جذور حرة

كان الناس يتصلون في البداية ليتأكدوا من أن نيتا ليست مكتئبة جدًّا، ليست وحيدة جدًّا، لا تأكل قليلًا جدًّا أو تشرب كثيرًا جدًّا (كانت شخصًا مواظبًا على احتساء النبيذ إلى حدِّ أن العديد نَسُوا أنها ممنوعة تمامًا من الشُّرب الآن). كانت تصدهم، دون أن تبدو حزينة حزنًا نبيلًا أو مبتهجة بهجة غير طبيعية أو غائبة العقل أو مضطربة. قالت إنها لا تحتاج إلى بقالة، كانت تدبر حالها بما لديها. كان لديها ما يكفيها من الدواء وطوابع تكفي لرسائل الشكر.

اشتبه أصدقاؤها المقربون على الأرجح في الحقيقة أنها لم تكن تُزْعِج نفسها بالأكل كثيرًا، وتخلصت من أي رسالة تعاطف حَدَثَ أنْ تَلَقَّتْهَا. لم تكتب حتى للناس البعيدين لتستحِثَّ تلك الرسائل، ولا حتى إلى زوجة ريتش السابقة في أريزونا أو لأخيه الذي يكاد يكون غريبًا منفصلًا في نوفا سكوشا، على الرغم من أنهما قد يفهمان أفضل من القريبين المتاحين لها السبب في أنها لم تُقِمْ جنازة.

صاح ريتش قائلًا لها إنه سوف يذهب إلى القرية، إلى محل الأدوات المنزلية. في حوالي الساعة العاشرة صباحًا؛ بدأ في دهان درابزين السطح الحديدي. كان يكشطه ليجهزه للدهان، وتشرذمت الكاشطة القديمة قطعًا في يده.

لم يُتَحْ لها الوقت لتتساءل عن سر تأخره. مات منحنيًا على علامة الطريق الجانبية التي تعلن عن تخفيض على سعر جزازة العشب أمام محل الأدوات المنزلية. لم يدخل حتى إلى المحل. كان في الحادية والثمانين من عمره وبصحة جيدة، بصرف النظر عن بعض الصَّمم في أذنه اليمنى. كان طبيبه قد فحصه فحصًا شاملًا من أُسبوع فقط. كان يجب أن تعلم نيتا أن الفحص الشامل الحديث، والشهادة الصحية الخالية من الأمراض، يلوحان في رقم مدهش من قصص الموت المفاجئ التي تُروى لها الآن. قالت: يهديك تفكيرك تقريبًا إلى أنه يجب منع تلك الزيارات.

كان يجب أن تتكلم هكذا فقط مع صديقتيها المقربتين سَلِيطتي اللسان، فيرجي وكارول؛ إنهما امرأتان قريبتان في العمر منها؛ اثنان وستون عامًا. اعتبر من هم أصغر سنًّا هذا الكلام غير ملائم ومراوغ. في البداية كانوا يتجمعون على نيتا. لم يتحدثوا في الواقع عن الحزن، لكنها كانت تخشى أن يبدءوا في أية لحظة.

ما إن دخلتْ في الترتيبات حتى تساقط الجميع من حولها، بالطبع، إلا المجرب منهم والموثوق فيه. أرخص تابوت إلى الأرض على الفور، لا طقوس من أي نوع. قال الحانوتي إن هذا ربما كان مخالفًا للقانون، لكن الحقائق واضحة أمام ريتش وأمامها. لقد حصلا على المعلومات منذ عام تقريبًا حين أصبح تشخيصها نهائيًّا.

– «كيف كان لي أن أعرف أنه سوف يسرق لحظتي؟»

لم يتوقع الناس مراسم جنازة تقليدية، لكنهم تطلَّعوا إلى حدث معاصر. الاحتفاء بالحياة، عزف موسيقاه المفضلة، تشبيك الأيدي، حكي القصص التي تمدح ريتش مع مس خفيف لغرائبه وعُيوبه المغفورة.

الأشياء التي قال ريتش إنها تجعله يتقيأ.

هكذا تم التعامل مع الأمر فورًا، وذاب الحماس والدفء الواسع حول نيتا، على الرغم من أن بعض الناس، كما تعتقد، لا يزالون يقولون إنهم يشعرون بالقلق عليها. لم تَقُلْ فيرجي وكارول هذا. قالتا إنها ستكون كلبة ملعونة أنانية لو أنها كانت تفكر في توقيف الماكينة، أسرع مما هو لازم. قالتا إنهما ستحضران لتنعشاها بالجراي جوس.

قالت إنها لا تفكر في هذا، على الرغم من منطقيته.

كان سرطانها خامدًا في الوقت الحالي؛ أيًّا كان معنى هذا حقًّا فلا يعني أنه «يتراجع»، ليس للأبد على أية حال. كان كبدها هو المسرح الرئيس للعمليات، وما دامت تلتزم بمقدار قليل من الطعام، فهو لا يشتكي. يُحبط أصدقاؤها حين تذكِّرهم فقط أنها لا تستطيع أن تشرب النبيذ أو الفودكا.

حسَّن من وضعها قليلًا الإشعاع الذي أخذته الربيع الماضي. ها هو منتصف الصيف. تعتقد أنها لا تبدو مصفرَّة جدًّا الآن؛ لكن قد يعني هذا أنها تعودت عليه.

تنهض مبكرًا في الصباح وتغتسل وتلبس أي شيء تطاله يدها، تغير ملابس النوم، وتستحم وتنظف أسنانها، وتمشِّط شعرها الذي طال بقدر معقول، رَماديًّا حول وجهها وداكنًا في الخلف، كما كان من قبل. تضع بعضًا من أحمر الشفاه، وتظلل حاجبيها الخفيفين تمامًا الآن؛ وبدافع احترام طال مدى الحياة للخصر الصغير والردفين المعتدلين، تتفحص الإنجازات التي حققتها في هذا الاتجاه، على الرغم من أنها تعرف أن الكلمة المناسبة الآن لكل أعضائها يمكن أن تكون «هزيل».

تجلس على مَقْعدها الواسع المعتاد، مع أكوام من الكتب والمجلات المغلفة حولها، ترتشف بحرص من كوب من شاي أعشاب خفيف، بديل قهوتها الآن. في لحظة ما، اعتقدتْ أنها لا تستطيع أن تحيا بدون قهوة، لكن تبين لها أن ما تحتاج إليه هو الكوب الضخم الدافئ بين يديها الذي يساعدها على التفكير أو أي شيء تمارسه خلال توالي الساعات أو الأيام.

كان هذا بيت ريتش، اشتراه حين كان مع زوجته بيت. لم يكن الهدف منه سوى أن يكون مكانًا لقضاء الإجازات الأسبوعية، ويغلَق في الشتاء. غرفتا نوم صغيرتان، مطبخ خارجي ملحق، على بعد نصف ميل من القرية، لكن سرعان ما بدأ العمل فيه؛ فتعلَّم النِّجارة وبنى جناحًا لغرفتي النوم والحمامين، وجناحًا آخر لمكتبه، وحوَّل البيت الأصلي إلى غرفة معيشة/غرفة طعام/مطبخ، مفتوحة كلها على بعضها. أثار اهتمام بيت ما يفعله؛ قالت إنها لم تفهم في البداية لماذا اشترى مقلب النُّفاية هذا، لكن طالما أثارت التحسينات العملية اهتمامها، فاشترت مئزر نجارة مشابه. احتاجت إلى شيء تنخرط فيه، بعد أن انتهت من كتاب الطهي الذي شغلها لسنوات ونشرتْه. لم ينجبا أطفالًا.

وفي الوقت الذي كانت تحكي للناس كيف وجدت دورها في الحياة؛ إذ أصبحتْ صبيَّ نجار، وكيف جعلهما هذا يصبحان أكثر قربًا أحدهما من الآخر عن ذي قبل، كان ريتش يقع في غرام نيتا. كانت تعمل في مكتب التسجيل في الجامعة حيث كان يُدَرِّس أدب القرون الوسطى. كانت أول مرة مارسا فيها الحب وسط نُشارة الخشب، فيما أصبحت فيما بعد الغرفة الرئيسة بسقفها المقوَّس. تركت نيتا وراءها نظارتها الشمسية؛ ليس عن عَمْد، على الرغم من أن بيت، التي لا تترك وراءها أي شيء مطلقًا، لم تستطع أن تصدِّق هذا. حدثت الضجة المعتادة التالية لهذا، مصطنعة ومؤلمة، وانتهت بأنْ رحلت بيت إلى كاليفورنيا ثم إلى أريزونا، وباستقالة نيتا بناءً على توصية من محل عملها، وضيَّع ريتش فرصة الفوز بمنصب عميد كلية الآداب. تقاعد مبكرًا وباع منزله في المدينة. لم ترث نيتا مئزر مساعد النجار الخاص ببيت، لكن قرأت كتبها ببهجة وسط الفوضى، وأعدت عشاءً بسيطًا فوق صفيحة ساخنة، وقامت بنزهات استكشافية طويلة، وعادت بباقات مهلهلة من الزنبق المخطط والجزر البري، الذي خزنته في عُلب دهان فارغة. فيما بعد، بعد أن استقرَّا هي وريتش، أصبحت تشعر بالحرج حين تفكر كيف لعبت بيسر دور المرأة الأصغر، مخربة البيوت السعيدة، الفتاة البسيطة الطيعة والضحوكة والرشيقة. كانت في الحقيقة جادة، غريبة جسديًّا، امرأة واعية لذاتها — بالكاد فتاة — يمكنها أن تسرد كل ملِكات إنجلترا، ليس فقط الملوك بل الملِكات أيضًا، وتعرف خلفيات حرب الثلاثين عامًا، لكنها كانت تخجل من الرقص أمام الناس، ولم تكن على استعداد أن تتعلم — كما فعلت بيت — صُعود سُلَّم نقَّال قطُّ.

يقع على أحد جانبي منزلهما صف من أشجار الأرز، وحاجز سكة حديد على الجانب الآخر. لم يزدحم المرور عند السكة الحديد كثيرًا، وفي الوقت الحالي يمكن أن يمر قطاران فقط شهريًّا. كانت الأعشاب الضارَّة مزدهرة بين قضبان الحديد. مرة، حين كانت على شفا سن اليأس تحدت نيتا ريتش ليمارسا الحب هناك؛ ليس على قضبان السكة الحديد طبعًا، بل فوق الشريط العشبي الضيق على جانبَيْها، وقد هبطا بجموح سعيدين بنفسيهما.

فكرت بعناية، كلَّ صباح حين تجلس فوق مقعدها، في الأماكن التي لم يكن بها ريتش. لم يكن في الحمام الأصغر، حيث لا تزال أدوات حلاقته وحبوب الدواء للأمراض المزعجة لكن غير الخطيرة التي رفض أن يتخلص منها. ولم يكن في غرفة النوم التي رتبتها توًّا قبل أن تغادرها. لم يكن في الحمام الأكبر الذي كان يدخله فقط للاستحمام في البانيو، أو في المطبخ الذي أصبح مُسْتَقَرَّهُ الدائمَ تقريبًا في السنة الأخيرة. ولم يكن طبعًا في الخارج فوق السطح المكشوط جزئيًّا، يحدق فيها مازحًا عبر النافذة؛ حيث كانت هي تقف في الأيام الأولى تتظاهر بأنها ترقص رقصة تَعَرٍّ.

أو في غرفة المكتب. كان هذا المكان من بين كل الأماكن الذي يدلل على غيابه بصرامة. في البداية، وجدتْ أنه من الضروري أن تذهب إلى الباب وتفتحه وتقف هناك، وتمسح بعينيها أكوام الورق والكمبيوتر المحتَضَر والملفات المتناثرة، والكتب المفتوحة على وجهها أو ظهرها والمحتشدة على الرفوف كذلك. يمكنها الآن أن تتدبر أمرها بتخيل الأشياء فقط.

قد تُضْطَرُّ أن تدخلَ في يوم ما. رأته اقتحامًا. سوف تضطر إلى أن تقتحم ذهن زوجها الميت. هذا أمر لم تفكر فيه قطُّ. كان ريتش بالنسبة لها قامة من المهارة والكفاءة؛ وجودًا مفعمًا بالحيوية وصارمًا، طالما آمنت — بدون أي سبب عقلاني — بأنه سوف ينقذها، ثم أصبح هذا الإيمان في السنة الأخيرة إيمانًا معقولًا للغاية، بل يقينًا في عقل كل منهما، كما اعتقدَتْ.

سوف تبدأ بالقبو. كان قبوًا حقًّا، وليس طابقًا تحت الأرض. ألواح خشبية شكَّلت ممرات على الأرض القذرة، واعتلى النوافذ الصغيرة أنسجة عنكبوت قذرة. لم يحتوِ على أي شيء احتاجته في يوم من الأيام. عُلب دهان ريتش نصف الممتلئة، وألواح ذات أطوال مختلفة يمكن استعمالها ذات يوم، وأدوات يمكن أن تكون مفيدة أو يمكن التخلص منها. كانت قد فتحت الباب ونزلت الدرجات مرة واحدة فقط؛ لتتأكد أنه ليس هناك مصباح مشتعل، ولتطمئن على وجود مفاتيح الكهرباء، بملصقات توضح الجزء المسئول عن إنارته. حين صعدت أغلقت الباب بالْمِزْلاج من ناحية المطبخ. اعتاد ريتش أن يضحك على هذه العادة، ويسألها ما الذي تظنه يمكن أن يدخل، عبر الحوائط الحجرية النوافذ التي لا يتسع حجمها لمرور جِنِّيٍّ صغير ليهددهما.

مع ذلك، فمن الأسهل أن تبدأ بالقبو؛ أسهل مائة مرة من أن تبدأ بغرفة المكتب.

رتبت السرير ورتبت فوضاها الصغيرة في المطبخ والحمام، لكن كان أعلى من قدرتها عمومًا أي دافع للقيام بكنس شامل أو بتنظيف البيت. تستطيع بالكاد أن تتخلص من دبوس ورق منبعِج أو لُعبة مِغْناطيسية فقدتْ جاذبيتها من تلك التي تُلصق على باب الثلاجة، ناهيك عن العملات الأيرلندية التي اشترتها هي وريتش أثناء رحلة قاما بها منذ خمسة عشر عامًا. يبدو أن كل شيء اكتسب وزنه الخاص به وغرابته.

اتصلت كارول أو فيرجي يوميًّا، عادة قرب مواعيد تناول الوجبات، حين لا بد أنه يخطر على بالهما أن وحشتها أقل احتمالًا. قالت إنها على ما يرام، وسوف تخرج من ملجئها قريبًا، وأنها احتاجت هذا الوقت، كانت تفكر وتقرأ فقط، وتأكل وتنام على نحو معقول.

كان هذا صحيحًا باستثناء ما يخص القراءة. جلست في مَقْعدها محاطة بالكتب دون أن تفتح واحدًا منها. كانت دائمًا قارئة نَهِمَة — هذا أحد الأسباب التي جعلت ريتش يقول إنها المرأة المناسبة له، تستطيع أن تجلس وتقرأ وتدعه وشأنه — والآن لا تستطيع أن تواظب على قراءة ولو نصف صفحة.

لم تكن قارئة لمرة واحدة كذلك. قرأت «الإخوة كارامازوف»، «طاحونة على نهر فلوس»، «جناحا اليمامة»، «الجبل السحري»، مِرارًا وتَكْرارًا. كانت تلتقط واحدًا منها ظنًّا منها أنها سوف تقرأ قطعة معينة فقط؛ وتجد نفسها عاجزة عن التوقف حتى تهضمه كله مرة ثانية. تقرأ الأدب الحديث أيضًا، الأدب دائمًا. كرهتْ أن تسمع كلمة «هُروب» التي تُستخدم في الحديث عن الأدب. ربما يمكن أن تجادل — ليس من باب اللهو فحَسْبُ — بأن الحياة الحقيقية هي الهُروب وليس الأدب، لكن هذه كانت مسألة أهم من أن تتجادل بشأنها.

والآن، على نحو شديد الغرابة، اختفى كل هذا. ليس مع موت ريتش فقط، بل مع تقدُّم مرضها، ثم إنها فكرت أن التغيير كان مؤقتًا، وأن السحر سوف يظهر مرة أخرى ما إن تتخلص من أدوية معينة والعلاج المنهِك.

ليس الأمر كذلك فيما يبدو.

حاولت في بعض الأحيان أن تشرح السبب، لمحقِّق تخيلي.

– «أصبحت مشغولة جدًّا.»

– «هذا ما يقوله الجميع. في ماذا؟»

– «مشغولة في التركيز.»

– «التركيز في ماذا؟»

– «أقصد في التفكير.»

– «في ماذا؟»

– «لا يهم.»

•••

في صباح أحد الأيام، بعد أن جلست قليلًا قررت أن اليوم حارٌّ جدًّا. يجب أن تنهض وتشغل الْمِرْوَحَة، أو تستطيع، مع مزيد من الحكمة البيئية، أن تحاول فتح الأبواب الأمامية والخلفية وتدع النسيم، إذا كان موجودًا، يندفع من مدخل الشباك وعبر البيت.

فتحت الباب الأمامي أولًا، وقبل أن تسمح حتى بظهور نصف بوصة من نور الصباح، رأت شريطًا غامقًا يقطع الضوء.

كان هناك شابٌّ واقف أمام مدخل الباب الذي كان مغلقًا. قال: «لم أقصد إجفالك، كنت أبحث عن جرس الباب أو أي شيء، طرقت طرقًا خفيفًا على الإطار هنا، لكن أعتقد أنك لم تسمعيني.»

قالت: «آسفة.»

– «من المفترض أن أفحص صندوق الصمامات الكهربائية الخاص بالمنزل، هلا أخبرتني عن مكانه.»

تنَحَّتْ خطوة ليدخل. استغرقت لحظة لتتذكر.

قالت: «نعم، في القبو. سأشعل النور. سوف تراه.»

أغلق الباب خلفَه وانحنى ليخلع حذاءه.

قالت: «لا داعي، إنها لا تُمطر، أو شيء من هذا القبيل.»

– «مع ذلك، فمن الأفضل أن أخلعه؛ إنها عادة لديَّ. قد أترك لك آثار تراب بدلًا من وحل.»

ذهبت إلى المطبخ؛ إذ لن تستطيع أن تجلس مرة ثانية قبل أن يترك المنزل.

فتحت الباب له بينما يصعد درجات السلم.

قالت: «هل كل شيء بخير؟ هل وجدته؟»

– «كل شيء على ما يرام.»

كانت تقوده إلى الباب الأمامي، ثم أدركت أنها لا تسمع خطوات وراءها. استدارت ورأته واقفًا في المطبخ.

– «لا يبدو أن لديك أيَّ شيء تعدِّينه لي لآكله، أليس كذلك؟»

كان هناك تغير في صوته؛ بحَّة، وارتفعت حِدَّتُه؛ مما جعلها تتذكر ممثلًا كوميديًّا تليفزيونيًّا ينتحب انتحابًا قرويًّا. رأت تحت ضوء النهار في المطبخ أنه ليس صغير السن جدًّا. حين فتحت الباب لم تَرَ إلا جسدًا نحيفًا، وجهًا معتمًا في مواجهة وهج النهار. كان الجسد، كما تراه الآن، نحيفًا بالتأكيد، لكنه هزيل أكثر منه صبيانيًّا، به تحدُّب بسيط. كان وجهه طويلًا ولينًا، ذا عينين زرقاوين زُرقة فاتحة وجاحظتين. كانت له نظرة مرحة، لكنها ثابتة، كأنه عمومًا يفرض إرادته.

قال: «أنا مريض بالسكري. لا أعرف إن كنت تعرفين أي شخص مصاب بالسكري، لكن الواقع هو أن مريض السكري، حين يجوع، يجب أن يأكل، وإلا يتصرف الجسد كله بغرابة. كان يجب أن آكل قبل أن أحضر إلى هنا، لكني كنت متعجلًا، هل تمانعين أن أجلس؟»

كان يجلس فعليًّا إلى مائدة المطبخ.

– «هل لديك قهوة؟»

– «لديَّ شاي، شاي بالأعشاب، إذا كنت تحبه.»

– «بالتأكيد، بالتأكيد.»

عايَرَتِ الشاي في الكوب، وأشعلت الغلاية الكهربائية، وفتحت الثلاجة.

– «ليس لديَّ طعام كثير. عندي بعض البيض. أحيانًا أخفق بيضة وأضع عليها كاتشب، هل تحب هذا؟ لديَّ فطائر إنجليزية يمكن أن أُحَمِّصَها.»

– «إنجليزية، أيرلندية، يوكورية، لا أبالي.»

كسرت بضع بَيْضات في الْمِقْلاة، وفصلت صَفارها، وقلَّبتها بشوكة، ثم اقتطعت شريحة من الفطائر الإنجليزية الرقيقة ووضعتها في مِحْمَصَة الخبز. أخرجت طبقًا من الخزانة، ووضعته أمامه، ثم سكينًا وشوكة من درج أدوات المائدة.

قال، بعد أن رفعه إلى الأعلى كأنه يرى وجهه فيه: «طبق جميل.» وبينما كانت تعطي انتباهها إلى البيض سمعتْه يتهشم على الأرض.

– «الرحمة.» قالها بنبرة جديدة، حادَّة وبغيضة بالتأكيد، ثم أردف: «انظري ماذا فعلت.»

قالت، وقد أدركتِ الآن أنها تواجه مشكلة: «لا توجد مشكلة.»

– «انزلق من بين أصابعي.»

أحضرت طبقًا آخر، ووضعته على المنضدة حتى تضع فيه الفطائر المحمصة والبيض بالكاتشب.

في ذلك الوقت، انحنى ليجمع قطع الطبق الصيني المتحطم. رفع قطعة لها سِنٌّ حادٌّ. بينما كانت تضع أمامه وجبة الطعام على المائدة خدش ساعده بالسِّنِّ الحادِّ بخِفَّة. ظهرت قطرات صغيرة من الدم، متقطعة في البداية، ثم تواصلت في خط رفيع.

– «لا تجزعي، إنها مزحة فقط. أعرف كيف أجعلها مزحة. لو أردتها جادَّة، لما احتجنا إلى الكاتشب، ها؟»

كانت بعض القطع من الطبق المحطم لا تزال على الأرض لم يلتقطها. استدارت بعيدًا عنه، وقد فكرت في أن تُحضر الْمِكْنَسَة، التي كانت في خزانة بالقرب من الباب الخلفي. أمسك ذراعها في لمحة بصَر.

– «اجلسي، اجلسي هنا بالضبط بينما آكل.» رفع الذراع الملوثة بالدماء ليريها إياها مرة ثانية، ثم صنع شطيرةً من الفطيرة والبيض وأنهاه في قضمات قليلة. مضغ بفمٍ مفتوح. غلى الماء في الغلاية؛ فقال: «كيس شاي في الكوب؟»

– «نعم، إنه شاي سائب في الحقيقة.»

– «لا تتحركي. لا أريدك أن تقتربي من الغلاية.»

سكب الماء المغليَّ في الكوب.

– «شكلُه مثل القش، هل هذا كل ما لديك؟»

– «آسفة. نعم.»

– «لا تستمري في قول آسفة. إذا كان هذا ما لديك، فهو ما لديك. لم تتخيلي قطُّ أني حضرت إلى هنا لأفحص صندوق الكهرباء فعلًا، أليس كذلك؟»

قالت نيتا: «بلى، هذا ما اعتقدته.»

– «لا تعتقدين هذا الآن، أليس كذلك؟»

– «بلى، لا أعتقد هذا.»

– «خائفة؟»

اختارت أن تعتبره سؤالًا جدِّيًّا وليس استهزائيًّا.

– «لست أدري، أظنني جافلة أكثر مني خائفة. لست أدري.»

– «شيء واحد. شيء واحد لا أريدك أن تخشيه. لن أغتصبك.»

– «لم أظن أنك ستفعل.»

– «لا يمكنك أن تثقي في هذا أبدًا.» ارتشف رشفة من الشاي ورسم على وجهه تكشيرة، ثم أضاف: «لمجرد أنك سيدة عجوز. هناك كل الأنواع من البشر في الخارج، مستعدون لفعل هذا بأي شيء؛ رُضَّعٍ أو كلابٍ وقطط أو سيدات عجائز. رجال طاعنون في السن، ليسوا صعبي الإرضاء. حسنًا، أنا صعب الإرضاء. لا يعنيني الجنس إلا على نحو طبيعي ومع سيدة لطيفة تعجبني وأعجبها؛ لذا اطمئنِّي.»

قالت نيتا: «أنا مطمئنة، لكن شكرًا لأنك أخبرتني.»

هز كتفه بلا اكتراث، لكنه بدا راضيًا عن نفسه.

– «هل هذه سيارتك التي أمام المنزل؟»

– «سيارة زوجي.»

– «زوجك؟ أين هو؟»

– «لقد مات. أنا لا أقود السيارات. أنوي بيعها، لكني لم أفعل بعد.»

يا لها من حمقاء! يا لها من حمقاء لتخبره هذا!

– «موديل ٢٠٠٤؟»

– «أعتقد هذا. نعم.»

– «لدقيقة اعتقدتُ أنك سوف تحاولين خداعي في موضوع الزوج هذا، لكن هذا ما كان ليفلح. أستطيع أن أعرف إن كانت المرأة وحيدة أم لا. أعرف ذلك من أول لحظة أدخل فيها إلى المنزل، اللحظة التي تفتح فيها الباب؛ إنها غريزة. إذن هل السيارة بحالة جيدة؟ هل تعرفين آخر يوم قادها فيه؟»

– «١٧ من يونيو. اليوم الذي مات فيه.»

– «هل فيها غاز؟»

– «أعتقد هذا.»

– «جميل لو أنه ملأها قبل ذلك مباشرة، هل لديك المفاتيح؟»

– «ليست معي، لكن أعرف مكانها.»

قال: «لا بأس.» دفع كرسِيَّه إلى الوراء ضاربًا قطعة من حُطام الطبق. نهض واقفًا، وهز رأسه مندهشًا، ثم جلس ثانية.

– «أنا متعب؛ يجب أن أجلس دقيقة. اعتقدت أني سوف أتحسَّن بعد أن آكل. كنت ألفق مسألة السكري.»

دفعت كرسِيَّها فقفز واقفًا.

– «ابقَيْ مكانَكِ؛ لستُ متعبًا إلى درجة أني لا أستطيع أن أُمسكك، لقد مشيت الليل كله فحَسْبُ.»

– «كنت سأحضر لك المفاتيح فقط.»

– «انتظري حتى أقول لك. مشيت على طول خط السكة الحديدية. لم أرَ أي قطار. مشيت كل الطريق إلى هنا ولم أَرَ قطارًا واحدًا.»

– «نادرًا ما يمر قطار.»

– «نعم، حسنًا. مشيت في طريق جانبي تحوطه بلدات صغيرة عشوائية، ثم طلع النهار وكنتُ على ما يرام، وعبرتُ تقاطع الطريق جَرْيًا، ثم نظرتُ إلى هذا الاتجاه ورأيتُ المنزل والسيارة، وقلتُ لنفسي: هذا هو. يمكن أن آخذَ سيارة العجوز، لكن كنتُ لا أزال محتفظًا ببعض العقل.»

أدركتْ أنه أرادها أن تسأله ماذا فعل. كانت متأكدة كذلك أنه من الأفضل لها ألَّا تعرفَ كثيرًا عنه.

ثم فكرتْ لأول مرة منذ أن دخل المنزل في سرطانها، فكرت كيف حررها، منع عنها الخطر.

– «لماذا تبتسمين؟»

– «لا أعرف، هل كنت أبتسم؟»

– «أعتقد أنك تحبين الاستماع إلى القصص. تريدين مني أن أحكيَ لك قصة؟»

– «ربما أفضل أن ترحل.»

– «سوف أرحل، لكن سأحكي لك قصة أولًا.»

وضع يده في جيبه الخلفي. قال: «انظري. أتودين أن تَرَيْ صورة؟ انظري.»

كانت صورة لثلاثة أشخاص، التُقطت لهم في غرفة معيشة مع ستائر بنُقوش وردية مغلقة في الخلفية. رجل كبير في السن — ليس عجوزًا جدًّا؛ ربما في الستينيات من عمره — وامرأة بنفس العمر يجلسان على أريكة. امرأة أصغر شديدة الضخامة كانت تجلس على كرسيٍّ متحرك مسحوب إلى طرَف من طَرَفَيِ الأريكة وإلى أمامها قليلًا. كان العجوز سمينًا وذا شعر رَماديٍّ، وعينين ضيقتين وفم منفرج قليلًا، كما لو أنه يعاني من ضيق في الصدر، لكنه مع ذلك يضحك بقدر ما يستطيع. وكانت المرأة العجوز أصغر حجمًا جدًّا، ذات شعر أسود مصبوغ وأحمر شفاه، ترتدي ما كان يسمى قميصًا فلاحيًّا، مع فيونكات حمراء عند الْمِعْصَمَيْنِ والرقبة. تبتسم بتصميمٍ، بل بهِياج ما، بشفاهٍ ممطوطة فوق أسنان تالفة على الأرجح.

لكن من احتكر الصورة كانت المرأة الأصغر عمرًا. بارزة وضخمة في فستانها الفضفاض اللامع، وبشعرها الداكن المصفف في صف من التمويجات الصغيرة على جبينها، وبوَجْنَتَيْها المترهلتين إلى رقبتها. وعلى الرغم من كل هذه البروزات اللحمية، ارتسم على وجهها تعبير من الرضا والمكر.

– «هذه أمي وهذا أبي، وهذه أختي مادلين، في الكرسيِّ المتحرك.»

– «مرحة منذ مولدها؛ فلا شيء — لا طبيب ولا أي أحد — يمكن أن يزعجها. وتأكل مثل الخنزير. كان بيننا ضغائن طوال الوقت. كانت تكبرني بخمس سنوات وبدأت تعذبني. ترمي عليَّ أي شيء يمكن أن تصل إليه يداها، وتوقعني أرضًا، وتحاول أن تمشي فوقي بكرسيها المتحرك اللعين. معذرة على قذارة ألفاظي.»

– «لا بد أن هذا كان قاسيًا عليكِ، وقاسيًا على والديك.»

– «هاه، استسلموا له وسلموا به. لقد ذهبوا إلى الكنيسة وقال لهم الواعظ إن تلك الفتاة هدية من الله، أخذاها إلى الكنيسة وعَوَتِ اللعينة مثل قطة ملعونة في الفناء الخلفي وقالوا أوه! تحاول أن تُدَنْدِنَ، أوه! الرب يباركها، اللعينة. معذرة مرة أخرى.»

وأردف: «لهذا لم أُزعج نفسي كثيرًا بالارتباط بالبيت، رحلتُ وصنعت حياتي. قلت: حسنًا، لن أبقى معلَّقًا بهذا الهُراء؛ لديَّ حياتي الخاصة. حصلت على عمل. أحصل دائمًا على عمل. لم أجلس يومًا على مؤخرتي سكران بمال الحكومة، على عجيزتي، أقصد. لم أطلب من أبي فلسًا قطُّ. أنهض وأطلي سطحًا في درجة حرارة تسعين، أو أنظِّف الأرض في مطعم قديم نَتِن، أو أعمل ميكانيكيًّا في ورشة محتالة عَفِنَة. كنت أفعل ذلك، لكن لم أكن مستعدًّا دائمًا لتحمل مساوئهم؛ لذا لم أكن أتحمل طويلًا. أولئك اللعينون يَمُنُّونَ دائمًا على مَنْ هم مثلي، ولم أتحمَّل هذا. أنا من بيت محترم عَمِلَ والدي حتى منعه المرض الشديد؛ عَمِلَ في الحافلات. لم أُرَبَّ على تقبُّل الإهانة. مع ذلك، لا عليكِ. ما كان يقوله لي والداي دائمًا إن المنزل لك، إن المنزل مدفوع ثمنه كله، وهو في حالة جيدة وملكك. هذا ما قالاه لي. نعرف أنك عانيت هنا حين كنت صغيرًا، ولولا ذلك لكنت حصلت على تعليم جيد؛ لهذا نريد أن نعوِّضَك بالطريقة التي نستطيع تعويضك بها. ومنذ فترة قصيرة، تكلمت مع أبي في التليفون، وقال: طبعًا أنت تفهم الاتفاق. قلت: أي اتفاق؟ فقال: إنه اتفاق إذا وقعت على الأوراق أنك سوف ترعى أختك طوال حياتها. قال: إنه بيتك فقط ما دام كان بيتها أيضًا.»

– «يا إلهي! لم أسمع هذا من قبل قطُّ، لم أسمع أن هذا هو الاتفاق من قبل. اعتقدت دومًا أن الاتفاق هو، عندما يموتان سوف تُدخل إلى دارٍ ما، ولن تعيش في بيتي.»

– «لهذا قلت لأبي: لم أفهم هذا، وقال: لقد جهزنا كل شيء لك لتوقِّع، وإذا كنتَ لا تريد أن توقِّع فليس عليك هذا. خالتك ريني سوف تراقبك أيضًا، فإذا متْنا فسوف تراقب التزامك بالترتيبات.»

– «آه، خالتي ريني، أخت أمي الصغرى وهي كلبة حقيرة.»

– «قال: أيًّا كان، سوف تراقبك خالتك ريني، وفجأة، غيرت نبرتي. قلت: حسنًا، أعتقد أن المسألة سوف تسوَّى بهذه الطريقة، وأعتقد أنها تسوية عادلة. حسنًا، حسنًا، هل تمانع أن أحضر ونتناول العشاء يوم الأحد القادم؟»

– «قال: يمكنك المجيء بالتأكيد، سعيد أنك أصبحت تنظر للمسألة من المنظور الصحيح. أنت دائمًا مندفع متعجل، في سنك يجب أن تكون عاقلًا.»

– «قلت لنفسي: بل عليك أن تقول مضحكًا.»

– «لذا ذهبت إلى هناك، وطبختْ أمي دجاجًا. شممت رائحة طيبة حين دخلت إلى المنزل، ثم شممت رائحة مادلين؛ رائحتها الكريهة القديمة نفسها التي لا أعرف سببها، لكن حتى لو حَمَّمَتْهَا أمي كلَّ يوم تظل الرائحة كما هي. لكنني تصرفت بلطف. قلت هذه مناسبة هامة، يجب أن ألتقط صورة لكم. قلت لهم لديَّ كاميرا رائعة جديدة فورية، وتستطيعون رؤية الصورة. في لمح البصر تستطيع أن ترى صورتك، ما رأيك في هذا؟ وأجلستُهم جميعًا في الغرفة الأمامية بالطريقة التي رأيتِها. تقول أمي: أسرِع، يجب أن أعود إلى مطبخي. قلت: في لمح البصر. التقطت الصورة إذن وقالت: هيا، لنرَ كيف نبدو، فقلت: انتظروا، اصبروا، لن تستغرق أكثر من دقيقة. وبينما كانوا ينتظرون ليروا كيف بدوا في الصورة أخرجت مسدسي الصغير اللطيف وبيج بانج بام، وقضيت عليهم، ثم التقطت صورة أخرى وذهبت إلى المطبخ وأكلت بعضًا من الدجاج، ولم أنظر إليهم بعد ذلك. توقعت أن أجد خالتي ريني لكن أمي قالت إن لديها عملًا ما في الكنيسة. كنت سوف أُطلق عليها النار أيضًا بالسُّهولة نفسها. انظري هنا. قبل وبعد.»

كان رأس الرجل العجوز مائلًا للجانب، ورأس المرأة العجوز مائلًا للوراء. اختفت تعبيرات وجهيهما. سقطت الأخت إلى الأمام فلم يظهر وجهها، وظهر فقط رُكبتاها الضخمتان المغطاتان بالقماش الوردي، ورأسها الداكنة بتسريحة متقنة وقديمة الطراز.

وتابع قائلًا: «كان يمكن أن أبقى هناك سعيدًا بما فعلت لأسبوع كامل. شعرت باسترخاء شديد، لكني لم أبقَ بعد الظلام. حرصت على تنظيف نفسي تمامًا، وأكلت كل الدجاج، وعرفت أنه من الأفضل أن أترك المكان. كنت مستعدًّا لمجيء خالتي ريني، لكني كنت قد خرجت من الْمِزاج الذي كنت فيه، وعرفت أني يجب أن أحفز نفسي لكي أقتلها. لم أشعر برغبة في هذا فحَسْبُ. ربما لأني كنت شبعانًا؛ لقد كانت دجاجة كبيرة. أكلتها كلها عوضًا عن أن أغلفها لآخذها معي لأني خِفْت أن تشم الكلاب رائحتها وتَهِيج حين أمشي في الطرق الخلفية كما قررت. اعتقدت أن هذه الدجاجة سوف تكفيني أسبوعًا، ومع ذلك، انظري كم كنت جائعًا عندما وصلت إلى هنا.»

نظر في أرجاء المطبخ، وقال: «لا أظن أن لديك شيئًا يُشرب هنا، أليس كذلك؟ كان الشاي بشعًا.»

قالت: «ربما لديَّ بعض النبيذ، لا أعرف، لا أشرب الآن …»

– «هل أنتِ عضو بجمعية مدمني الكحوليات المجهولين؟»

– «كلا، الكحول لا يناسبني فحَسْبُ.»

نهضت واكتشفت أن ساقَيْهَا ترتعشان. بالطبع.

قال: «عطلتُ خط التليفون قبل أن أدخل إلى هنا، ظننت أنك يجب أن تعرفي هذا فقط.»

هل يصبح متهاونًا وأكثر هدوءًا عندما يشرب أم أكثر دناءة وشراسة؟ كيف لها أن تعرف؟ وجدت النبيذ بدون أن تُضْطَرَّ إلى مغادرة المطبخ. اعتادت هي وريتش أن يحتسيا النبيذ الأحمر بكميات معقولة لأنه من المفترض أنه جيد للقلب، أو ضارٌّ لشيء آخر وليس جيدًا للقلب. في وسط رعبها وارتباكها عجزت عن أن تفكر ماذا كان يسمى هذا!

كانت مرعوبة بالطبع، ولن تساعدها حقيقة أنها مريضة بالسرطان في اللحظة الحالية؛ إطلاقًا. لم تستطع حقيقةُ أنها سوف تموت خلال سنة أن تخفف من فزعِ حقيقةِ أنها قد تموت الآن.

– «مَرْحَى، هذا نوع جيد. ليس لها غطاء دَوَّار. هل لديك نازعة سدادات؟»

تحركت نحو أحد الأدراج، لكنه قفز ونحَّاها جانبًا؛ ليس بخشونة مفرِطة.

– «كلا، وجدته. ابْقَيْ بعيدًا عن هذا الدرج. واو! توجد هنا أشياء جيدة كثيرة.»

وضع السكاكين على مقعد كرسيِّه حيث لا تستطيع أبدًا الوصول إليها واستخدم نازعة السدادات. لم يَفُتْهَا أن تفكر إلى أي مدى قد تكون الآلة التي في يده مؤذِيَة، لكن لا احتمال ولو ضئيلًا أنه يمكنها هي نفسها أن تستخدمها في أي وقت.

قالت: «سوف أنهض فقط لكي أحضر كئوسًا.» لكنه رفض قائلًا: «لا كئوس؛ عندك أكواب بلاستيك؟»

– «كلا.»

– «أكواب إذن. إني أراقبك.»

وضعت الكوبين الزجاجيين، وقالت: «قليل جدًّا لي.»

قال بنبرة عملية: «ولي؛ سوف أقود السيارة.» لكنه ملأ الكوب للحافَة؛ وأضاف: «لا أريد أن يُقحم شرطيٌّ رأسه داخل السيارة ليتفحصني.»

قالت: «جذور حرة.»

– «ما معنى هذا؟»

أجابته: «قول عن النبيذ الأحمر. إما يدمرهم لأنهم أشرار، وإما يقويهم لأنهم أخيار، لا أتذكَّر.»

ارتشفت رشفة من النبيذ ولم تشعر بالغثيان كما توقعت. شرب وهو لا يزال واقفًا. قالت: «احذر تلك السكاكين حين تجلس.»

– «لا تبدئي العبث معي.»

جَمَعَ السكاكين ووضعها في الدرج مرة ثانية وجلس.

– «تعتقدين أني أحمق؟ تعتقدين أني عصبي؟»

خاطرتْ مخاطرة كبيرة؛ فقالت: «أعتقد أنك لم تفعل شيئًا مثل هذا مِنْ قَبْلُ.»

– «طبعًا. أتعتقدين أني سفَّاح؟ نعم … قتلتهم لكني لست سفَّاحًا.»

– «هناك فارق.»

– «بالتأكيد.»

– «أعرف كيف يكون شعورك. أعرف ما تشعر به حين تتخلص من شخص جَرَحَكَ.»

سأل: «حقًّا؟»

أجابت: «لقد فعلت الشيء نفسه الذي فعلته.»

قال — وهو يدفع مَقْعده إلى الخلف لكن دون أن ينهض: «مستحيل أن تكوني قد فعلتِ.»

قالت: «صدِّق أو لا تصدِّق؛ لكني فعلتُه.»

– «لقد فعلتِهِ حقًّا إذن، كيف؟»

– «السُّم.»

– «ماذا تقولين؟ هل جعلتِهم يشربون من هذا الشاي اللعين أم ماذا؟»

– «ليس هم، بل هي. لا شيء في الشاي؛ من المفترض أنه يطيل العمر.»

– «لا أريد أن يطول بي العمر لو أن هذا يعني أن أشرب شيئًا بغيضًا كهذا. يمكن أن يكتشفوا السُّم في الجسد حين يموت على كل حال.»

– «لا أعتقد أن هذا ينطبق على سُموم الخَضْراوات. على كلٍّ لن يخطر على بال أحد أن يتحرى الأمر. كانت واحدة من تلك الفتيات اللواتي أُصِبْنَ بحمى روماتيزمية في طُفولتها ولازمتها طويلًا، لم تكن تستطيع أن تمارس الرياضة أو أي شيء، وكان عليها أن تجلس دائمًا وتستريح. ما كان موتها ليفاجئ أحدًا.»

– «ماذا فعلتِ لتقتليها؟»

– «كانت الفتاة التي أحبها زوجي. كان سوف يتركني ليتزوجها. كان قد أخبرني بذلك. فعلتُ كل شيء من أجله. كنا نبني هذا البيت معًا؛ كان كل شيء لي في الحياة. لم ننجب أطفالًا لأنه لم يرغب في ذلك. تعلمت النجارة وكنت أخاف من تسلُّق السلالم النقالة لكني تعلمت. كان كل حياتي، ثم كان سيهجرني من أجل تلك الشَّكَّاءةِ عديمةِ الفائدة التي تعمل في مكتب التسجيل. كانت ستفوز بكل الحياة التي بنيناها معًا، هل هذا عدل؟!»

– «كيف يمكن للمرء أن يحصل على السُّم؟»

– «لم أُضْطَرَّ لهذا؛ كان نابتًا في الحديقة الخلفية، هنا. كانت هناك رقعة من نبات الراوند منذ سنوات مضت. تحتوي عُروق أوراق الراوند على سُمٍّ كافٍ تمامًا. ليس الثمرة. إننا نأكل الثمرة. الثمرة طيبة؛ لكن العُروق الحمراء الصغيرة في أوراق الراوند الكبيرة سامَّة. عرفت هذا، لكن يجب أن أعترف أني لم أعرف بالضبط ماذا يجب أن أفعل ليكون فعالًا، لهذا ما فعلته كان أقرب إلى التجرِبة. عوامل مختلفة ساعدتني؛ أولًا، كان زوجي يحضر مؤتمرًا في مينيابوليس. كان يمكن أن يصطحبَها بالطبع، لكن حينها كانت الإجازات الصيفية، وهي موظفة صغيرة يجب عليها الحفاظ على سَيْر العمل في المكتب. وشيء آخر أنها ربما لم تكن وَحْدَهَا تمامًا، فربما كان هناك شخص آخر. وعلاوة على ذلك، ربما كانت ترتاب في أمري. اضْطُرِرْتُ أن أفترض أنها لا تعرف أني عرفت، وأنها ما زالت تعتقد أني صديقة. كانت تأتي إلى البيت؛ كنا أصدقاء. اضْطُرِرْتُ أن أعتمدَ على طبع زوجي الذي يؤجل كل شيء، بحيث يخبرني ليرى كيف سأتقبَّل الأمر لكن دون أن يخبرَها بعدُ أنه أخبرني. قد تقول: لماذا تتخلصين منها إذن؟ ربما كان لا يزال زوجك يدرس الأمر.»

«كلا، كان سوف يتمسك بها بطريقة ما. وحتى إن لم يفعل، فقد تسمَّمَتْ حياتُنا بسببها. سممت حياتي؛ لهذا يجب أن أُسَمِّمَ حياتها.»

«خبزت فطيرتين، واحدة بها العُروق السامَّة والأخرى سليمة، بالطبع علمت السليمة، قُدْتُ سيارتي إلى الجامعة، وأحضرت كوبين من القهوة وذهبت إلى مكتبها. لم يكن هناك أحد غيرها. قلت لها إني حضرت إلى البلدة، وبينما كنت أَمُرُّ بالجامعة رأيت ذلك المخبز الصغير الذي يمدحه زوجي دائمًا بسبب قهوته ومخبوزاته؛ لذا توقفت واشتريت زوجين من الفطائر والقهوة. كانت وحيدة تمامًا بعد أن غادر البقية لقضاء إجازاتهم، وأنا وحيدة تمامًا وقد ذهب زوجي إلى مينيابوليس. كانت لطيفة وممتنة. قالت إنها ضَجِرة جدًّا والكافيتريا مغلقة؛ لهذا تُضْطَرُّ إلى الذهاب إلى مبنى العُلوم لشرب القهوة، وهناك يضعون في القهوة حَمْض الهيدروكلوريك، وضحكت. وهكذا أقمنا حفلنا الصغير.»

قال: «أكره الراوند. ما كان ليؤثر فيَّ.»

– «لقد أثَّر فيها. اضْطُرِرْتُ أن أخاطرَ بأن يسريَ مفعوله سريعًا، قبل أن تدرك ما أصابها وتضطربَ معِدَتُها؛ لكن ليس بسرعة بالغة بحيث تربط ما حدث لها بوجودي. كان يجب أن أكونَ بعيدة وهذا ما فعلته. كان المبنى خاليًا، وعلى حد علمي لم يرَني أحدٌ عند وُصولي أو مغادرتي. بالطبع كنت أعرف أيضًا بعض الطرق الخلفية.»

– «تظنين نفسك ذكية. أفلتِّ بدون دفع الثمن.»

– «ولكنك أنت أيضًا فعلت الشيء نفسه.»

– «ما فعلته لم يكن مخادعًا مثل ما فعلته أنت.»

– «كان ضروريًّا لك.»

– «بالطبع كان ضروريًّا.»

– «وكان ما فعلته ضروريًّا لي؛ احتفظت بزواجي؛ أدرك في النهاية أنها لا تصلح له، كانت سوف تُثقله بالأعباء بالتأكيد، كانت من ذلك النوع بالضبط، ما كانت لتزيده إلا هَمًّا، كان يدرك ذلك.»

– «من الأفضل ألا تكوني قد وضعتِ شيئًا من ذلك السم في البَيْض. سوف تندمين لو أنك فعلت.»

– «بالطبع لم أفعل هذا. ما كنت لأرغب في هذا؛ هذا ليس عملًا تفعله بانتظام. أنا لا أعرف شيئًا فعليًّا عن السُّم، كانت صدفة أني عرفت تلك المعلومة الصغيرة.»

وقف بَغْتَةً حتى إنه أوقع الكرسيَّ الذي كان يجلس عليه. لاحظت أنه لم يَتَبَقَّ إلا قليل من النبيذ في الزجاجة.

قال: «أحتاج المفاتيح للسيارة.»

عجزت عن التفكير للحظة.

كرر طلبه: «مفاتيح السيارة، أين وضعتِها؟»

يمكن أن يحدث ما تخشاه، ما إن تعطيه المفاتيح حتى يمكن أن يقتلها، هل سيفيدها أن تخبره أنها تُحْتَضَرُ بسبب السرطان؟ يا للغباء! لن يفيدَها ذلك مطلقًا. الموت بالسرطان في المستقبل لن يمنعها من التحدث اليوم.

قالت: «لا أحد يعرف ما أخبرتُكَ به، أنت الشخص الوحيد الذي أخبرته.»

لن يفيد كل هذا على الإطلاق. لم يلتقط عقله الأفضلية التي منحته إياها على الأرجح.

قال: «لا أحد يعرف بعد.» وحدَّثَتْ هي نفسها: الحمد لله، إنه يفهم ما تقصده، إنه يدرك، هل يدرك؟

الحمد لله، ربما.

قالت: «المفاتيح في الإبريق الأزرق.»

– «أين؟ أي إبريق أزرق لعين؟»

– «عند نهاية المنضدة، انكسر غطاؤه؛ لهذا استخدمناه لنرمي به الأشياء …»

– «اسكتي، اسكتي وإلا سوف أُسْكِتُكِ إلى الأبد.» حاول أن يُدخل يده في الإبريق لكنها لم تدخل. صاح: «اللعنة، اللعنة، اللعنة.» وقلب الإبريق رأسًا على عَقِب، وضرب به المنضدة بعنف بحيث تبعثرت منه مفاتيح السيارة، ومفاتيح البيت، وعملات مختلفة، ورزمة كوبونات كندية قديمة، بالإضافة إلى قطع من الفَخَّار الأزرق أيضًا.

قالت بضعف: «المفاتيح المربوطة بخيط أحمر.»

بعثر الأشياء للحظة قبل أن يلتقط المفاتيح الصحيحة.

– «إذن ماذا ستقولين عن السيارة؟ ستقولين إنك بعتِها لشخص غريب، أليس كذلك؟»

لم تفهم فحوَى رسالته للحظة، لكن ما إن فهمت حتى مَادَتْ بها الغرفة. قالت: «أشكرك»، لكن فمها كان جافًّا إلى حَدِّ أنها لم تَدْرِ إن كان صوتها قد خَرَجَ أم لا. لكن لا بد أنه خرج؛ لأنه أجابها قائلًا: «لم يَحِنْ أَوَانُ شكري بَعْدُ.»

وأردف: «لديَّ ذاكرة قوية، ذاكرة قوية طويلة. اجعلي صورة ذلك الغريب بعيدة الشبه عني. لن تحبي فكرة أن يذهبوا إلى المدافن لإخراج جثة قتيلتِكِ. تذكَّري جيدًا: إذا تفوَّهْتِ بكلمة فسأخبرهم بما لديَّ.»

ظلَّتْ تنظر إلى الأسفل، لا تتحرك ولا تتكلم، تنظر فقط إلى الفوضى المبعثرة على الأرض.

رحل. أغلق الباب. لا تزال ساكنة. أرادت أن تُوصِدَ الباب لكنها لم تستطع أن تتحرك. سمعت صوت المحرك يدور، ثم يتوقف. ماذا الآن؟ كان مندفعًا، عَجُولًا، كل شيء يفعله على نحو خاطئ، ثم مرة ثانية، يدور، يدور. سمعت صوت الإطارات على الحصَى. اتجهت بخُطًى متعثرة نحو الهاتف، ووجدت أنه قال الحقيقة؛ كان معطلًا.

كان هناك إلى جانب الهاتف واحدة من حقائب الكتب العديدة. تحتوي هذه الحقيبة على الكتب القديمة، كتب لم تفتح لسنوات، كان بها كتاب «البرج الشامخ» لألبرت سبيير، كتب ريتش.

كان بها أيضًا كتاب «احتفال بفاكهة وخَضْراوات شائعة: أطباق حميمية وأنيقة ومفاجآت طازجة» الذي قامت بجمعه وتجرِبة وصفاته بيت أندرهيل.

ما إن انتهيا من تجهيز المطبخ، حتى ارتكبت نيتا خطأ؛ إذ حاولت أن تطبخ مثل بيت لفترة من الزمن، لفترة قصيرة جدًّا؛ لأنه اتضح أن ريتش لم يرغب في أن يتذكر كل هذا الصخب، وهي نفسها لم تتمتع بالصبر الكافي لكل هذا التقطيع والتقشير. لكنها تعلمت بعض الأشياء التي فاجأتها؛ مثل الصفات السامَّة لبعض النباتات المعروفة وغير الضارَّة عامة.

يجب أن تكتب رسالة إلى بيت.

عزيزتي بيت، ريتش مات وأنا أنقذت حياتي بتقمُّص شخصيتك.

لماذا تهتم بيت بإنقاذ حياتها؟ هناك شخص واحد فقط يستحق أن يعرف حقًّا.

ريتش، ريتش. تعرف الآن حقًّا معنى افتقادها له، مثل خلوِّ السماء من الهواء.

يجب أن تذهب إلى القرية؛ هناك مركز شرطة خلف تاونشيب هول.

يجب أن تحصل على هاتف جوال.

كانت مصدومة، وتَعِبَة جدًّا؛ بالكاد تستطيع أن تحرك قدمها، عليها أن تستريح قبل أي شيء.

•••

استيقظت على صوت طرقات على بابها الذي لا يزال غير موصد. كان رجلَ شُرطة، ليس من القرية، بل من مكتب مُرور المقاطعة، سألها إن كانت تعرف أين سيارتها.

نظرت إلى رُقعة الحصى حيث كانت تقف السيارة.

قالت: «اختفت، كانت هنا.»

– «ألم تعلمي أنها سُرِقَتْ؟ متى رأيتِها آخر مرة؟»

– «الليلة الماضية.»

– «كانت المفاتيح بها؟»

– «أعتقد هذا.»

– «يجب أن أخبرك أن السيارة تعرضت لحادث سيئ. ما من سيارات أخرى في الحادث الذي وقع على هذا الجانب من وولينشتين. تدحرج السائق بها إلى مجرى المياه ودمرها تمامًا. هذا ليس كل شيء، إنه مطلوب للعدالة بتهمة ارتكاب جريمة قتل ثلاثية. هذا آخر ما سمعناه على أية حال. جريمة قتل في ميتشيلستون؛ إنك محظوظة لأنك لم تريه.»

– «هل أصيب؟»

– «قُتل على الفور، نال عقابه.»

ثم ألقى عليها محاضرة صارمة — بلطف — حول ترك المفاتيح في السيارة، وعَيْشها وَحْدَها. قال لها إنها لا تعرف ما الذي يمكن أن يحدث هذه الأيام.

لا تعرف أبدًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤