الحرش

رُويْ مُنَجِّدٌ ومُرَمِّم أثاث. يقبل كذلك إصلاح الكراسيِّ والموائد التي فقَدَتْ روافدها أو أرجُلها، أو في حالة متهالكة. لا يعمل الكثير من الناس هذا النوع من العمل الآن؛ لذا يحصل رُويْ على عمل أكثر من وُسْعه. ولا يعرف كيف يتصرف حِيالَ ذلك. إن مبرره بشأن عدم تعيين أي شخص يساعده هو أن الحكومة سوف تجبره على خوض الكثير من الإجراءات البيروقراطية، لكن ربما كان السبب الحقيقي هو أنه اعتاد العمل وحيدًا؛ فهو يعمل بتلك المهنة منذ أن سُرِّح من الجيش، ومن الصعب عليه أن يتصور وجود شخص آخر معه طوال الوقت. لو كان هو وزوجته ليا، أنجبا ولدًا، فلعله شبَّ مهتمًّا بالعمل والْتحق به حين يبلغ العمر المناسب؛ أو حتى لو كانا أنجبا بنتًا. فكَّر ذات مرة في أن يدرب ديان، ابنة أخت زوجته. حين كانت طفلة، كانت تظل معه تراقبه، وحين تزوجت، فجأة في سن السابعة عشرة، ساعدته في بعض الأعمال لأنها احتاجت وزوجها إلى المال. لكنها حبلت، وأصابتها بالغثيان روائح مزيل الطلاء ودهان الخشب وزيت الْكَتَّان ومادة الصقل والتلميع ودُخَان الخشب؛ أو هذا ما قالتْه لروي. قالت لزوجته السبب الحقيقي؛ إن زوجها يعتقد أنه ليس نوع العمل المناسب لامرأة.

والآن لديها أربعة أطفال وتعمل في مطبخ دار للمسنين. كما يبدو، يرى زوجها هذا العمل مناسبًا.

تقع ورشة رُويْ في السقيفة خلف المنزل. يدفئها موقد الخشب، وتسبب الموقد وضرورة توفير وقود له في انشغال آخر لدى روي، انشغال خاص لكن ليس سرِّيًّا؛ بمعنى، يعرف الجميع به لكن لا أحد يعرف إلى أي مدًى يفكر به أو ما مدى أهميته له.

ألا وهو قطع الأشجار.

يملك رُويْ شاحنة نصف نقل ومنشارًا آليًّا وفأسًا تزن ثمانية أرطال. وأصبح يقضي وقتًا أطول وأطول في الحرش يقطع حطبًا للتدفئة؛ أكثر مما يحتاج لنفسه كما اتضح؛ لهذا اتجه إلى بيعه. تحتوي المنازل الحديثة في غالبيتها على مدفأة في غرفة المعيشة وأخرى في غرفة الطعام وموقد في غرفة العائلة. وترغب هذه المنازل في التدفئة طوال الوقت؛ لا في أوقات الحفلات أو أعياد الكريسماس فقط.

حين بدأ يذهب إلى الحرش كانت ليا تشعر بالقلق عليه. قلقت من أن يتعرض لحادث وحيدًا، ومن أن يصاب عمله بالركود. لم تقصد أن حِرفيته وبراعته قد تتأثر، بل قد يتأثر جدوله الزمني. قالت: «لن يُسعدك أن تخذل الناس. لو أن شخصًا يريد شيئًا ما في موعد محدد فلديه سبب لذلك.»

كانت ترى أن عمله التزام عليه؛ شيء ما يفعله ليساعد الناس. شعرت بالحرج حين رفع أسعاره، وكذلك هو في الحقيقة، وبذلت جهدًا خاصًّا كي تخبر الناس كم هي تكلفة الموادِّ الخام هذه الأيام.

أثناء ما كانت تعمل في وظيفتها، لم يكن صعبًا عليه أن ينطلق إلى الحرش بعد أن تغادر ويحاول أن يعود قبل أن تصل إلى البيت. كانت ليا تعمل موظفة استقبال ومحاسبة لدى أحد أطباء الأسنان في البلدة. كان عملًا جيدًا بالنسبة لها — لأنها تستمتع بالحديث مع الناس — وجيدًا بالنسبة إلى الطبيب؛ لأنها تنحدر من عائلة ضخمة ومترابطة لن يفكر أي شخص منهم في أن يعتنيَ بأسنانه أحد سوى رئيسها.

اعتاد أقاربها، آل بولس وآل جيترز وآل بوولز أن يوجدوا في المنزل كثيرًا، أو العكس؛ تذهب ليا إلى أحد منازلهم. كانوا جميعًا عشيرة لم تستمتع بصحبة أحدها الآخر دائمًا، لكنها حرصت على التجمع كثيرًا. وهكذا تجد عشرين أو ثلاثين منهم محتشدين في مكان واحد لقضاء عيد الميلاد أو عيد الشكر، وقد تجد دستة منهم مجتمعين في يوم أحد عادي؛ يشاهدون التليفزيون ويتحدثون ويطبخون ويأكلون. يحب رُويْ أن يشاهد التليفزيون ويحب أن يتحدث ويحب أن يأكل، لكن لا يحب أن يمارس نشاطين من تلك الأنشطة في الوقت نفسه، وبالتأكيد لا يحب ممارسة الثلاثة معًا؛ لهذا حين يختارون التجمع في منزله يوم أحد، اعتاد أن ينهض ويذهب إلى السقيفة ويشعل نارًا من خشب الصلب أو خشب التفاح؛ أيًّا منهما، لكنه كان يفضل خشب التفاح خاصةً لرائحته المريحة العذبة. كان رُويْ يحتفظ دائمًا بزجاجة من الويسكي على الرف بجوار مزيلي الدهان والزيوت على مرأى الأعين. كان لديه منه في المنزل كذلك، ولم يكن يبخل على صُحبته به، لكن الشراب الذي يسكبه لنفسه حين يكون وحده في السقيفة أفضل مذاقًا، بالضبط كما تفوح من النيران رائحة أفضل حين لا يكون شخص ما موجودًا ليقول: «أوه، أليس هذا رائعًا؟» لم يشرب قطُّ أثناء عمله على الأثاث، أو مع ذهابه إلى الحرش، يشرب في أيام الأحد المليئة بالزائرين فقط.

لم يتسبب تركه المنزل وجلوسه وحيدًا في أية مشكلات. لم يشعر الأقارب بالإهانة؛ فهم لم يهتموا كثيرًا بمن هم على غرار روي، الذين انتسبوا إلى العائلة حديثًا، ولم يسهموا فيها بأي أطفال، وليسوا مثلهم. كانوا يتميزون بضخامة الجسد، وعدم التحفُّظ، والثرثرة. في حين كان رُويْ قصيرًا، مكتنزًا وهادئًا. كانت زوجته امرأة بسيطة وودودة في العموم، وأحبت رُويْ كما هو؛ لهذا لم توبخه أو تعتذر عن سلوكه.

شعر كلاهما، على نحو ما، بأنهما عنيا لأحدهما الآخر أكثر من الأزواج الذين لديهم العديد من الأطفال.

في الشتاء الماضي مرضت ليا بأنفلونزا — ظلت معها طَوَال الشتاء تقريبًا — والتهاب شعبي. اعتقدت أنها التقطت كل الجراثيم التي يأتي بها الناس إلى عيادة طبيب الأسنان. لهذا تركت عملها؛ قالت إنها تعبت منه على كل حال، وترغب في أن يكونَ لديها مزيد من الوقت لكي تفعلَ الأشياء التي رغبت دائمًا في فعلها.

لم يعرف رُويْ قطُّ ما تلك الأشياء. تدهورت قُوتها ولم تَسْتَعِدْها قطُّ. وعلى ما يبدو نتج عن هذا تغير عميق في شخصيتها. أصبح الزائرون يصيبونها بالعصبية؛ خاصةً عائلتها. أصبح الحديث يرهقها. لم ترغب في الخروج. لَبَّتْ متطلبات البيت لكنها كانت ترتاح بين الأعمال المنزلية اليومية؛ فاستغرقت الأعمال الروتينية البسيطة منها اليوم كله. فقدت اهتمامها بمشاهدة التليفزيون، مع أنها كانت تشاهده حين يشغِّله روي، وفقد جسدها المستدير اللطيف شكله فأصبح رفيعًا ومسطحًا. جف الدفء واللمعان، وكل ما كان يجعلها جميلة، من وجهها وعينيها البنيتين.

وصف لها الطبيب أقراصًا ما لكنها لم تستطع تحديد ما إذا كانت حَسَّنت حالتها أم لا. أخذتها واحدة من أخواتها إلى طبيب متخصص في الطب البديل، وكلفتها الاستشارة ثلاثمائة دولار. ولم تستطع أن تعرف إذا كان هذا حسَّنها أم لا كذلك.

يفتقد رُويْ زوجته التي عرفها، بمزاحها وحيويتها. يريدها أن تعود، لكن ليس بيده شيء، سوى أن يصبر على هذه المرأة المتجهمة الفاترة التي تشيح بيدها أمام وجهها في بعض الأحيان كما لو أن نسيج عنكبوت يزعجها أو أنها علقت في شبكة من نبات العليق. ومع ذلك حين يسألها عن نظرها تزعم أنه جيد.

لا تقود سيارتها الآن. لا تقول أي شيء عن ذهاب رُويْ إلى الحرش.

تقول ديان إنها ربما تتجاوز وعكتها وربما لا (وديان هي الشخص الوحيد الذي لا يزال يأتي إلى المنزل).

قال الطبيب إن حالتها جيدة، منتقيًا كلماته بعناية. يقول إن الدواء الذي وصفه لها سوف يحميها من أن تتدهور بشدة. ولكن ما الذي يعنيه التدهور بشدة، ومتى يمكننا معرفة ذلك؟ كان هذا ما فكَّر فيه رُويْ.

•••

في بعض الأحيان يعثر رُويْ على حرش قام عمال مصنع الأخشاب بقطع أشجاره، وتركوا قمم الأشجار على الأرض. ويعثر أحيانًا على حرش دخله المسئولون عن رعاية الغابة وطوقوا الأشجار التي رأوا أنه يجب إزالتها لأنها سقيمة أو مُعْوَجَّة أو لا تصلح خشبًا للبناء. فخشب الصلب؛ على سبيل المثال، لا يصلح خشبًا للبناء، ولا الزعرور البرِّيُّ ولا الزان الأزرق. حين يعثر على حرش من هذا يتصل بالمُزارع أو من يملكه أيًّا كان، ويتفاوضان، وإذا اتفقا على السعر، يذهب ليجمع الخشب. يقع كثير من هذه الأعمال في أواخر الخريف، نحن الآن في نوفمبر أو أوائل ديسمبر؛ لأنه وقت بيع الحطب ولأنه الوقت المناسب لإدخال شاحنته في الحرش. لا يملك المزارعون حاليًّا طريقًا معروفًا يصل إلى الأحراش كما في السابق حين كانوا يقطعون الخشب ويحملونه بأنفسهم. يُضْطَرُّونَ في الغالب إلى أن يقودوا سياراتهم بأنفسهم عبر الحقول، وهذا متاح في فترتين من العام فقط؛ قبل حرث الحقول وبعد جمع المحاصيل.

والأفضل بعد جمع المحاصيل، حين تكون الأرض قاسية بسبب الصقيع. والطلب على الخشب أعلى من أي وقت آخر في العام. يخرج رُويْ مرتين أو ثلاثة في الأسبوع الواحد.

يميز العديد من الناس الشجر بأوراقه أو بشكله العام أو بحجمه، لكن رُويْ يعرفه، حين يسير عبر الحرش العاري، من لحائه. شجر خشب الصلب؛ هذا الحطب الثقيل الذي يعتمد عليه، يغطي جذعَه العريضَ لحاءٌ بُنِّيٌّ أشعث، لكن فروعه ناعمة عند أطرافها وحمراء بوضوح. الكرز هي الشجرة الأكثر سوادًا في الحرش، ولحاؤها على شكل حراشف جميلة. يندهش معظم الناس من العلو الذي تصل إليه أشجار الكرز هنا؛ فهي لا تماثل إطلاقًا أشجار الكرز في بساتين الفواكه. تشبه أشجار التفاح مثيلاتها في البساتين؛ فهي ليست طويلة جدًّا، لحاؤها ليس قِشْرِيًّا أو غامقًا مثل لحاء الكرز. شجرة الدردار شجرة باسلة بجذع مضلع صلب. أما لحاء شجرة القيقب الرَّمادي فيتمتع بسطح غير مستوٍ، وتخلق ظلاله شرائط سوداء، تلتقي في بعض الأحيان في مربعات عشوائية، وفي بعض الأحيان لا تكون شكلًا مربعًا. يبدو اللحاء غير مبالٍ بشكله، وهو أمر يبعث على الراحة ويتناسب مع شجرة القيقب الكندية الوطنية المألوفة، ومع ما يراه الناس حين يفكرون في شجرة.

البلُّوط والزان وضعهما مختلف تمامًا؛ يتمتعان بشيء ما لافت ودرامي، مع أنهما لا يتمتعان بشكل جميل مثل أشجار الدردار الجميلة التي انقرضت تقريبًا الآن. الزان لديه لحاء رَمادي ناعم، مثل جلد الفيل يستخدم غالبًا لحفر أحرف الأسماء الأولى. تتمدد تلك النقوش مع السنين والعقود، فتتحول من نقش بسكين رفيع إلى لطخات تجعل الحروف غير مقروءة، وعرضها يفوق طولها.

يعلو الزان إلى مِائة قدم في الحرش. في العراء ينتشر ويماثل عرضه طوله، لكن في الحرش يعلو، وتنعطف فروعه في الأعلى انعطافًا حادًّا فتبدو مثل قرون الأَيْل. لكن تلك الشجرة ذات المظهر المتكبر قد تعاني من نقطة ضعف، ألا وهي تَعَرُّج ألياف أخشابها، الذي يظهر عبر وجود تموجات في لحائها. وهي علامة على احتمال تعرُّضها للكسر أو السقوط مع الرياح القوية. أما شجرة البلُّوط؛ فهي ليست منتشرة في هذا البلد، ليست منتشرة انتشار الزان لكن من السهل العثور عليها. فكما تبدو أشجار القيقب الشجرة المعتادة اللازم زراعتها في الفناء الخلفي. كذلك تبدو شجرة البلوط مثل الشجر في كتب الحكايات، كما لو أن الحرش في جميع القصص التي تبدأ ﺑ «كان يا ما كان» يكون مليئًا بأشجار البلوط. تساهم أوراقها الغامقة، اللامعة والمسنَّنة بإحكام في مظهرها الأسطوري، لكنها تظل محتفظة بالطابع نفسه حين تسقط الأوراق وتستطيع أن ترى جيدًا اللحاء الفليني السميك بلونه الأسود الرَّمادي وسطحه المعقد وتموج الفروع وتعرجاتها المتشعبة.

يعتقد رُويْ أنه لا خطر في قطع الشجرة وحدك لو أنك تعرف ما تفعل. حين تقطع شجرة، أول شيء هو أن تحسب مركز جاذبيتها، ثم تغرز وتدًا بزاوية سبعين درجة بحيث يكون مركز الجاذبية فوقه تمامًا. وبالطبع يحدد الجانب الذي ينغرس فيه الوتد الاتجاه الذي سوف تسقط نحوه الشجرة. ثم تبدأ القطع من الجانب المقابل، دون أن تصل إلى قطع الوتد بل تقطع بالتوازي مع أعلى نقطة به. إن الفكرة هي أن تقطع عبر الشجرة وتترك في النهاية جزءًا عالقًا من الجزع هو مركز ثقل الشجرة ذاته الذي يجب أن تسقط من ناحيته. من الأفضل أن تحرص على أن تسقط دون أن تتشابكَ مع فروع الأشجار الأخرى، لكن في بعض الأحيان يستحيل تحقيق ذلك. وإذا كانت الشجرة تميل ناحية فروع أشجار أخرى، ولا يتاح لك قيادة الشاحنة إلى موقعها لتسحبها بسلسلة، تقطع الجذع إلى أقسام من أسفل حتى ينحدر الجزء العلوي متحررًا من الفروع الأخرى ثم يسقط. حين تنحدر شجرة لتصبح مستندة على أفرعها، في وُسعك إسقاط الجذع على الأرض عبر قطع أخشاب الفروع حتى تصل إلى تلك التي تُبْقِي الشجرةَ مرتفعة عن الأرض. هذه الفروع تكون تحت ضغط، ربما تكون منثنية مثل القوس، وتكمن البراعة هنا في أن تقطعها بحيث تتدحرج الشجرة بعيدًا عنك ولا تخبطك الفروع. وحين ترقد على الأرض بأمان، تقطع الجذع إلى أطوال تصلح للموقد ثم تقسمها إلى نصفين بالفأس.

في بعض الأحيان تحدث مفاجآت. لا تنشق بعض كتل الخشب بالفأس مثل المعتاد؛ يجب أن تُرقدها على جنبها وتفلقها بالمِنْشار. وتجمع نشارة الخشب التي نتجت عن طريقة القطع هذه في شكل أشرطة طويلة رفيعة. إضافة إلى ذلك، يجب شق بعض خشب الزان أو القيقب على نحو جانبي، تقطع الكتلة المستديرة الكبيرة بموازاة حلقات النمو من كل الجوانب حتى تصبح مربعة تقريبًا ويمكن فلقها بسهولة. في بعض الأحيان، يوجد خشب عطن، نما الطُّحْلُب فيما بين حلقات نموه. لكن عامة تكون صلابة كتل الخشب كما تتوقع؛ أكبر في خشب الجذع عن خشب الأفرع، وأكبر في الجذوع العريضة التي نمت جزئيًّا في العراء عن تلك الرفيعة الطويلة التي شقت طريقها إلى الأعلى في وسط الحرش.

كلها مفاجآت. لكن يمكنك أن تستعدَّ لها. وإذا كنت مستعدًّا لها فلا خطر عليك. اعتاد أن يفكر في شرح كل هذا لزوجته. الإجراءات والمفاجآت وكيفية التعرف على الأشجار. لكنه لم يستطع أن يجد الأسلوب المناسب ليجذب انتباهها إلى الموضوع. تمنى في بعض الأحيان، لو أنه قد تحيَّن الفرصة لنقل هذه المعرفة إلى ديان حين كانت أصغر عمرًا. لن تملك وقتًا الآن لتُصغيَ إليه.

وعلى نحوٍ ما كانت أفكاره عن الخشب أفكارًا خاصة جدًّا؛ شرهة واستحواذية. لم يكن قطُّ رجلًا شرهًا فيما يخص أي شيء آخر، لكنه يمكن أن يظل مستلقيًا ليالي يفكر في شجرة زان رائعة يريد أن يحصل عليها، متسائلًا ما إذا كانت رائعة كما يبدو من شكلها أم أن غطاءها خادع. يفكر في جميع غابات الخشب في البلد التي لم يَرَها قطُّ؛ لأنها توجد في خلفيات المزارع، خلف حقول خاصة. لو كان يقود عبر طريق يمر بحرش، يحرك رأسه من جانب إلى آخر؛ إذ يخشى أن يفوتَه شيء ما. يلفت انتباهه حتى الشجر الذي لن يلبيَ غرضه؛ أجمة الزان الأزرق، على سبيل المثال، رقيقة جدًّا، هزيلة جدًّا لن يكلف أي شخص عناء النظر إليها. يرى الأضلاع الرأسية الداكنة تنحدر نزولًا عبر الجذوع الشاحبة؛ سوف يتذكر مكان هذه الأشجار. يحب أن يرسم خريطة في ذهنه لكل حرش يراه، ومع أنه قد يبرر هذا بأهداف عملية، فتلك ليست الحقيقة كلها.

•••

بعد يوم أو أكثر من أول سُقوط للثلج، يخرج إلى الحرش باحثًا عن شجر مطوَّق. لديه الحق في دخول هذا الحرش؛ فقد تحدث مع المزارع بالفعل، اسمه سوتر.

على طَرَف هذا الحرش هناك مقلب نُفايات غير قانوني، يرمي الناس نُفاياتهم في هذه البقعة الخفية عوضًا عن نقلها إلى مقلب نُفايات المدينة، الذي لا تناسبهم مواعيده، أو يجدون موقعه غير قريب بما يكفي. يرى رُويْ شيئًا ما يتحرك هناك، أيكون كلبًا؟

لكن اتضح أنه رجل عندما وقف على قدميه، رجل في معطف قذر. في الحقيقة هو بيرسي مارشال، ينكش القُمامة بحثًا عن أي شيء ذي قيمة. في بعض الأحيان في هذه الأماكن تكتسب مهارة في العثور على قدور فَخَّارية قديمة ذات قيمة أو زجاجات أو حتى غلايات نُحاسية، لكن لم يَعُدْ هذا احتمالًا كبيرًا الآن. فضلًا عن أن بيرسي ليس منقِّبَ قُمامة بارعًا على أية حال. سوف يظل يبحث عن أي شيء يمكن أن يستخدمه فقط؛ مع أنه من الصعب أن يرى أي شيء وسط أكوام الحاويات البلاستيكية والأغطية الممزقة والأفرشة التي ينبثق منها حشوها.

يعيش بيرسي وَحْدَهُ في غرفة في الجزء الخلفي من منزل فارغ ومغلق بالألواح الخشبية عند تقاطع الطرق على بعد أميال قليلة من هنا. وتجده يمشي في الطرق، يمشي بمحاذاة الجداول وعبر البلدة، يتحدث إلى نفسه ويلعب في بعض الأحيان دور متسول أبله، وفي أحيان أخرى يقدم نفسه كأحد السكان المحليين المحَنَّكين. إن حياة سوء التغذية والقذارة والتعب من اختياره. وقد جرب العيش في دار المسنين الخاصة بالمقاطعة لكنه لم يحتمل الروتين وصحبة الأعداد الكبيرة من كبار السن. منذ زمن طويل كان يملك مزرعة جيدة، لكن حياة المزارع رتيبة جدًّا؛ لذا بدأ العمل في تهريب الخمور وسرقة المنازل من غير إتقان؛ قضى بعض الوقت في السجن؛ وفي العقد الماضي أو نحو ذلك، تحسنت حالته من جديد بمساعدة معاش تقاعد قديم، فأصبح في وضع آمن. بل ونشرت جريدة محلية صورته مصحوبة بتقرير عنه، كان عنوانه:

آخر السلالة. روح حرة محلية تشاركنا القصص والبصيرة.

صعد بيرسي من مقلب النُّفايات بجهد، كما لو أنه شعر بأنه مجبر على تبادل حديث قصير مع رُويْ.

– «هل ستقطع الأشجار؟»

يقول رُويْ: «ربما.» معتقدًا أن بيرسي ربما يسعى وراء هبة من الحطب.

يقول بيرسي: «من الأفضل أن تسرع إذن.»

– «لماذا؟»

– «ستصبح المنطقة كلها ملكية خاصة.»

لا يستطيع رُويْ أن يمنع نفسه عن أن يرضيَه بأن يسأله أي ملكية يعني. بيرسي نمَّام لكنه ليس كذابًا. على الأقل ليس بشأن الأشياء التي تعنيه حقًّا والتي هي الصفقات والمواريث واقتحام المنازل والمسائل المالية من الأنواع كافَّةً. من الخطأ الاعتقاد بأن الناس الذين لم ينجحوا في جمع المال والاحتفاظ به لا يشغلهم التفكير به. ربما تكون مفاجأة للناس الذين يتوقعونه متشردًا فيلسوفًا، منغمسًا تمامًا في ذكريات الماضي. على الرغم من أنه يستطيع أن ينطلق في الحديث قليلًا عن هذا الماضي حين يكون ذلك مطلوبًا.

يقول بيرسي: «سمعت عن هذا الشخص حين كنت في البلدة. لا أعرفه، يبدو أنه يدير مصنع خشب ولديه عقد مع ريفر إن وسوف يمدهم بالأخشاب التي يحتاجونها للشتاء كافَّة. كومة حطب يوميًّا، ذلك مقدار استهلاكهم، كومة حطب يوميًّا.»

يقول رُويْ: «أين سمعت هذا؟»

– «في الحانة، أذهب إلى هناك أحيانًا. لا أحصل على أكثر من نصف لتر من البيرة. هناك وجدت هؤلاء الأشخاص الذين لا أعرف من هم، لكنهم لم يكونوا سُكارَى كذلك، يتحدثون عن مكان الحرش وكانوا يقصدون هذا الحرش تحديدًا. حرش سوتر.»

تكلم رُويْ مع المزارع الأسبوع الماضي فقط، واعتقد أنه حسم الصفقة تمامًا، لا يبقى إلا التنفيذ المعتاد.

قال رُويْ في هدوء: «هذا مقدار وافر من الخشب.»

– «هو كذلك بالفعل.»

– «لو يَنْوُونَ أخذها فكل ما عليهم هو الحصول على ترخيص.»

قال بيرسي بمتعة بالغة: «نعم، إلا إذا احتالوا.»

– «ليس هذا من شأني، لديَّ ما يكفيني من العمل.»

– «بالتأكيد، لديك ما يكفيك.»

•••

لم يستطع رُويْ في طريق عودته إلى المنزل مَنْعَ نفسه عن التفكير في القصة. باع بعض الخشب في بعض المرات إلى ريفر إن. لكن لا بد أنهم قرروا الآن أن يتعاقدوا مع ممول واحد ثابت، ولم يكن هو.

كان يفكر في المشكلات التي سوف تقابله في إخراج كل هذا الخشب الآن، وقد بدأ الثلج يتساقط فعليًّا. إن الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يقوم به هو سحب الجُذوع إلى حقل مفتوح قبل أن يبدأ الشتاء الحقيقي. سيكون على هذا الممول أن يُخْرِجَها بأسرعَ ما يمكن، ويجمعها في كومة كبيرة وينشرها ثم يقطعها فيما بَعْدُ. ولكي يُخْرِجَها سيحتاج إلى جَرَّافة أو جرار كبير على الأقل. وسوف يُضْطَرُّ إلى تجهيز طريق لسحبها بالسلاسل. سيحتاج إلى طاقم عمل يساعده، فمن المستحيل أن تكون هذه عملية ينفذها شخص أو اثنان، يجب تنفيذها على نطاق واسع.

إذن لا تبدو العملية مشروعًا جانبيًّا؛ من النوع الذي يقوم به رُويْ. قد تكون شركة ضخمة، من خارج المقاطعة تمامًا.

لم يُلْمِحْ إليوت سوتر إلى هذا العرض حين كان يتحدث معه رُويْ. لكن من المحتمل أنهم تقدموا له بعرض فيما بعد، فقرر أن يتجاهل الترتيبات غير الرسمية التي عرضها عليه رُويْ من قبل. قرر أن يسمح بدخول جَرَّافة.

في المساء فكَّر رُويْ أن يهاتفَه ويسأل عما يحدث. لكنه فكر لو أن المزارع غير رأيه فعلًا فلا يمكنه أن يفعل أي شيء. لا يمكن التمسك باتفاق شفهي، يمكن أن يقول له الرجل أن يغربَ عن وجهه.

إن أفضل ما يمكن أن يفعلَه رُويْ هو أن يتصرف كما لو أنه لم يسمع قطُّ قصة بيرسي، لم يسمع قطُّ عن شخص آخر؛ يذهب ويأخذ الأشجار الذي يستطيع أن ينقلَها بأسرع ما يمكن قبل أن تصل الجَرَّافة.

وبالطبع هناك احتمال أن بيرسي أخطأ في فهم الأمر بِرُمَّتِهِ. لم يُلَفِّق القصة على الأرجح ليزعج رُويْ فقط، لكنها يمكن أن تكون بَلَغَتْهُ على نحو غير دقيق.

ومع ذلك فكُلَّما فكَّر رُويْ في القصة أكثر تقلص هذا الاحتمال. ظل يرى في ذهنه الجَرَّافة والجذوع المسلسلة، وأكوام الجذوع الكبيرة في الحقل، والرجال مع مناشيرهم. تلك هي طريقة العمل اليوم، البيع بالجملة.

إن جزءًا من السبب الذي جعل هذه القصة تؤثر عليه هذا التأثير الكبير هو أنه لا يحب ريفر إن، وهو فندق ومنتجع على نهر بيرجرين. لقد شُيِّدَ على أطلال طاحونة قديمة لا تبعد كثيرًا عن تقاطع الطرق الذي يسكن عنده بيرسي مارشال. في الحقيقة يملك الفندق الأرض التي يعيش بيرسي فوقها والبيت الذي يعيش فيه. كان لديه خطة لهدمه لكن اتضح أن نزلاءه، إذ لا يجدون ما يفعلونه، يحبون أن يمشوا حتى مكان هذا البيت المهجور ويلتقطوا صورًا له وللجرافة القديمة ولعربة الخيل المقلوبة التي تقع إلى جانبه وللمِضَخَّة العاطلة ولبيرسي حين يسمح بتصويره. بعض النزلاء يرسمون اسكتشات، يأتون من أماكن بعيدة مثل أوتاوا ومونتريال ويظنون أنهم في مناطق نائية بلا شك.

يذهب أهل البلدة إلى الفندق لتناول وجبة غداء أو عشاء مميزة. ذهبت ليا مرة، مع طبيب الأسنان وزوجته وإخصائي الأسنان وزوجته. لم يذهب رُويْ. قال إنه لا يريد أن يأكل وجبة ثمنها كل ما في محفظته، حتى ولو دفع شخص آخر ثمنها. لكنه ليس متأكدًا تمامًا مما يكرهه في الفندق. فهو لا يعارض فكرة أن ينفق الناس المال آملين في إمتاع أنفسهم، وليس ضد فكرة أن يكسب أناس من أناس آخرين يريدون أن ينفقوا مالهم. بالتأكيد تولى ترميم القطع الأثرية في الفندق وإصلاحها حرفيون غيره — أشخاص ليسوا من هنا على الإطلاق — لكن لو كانوا طلبوا منه أن يقوم لهم بهذا العمل، لكان رفض على الأرجح، قائلًا إن لديه ما يكفي من العمل بالفعل. حين سألته ليا عما يكره في الفندق، كان الشيء الوحيد الذي استطاع التفكير به هو حين تقدمت ديان بطلب وظيفة هناك، وظيفة نادلة، رفضوها؛ لأنها سمينة.

قالت ليا: «حسنًا، لكنها كانت سمينة، ولا تزال، هي نفسها تقول هذا.»

حقيقي؛ لكن رُويْ لا يزال يرى هؤلاء الناس متغطرسين، نصابين ومتغطرسين؛ فهم يشيدون مباني من المفترض أنها تشبه الْمَحَالَّ القديمة والأوبرا القديمة للاستعراض فقط. يحرقون الحطب للاستعراض. كومة حطب في اليوم! وهكذا سوف يسوِّي عامل ما الحرش أرضًا بالجرافة كأنه حقل ذرة. هذا هو نوع الخطط الاستبدادية التي عادةً ما يحيكونها، أساليب النهب التي يفضلونها.

•••

أخبر ليا القصة التي سمعها، لا يزال يخبرها أشياء، تلك هي عادته، لكنه اعتاد كذلك على ألا تعطيه أي انتباه حقيقي الآن حتى إنه لا ينتبه إلى كونها أجابته أم لا. هذه المرة رددت ما قاله نفسه:

– «لا تهتم. لديك ما يكفي من العمل على كل حال.»

هذا ما توقعه، سواء كانت بحالة جيدة أم لا. لم تفهم المسألة، لكن أليس هذا ما تفعله الزوجات، والأزواج كذلك على الأرجح، معظم الوقت؟

•••

في الصباح التالي اشتغل لمدة من الوقت في إصلاح مائدة ذات أجنحة تطوى. كان ينوي أن يبقى في السقيفة طوال اليوم كي ينتهيَ من إصلاح قطعتين تجاوز ميعادَ تسليمِهما. بالقرب من الظهيرة سمع شكمان سيارة ديان المزعج فنظر من النافذة. هي هنا لتصطحب ليا إلى متخصص بالعلاج بعلم الانعكاسات (الرفلكسولوجي)؛ تعتقد أنه سيحسِّن ليا، وليا لا تعترض.

لكنها تتجه إلى السقيفة وليس إلى المنزل.

تقول: «مرحبًا.»

– «أهلًا ديان.»

– «عمل كثير، هه؟»

– «كثير جدًّا. ما رأيك في العمل معي؟»

هذا هو حديثهما المعتاد.

– «لديَّ وظيفة بالفعل. اسمع، السبب الذي جعلني آتي إليك هو أني أريد أن أطلب منك خدمة. أريد أن أستعير الشاحنة غدًا؛ لكي آخذ تايجر إلى الطبيب البيطري، لا أستطيع التعامل معه في السيارة؛ كبر على السيارة. آسفة على اضطراري لطلب هذا منك.»

يطلب منها رُويْ ألا تقلق.

يأخذون تايجر إلى الطبيب البيطري، هذا سوف يكلفهما كثيرًا، هكذا فكَّر رُويْ.

– «لن تحتاج الشاحنة، أقصد يمكنك استخدام السيارة بدلًا منها؟»

كان ينوي بالطبع أن يذهب إلى الحرش غدًا، شريطة أن ينهيَ عمله اليوم. يمكنه الذهاب بعد ظهيرة اليوم إذن.

تقول ديان: «سوف أزودها بالوقود.»

أضاف ذلك مهمة أخرى إلى مهامه، وهي ملء السيارة بالوقود كي لا تملأَها هي. كان على وشك أن يقول: «أتعرفين لِمَ أرغب في الذهاب إلى الحرش، شيء ما استجد لا أستطيع أن أمنع نفسي عن التفكير به …» لكنها كانت قد خرجت وتوجهت لاصطحاب ليا.

ما إن ابتعدتا عن مجال نظره وانتهى من تنظيف المكان، حتى دخل إلى الشاحنة وقادها إلى البقعة التي كان فيها في اليوم السابق. فكر في أن يمر على بيرسي ويستفسر عن المزيد لكنه توصل إلى أنه لا نفع من هذا. ربما إظهار اهتمامه بالأمر يدفع بيرسي إلى اختراع أحداث أخرى. فكر مجددًا في الحديث مع المزارع لكنه استبعد ذلك للأسباب ذاتها التي فكر فيها الليلة السابقة.

أوقف الشاحنة على الممر الذي يؤدي إلى الحرش. سريعًا ما سيتلاشى هذا الممر، حتى قبل أن يغادره. بدأ يمشي متطلعًا إلى الأشجار التي تبدو تمامًا مثل الأمس، ولا تدل على أنها جزء من أي خطة عدوانية. كان معه المِنشار الآلي والفأس، وشعر أن عليه أن يسرع. لو ظهر أي شخص آخر هنا، لو منعه أو أوقفه أي شخص، سيقول إن لديه إذْنًا من المزارع، ولا يعرف أي شيء عن الصفقة الأخرى. سيقول إنه علاوة على ذلك ينوي المضيَّ في القطع ما لم يأتِ المزارع ويطلب منه شخصيًّا أن يخرج من هنا. لو حدث هذا حقًّا، بالطبع سيُضْطَرُّ إلى أن يغادر. لكن هذا لن يحدث على الأرجح؛ لأن سوتر رجل ثقيل الوزن ويعاني من متاعب في مَفْصِل وَرِكِهِ؛ لذا لا يحب التجول في أرضه.

– «… يقولون لي غير مصرح لك …» قال رُويْ محدِّثًا نفسه مثل بيرسي مارشال: «سأقول أريد أن أرى مستندًا يثبت ذلك.»

كان يتخيل ما سيقوله لشخص غريب لم يَرَهُ من قبل.

تتميز أرض الحرش عادة بأنها أكثر وُعورة من سطح الأرض المحيطة. اعتقد رُويْ دومًا أن هذا يرجع إلى سقوط الأشجار؛ إذ تَسْحَب الشجرةُ عند سقوطها التربةَ بجذورها، ثم تظل راقدة على السطح تتعطن. وحيث تقع وتتعطن، تتكون تلة صغيرة؛ أما حيث كانت جذورها فيصبح تجويفًا فارغًا. لكنه قرأ في مكان ما — منذ فترة قريبة جدًّا ويتمنى أن يتذكر أين قرأه — أن السبب هو ما حدث منذ وقت طويل، بعد العصر الجليدي مباشرة، حين تكوَّن الثلج بين طبقات الأرض ودفعها إلى الأعلى في حدبات غريبة، كما يحدث اليوم في المناطق القطبية الشمالية. تظل الحدبات قائمة في المناطق التي لم تُسَوَّ وتُجَهَّز.

•••

ما حدث لروي بعد ذلك هو شيء عادي ولا يُصَدَّق مع ذلك. شيء قد يحدث لأي غبي يمشي في الحرش مستغرقًا في أحلام اليقظة، لأي سائح يُحَمْلِق في الطبيعة، لأي شخص يعتقد أن الحرش مُتَنَزَّه من مُتَنَزَّهات التريُّض. شخص يرتدي حذاءً خفيفًا بدلًا من حذاء طويل الرقبة ولم يُبَالِ بالمشي بحذر. لم يحدث هذا قطُّ لروي خلال مِئات المرات التي مشى أثناءها في الحرش، لم يحدث ولو مرة واحدة أن تعرَّض لحادث وشيك من هذا النوع.

كان ثلج خفيف يتساقط منذ مدة؛ مما جعل التربة والأوراق الجافة زلقة. انزلقت إحدى قدميه والْتَوَتْ، ثم انغرست الأخرى عميقًا في غطاء من الأَجَمَة الثلجية في التربة؛ ما يعني أنه خطا بلا اكتراث، سقط تقريبًا، فوق بقعة من البقع التي يجب دائمًا أن تختبرها بقدمك بحذر، وأن تتفاداها تمامًا إذا رأيت موقعًا أفضل لقدميك بالقرب منها. وحتى لو لم تتفادَها، فلا يجب أن يحدث ذلك، لا يجب أن يسقط سقطة قاسية، فهو لم يتعثر في حفرة عميقة. فَقَدَ رُويْ توازنه، وأخذ يتأرجح رغمًا عن إرادته، غير مصدق تقريبًا ما يحدث له، ثم وقع مع قدمه التي انزلقت بطريقة ما خلف قدمه الأخرى. أمسك المنشار بحيث يظل بعيدًا عنه بينما يسقط، وقذف بالفأس بعيدًا. لكن ليس بعيدًا بما يكفي؛ ضربته ذراع الفأس بشدة، في ركبة ساقه الملتوية. وسحبه المنشار إلى اتجاهه لكنه على الأقل لم يقع فوقه.

شعر أنه يسقط بالحركة البطيئة، بتمعن وتفكُّر وحتمية لا مفر منها. كان يمكن أن يكسر ضلعًا لكنه لم يفعل. وكان يمكن أن تطير ذراع الفأس عاليًا وتضربه في وجهه، لكن هذا لم يحدث، كان يمكن أن يجرح ساقه. لم يفكر في هذه الاحتمالات شاعرًا براحة فورية لعدم حدوثها، بل كأنه ليس متأكدًا بعدُ أنه لم يُصَبْ بأيٍّ منها. إن الطريقة التي بدأ بها كل هذا، الطريقة التي زلقت بها قدمه، ومشيه فوق الأجَمة، وسقوطه، كانت غبية جدًّا وغريبة، وصعبًا تصديقها، فيمكن أن يترتب عليها أي عاقبة منافية للعقل.

بدأ في سحب نفسه إلى الأعلى، أصيبت ركبتاه؛ واحدة من الفأس التي ضربته والأخرى من السقوط القاسي على الأرض. أمسك بجذع شجرة كرز صغيرة، حيث كان يمكن أن يرتطم رأسه، وسحب نفسه إلى الأعلى تدريجيًّا. وبتردد، وقف على قدم واحدة وبدأ يلمس الأرض بالكاد بالأخرى؛ القدم التي انزلقت والْتَوَتْ تحتَه. سوف يحاول خلال دقيقة. انحنى ليلتقط المنشار فكاد أن يسقط مجددًا. انطلق ألم من قدمه، ولم يتوقف حتى وصل إلى جمجمته. نسي المنشار، واعتدل، دون أن يعرف تمامًا أين موضع الألم. تلك القدم؛ هل ارتكز عليها بينما ينحني؟ انسحب الألم إلى الكاحل. عدل الساق بقدر ما استطاع، ثم جرب بحرص أن يضع القدم على الأرض، ويجرب أن يرتكز عليها. يا للألم الرهيب! لم يستطع أن يصدق ما يشعر به. هذا الألم لا يستطيع أن يصدق أنه سيستمر هكذا، سيستمر حتى يهزمه. لا بد أن الكاحل لم يَلْتَوِ فقط؛ لا بد أنه انخلع. هل يمكن أن يكون مكسورًا؟ لا يبدو مختلفًا في حذائه الطويل عن كاحل القدم السليمة.

يعلم أنه سوف يُضْطَرُّ إلى تحمُّل الألم. عليه أن يعتادَ عليه حتى يخرج من هنا. ظل يحاول، لكنه لم يحقق أي تقدم. لا يستطيع أن يقف عليه. لا بد أنه مكسور. كاحل مكسور؛ حتى هذا، إصابة صغيرة بالتأكيد، نوع من الحوادث التي تقع للسيدات العجائز حين ينزلقن فوق الثلج. لقد كان محظوظًا. كاحل مكسور، إصابة صغيرة. مع ذلك لا يستطيع أن يخطوَ خطوة. لا يستطيع أن يمشيَ.

ما فهمه، أخيرًا، أنه لكي يصلَ إلى شاحنته، عليه أن يترك منشاره وفأسه وينزل على يديه وركبتيه ويزحف. وهكذا نزل ببطء قدر استطاعته ثم استدار متتبِّعًا آثار حذائه على الأرض، التي بدأ يملؤها الثلج الآن. فكر في تفقُّد جيبه حيث يضع المفاتيح لكي يتأكدَ من أنه مغلق بالسحاب. تخلَّص من قبعته وتركها تسقط على الأرض؛ فحرفها يحجب الرؤية. الآن أصبح الثلج يتساقط فوق رأسه العارية. لكنه لا يشعر ببرودة شديدة. ما إن تأقلم على الزحف أسلوبًا للتحرك حتى وجد أنه ليس سيئًا؛ أي ليس مستحيلًا، مع أنه يؤلم يديه وركبته السليمة. كان يتحرك بحذر كافٍ الآن إذ يجر نفسه فوق الأجَمة وعبر الشجيرات، وفوق الأرض الوعرة. ولو وجد منحدرًا ما ليتدحرج فوقه كان يتجنبه فورًا؛ عليه أن ينتبه لساقه المصابة. سَرَّهُ أنه لم يَمُرَّ خلال أي أماكن سبخة، وأنه لم ينتظر وقتًّا أطول لكي يبدأ طريق العودة؛ فالثلج يتساقط أكثر وتنمحي تقريبًا آثار حذائه. وبدون تتبع هذه الآثار، سيكون من الصعب عليه أن يعرف — وهو على الأرض — ما إذا كان يمشي في الطريق الصحيح أم لا.

أصبح الموقف — الذي بدا في البداية غير واقعي له — طبيعيًّا أكثر. كان يتقدم على يديه وكوعيه وركبة واحدة قريبًا من الأرض، يختبر صلابة أحد جذوع الأشجار ثم يسحب نفسه فوقه ليزحف على بطنه، تتوسخ يداه بأوراق الشجر العطنة والطين والثلج؛ إذ اضطر إلى خلع قفازه؛ لأنه لن يستطيع التمسك بالتربة وتحسس الأشياء على أرض الحرش إلا بيديه المخدوشتين العاريتين الباردتين. لم يعد يندهش من نفسه في هذه المرحلة. كان يفكر بالكاد في فأسه ومنشاره اللذين تركهما خلفَه، مع أنه في البداية لم يَكَدْ يستطيع تركهما وراءَه. أصبح لا يفكر سوى في الحادثة ذاتها. لقد وقعت الحادثة، لا يهم كيف، لا تبدو المسألة برمَّتها غير معقولة أو غير طبيعية إطلاقًا الآن.

أمامه تلة منحدرة انحدارًا معقولًا يمكنه رفع جسده عليه، حين يصل إليها سوف يلتقط أنفاسه، شاعرًا بالرحة لأنه قطع هذه المسافة. دفَّأ يديه داخل الجاكيت، واحدة ثم الأخرى. لسبب ما فكَّر في ديان وهي ترتدي معطف التزلج الأحمر الذي لا يناسبها، ويقرر أن حياتها هي حياتها، ولا فائدة من القلق عليها. فكر في زوجته، التي تتظاهر بالضحك أمام التليفزيون. في هدوئها. على الأقل هي تشعر بالشبع والدفء، هي ليست متشردة تجرُّ قدميها على الطرق. هناك أشياء أسوأ في الحياة، أشياء أسوأ.

يبدأ في تسلُّق التلة، يغرز كوعيه، وركبته الملتهبة الصالحة للاستخدام — رغم ذلك — أينما يستطيع. يواصل التقدم، يجز على أسنانه كما لو أن هذا سوف يحميه من الانزلاق للخلف؛ يتمسك بأي جذر مكشوف أو ساق قوي يراه. ينزلق في بعض الأحيان، فيثبت نفسه ويتوقف ثم يصعد بضع بوصات من جديد. لا يرفع رأسه قَطُّ ليُقَدِّر المسافة التي لا يزال عليه أن يقطعها. لو تظاهر بأن الصعود يستمر إلى الأبد، فسوف يكون الوصول إلى القمة مكافأة ومفاجأة.

استغرق التسلق وقتًا طويلًا. لكنه سحب نفسه إلى أرض مستوية أخيرًا، وعبر الأشجار والثلج المتساقط كان بوسعه رؤية الشاحنة. الشاحنة الحمراء القديمة، طراز مازدا، صديقه الوفي القديم، ينتظره للأبد. بما أنه أصبح على أرض مستوية فقد ارتفعت توقعاته من نفسه مرة ثانية، بدأ يصعد على ركبتيه، محاذرًا إيلام قدمه المصابة، برفق، برفق، نهض مهتزًّا على قدمه السليمة، جارًّا الأخرى، متأرجحًا مثل السِّكِّير. حاول أن يقفز، لم ينجح؛ سوف يفقد توازنه على هذا النحو. حاول أن يرتكز قليلًا على ساقه المصابة، بلطف، لكنه أدرك أن الألم يمكن أن يصيبَه بالإغماء. نزل مرة ثانية إلى وضعه القديم ورجع يزحف. لكن بدلًا من أن يزحف خلال الأشجار نحو الشاحنة، داور بزاوية قائمة، واتجه إلى مكان الذي يعلم أن الشاحنة تقف عنده. عندما وصل إلى هناك، بدأ في التقدم أسرع، زاحفًا فوق الأخاديد القاسية والوحل الذي ذاب أثناء النهار لكنه بدأ في التجمد مرة ثانية. هذا قاسٍ على ركبته وكفَّيه لكنه من جهة أخرى أسهل بكثير من الدرب الذي اضْطُرَّ إلى أن يسلكه قبل ذلك حتى إنه يشعر ببعض الخفة. يستطيع أن يرى الشاحنة أمامَه، تنظر إليه وتنتظره.

في وُسعه القيادة. من حسن حظه أن الإصابة في الساق اليسرى. الآن، وقد مر الأسوأ، هاجمه كثيرٌ من الأسئلة المحيرة بينما بدأ يشعر بالراحة. مَنِ الذي سوف يذهب ويُحضر المنشار والفأس له، كيف يمكن أن يشرح لأي شخص مكانهما تحديدًا؟ كم سيمر من الوقت قبل أن يغطيَهما الثلج؟ متى سوف يستطيع أن يمشي؟

لا فائدة من التساؤل. رجع يشق طريقه، رافعًا رأسه ليلقي نظرة مشجعة أخرى على الشاحنة. يمكن أن يرتدي قفازه الآن، لكن ما الداعي لإتلافه؟

يخرج طائر ضخم من الحرش إلى جانبه فيرفع رُويْ رأسه ليحدد نوعه. يعتقد أنه صقر، لكنه قد يكون صقرًا جارحًا. إن كان صقرًا جارحًا فهل سيخطط لمهاجمته، معتقدًا أنه محظوظ بعدما أدرك أن فريسته مجروحة؟

ينتظر ليراه عندما يحوم راجعًا، حتى يستطيع أن يعرف نوعه من طريقة طيرانه وجناحيه.

وبينما كان يفعل هذا، بينما كان ينتظر، ويلاحظ جناحَيِ الطائر، الصقر الجارح، خطرت له فكرة جديدة عن قصة صفقة الأخشاب التي شغلته الأربع والعشرين ساعة الماضية.

•••

الشاحنة تتحرك! متى حدث هذا؟ حين كان يراقب الطائر؟ في البداية تحركت حركة صغيرة، شعر بذبذبتها في الأرض؛ ربما يكون الأمر كله هلوسة. لكنه يستطيع أن يسمع صوت المحرك. الشاحنة ستذهب وتتركه. هل ركبها شخص ما بينما كان شاردًا، أو هل كان ينتظر بداخلها شخصٌ ما طوال الوقت. لقد أغلقها بالتأكيد، والمفاتيح معه. تحسس جيبه المغلق بالسحَّاب مرة ثانية. شخص ما يسرق الشاحنة أمام عينيه وبدون مِفْتاح. أخذ يَصِيح ويلوح من وضعه الراقد؛ كما لو أن هذا سوف ينفع. لكن الشاحنة لا تسير إلى الخلف نحو المنعطف لتغادر، بل تشق طريقها مباشرةً إليه، والشخص الذي يقودها يزمر ببوقها، ليس محذرًا بل مُحَيِّيًا، ويبطئ السرعة.

يرى من هو.

الشخص الوحيد الذي لديه النسخة الأخرى من المفاتيح. الشخص الوحيد المحتمل؛ ليا.

ناضل رُويْ كي يرتكز على ساق واحدة، بينما قفزت ليا من الشاحنة وجرت إليه لتسنده.

قال لها لاهثًا: «لقد وقعتُ بكل بساطة، أغبى شيء فعلته في حياتي.» ثم فكر في أن يسألها كيف وصلت إلى هنا.

قالت: «لمْ آتِ طائرة.»

جاءت بالسيارة، كما لو أنها لم تُقلع عن القيادة بتاتًا، جاءت بالسيارة لكن تركتها عند الطريق.

أضافت: «هي ليست قوية لتتحمل هذا الطريق، وتوقعت أن تنغرس عجلاتها في الوحل، لكن هذا لم يحدث؛ فقد تجمَّد الوحل وأصبح صلبًا.»

– «رأيت الشاحنة فمشيت، وحين وصلت إليها فتحتها ودخلتها، وانتظرت. تصورت أنك سوف تعود قريبًا؛ لأنها تثلج، لكني لم أتصور أنك سوف تعود على يديك وركبتيك.»

أنار المشي — وربما البرد — وجهَها، وصقل صوتها. نزلت ونظرت إلى كاحله، وقالت إنها تعتقد أنه متورم.

قال: «كان يمكن أن يكون أسوأ.»

قالت إن هذه هي المرة الوحيدة التي لم تقلق فيها؛ المرة الوحيدة التي لم تقلق فيها، واتضح أنه كان عليها أن تشعر بالقلق (لم يكلف نفسه عناء أن يخبرها أنها لم تُظْهِرْ أي قلق حِيَالَ أي شيء طَوَال شُهور). لم تشعر بأي نذير.

– «لقد أتيت لأقابلَك كي أتحدثَ إليك؛ لأني لم أستطع أن أنتظر حتى تعود كي أخبرك بالفكرة التي خطرت لي بينما تعالجني المرأة، ثم رأيتك تزحف؛ فقلت يا للمصيبة!»

– أية فكرة؟

– «أوه، تلك … حسنًا، لا أعرف ما سيكون رأيك فيها. أستطيع أن أقول لك فيما بعد. يجب أن نعالج كاحلك.»

– أية فكرة؟

كانت فكرتها هي أن الشركة التي سمع عنها بيرسي غير موجودة. سمع بيرسي بعض الكلام لكنه لم يكن عن مجموعة من الغرباء استخرجوا تصريحًا لقطع أشجار الحرش. ما سمعه كان عن رُويْ نفسه.

– «إليوت سوتر ليس سوى ثرثار كبير عجوز. أعرف تلك العائلة، زوجته كانت أخت آني بوول. ذهب في كل مكان يتباهى بالصفقة التي عقدها ويضيف إليها شيئًا فشيئًا، حتى وصلنا إلى هذا، مورد لريفر إن، ومائة كومة حطب يوميًّا. شخص يشرب بيرة ويستمع إلى شخص ما آخر يشرب بيرة وهذه هي النتيجة. أصبحت لديك عقدٌ، بينما كل ما فعلته هو الاتفاق مع المزارع.»

قال رُويْ: «ربما يبدو ما سأقوله غبيًّا …»

– «عرفت أنك ستقول هذا لكن فكر في الأمر فحسب …»

– «لا، أقصد أنه ربما يبدو غبيًّا قول إن الفكرة نفسها خطرت لي أنا نفسي منذ خمس دقائق.»

هذا بالفعل ما خطر له حين كان يتطلع إلى الصقر الجارح.

قالت ليا: «أنت أيضًا إذن» ضاحكةً في رضًى، «كل ما يتصل بالفندق من قريب أو بعيد، اتضح كونه مجرد حكايات خيالية، من النوع الذي يتمحور حول صفقات ضخمة.»

تلك هي المسألة إذن. كان يسمع عن نفسه. كل هذا الاضطراب والارتباك راجع له.

لن تأتي الجرافة، لن يتجمع رجال بمناشير. أشجار الدردار والقيقب والزان وخشب الصلب والكرز كلها آمنة في انتظاره، آمنة في الوقت الحاضر.

تلهث ليا أثر ما تبذله من جهد في إسناده، لكنها تتمكن من قول: «العقول العظيمة تفكر على نحو متشابه.»

هذه ليست اللحظة المناسبة لذكر التغير الذي ألمَّ بها، لن تملك آذانًا صاغية الآن.

خبط قدمه وهو يرفع نفسه — وبينما تساعده ليا على هذا — إلى المقعد الخلفي من الشاحنة. تأوَّه، نوع مختلف من التأوه عما كان ليصدر عنه لو أنه وحده. لم يقصد أن يهوِّل من ألمه، بل يتبع هذا الأسلوب فقط كي يصف ألمه لزوجته.

بل يعرضه عليها؛ لأنه يدرك أنه لا يحس بالشعور الذي اعتقد أنه سوف يغمره حين تسترد حيويتها. وربما تغطي الضجة التي يثيرها هذا النقص أو تبرره. بالطبع من الطبيعي أنه يشعر بقليل من الحذر، فهو لا يعرف ما إذا كان هذا التحسن سوف يستمر للأبد، أم أنها مجرد صحوة قصيرة.

لكن حتى لو دامت حيويتها إلى الأبد، حتى لو أنها أصبحت على ما يرام كليةً، فهناك شيء ما آخر؛ خسارة ما تعكر هذا المكسب؛ خسارة ما سيخجل من أن يعترف بها، لو أن لديه طاقة.

يمنعه الظلام والثلج الكثيف من أن يرى أبعد من الأشجار الأولى. يتذكر أنه ذهب من قبل إلى الحرش في مثل هذا الوقت، حين يُطْبِقُ الظلام في الشتاء المبكر. لكنه ينتبه الآن، يلاحظ شيئًا ما في الحرش يعتقد أنه فات عليه في تلك الزيارات السابقة. لاحظ كم هو متشابك في حد ذاته، كم هو كثيف ومليء بالأسرار. إنه ليس مجرد مجموعة من الأشجار، واحدة تلو الأخرى، بل كل الأشجار تتشابك معًا؛ تساعد بعضها وتتواطأ وتدبر شيئًا واحدًا، تتحول خلف ظهرك.

هناك اسم آخر للحرش، يتردد صداه في ذهنه، هنا وهناك يكاد أن يسمعه. إنه اسم طويل ذو طابع مشئوم لكنه بارد.

قال بآلية: «تركت الفأس، تركت المنشار.»

– «ما المشكلة في ذلك؟! سوف نجد شخصًا ما يذهب ويحضرهما.»

– «والسيارة أيضًا. هل ستخرجين وتقودينها وتتركيني آخذ الشاحنة؟»

– «لا طبعًا، هل جننت؟»

كان صوتها شاردًا؛ لأنها كانت ترجع بالشاحنة إلى المنعطف. ببطء لكن ليس ببطء شديد، تهتز الشاحنة بينما تمر على الأخاديد لكنها لا تنحرف عن الطريق. لم يتعود على استخدام المرايا الجانبية من هذه الزاوية؛ لهذا ينزل النافذة ويُخرج رأسه، متلقيًا الثلج على وجهه. لم يفعل هذا ليراقب تقدمها بالشاحنة بل ليخفف إلى حد ما الدوار الذي يهاجمه.

قال: «على مهلك، نعم، هكذا، على مهلك، تمام، جيد جدًّا.»

بينما يقول هذا تقول هي شيئًا ما عن المستشفى.

– «… سنذهب ليلقوا نظرة عليك، علينا البدء بالأولويات.»

حسب علمه لم تَقُدِ الشاحنة من قَبْلُ. مذهلة الطريقة التي تقود بها.

«غابة». هذه هي الكلمة. ليست كلمة غريبة على الإطلاق، لكنها كلمة لم يستخدمها قطُّ على الأرجح، كلمة رسمية عادةً ما ينفر منها.

قال: «الغابة المهجورة.» كما لو أن هذا المسمى يضع إطارًا لكل ما حدث.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠