كشف السر

كان زكريا عقب سجنه قد أرسل إلى سعيد يطلب منه أن يوافيه لأمر ذي بال، فلما جاءه أطلعه على ما وقع له، وأنه وضع الكتاب الذي جاء به من البطريرك إلى ملك النوبة مع الأسطوانة في مدخل باب الهرم الكبير، وأن لهذه الأسطوانة شأنًا مهمًا يختص بدميانة، فأجمعا أمرهما على أن يستأذن له سعيد السجان ليذهب سرًّا إلى الهرم، فيأتي بالأسطوانة ويودعها عند سعيد ويرجع إلى السجن، وتم ذلك بما لسعيد من النفوذ في الدولة، وعاد زكريا بوديعته من الهرم وقصد إلى منزل سعيد رأسًا بعد توديعه دميانة وسمعان، فدخل عليه فوجده في انتظاره وقد استبطأه فأخذ يسأله عن السبب في الإبطاء وزكريا يتلعثم ولا يعرف كيف يبدأ الحديث لفرط لهفته، وكان السرور باديًا في حركاته وسكناته، وقد ذهبت الغمة التي كانت تغلبت عليه، فلم يكد يأخذ مقعدَه حتى ابتدره سعيد وقال: «لقد أبطأت وأنت تعلم أني ضمنت للسجان رجوعك عند العشاء، وها قد انتصف الليل، ولا يخفى عليك أَنَّ الشكوك محيطةٌ بنا من كل ناحية.»

وكان زكريا يسمع ويضحك كأنه لا يُبالي ما يحدق به من الخطر، فاستغرب سعيد استخفافه فقال: «ما بالُك تستخفُّ بما أقول؟ هل أسكرك عثورك على الأسطوانة؟»

قال: «لا، لا، ليس الأسطوانة بل دميانة …»

فأجفل وصاح فيه: «دميانة! دميانة! ماذا تعني؟ ما بالها؟ أين هي؟»

قال: «دميانة هنا.»

فلم يتمالكْ أن وقف فجأة وصرخ: «دميانة هنا؟ أين؟ أين هي؟» وهَمَّ بالخُرُوج من الغرفة وهو يحسب دميانة في الدار، فاستوقفه زكريا وقال: «ليست في المنزل هنا، وإنما هي في البلد، هي قريبةٌ جدًّا من هذا المكان، دعنا منها الآن.»

فنظر إليه، وأخذ يحدق في وجهه — وقد ظنه يمزح — وقال: «قل الصحيح يا زكريا، أين دميانة؟»

قال: «قلت لك إنها قريبة من هذا المكان، ولكن لا سبيل إليها الآن، ولا تلبث أن تأتي.»

قال: «وأين هي الآن؟»

فنظر إليه جادًّا، وقال: «اصبر يا سيدي حتى أخرج من السجن، وعند ذلك أجمعك بدميانة، وهذه هي الأسطوانة.» وأخرج الكيس من تحت إبطه، ثم أخرج منه الأسطوانة والكتاب، وقال: «هذه الأسطوانة التي أخبرتك عنها، وهذا هو كتاب البطريرك ميخائيل إلى الملك النوبة، فاحتفظ بهما.»

فتناول سعيد الأسطوانة وأخذ يقلبها بيده، وهي مختومة، وتناول الكتاب، وبينما هو يقلبه سمع دبدبة في صحن منزله وعلا صياح الخدم يستغيثون، فخرج ليعلم السبب، فرأى شرذمة من الجند دخلوا المنزل، وقال رئيسهم: «هذا هو اللص، أمسكوه.» وأشار إلى زكريا وأكب على الأسطوانة وأراد أن يخطفها من يد سعيد، وقال: «وهذه هي الأوراق المسروقة.» فقبض سعيد على الأسطوانة وجذبها إليه. وعرف أن الرجل الذي يكلمه إسطفانوس فانتهره قائلًا: «اذهب في سبيلك يا غلام وقف عند حدك.»

فصاح أحد الجنود قائلًا: «أتينا بأمر الوالي للقبض على هذا السجين الهارب وما معه، وهذه الأسطوانة وهذا الكتاب كانا معه، فينبغي أن نأخذهما ونأخذه إلى السجن، وفي صباح الغد ينظر الوالي في أمره.»

فقال سعيد: «خذوا الرجل إلى سجنه، وأما هذه الأشياء فتبقى عندي حتى أضعها بين يدي الوالي أو القاضي.»

فصاح إسطفانوس: «بل نأخذها الآن وإن أبيتَ وعصيت فإن هذا الجُند يأخذونك أنت أيضًا إلى السجن؛ فقد تواطأت مع السارق على الخروج من السجن، وساعدته على إخفاء السرقة.»

وقبل أن يُتم كلامه رفسه سعيد فألقاه في الخارج وصاح برجال قصره أن يخرجوه من المنزل، والتفت إلى عريف الجند وقال: «لا يغرنَّك كلام هذا الغر، وأصغ إلى ما أقوله لك. كنت عازمًا أن أسلم السجين إليكم تأخذونه إلى سجنه، وقد رأيت الآن أن أحتفظ به عندي، فمن كان له عليه طلب فليطلبْه مني.»

فتهرب العريف سعيدًا، وخرج ومعه إسطفانوس يصيح ويهدد ويتوعد، ولما صار خارج البيت قال العريف: «اشهدوا أن اللص وما سرق عند صاحب هذا القصر.»

وكان مرقس قد أخبر إسطفانوس بسرقة الأسطوانة، وأفهمه أنها إذا وقعت في يد دميانة قضت على ثروته ومستقبله، فأخذ إسطفانوس يراقب حركات زكريا والذين حوله، فعلم بمجيء سعيد إليه وبالإذن في خروجه، لكنه لم يره ساعة الخروج وإنما علم أنه برح السجن على أن يعود إليه بعد أن يمر ببيت سعيد، فاستخدم اسم أبيه بغير علمه، وأعد شرذمة من الجند ترابط قرب بيت سعيد، وقال لهم: «إذا دخل زكريا المنزل فاقبضوا عليه، واتهموا سعيدًا بالاشتراك معه.» وسار هو معهم؛ لعله يتمكن من خطف الأسطوانة. وقد أخرج هذا التدبير إلى حيز الفعل، لكنه لم ينجح في أخذ الأسطوانة والسجين، ورجع مخذولًا يتميز غيظًا، وسار توًّا إلى مرقس، وقص عليه ما جرى واستحثه على الشكوى من سعيد؛ لأنه خالف القوانين بإخراج اللص من السجن، ورفض تسليمه إلى الجُند؛ ولأنه — فوق ذلك — تواطأ مع البطريرك ميخائيل على مساعدة ملك النوبة في إخراج مصر مِن أيدي المسلمين وإرجاعها إلى ملك الروم، وكتاب هذا البطريرك إلى ملك النوبة موجودٌ مع الأسطوانة عند سعيد.

فركب مرقس في اليوم التالي إلى القطائع، وطلب الدخول على المعلم حنا كاتب المارداني والد إسطفانوس، فسلم عليه ثم قَصَّ عليه أمره، وطلب إليه أن يساعده في حمل الوالي على الاقتصاص من سعيد؛ لجرأته على إنقاذ السارق وإخفاء السرقة.

ولم يكن المعلم حنا يجهل أسبابَ هذه الخصومة، وكان في شاغلٍ عنها بمنصبه وأعماله، ولم يكن ابنُهُ إسطفانوس يجسر على مخاطبته بشأنٍ من الشئون حتى إنه كان أول مَن زهد أبا دميانة في خطبتها إلى ابنه، فلما سمع شكوى مرقس قال له: «هذا القضاء أمامك، ارفع شكواك إلى القاضي، وهو ينظر فيها ولا يضيع حقك.»

فقال: «ربما انحازَ القاضي إلى سعيد؛ لأنه حائزٌ على رضى الوالي اليوم، فلا ينصفنا.»

قال: «القاضي غيرُ متهم في ذمته، فإذا كانتْ دعواك حقًّا نلت حقك.» قال ذلك وحَوَّلَ وجهه؛ يتظاهرُ بالاهتمام بأُمُورٍ أخرى.

فقال مرقس: «قد لا تهمك هذه الشئون ظنًّا منك أنها خاصةٌ بنا. ولكن سعيدًا وزكريا يتآمران بدولة المسلمين يُساعدان البطريرك ميخائيل في إرسال كُتُبه إلى ملك النوبة لقلب الدولة وإعادة البلاد إلى ملك الروم، وقد وقف الجُند على كتاب معهما من البطريرك إلى ملك النوبة، فأبى سعيدٌ تسليم الكتاب وقال إنه عنده مع الأسطوانة، يقدمهما عند الحاجة.»

فمل المعلم حنا الحديث، وقد ساءه سَعْيُ مرقس في هذه الوشايات، لكنه استنكف أن يقول له ذلك في وجهه، فتلطف، وقال: «إذا كان لديك مثلُ هذه الأدلة، فقدمها للقاضي.»

فخرج مرقس، ولقيه إسطفانوس، فخجل أن يعترف بما ناله من الفشل؛ لاستخفاف المعلم حنا بأقواله فقال: «إن أباك أشار علي بإقامة الدعوى.»

فقال: «نعم الرأي، وها أنا ذا ذاهبٌ لأشكوه.» وكان إسطفانوس مسموع الكلمة عند أرباب المناصب إكرامًا لوالده، فرفع الدعوى إلى القاضي باسم مرقس مدعيًا أن الخادم زكريا الذي كان قد سجن لسرقة بيت سيده خرج من السجن خلسة بمساعدة سعيد المهندس الفرغاني، ولما ذهب الجندُ للقبض عليه طردهم سعيدٌ وأهانهم، ولم يسلم السارق.

فلما طلب من القاضي النظر في هذه الدعوى دعا هذا المتهمين، فجاء سعيد وقال: «إني أطلب أن تنظر دعوانا أمام الوالي نفسه؛ لأن المسألة ذاتُ شأن»

•••

لم يسع القاضي الامتناع، فرفع الأمر إلى ابن طولون، فطلب هذا حُضُور الجميع في غُرفة خاصة من قصره، فحضر مرقس وزكريا وسعيد، فأمرهم بالجلوس وهو يتفرس في وجوههم، فتذكر أنه رأى زكريا مرة قبل هذه، فسألهم: بأي لسان تتداعون؟» فقالوا: «بالعربية فإننا نفهمها جميعًا.» فقال: «من منكم المدعي؟» فوقف مرقس وقال: «أنا يا مولاي.»

قال: «وما دعواك؟»

قال: «دعواي على هذا النوبي، فقد عرفت عنه انه تآمر على سلامة وليِّ أمير المؤمنين مولانا الأمير مع هذا المهندس الفرغاني.»

فالتفت ابن طولون إلى سعيد، وتفرس فيه كأنه يعاتبه فرآه مطمئنَّ البال لم يتغير، فأمر ابن طولون كاتبه أن يدون دعوى المعلم مرقس، ثم قال له: «اشرحْ لنا أولًا دعواك على هذا الرجل.» وأشار إلى زكريا.

قال: «إنه كان خادمًا في منزلي، فاختلس أثناء غيابي عن طاء النمل كثيرًا من نقودي وأوراقي، ومن بينها أسطوانةٌ فيها أوراقٌ مختومةٌ لا يجوز فتحُها.»

فالتفت ابن طولون إلى زكريا، فرآه مطرقًا متأدبًا، فقال: «ما تقول يا رجل؟»

قال: «أنا أعترف يا مولاي أني سرقت من منزله هذه الأسطوانة — وأخرجها من جيبه — ولم أسرق شيئًا آخر، ولا أظنه يستطيع إثبات السرقة علي.»

فلما رأى مرقس الأسطوانة في يد زكريا تقدم ومد يده ليأخذها منه، فامتنع زكريا ودفعها إلى ابن طولون، وقال: «إن لهذه الأسطوانة حديثًا سنصل إليه في أثناء الدفاع، فلتبق مع مولانا الأمير.»

فرجع مرقس مدحورًا وازداد حنقًا فقال ابن طولون: «وماذا تعلم من دسائس هذا النوبي علينا؟»

قال: «لما سرق الأسطوانة وغيرها من منزلي فَرَّ إلى دير أبي مقار فأرسلت في أثره رجلًا تعقبه، فعلم أنه حمل كتابًا من البطريرك ميخائيل إلى ملك النوبة؛ جوابًا على كتاب جاء من ذاك يحرضه فيه على السعي في إخراج مصر من حُكم المسلمين وإرجاعها إلى مُلك الروم.»

فلما سمع ابن طولون الشكوى مال إلى تصديقها؛ لأنه كان قد سمع بشيءٍ من هذه الوقائع من قبل، فأراد أن يكون نقاشها بحضور البطريرك نفسه، فقال: «علمت أن البطريرك ميخائيل جاء الفسطاط بالأمس والأوْلى بنا إحضاره؛ ليكون الكلام في وجهه.» وصفَّق فجاء غلام أمره أن يدعو البطريرك ميخائيل إلى الجلسة لتأدية الشهادة.

فتقدم زكريا عند ذلك، وقال: «لا يزال بعض المدعى عليهم غائبين، فإذا رأى مولانا أن يستقدم الباقين فعل.»

قال: «ومن أيضًا؟»

قال: «ابنة المعلم مرقس هذا فإنها شريكةٌ في سرقة الأسطوانة.»

فقال: «من يحضرها؟»

قال: «أنا أحضرها.»

فوقع الكلام وقع السهام في قلب مرقس فأراد أن يعارض في إحضارها فقال: «لا يا سيدي إذا ذهب لا يرجع فإنه سريع الهرب.»

قال زكريا: «يرسل مولاي من يشاء من الجند معي حتى أعود؛ فإن الفتاة على مقربة من هذا المكان.»

فأمر ابن طولون بعض الحراس أن يذهبوا مع زكريا ويعودوا به، ومكث الأمير وسعيد ومرقس في انتظار مجيء البطريرك ودميانة. وشغل ذهن ابن طولون بما سمعه من اشتراك سعيد في الدسائس على الدولة، فنظر إليه وقال: «سعيد! ألم نرفع قدرك ونجعلك من خاصتنا؟»

قال: «ومن ينكر ذلك؟ إني غارق في نِعم مولاي الأمير، وحاش لله أن أسعى في غير خدمته.»

قال: «فالمعلم مرقس كاذب فيما يقول؟»

قال: «سيظهر ذلك قريبًا يا سيدي. وهذا هو الكتاب الذي يزعم أن زكريا حمله من البطريرك ميخائيل إلى ملك النوبة.»

قال ذلك ودفع الكتاب مختومًا إلى ابن طولون، فوضعه بين يديه بجانب الأسطوانة، وأجَّل فضه حتى يحضر البطريرك.

وبعد قليل جاء الحاجب يقول: «إن البطريرك بالباب.» فأمر ابن طولون بدخوله، فدخل وعليه لباسه الرسمي وقد بدت الدهشة في وجهه، فوقف له الحضور وابن طولون أيضًا ودعاه إلى الجلوس على كرسيٍّ بجانبه، فجلس وأول ما وقع بصرُهُ عليه كتابه إلى ملك النوبة بين يدي ابن طولون، استغرب ذلك والتفت فوجد المعلم مرقس، وكان يعرفه ويعرف قصة ابنته مع إسطفانوس وكذلك سعيدًا.

ولم يكد يستقر به المقام حتى دخل الآذن ينبئ بمجيء زكريا ودميانة، فدخلا وفي أثرهما سمعان النوبي، فوقف في بعض أطراف القاعة. فلما وقع نظر البطريرك على زكريا ودميانة أدرك الغرض من حضوره، فوجه ابن طولون كلامه إلى البطريرك أولًا لعظم شأن تهمته، وقال: «أليس هذا الكتاب منك؟» وأراه الكتاب وقال: «بلى.»

قال: «أليس خاتمك عليه؟»

قال: «بلى يا سيدي.»

قال: «وأرسلته إلى ملك النوبة، وحدثته فيه عن إخراج هذه البلاد من حوزة المسلمين؟»

قال: «نعم يا سيدي.»

قال: «أبلغ، من أمرك أن تتواطأ مع عدونا علينا؟»

فتبسم البطريرك وقال: «إن الأمير يتهمني بما سمعه من الوشاة، وهم — لسوء الحظ — من أبنائي ورعيتي. فقد قالوا إني خائنٌ وإني أتآمر بك وأدس الدسائس، وقد استولَوا على كتابي هذا على غير علمٍ مني فما على الأمير إلا أن يفضَّه ويأمر بتلاوته، فيعرف الحقيقة، فإن كنت خائنًا فقد حق علي ما ضربتموه من الأموال التي أثقلت كاهلي، وإن أكن بريئًا فالأمرُ مفوضٌ للأمير.» قال ذلك وقد بدا التأثرُ في عينيه وفي كل كيانه.

فقال ابن طولون: «صدقت. وأشار إلى الكاتب بين يديه، وقال: «أنت تقرأ القبطية؟»

فوقف الكاتب، وقال: «نعم يا سيدي.»

فدفع إليه الكتاب، ففَضَّه، وأخذ يقرؤه ويترجمه والكل ساكتون يسمعون، وهذا فحواه:

ولدنا بالروح (فيرفي) ملك النوبة

جاءنا منك كتبٌ غير قليلة تدعونا فيها إلى خلع طاعة حُكامنا المسلمين والرجوع إلى سلطان الروم، ولو كان خيرًا من سواهم لَمَا خرجنا من طاعتهم ورضينا أن يحكمنا غيرهم، وهؤلاء العرب قد تعودناهم وتعودونا، وهم خيرٌ لنا من أولئك، ولا أنكر أَنَّ بعض الولاة المسلمين كانوا أهل ظُلم وقسوة، ساموا أبناءنا الأقباط العذاب، ولكنهم على الإجمال أهل عدل ورفق، وأخص أميرنا الحالي أحمد بن طولون؛ فإنه ما انفك منذ تولى مصر يرفع المظالم ويكف الأذى عن طائفتنا، على أنك لو تدبرت ما لَحِقَنَا من الأذى على عهد هؤلاء العرب؛ لوجدت الحق علينا نحن، لفساد نياتنا وانقسامنا فيما بيننا، إذ يتهم بعضنا بعضًا ويشي بعضنا ببعض الضغائن في الصدور. وأقرب شاهد على ذلك ما وقع لنا، فإن بعض الأساقفة قَصَّرَ في واجبات الكنيسة، فحرمته فحقد علي ووشى بي إلى الوالي زاعمًا أني صاحبُ مالٍ كثير، وأشار عليه أن يطالبني بأموالٍ تلزمني للدولة، فضربوا عليَّ ضرائب يعلم السيد المسيح أني عاجز عن نصفها وربعها، ولكن الوالي لا يصدق قولي. هذا مثلٌ ضربته لك فاعتبرْ به. ورأيي أن نقنع بالرضوخ لحُكَّامنا هؤلاء، فهم خيرٌ لنا مِن سواهم، وإذا وجدنا في بعضهم عيبًا فقد كان في وُلاة الروم قبلهم ما هو شرٌّ وأدهى. وفي الختام أهديك البركة والدعاء ونطلب إلى المولى أن يُصلح نياتنا ويجمع قلوبنا فنحسن معاملة حكامنا لنا، والسلام.

كان الكاتب يقرأ ويترجم والحضورُ يسمعون والبطريرك مطرقٌ ينتظر النتيجة. ولم يأت الكاتب على آخر الكتاب حتى انبسط وجهُ ابن طولون بعد أن كان منقبضًا، فالتفت إلى البطريرك وقال: «لقد أسأْنا عشرتك وسمعنا الوشاية فيك. والله لو كان كل أبناء طائفتك على رأيك لكانوا أسعدَ حالًا وأنعم بالًا، فوجب علينا التخفيف عنك، وقد أتت هذه الشكوى لك لا عليك.»

قال: «هذه إرادة الرب.»

فالتفت ابن طولون إلى مرقس، وقال: «هذه دعواك يا معلم مرقس قد سقطت، فأين هي الأخرى.»

فوقع مرقس في حيرة، ثم أراد أن يحتال لإيقاع زكريا، فقال: «إن أبانا البطريرك قد تبرأ بنص كتابه ولكن حامل الكتاب لا يبرأ؛ لأنه حمل الكتاب إلى مَلِكِ النوبة، وهو يظن فيه تآمرًا، وقبل أن يكون وسيطًا فيه. وما كان يسعى له أن يحمله، ولكنه نوبيٌّ يخدم مصلحة ملكه، ولو علم أن الكتاب بالمعنى الذي سمعنا لم يحمله.»

فقال ابن طولون: «الواقع أن الكتاب واضحُ المعنى والمبني، وليس في حمله إلا خدمة لحكومة المسلمين، جزاه الله عنا خيرًا. والآن ننتقل إلى دعواك الأخرى، ولا بأس من بيانها بحضور البطريرك.»

فقال زكريا: «بل حضور غبطته ضروري.»

فتغيرت سحنة مرقس وبدا الاضطرابُ عليه، وتلعثم لسانُهُ والحضور يتسمعون لسماع دعواه، ولما أبطأ تقدم زكريا، فقال: «أستأذن سيدي الأمير في أن أنوب عن المعلم مرقس في الكلام.»

فقطع مرقس كلامَه قائلًا: «مَن أنابك عني؟ أنا أتكلم عن نفسي.»

فسكت زكريا وتراجع ودميانة واقفةٌ وقلبها يخفق؛ شفقة على أبيها وطال سكوت مرقس فقال زكريا: «للمعلم مرقس شريك في الدعوى فليأمر الأمير بإحضاره.»

قال: «من هو؟»

قال: «إسطفانوس ابن المعلم حنا كاتب الخراج.»

فأمر ابن طولون بإحضاره، فجاءوا به، وأوقفوه بجانب المعلم مرقس، ولم يفتح عليه هو أيضًا بالكلام، واعتذر بألمٍ أصابه يمنعُهُ من التكلُّم، فأمر ابن طولون بإجلاسه والتفت إلى زكريا وقال: «قُلْ يا أسمر ما تعرف من أمر هذه القضية؟»

فتقدم زكريا وأخذ الأُسطوانة بيده، وقال: «إن الخصام كله على ما في هذه الأسطوانة، وهي رق مكتوبٌ لمصلحة هذه العذراء الطاهرة ابنة المعلم مرقس، فقد ماتت والدتُها وهي طفلةٌ، وكانت لها مربية، وأظنكم تعرفونها وهي مارية القبطية صاحبة قرية طاء النمل التي مَرَّ بها الخليفة المأمون عند زيارته مصر، وبالغت في إكرامه، وكان المأمون لَمَّا شَرَّفَها بالضيافة قد أهدى إليها بعض الجواري والخصيان وأنا منهم، فقد كنت خصيًّا حملت إليه هدية من ملك النوبة مع خصيان آخرين. وربيت في منزلها وكان اسمي إبراهيم، فسمتني زكريا، فلما ولدت امرأة المعلم مرقس هذه الفتاة سمتها دميانة باسم القديسة دميانة، وكانت مارية — قدس الله روحها — تعرف سفه هذا المعلم وفسقه، فأرادت أن تضمن لابنته الصغيرة مستقبلها فوهبتها قرية طاء النمل وقُرًى أخرى بقربها، وكتبت بذلك صكًّا مسجلًا حفظته في هذه الأسطوانة.» قال ذلك واستأذن ابن طولون في فَضِّ الختم، فأذن له ففضه وأخرج رقًّا مكتوبًا بالقبطية دفعه إلى الكاتب وطلب إليه أن يترجمه إلى العربية وكان فيه ما يلي:

إن مارية القبطية وهبت ابنتها بالروح دميانة بنت المعلم مرقس قريتها طاء النمل كلها وما يلحقها من المغارس، وتدار هذه القرية بإرشاد أبيها، ولا يحق له أن يتصرف فيها، فإذا بلغت ابنتُهُ رشدها وتزوجت؛ آلتْ إدارتها إليها، ورفعت يد أبيها عنها … إلخ.

وكان الحضورُ يسمعون ما يتلوه الكاتبُ وعيونهم على مرقس، وهو مطرقٌ والعرقُ يتقطَّر مِنْ وجهه، وصدرُهُ يعلو ويهبط من عبر تنفسه فلما فرغ الكاتب من القراءة قال ابن طولون: «ألا يوجد شهود؟»

قال الكاتب: «نعم يا سيدي، إني أقرأ اسمي ميخائيل ومنقريوس.»

فقال البطريرك: «إن ميخائيل اسمي وكنت لا أزال أسقفًا، وأشهد أن مارية القبطية وهبت الفتاة تلك القرية. وأما منقريوس، فإنه قسيس طاء النمل وهو مقيمٌ هناك حتى الساعة.»

فقال ابن طولون: «نكتفي بشهادتك.» والتفت إلى زكريا، وقال: «هل فرغتَ من حديثك يا أسمر؟»

قال: «كلا يا سيدي؟ لا أزالُ في أول الحديث، فهل أتمه؟»

وكان ابن طولون قد تَوَسَّمَ الصدق في لهجته فقال له: «أتمه.»

قال: «ولرغبة مارية في رعاية هذه الفتاة وهبتني لها، وأمرتني أن أبقى في خدمتها حتى تشب وتتزوج، فأطعتها ولازمت البنت من طفولتها، ولا أزال إلى الآن، وسأبقى ما دمت حيًّا. فنشأت البنت في كنف تربية حسنة غرستْها فيها والدتها — رحمها الله — فإنها كانت تقية طيبة العنصر. فنشأت ابنتها مثلها تحب الصلاة والعبادة، وفيها ميل إلى البر والإحسان، وبلغت هذه السن ولم تعلم بما في هذه الأسطوانة؛ لأن أباها كان يُبالغ في إخفائها عنها وأنا صابرٌ عليه؛ لعله يرعوي. فرأيته بعد أن ماتت زوجتُهُ أم دميانة قد عكف على التسرِّي واقتناء الجواري وتعاطي المسكر والانغماس في القصف واللهو، والبنت تكره ذلك فيه وهو لا يلتفت إليها. وأخيرًا أراد أن يزوجها بشاب على شاكلته هو هذا الواقف أمامكم — وأشار إلى إسطفانوس — تقربًا لأبيه مع أن أباه تبرأ منه، فتواطأ مع إسطفانوس على إخفاء أمر الوصية والتمتُّع بالأموال، وكلاهما سكير فاسق.»

فلما وصل إلى ذلك تنفس الصعداء ليستريح، ثم تحول إلى سعيد فأمسكه بيده، وأتم حديثه قائلًا: «وأما الفتاة فعرفت هذا الشهم ولا أزيدكم تعريفًا بمناقبه، وكان مقيمًا عند جارهم أبي الحسن البغدادي وتواعدا على الاقتران، وكان هو يعمل في حفر العين بالمغافر. فعلم إسطفانوس بذلك وخاف إذا نجح سعيد في حفر العين أن يعظم في عينَي الأمير ويأخذ دميانة، فكاد له كيدًا لا يرتكبه أعظمُ الأشرار. أوصى بعض رجاله بأن يضع قصرية الجير في المكان الذي يعلمه الأمير حتى حدث ما حدث من إجفال جواده ووقوعه، وظن يومئذٍ مولاي أن ذلك من تقصير سعيد، فأمر بضربه وسجنه، ثم أطلق سراحه لأجل بناء الجامع. ولعل الأمير يذكر أني ذكرت له اسم سعيد وأنه أقدر من يبني الجامع على ما يريده مولاي.»

فهز ابن طولون رأسه موافقًا.

فعاد زكريا إلى الكلام قائلًا: «وبعد أن أوقعوا سعيدًا في الفخ أرادوا إكراه الفتاة على الزواج بإسطفانوس، ولم يطعني ضميري على ذلك — وأنا عالم بالحقيقة — ففررت بها فخبأتها في حلوان وذهبت وأخذت هذه الأسطوانة لأطالب بحق الفتاة، ولما رجعت إلى حلوان رأيت الفتاة قد أخذها البجة سبية، فرأيت أن أوسط أبانا البطريرك في استنجاد ملك النوبة على البجة، فسرت إليه في دير أبي مقار، فأعطاني هذا الكتاب وفي ذيله توصية بي لملك البجة. فحملتها وكان يتعقبني جاسوسٌ أرسله هذا المعلم في أثري — كما قال — وأنا لا أدري، ولما وصلت إلى الأهرام جاء برجاله للقبض عليَّ، فلما تحققت وقوعي في قبضتهم أخفيت الأسطوانة والكتب في مدخل الأهرام، وقبضوا علي وسجنوني، ثم احتلت على الخُرُوج بوساطة مولاي سعيد المهندس؛ لآتي بالكيس، فعثرت على مولاتي دميانة ومعها هذا النوبي (وأشار إلى سمعان) وهو الذي جاء بها من بلاد البجة. وعلم هؤلاء بخروجي فاحتالوا ليأخذوا الأسطوانة فلم يفلحوا، وأرادوا الشر فعاد عليهم. وأنا لا أرب لي في كل ما تقدم إلا القيام بالمهمة التي عهدت بها إلى السيدة مارية، فقد تعهدت أن أخدم هذه الفتاة وأرعى مصلحتها، وقد بذلت جهدي في ذلك والأمر لمولانا.»

قال ذلك وتراجع ووقف والجميع سكوتٌ كأن على رءوسهم الطير، ينتظرون ما يصدر من الحكم، فإذا ابن طولون يقول: «إن حديثك يا أسمر مع طوله لا يُمل، لقد كشفت عن خفايا كثيرة.» والتفت إلى مرقس وإسطفانوس وقال: «هل لديكما ما تدفعان به عن نفسيكما؟»

وكان مرقس مطرقًا يكاد يذوب خجلًا، وقد ارتج عليه أما إسطفانوس فعظم عليه السكوت، فقال: «إن التهمة التي وَجَّهَهَا إليَّ هذا النوبي لا دليل على صحتها، وكيف يتأتى لي أن أدس قصرية الجير؟»

فتقدم زكريا وقال: «أنا لا أقول إني نظرتك تفعل ذلك، ولكنني أستدل من قرائنَ كثيرة أنك أنت الفاعل.»

فقطع ابن طولون كلامه قائلًا: «أنا أيضًا أؤيد هذا القول بدليل تذكرته الآن، هو أن بعض الناس من أبناء طائفتك — ولعلهم من ذوي قرباك — كانوا يقبحون عمل هذا المهندس لدي ويبغضونه إلي بكل وسيلة، وأنا أسمع لهم معتقدًا إخلاصهم، فلما كنا جوادي في قصرية الجير، وذكروا أن سعيدًا فعل ذلك متعمدًا ليقتلني، فصدقتهم، وإنني أشكر زكريا؛ لأنه كان الوسيلة إلى إخراجه من السجن وإلى إرشادي إلى مقدرته في فن الهندسة — لله درك من خادم أمين نصوح.»

وكان البطريرك مصغيًا فلما سمع قول ابن طولون هز رأسه متعجبًا وهو يمشط لحيته بأنامله وقال: «سبحان الله! إن الضرر لا يأتينا إلا منا؛ يسيء بعضنا إلى بعض ويُفسد بعضنا أعمال بعض.»

فصاح إسطفانوس: «إن هذا الشاب — وأشار إلى سعيد — لطمني ورماني في صحن الكنيسة ليلة الاحتفال بِعِيدِ الشهيد، فأغضيت عنه، ولم أُرِدْ أذيته، فكيف أسعى ضده؟»

فقال زكريا: «أغضيت عن عجز، ولو استطعت قتله ما تأخرت، ولكنك جبان خسيس.»

فصرخ إسطفانوس: «أتهينني في حضرة الأمير؟»

فأشار ابن طولون فسكتا، وقال: «إن ادعاءك أن سعيدًا ضربك مع ما ظهر منك لنا من أخلاقك؛ يؤكد لنا أنك تعمدت أذاه بوضع قصرية الجير.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١