشوهت بسبب تصادم الصفائح التكتونية للقارَّة الأمريكية والمحيط الهادي لتكون القارَّة الحالية. تعلمت تدريجيًّا أن تستخدم عينيها وتطبق المعرفة الجديدة، إلى حد أنه أصبح بوُسعها أن تقفَ في ضاحية خالية وتدركَ أن تحت حذائها بعيدًا في الأعماق توجد حفرة مليئة بحصًى لن يراها أحد أبدًا، ولم يَرَها أحد قطُّ؛ لأنه لم تكن هناك عيون لتراها أثناء خلقها أو عبر تاريخها الطويل من التكون والامتلاء والاختفاء والضياع. أسبغ أليكس على هذه الأشياء شرف معرفته بها، على أفضل نحو يستطيع، وأعجبت به لذلك، على الرغم من أنها كانت تعلم ما يكفي لكي لا تفصح عن هذا. كانا صديقين جيدين في تلك السنوات الأخيرة، التي لم تعرف أنها سنواتهما الأخيرة، على الرغم من أنه ربما عرف ذلك. دخل المستشفى لإجراء عملية، وأخذ معه خرائطه وصُوَره، وفي اليوم الذي كان من المفترض أن يعود إلى المنزل مات.

•••

حدث هذا في الصيف، وفي ذلك الخريف شبَّ حريق مأساوي في تورنتو. جلست سالي أمام التليفزيون تشاهد الحريق لفترة من الوقت. حدث في حي عرفته، أو كانت تعرفه، في الأيام التي سكنه فيها الهيبز بأوراق التاروت والخرز والورود الصناعية بحجم ثمرة قرع العسل التي كانت تميزهم. وظلت تعرفه لفترة من الزمن بعدَها، حين تحولت المطاعم النباتية إلى حانات ومطاعم غالية. أزيل مربعٌ سكني من تلك البنايات التي تعود إلى القرن التاسع عشر، وكان المذيع يندبها، متحدثًا عن الناس الذين عاشوا فوق المحلات في شقق قديمة الطراز، وعن الذين فقدوا بُيوتهم الآن، ويُسحبون إلى الشارع بعيدًا عن الأذى.

فكرت سالي أن المذيع لم يذكر أصحاب تلك المباني، الذين أفلتوا على الأرجح بإهمالهم للتوصيلات الكهربائية التالفة، وتركهم لجحافل الصراصير وبق الفراش التي لم يَشْتَكِ منها الفقراء المُضلَّلون أو الخائفون.

تشعر في بعض الأحيان أن أليكس يتحدث في رأسها هذه الأيام، وهذا بالتأكيد ما كان يحدث. أطفأت التليفزيون الذي يبث الحريق.

لم يَمُرَّ أكثر من عشر دقائق ودق جرس الهاتف. كانت سافانا.

– «أمي. هل تشاهدين التليفزيون؟ هل رأيتِ؟»

– «تقصدين الحريق؟ كنت أشاهده ثم أطفأت التليفزيون.»

– «لا، هل رأيتِ — أنا أبحث عنه الآن — رأيته منذ أقل من خمس دقائق. أمي، إنه كِنت. لا أستطيع أن أجدَه الآن، لكني رأيته.»

– «هل هو مصاب؟ إني أشغِّله الآن. هل كان مصابًا؟»

– «كلا، كان يساعدهم. كان يحمل نقَّالة، فوقها جسد؛ لا أعرف إن كان ميتًا أم مجروحًا فقط. لكنه كان كِنت، كان هو، كان حتى يعرج. هل تشاهدين الآن؟»

– «نعم.»

– «حسنًا. سوف أهدأ. أراهن أنه عاد إلى المبنى.»

– «لكن بالتأكيد لن يسمحوا …»

– «ربما كان طبيبًا. تبًّا، الآن يقدمون نفس العجوز المسن الذي تحدثوا معه مِنْ قَبْلُ، تمتلك عائلته مشروعًا تِجاريًّا منذ مائة عام. فلْنُنْهِ المكالمة ونركز على الشاشة، بالتأكيد سوف يظهر مرة أخرى.»

لم يظهر، تكررت المشاهد.

هاتَفَتْهَا سافانا مرة أخرى.

– «سوف أفهم ما يحدث. أعرف شخصًا يعمل في الأخبار. أستطيع أن أشاهد هذا المشهد ثانية، يجب أن نعرف.»

لم تعرف سافانا أخاها جيدًا؛ فلِمَ كل هذه الجَلَبة؟ هل موت أبيها جعلها تشعر بأنها تحتاج إلى عائلة؟ يجب أن تتزوج، قريبًا؛ يجب أن تنجب أطفالًا. لكنها تتميز بهذا الطابع العنيد حين تقرر شيئًا ما؛ هل يمكن أن تعثر على كِنت؟ أخبرها والدها حين كانت في العاشرة من عمرها أنها يجب أن تتمسك بالفكرة حتى النخاع، لا بد أن تصبح محامية، ومنذ ذلك الحين، تقول إن هذا ما سوف تفعله.

أصاب سالي الرجفة والحنين والإجهاد.

•••

كان هو كِنت، وفي أُسبوع اكتشفت سافانا كلَّ شيء عنه. لا، بل عرفتْ كل ما قصد أن يخبرها به. كان يعيش في تورنتو منذ سنوات، وكان يمر غالبًا على المبنى الذي تعمل به ورآها مرتين في الشارع. ذات مرة كانا وجهًا لوجه عند تقاطعٍ ما. بالطبع لم تكن لتتعرف عليه لأنه كان يرتدي مِعْطَفًا من نوعٍ ما.

سألتها سالي: «رداء هير كريشنا؟»

قالت: «يا أمي، كون المرء ناسكًا لا يعني أنه يعبد كريشنا، على أية حال هو ليس كذلك الآن.»

– «ماذا هو إذن؟»

– «قال إنه يعيش في الحاضر، فقلت حسنًا، ألا نعيش جميعًا في الحاضر، فقال لا، وكان يقصد الحاضر الفعلي.»

سألها، أين هما الآن، فقالت سافانا: «تقصد هذه المزبلة؟» لأن المقهى الذي طلب منها أن تقابله فيه كان أشبه بالمزبلة.

قال: «أراه بشكل مختلف»؛ لكنه قال بعدها إنه لا يعترض على طريقة رؤيتها للمكان أو رؤية أي أحد له.

قالت سافانا بلهجة مازحة: «حسنًا، هذا نضج منك.» ويبدو أنه ضحك.

قال إنه رأى نعي أليكس في الجريدة ويعتقد أنه كان جيدًا جدًّا. اعتقد أن أليكس كان سيحب الإشارات الجيولوجية. تساءل حينَها إن كان اسمه سوف يظهر ضمن العائلة، أم لا، واندهش قليلًا عندما قرأ اسمه. تساءل ما إذا كان والدهم قد أخبرهم بالأسماء التي يرغب في وضعها قبل أن يموت؟

قالت سافانا لا، لم يكن يخطط للموت بهذه السرعة. كان قرار بقية العائلة التي اجتمعت ووضعت اسمَ كِنت في النعي.

قال: «ليس أبي إذن من طلب.»

– «لا، ليس هو.»

ثم سأل عن سالي.

شعرت سالي وكأن بالونًا منتفخًا في صدرها.

سألتها سالي: «ماذا قلت له؟»

– «قلت إنك بخير، ربما مشوشة قليلًا؛ لأنك أنت وأبي كنتما مقرَّبَيْنِ جدًّا، ولم يَمُرَّ وقتٌ كافٍ بعدُ لتتعودي الوَحْدة، ثم قال أنْ أُخبرك أن بوُسعك الذهاب لزيارته لو أردتِ هذا، وقلت إني سأسألك.»

لم تُجِبْ سالي.

– «هل أنتِ معي يا أمي؟»

– «هل قال متى أو أين؟»

– «لا، من المفترض أن أقابله بعد أُسبوع في المكان نفسه وأخبره. أعتقد أنه يستمتع نوعًا ما بتولي الأمر. اعتقدت أنك سوف توافقين فورًا.»

– «بالطبع أوافق.»

– «ألستِ قلقة من الذهاب وَحْدَك؟»

– «لا تكوني سخيفة، هل كان حقًّا الرجل الذي رأيتِه في الحريق؟»

– «لم يَقُلْ نعم أو لا، لكن معلوماتي أنه هو، إنه معروف جدًّا كما اتضح في أجزاء معينة من البلدة ومن ناس مُعَيَّنين.»

•••

تلقت سالي رسالة ورقية قصيرة. هذا في حد ذاته كان فعلًا خاصًّا؛ حيث إن معظم الناس الذين عرفَتْهم استخدموا البريد الإلكتروني أو التليفون. كانت سعيدة أنه لم يكن بالتليفون. لم تَثِقْ في ردِّ فعلها حين تسمع صوته. تُعلمها الرسالةُ القصيرة بأن عليها أن تتركَ سيارتها في مَوْقِف سيارات مترو الأنفاق عند نهاية الخط، وتستقل المترو إلى محطة محددة في الرسالة حيث يجب أن تنزل بها، وسوف يقابلها هناك.

توقعت أن تراهُ على الجانب الآخر من الباب الدوَّار، لكنه لم يكن هناك. ربما قصد أنه سوف يقابلها في الخارج. صعدت الدرجات وخرجت إلى ضوء الشمس وتوقفتْ، مع كل أنواع الناس المسرعين والمتدافعين الذين يمرُّون بها. شعرت بالجزع والحرج؛ الجزع بسبب غياب كِنت الواضح، والحرج لأنها تشعر تمامًا بما يشعر به الناس الذين يعيشون في الجزء الذي تعيش فيه من البلدة، على الرغم من أنها لن تقول أبدًا ما يقولون. كانوا سيقولون إنهم سيظنون أنهم في الكونغو أو الهند أو فيتنام. أي مكان إلا تورنتو. العمائم والسواري الهندية والقمصان الأفريقية غالبة، واستحسنت سالي حفيفها وألوانها البرَّاقة. لكن لم يرتدِها هؤلاء على أنها أزياء أجنبية. لم يصل هؤلاء توًّا إلى هنا؛ لقد مروا بمرحلة الانتقال. كانت تقف في طريقهم.

على درجات مبنى بنك قديم وراء مدخل المترو تمامًا، كان يجلس بعض الرجال أو يتسكعون أو ينامون. لم يَعُدْ بنكًا بالطبع على الرغم من أن اسمه منقوش على الحجَر. نظرت إلى الاسم أكثر مما نظرت إلى الرجال، الذين كان تَرَاخِيهِمْ أو اتِّكاؤهم أو أوضاعهم الجسدية — التي تَنِمُّ عن الإنهاك — تعكس تناقضًا صارخًا مع الغرض القديم من المبنى واندفاع الحشد الذي يخرج من المترو.

– «أمي!»

اتجه نحوَها ببطءٍ واحدٌ من الرجال، يعرج عرجًا بسيطًا في قدم واحدة، وأدركت أنه كِنت وانتظرتْهُ.

كادت تهرب تقريبًا قبلَ قليل، لكنها أدركت حينَئذٍ أنه ليس كل الرجال قذرين أو يائسين، وأن البعض منهم نظروا إليها بدون تهديد أو احتقار، بل بنظرة لاهية وَدُودة حين تعرَّفوا إليها بوصفها والدة كِنت.

لم يرتدِ مِعْطفًا، ارتدى بنطلونًا رَماديًّا كبيرًا جدًّا عليه بحزام، وتي شيرت بدون طباعة عليه، وجاكيت رثًّا جدًّا. كان شعره قصيرًا جدًّا حتى اختفت تموجاته تقريبًا. كان رَماديًّا تمامًا، بوجه يحمل ندوبًا، وبعض الأسنان المفقودة، وجسد رفيع جدًّا جعله يبدو أكبر سنًّا.

لم يحتضنْها — والحق أنها لم تتوقع منه أن يفعل — لكنه وضع يده برفق على ظهرها ليقودَها إلى الاتجاه الذي من المفترض أن يسلكاه.

قالت — وهي تستنشق الهواء وتتذكر كيف بدأ في تدخين الغليون في الثانوية: «هل لا تزال تدخن بِيبتك؟»

– «غليون؟ لا، إنه دُخَان الحريق الذي تشمينه. لم نَعُدْ نلاحظه الآن، أخشى أنه سوف يشتد مع الاتجاه الذي نمشي فيه.»

– «هل سنجتاز المكان الذي وقع فيه الحريق؟»

– «كلا كلا، لا نستطيع، حتى لو أردنا؛ لقد أغلقوا الحي كله. هذا خطير جدًّا، لا بد من هدم بعض المباني، لا تقلقي فالوضع آمن هنا. نبعد حيًّا ونصف عن الفوضى.»

قالت — وقد انتبهت إلى ضمير الجمع: «المبنى الذي تسكن فيه؟»

– «نوعًا ما، نعم، سَتَرَيْنَ.»

تحدَّث بلطف ووُدٍّ، لكن بمجهود، كشخص يتحدث بلغة أجنبية. وكان ينحني قليلًا؛ ليتأكد من أنها تسمعه. كان الجهد الخاص والمشقة في حديثه معها، كما لو أنه يقوم بترجمة دقيقة، بدا أمرًا قصد أن تلاحظه.

الثمن.

بينما ينزلان من على الرصيف لمس ذراعها بخفة — ربما تعثَّر قليلًا — وقال: «معذرة.» ظنت أنه ارتجف قليلًا.

الإيدز. لماذا لم يخطر هذا على بالها مِنْ قَبْلُ قَطُّ؟

وعلى الرغم من أنها لم تتحدث بصوت مرتفع بالتأكيد، سمعته يقول: «كلا، أنا بصحة جيدة تمامًا في الوقت الحاليِّ، لست مصابًا بفيروس نقص المناعة البشرية أو أي شيء من هذا القبيل. أُصبت بالملاريا منذ سنوات مضت، لكنها تحت السيطرة. ربما أكون تَعِبًا قليلًا في الوقت الحاضر، لكن لا شيء يُقْلِق. ندخل هنا، نحن في هذا المبنى.»

«نحن»، مرة ثانية!

قال: «لست صاحب قدرات رُوحية خاصة، لقد فهمت فحَسْبُ شيئًا كانت سافانا تحاول أن تتبيَّنه ورأيت أن أُطَمْئِنَكِ. وصلنا.»

كان واحدًا من تلك المنازل التي تفتح أبوابها على بعد خطوات قليلة من الرصيف.

قال — وهو يُبقي الباب مفتوحًا: «أنا عفيف في الواقع.»

كانت قطعة كرتون مثبتة بمسمار حيث يجب أن يكون هناك لوح زجاجي.

كانت الأرضية الخشبية عاريةً وتطقطق تحت ضغط القدمين. رائحة المكان معقدة ونفاذة. علقت رائحة دُخَان الشارع بالطبع لكنها كانت ممزوجة بروائح طهي قديم وقهوة محروقة وحمَّامات ومرض وعَطَن.

– «ربما لم تكن كلمة «عفيف» صحيحة؛ فهي تعطي انطباعًا بأن الأمر له علاقة بقوة الإرادة. أظن أنه كان حَرِيًّا بي أن أقول «محايد». لا أرى هذا الأمر إنجازًا، إنه ليس إنجازًا.»

كان يقودها عبر السلالم نحو المطبخ. وهناك وقفت امرأة ضخمة تعطيهما ظهرها، تقلِّب طعامًا ما على الموقد.

قال كِنت: «أهلًا مارني، هذه أمي. هل يمكن أن تُحَيِّي أمي؟»

لاحظت سالي تغيرًا في صوته، استرخاءً، وصدقًا، واحترامًا ربما، مختلفًا عن اللطف المصطنع معها.

قالت: «مرحبًا مارني»، واستدارت المرأة قليلًا، بوجه دمية مضغوط في قطعة لحم لكن دون أن تركز عينيها.

قال كِنت: «مارني هي الطاهية هذا الأسبوع، الرائحة طيبة يا مارني.»

وقال لأمه: «سوف نذهب ونجلس في مكاني المقدس، هيا بنا.» قادها نزولًا درجتين وعبر قاعة طويلة. كان من الصعب الحركة هناك بسبب أكوام الصحف والملصقات والمجلات المربوطة ربطًا محكمًا.

قال كِنت: «يجب أن نُخرج هذه الأشياء من هنا. قلت لستيف هذا الصباح، هناك خطر نشوب حريق. يا إلهي! كنت أقول هذا فحَسْبُ، ولكنني أصبحت الآن أعرف معنى نشوب الحريق.»

يا إلهي! كانت تتساءل منذ فترة إذا كان ينتمي إلى جماعة دينية سرية ما، لكن لو أنه كذلك، فلن يقول هذا بالتأكيد. أليس كذلك؟ بالطبع يمكن أن تكون جماعة دينية غير مسيحية.

كانت غرفته في الأسفل بعد عدة درجات أخرى؛ كانت في القبو في الحقيقة. كان بها سرير نقال ومكتب قديم الطراز معطوب بحفر وكرسيان طويلَا الظهر يفتقدان رافدتيهما.

قال: «الكراسيُّ آمنة تمامًا، كل أغراضنا تقريبًا مجموعة من مكان ما، لكني رسمت علامة خطأ على الكراسيِّ التي لا يمكن أن تجلسي عليها.»

جلست سالي مع شعور بالإنهاك.

قالت: «من أنت؟ ما عملك؟ هل هذا مأوًى أو دار تأهيل أو شيء من هذا القبيل؟»

– «لا، ليس كذلك على الإطلاق، نحن نستقبل أي أحد يأتي.»

– «حتى أنا.»

قال دون أن يبتسم: «حتى أنتِ، لا أحد يُعِيلنا إلا أنفسنا. نعمل بإعادة تدوير الأشياء التي نجمعها، تلك الصحف، والزجاجات. نعمل قطعة هنا وهناك، ونتبادل استعطاف الناس.»

– «تطلبون الإحسان؟»

أجاب: «نتسول.»

– «في الشارع؟»

– «وهل من مكان أفضل لهذا؟ في الشارع، ونذهب إلى بعض البارات، رغم أن هذا غير قانوني.»

– «هل تفعل هذا أيضًا؟»

– «ما كنت لأستطيع أن أطلب منهم هذا إذا كنت لا أقوم به، هذه مسألة يجب أن أتجاوزها، كل واحد منا لديه شيء يتجاوزه، يمكن أن يكون عارًا، أو قد يكون مفهوم «الملكية». حين يحصل أحدنا على ورقة بعشرة دولارات أو حتى دولار واحد، حينها تبرز فكرة الملكية الخاصة، لمن هذا؟ ها؟ هل هو لي أم لنا؟ إذا كانت إجابته هي: لي، يصرفها عادة على الفور، ونجده عائدًا إلينا تفوح منه رائحة الخمر، ويقول لا أعرف ماذا دهاني اليوم، لم أستطع الحصول على كسرة خبز، ثم قد يشعر بالسوء فيما بعد ويعترف، أو لا يعترف، لا يهم. نراهم يختفون لأيام — لأسابيع — ثم يظهرون حين تصبح أمورهم بعد رحيلهم قاسية جدًّا. وفي بعض الأحيان ترينهم يعملون في الشارع لحسابهم الخاص، ولا يبدو عليهم أبدًا أنهم تعرَّفوا عليك، لا يعودون أبدًا، ولا بأس بهذا. يمكنك القول إنهم خريجونا؛ لو كنتِ تؤمنين بالنظام.»

– «كنت …»

– «هنا، أنا جوناه.»

– «جوناه؟»

– «أنا اخترته، فكرت في اسم لازاروس لكني رأيت أنه متباهٍ أكثر من اللازم. يمكن أن تناديني كنِت إن أردت.»

– «أريد أن أعرف ماذا حدث في حياتك، لا أعني تمامًا هؤلاء الناس …»

– «هؤلاء الناس هم حياتي.»

– «عرفت أنك ستقول هذا.»

– «جيد، متذاكية، لكن هذا … هذا ما كنت أفعله منذ … سبع سنوات؟ تسع سنوات. تسع سنوات.»

قالت بإصرار: «وقبل هذا؟»

– «ما الذي أعرفه؟ قبل هذا؟ قبل هذا. أيام الإنسان مثل الحشيش، ها؟ تُجَزُّ وتوضع في الفرن. أنصتي إليَّ، ما إن أقابلك مرة أخرى حتى أبدأ في الاستعراض: جُزَّها وضَعْها في الفرن. أنا لا أهتم بهذا؛ إني أعيش يومًا بيوم. لن تفهمي هذا؛ لستُ من عالمك، ولستِ من عالمي؛ هل تعرفين لماذا أردت أن أقابلك هنا اليوم؟»

– «لا، لم أفكر في هذا. أعني، اعتقدت على نحو طبيعي أن الأوان ربما قد آن …»

– «طبيعي. حين علمت بموت أبي من الصحيفة، فكرت على نحو طبيعي، حسنًا أين المال؟ فكرت أنكِ يمكن أن تخبريني.»

قالت سالي، بخيبة أمل صريحة لكن بسيطرة كبيرة على نفسها: «آلَ إليَّ، في الوقت الحاليِّ، والبيت كذلك، إن كان الأمر يهمك.»

– «اعتقدت أن هذا ما حدث على الأرجح، لا بأس.»

– «وحين أموت، يصبح ملك بيتر وأولاده وسافانا.»

– «جميل جدًّا.»

– «لم يعرف إن كنتَ حيًّا أم ميتًا …»

– «هل تعتقدين أني أسأل من أجل نفسي؟ هل تعتقدين أني غبي إلى حد أني أريد المال لنفسي؟ لكني ارتكبت خطأ التفكير في كيفية استخدامه. التفكير في مال العائلة، بالتأكيد، يمكن أن أستخدمه، هذا هو الإغراء. الآن أنا سعيد، سعيد أني لا أستطيع الحصول عليه.»

– «أستطيع أن أسمح …»

– «مع ذلك، فالمسألة هي أن هذا المكان عليه حكم …»

– «يمكن أن أسمح لك بالاقتراض.»

– «اقتراض؟ لا، نحن لا نقترض هنا، لا نطبق هذا النظام هنا. اعذريني، يجب أن أسيطر على حالتي الْمِزاجية. هل أنت جائعة؟ هل ترغبين في بعض الحساء.»

– «لا، شكرًا.»

فكرتْ في الهرب حين ذهب. لو تستطيع أن تجد بابًا خلفيًّا، طريقًا لا يمر بالمطبخ، لكنها لا تستطيع أن تفعل هذا؛ فهذا يعني أنها لن تراه ثانية أبدًا، وفناء بيت مثل هذا، بُنِيَ ما قبل اختراع السيارات، لن يضم مخرجًا للشارع.

ربما مر نصف ساعة قبل أن يعودَ. لم تَرْتَدِ ساعتها؛ تصورت أن الساعة ربما لن تناسب الحياة التي يعيشها على الأرجح، وكانت على حق كما هو واضح، محقة في هذا على الأقل.

بدا مندهشًا قليلًا أو مرتبكًا حين وجدها لا تزال هناك.

– «آسف، كان يجب أن أُنْهِيَ بعض الأعمال، ثم تحدثتُ مع مارني، تهدِّئني دائمًا.»

قالت سالي: «كتبت رسالة لنا؟ كانت آخر ما وصلنا منك.»

– «أوه لا تذكِّريني.»

– «لا، كانت رسالة جيدة، محاولة جيدة أن تشرح كيف تفكر.»

– «من فضلِكِ، لا تذكِّريني.»

– «كنت تحاول أن تفهم حياتك …»

– «حياتي، حياتي، تطوري، كل ما أمكنني اكتشافه عن نفسي النَّتِنَة، الغاية من حياتي، حماقتي، روحانيتي، فكري، لا توجد أشياء داخلية يا سالي. لا تمانعين لو ناديتك سالي، أليس كذلك؟ هذا أسهل فحَسْبُ. هناك الخارجي فقط؛ ما تفعل في كل لحظة من حياتك، أصبحت سعيدًا منذ أن أدركت هذا.»

– «أنت؟ سعيد؟»

– «بالتأكيد؛ تركت هذا الشيء الغبي: النفس. أفكر: كيف أساعد؟ وهذا هو كل التفكير الذي أسمح لنفسي به.»

– «أن تعيش في الحاضر؟»

– «لست أبالي إذا اعتقدت أني تافهٌ، لا يهمني أن تسخري مني.»

– «لست أفعل …»

– «لست أبالي. اسمعي، إذا كنت تعتقدين أني أريد مالَكِ، حسنًا، أنا أسعى وراء مالِكِ، ووراءَكِ أنتِ أيضًا، ألا ترغبين في حياة أفضل؟ لا أقول إني أحبك، لا أستخدم لغة غبية؛ أو أني أريد أن أنقذك، تعرفين أن المرء لا يَسَعُهُ إلا إنقاذ نفسه. إذن ما الهدف؟ عادة لا أحاول الوصول إلى غاية من حديثي مع الناس، عادة أحاول تجنُّب العلاقات الشخصية، أعني أني أتجنبها فعلًا، أتجنبها فعلًا.»

العلاقات.

قال: «لماذا تمنعين ابتسامتك؟ لأني قلت «العلاقات»؟ هذه كلمة تافهة؟ لا مشكلة لديَّ مع مفرداتي.»

قالت سالي: «كنت أفكر في قول المسيح لأمه: «ما لي ولكِ يا امرأة».»

كان التعبير الذي قفز على وجهه وحشيًّا تقريبًا.

– «ألا تتعبين يا سالي؟ ألا تتعبين من التذاكي؟ لا أستطيع الاستمرار في الكلام بهذا الأسلوب، أنا آسف، لديَّ أشياء يجب أن أنجزها.»

قالت سالي: «وأنا كذلك.» كانت تلك كذبة خالصة. ثم أردفت: «سوف نظل …»

– «لا تقولي هذا، لا تقولي: «سوف نظل على اتصال».»

قالت: «ربما سوف نظل على اتصال، هل هذا أفضل؟»

•••

تتوه سالي ثم تجد الطريق، مبنى البنك مرة أخرى، فوج المتسكعين نفسه — أو لعله فوج جديد — عربة المترو، موقف السيارات، المفاتيح، الطريق السريع، المرور، ثم طريق سريع أصغر، غروب مبكر، لا ثلج بعد، الأشجار العارية، الحقول المعتمة.

تحب الريف في هذا الوقت من العام، هل يجب أن ترى نفسها عديمة القيمة الآن؟

تسعد القطةُ برؤيتها. هناك رسالتان من صديقين على تليفونها. تسخِّن قطعة اللازانيا. تشتري تلك الوجبات المنفصلة والمثلجة. طعام جيد، وليس غاليًا حين تضع في اعتبارك أنه لا يتبقى منه فائض. تحتسي النبيذ خلال الدقائق السبع اللازمة لتسخين اللازانيا.

جوناه.

تنتفض غضبًا، ما المفروض أن تفعله، تعود إلى المأوى وتفرك المفرش وتطبخ قطع الدجاج المرميَّة لأنها تجاوزت تاريخ صلاحيتها؟ أن تتذكر كل يوم أنها أقل قيمة من مارني أو أي مخلوق آخر مبتلًى؟ كل ذلك لكي تحصل على امتياز أن تكون مفيدًا في حياة اختارها شخص آخر: كِنت.

إنه مريض، يُفني نفسه، ربما كان يُحْتَضَر. لم يشكرها على الْمُلاءات النظيفة والطعام الطازج الذي قدَّمَتْه، كلا، يفضِّل أن يموت فوق ذلك السرير تحت البطانية ذات الثقب المحترق.

لكنْ شيك؛ يمكن أن تكتب له شيكًا، بمبلغ معقول؛ ليس ضخمًا ولا قليلًا. لن يساعد نفسه به بالطبع، لن يكُفَّ عن احتقارها بالطبع.

احتقار. لا، ليست هذه المسألة، لا مشاعر شخصية.

•••

على كل حال، هناك إنجاز ما؛ لقد تمكنت من اجتياز اللقاء دون أن يتحول إلى كارثة كليةً، لم يكن لقاءً كارثيًّا تمامًا، أليس كذلك؟ فقد قالت «ربما سنظل على اتصال» ولم يُصَحِّح لها قولها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠