تحليل اجتماعي-نفسي لنقد الاستشراق

لقد بدأت مَوجة نقد الاستشراق من الزاوية السياسية والحضارية في الخمسينيات من هذا القرن، على حِين أنَّ نَقدَه من الزاوية الدِّينية كان أقدَمَ من ذلك بكثير. ومنذ أن كتَبَ أنور عبد الملك مقالَهُ الهام عن أزمة الاستشراق، بدأ حوارٌ جادٌّ حول هذا الموضوع، دارت مُعظَم حلقاته خارج حدود الوطن العربي. ولكن العمل الذي فجَّرَ المشكلة في الخارج ونقلها بعد ذلك بِصورةٍ حَيَّة إلى الداخل، هو كِتاب إدوارد سعيد عن الاستشراق. ومنذ ذلك الحين توالَتْ كتابات مُتعدِّدة حول هذا الموضوع بطريقةٍ تُوحي بأن المُثقَّفين العرَب كانوا يَنتظرون إشارة البَدْء للهُجوم على الاستشراق بكلِّ العُنفِ الذي يؤدِّي إليه غضَبٌ وسُخطٌ مُختَزَنان منذ أمدٍ بعيد.

على أننا قد أوضحنا من قبلُ أنَّ حركة نقد الاستشراق يَستحيل أن يُنظَر إليها من اتِّجاهٍ واحد؛ لأنها بطبيعتِها جُزءٌ من ظاهرةٍ أوسعَ منها وأهم، هي الإدراك المُتبادَل بين الثقافات. فمِن القُصور وعدَم الدِّقَّة أنْ نُصدِرَ حُكمًا أحاديَّ الجانِبِ على طريقة الباحِثين الغربِيِّين في دراسة الشرق، دون أن يُكمِّل ذلك حكمٌ آخر على رؤية الشرقِيِّين للغرب؛ لأن بحث الموضوع من هذا المنظور يفتح آفاقًا أوسع وأشمل. وصحيح أنَّ الرؤية الغربية للشرق تَتَّسِم بسِمَةٍ فريدة (هي التي يتوسَّع في تحليلها نُقَّاد الاستشراق من العرَب المُعاصِرين)، هي أنها رؤية تَتمُّ في ظروف عَداءٍ تاريخي طويل، مُقترِن برغبةٍ في السيطرة، أي إنها معرفة غير مقصودة لذاتها، لا تُشكِّل — على حدِّ تعبير إدوارد سعيد — بحثًا حُرًّا أو موضوعيًّا. ولكن تَكمِلةَ الرؤية الاستشراقية برؤية أخرى «استغرابية» — كما حاوَلْنا أن نفعَلَ في هذا البحث — كفيلة بأن تَكشِف لنا عن حقيقة هامَّة، هي أنَّ الغربَ بِدورِه لا يُمكِن أن يُشكِّل بحثًا حُرًّا وموضوعيًّا بالنسبة إلى الشرقي، أو العربي، أو المُسلِم، مع فارِقٍ هامٍّ هو أن الخروج من الحرية والموضوعية — أي التَّشويه، إذا جازَ أن نَستخدِم هذا اللفظ — يتمُّ في هذه الحالة من مَوقِعِ الضَّعف، والرغبة في مُقاوَمَةِ الخُضوع والتبعية. وهكذا تتكشَّف لنا أبعادٌ جديدة لمشكلة الإدراك المُتبادَل بين الثقافات، ودوافعُ للافتِقار إلى الموضوعية في العلوم الإنسانية، أوسعُ من مُجرَّد فرض سلطةٍ القوي وسَعْيِه إلى تحقيق مَصالِحِه. فالخَوف من التَّبعيَّة، أو الانتقام من السيطرة السابقة، أو تَسوية الحِساب مع القَهْر التاريخي، تخلُق أساطيرَها الخاصَّة عن «الآخر» على نحوٍ لا يقل، بل ربما كان يزيد، عن تلك الأساطير التي تخلُقُها المصالح التوسُّعية للمُسيطِرين.

إن السِّياقات التاريخية للالتِقاء بين الثقافات تَتَّسِم بالتعدُّد والتعقيد الشديد، وتفرِض بالضرورة حدودًا لا تستطيع كلُّ ثقافة أن تتعدَّاها في مُحاولتها فَهم الثقافة الأخرى. وإذا كُنَّا قد اكتفَينا في المُحاوَلات السابقة بإضافة بُعدٍ جديد يُشكِّل الوجهَ الآخَرَ لذلك البُعد الذي رَكَّز عليه ناقِدو الاستشراق المُعاصِرون — أي إذا كُنَّا قد أضفْنا بُعدَ سُوء الفَهم الذي يَجلُبه الضَّعف إلى سُوء الفَهْم الناتج عن القوة، فإننا حتى بَعدَ هذه الإضافة لا نكون قد استنفَدْنا التعقيد الشديد لظاهِرة الالتقاء الثقافي بين الشَّرق والغرب على مدى التاريخ؛ ففي العصر القديم، لم تكن العلاقة تتَّسِم فقط بذلك التحامُل والاستِعلاء الذي أبداه أُدَباء اليونان وشعراؤهم تجاه الشرق، كما أشار إ. سعيد، بل كان هناك — كما قُلنا من قبل — ذلك الإعجاب المُفرِط الذي أبداه أفلاطون بحِكمة المصريين القُدَماء، وتلك الرحلة إلى الشرق التي كانت جُزءًا أساسيًّا من التكوين العقلي والرُّوحي للفيلسوف. كذلك لا نستطيع أن نجِدَ نمطًا واحدًا ثابتًا للعلاقة بين الغرب والشرق في العصور الوسطى، فقد تكوَّنَت عداوات وحدَثَت تشويهات وتَحامُلات بسبب الحروب الصليبية والصراع الدِّيني والنِّزاع على طُرُق التجارة مع الشرق، ولكن كان هناك في الوقت ذاته إعجابٌ مُفرِط بالعرَب والإسلام (في بلاط ملوك صقلية وجنوب إيطاليا مثلًا)، وكان هناك انبِهار بالمعرفة والقِيَم والأخلاق العربية حتى في قلب العَداء الصليبي ذاته. وفي العصر الحديث تعقَّدَت صورة الغرب في نظر الشرق: ما بين العداء الشديد للاستِعمار وكلِّ ما يرتبِط به عند البعض، والتمجيد الزائد للعِلم والتقدُّم الاجتماعي الغربي عند البعض الآخر. ومن جهةٍ أخرى كان الغرب يؤكد الصورة الجامِدة للإسلام نتيجةً لاستعلائه وشُعوره بالسيطرة، ولكنه بعد بداية عصر البترول العربي، ثم بعد الثورة الإيرانية بوجهٍ خاص، يقوم بجهدٍ محموم للبحث في ديناميات العقيدة الإسلامية، بطوائفها المُختلفة، أملًا في التنبُّؤ بالاتجاهات المُحتمَلة لتحرُّكها في المستقبل.

إنها إذن صورة مُعقَّدة كلَّ التعقيد، لا يُمكن اختزالها إلى نمَط «التشويه من أجل السيطرة». وهذا يؤدِّي إلى إثارة سؤالٍ على جانبٍ كبير من الأهمية هو: لماذا ركَّز النُّقَّاد العرَب المُعاصِرون والعلمانيون على هذا النَّمط بالذات، وتركوا الجوانب الأُخرى لظاهرة الالتِقاء بين الثقافات، التي لا يُشكِّل هذا النَّمَط إلا جانبًا واحدًا من جوانبها؟

في مُحاوَلتنا أن نُجيب عن هذا السؤال الهام، سيكون لِزامًا علينا أن نقوم بنوع من التحليل الاجتماعي-النفسي لحركة نقد الاستشراق في المجتمع العربي المُعاصِر، وهذا التحليل يَستحقُّ في الواقع أن يُسَمَّى «دراسة لباثولوجية النقد المُعاصِر للاستشراق». وبطبيعة الحال فإن أيَّ تحليلٍ من هذا النوع ما هو إلَّا اجتهادٌ شخصي يُمكِن أن يُرفَض بأكمله. فالجُزء السابق من البحث هو الجزء الواقعي Factual، أمَّا هذا الجُزء فهو تَفسيرِي Explanatory. ومن حقِّ الكثيرين ألَّا يَقتنعوا بهذا التفسير، وإن كنتُ من جانبي أعتقِد أنه يُسهِم في إلقاء ضوء هامٍّ على حركة نقد الاستشراق لدى العرب المُعاصِرين، بقدر ما تُمثِّل جانبًا هامًّا من جوانب أزمة الثقافة العربية المُعاصرة.

مُحاولة لتحليلٍ اجتماعي-نفسي للاستشراق

على الرغم من أنَّ هدَفَنا في هذا الجُزء من البحث هو تحليل حركة «نقد الاستشراق»، فلا بأسَ من أن نَبدأ بمُحاولةٍ شديدة الإيجاز، وناقِصة بغَير شك، لتحليل حركة الاستشراق ذاتها من مُنظورٍ اجتماعي-نفسي.

إنَّ الاستشراق يُرضي عند الكثيرين من أصحابه نزَعات التعصُّب التي يُمارِسها المُنتَمُون إلى ثقافةٍ مُعادية دينيًّا، وأحيانًا عُنصريًّا، لثقافةٍ أخرى، وكذلك نزَعات الاستِعلاء التي تشعُر بها ثقافة مُتفوِّقة نحوَ ثقافةٍ أصبحَتْ في المرحلة التاريخية الراهنة أضعفَ منها بكثير، ولكن هذا جانب واحد من صورةٍ شديدة التعقيد، فلنُرجئ الكلام إلى موضعٍ لاحِقٍ عن ظاهرة التعصُّب ولنتأمَّل الأشكال المُختلِفة المُباشِرة وغير المُباشِرة التي تتَّخِذُها نزعة الاستِعلاء.

هذه النزعة تتَّخِذ شكلَ مَيلٍ إلى التوسيع Expansion وخروج العقل عن حدود ثقافته الخاصة، والتوجُّه إلى الآخَر من أجل مُحاوَلة فَهمِه في العُمق. وقد تتسامى هذه النَّزعة فتأخُذُ شكلَ كرَمٍ عقلي وسَعةِ أُفُق وتَواضُعٍ يَسمَح للمُستشرِق أن يَمدَح هذا الآخَرَ ويَجِد عناصر إيجابية في عقيدته التي لا يُؤمِن بها، أو في نَمَطِ حياته الذي هو بالنِّسبة إليه تاريخي عتيق Archaic.

وفي حالاتٍ كثيرة يتَّخِذ هذا التوسُّع شكلَ النَّزعة العِلمية المُفرِطة، التي تُدقِّق في تفاصيل موضوعاتها بهدَف الاستِيعاب الكامل. ولكن هذا التدقيق التفصيلي والإفراط في استِخدام المَنهج المُنضبِط قد يؤدِّي أحيانًا إلى تغيير صورة الموضوع الذي يتمُّ بحثُه، بحيث تَختفي معالمه الأصلية وسط ذلك الحَشْد الهائل من المعلومات والمُقارَنات التي يقوم بها باحِثون يَعرفون عِشرين لغةً مثلًا ما بين شرقية وغربية.

وفي أحيانٍ كثيرةٍ تتَّخِذ هذه النَّزعة التَّوسُّعية شكل التضحية، وربما الاستِشهاد العِلمي، بحيث تُشكِّل نَوعًا من الرَّهبنة (الفِعلية أو المَجازية) لباحثٍ غربي يقضي حياتَه بين أسوار الحياة العقلية والرُّوحية لمُجتمع آخر.

ولكن ربما كان أهم الأشكال التي تتَّخِذها النَّزعة التوسُّعية هذه، هو شكل الوِصاية الأبَوِيَّة Paternalism التي يُمارسها باحث غربي ينتمي إلى مجتمع مُتقدِّم تِجاه المجتمعات الأكثر تخلُّفًا. قد تكون هذه الوصاية على شكل تَعاطُف أو توجيه وإرشاد، وقد تتَّخِذ شكل السُّخرية الخَفِيَّة، ولكنها في جميع الحالات تُبِّرر الجُهد الذي يبذُله المُستشرِق في دراسة «الآخر» وتُقدِّم إليه مُكافأةً معنوية يحتاج إليها مُقابِل تضحيته.

ومع ذلك، فمِن المُمكِن أن تؤدِّي هذه المُعايَشة المُستمرَّة للمُجتمع الآخر — أيًّا كانت دوافعها الأولى — إلى تعاطُفٍ حقيقي، وإلى اندِماج رُوحيٍّ في هذا المُجتمع، واقتراب من فَهِم المنظور الذي يتأمَّل به هذا الآخر عالَمَه، بل وإلى انسِلاخ — بدرَجاتٍ مُتفاوِتة — عن الجُذور الغربية التي كانت تُشكل نُقطة انطلاق المُستشرِق.

ولعلَّ هذه النَّزعة التوسُّعية، المصحوبة بالتَّرَف تارةً وبالتعاطُف تارةً أخرى، والتي تُمثِّل في كثيرٍ من الأحيان نَوعًا من الوِصاية الأبَوِيَّة، هي التي تُفسِّر تلك الظاهرة الفريدة التي تُميِّز مَبحثَ الاستشراق عن فُروع المَعرفة الأخرى، وهي أنَّ مَسارَه كان يتَّجِه نحوَ توسيع مجاله باطِّراد، واستيعاب جميع أنواع التَّخصُّصات في داخله، بقدر ما تَتعلَّق «بالشرق»، على حين أنَّ الاتِّجاه المألوف في الفروع الأخرى يسير نحوَ مزيدٍ من التخصُّص الدقيق، وتطوُّر الفروع الجُزئية إلى علومٍ لها كِيانها المُستقل.١

هذه خطوط عامَّة لموضوعٍ يحتاج قَطعًا إلى ما هو أكثر بكثيرٍ من هذه الإشارات العاجِلة، ولكن موضوعنا الأصلي هو تحليل حركة النقد المُوجَّهة إلى الاستشراق.

تحليل لحركة نَقْد الاستشراق

  • (١)

    أوَّلُ سؤالٍ نَودُّ أن نُجيب عنه في هذا التحليل هو: لمن يوجَّه خِطاب الاستشراق؟ هناك، من الوِجهة النظرية، ثلاثةُ احتمالات: إمَّا أنَّه يُوجَّه إلى الغرب نفسه، أي إنه يستهدف تقديم الشرق بصورة مَنهجيَّة — أيًّا كان نوع المنهج المُستخدَم — إلى الثقافة الغربية، وإمَّا أنه يُوجَّه إلى الشرق، أي أنَّهُ يَستهدِف تعريف الشرق بنفسه وبثقافته من خلال «توسُّط» الباحث الغربي، وإمَّا أنَّ له الهَدَفَين معًا. وفي رأيي أنَّ الاحتِمال الأوَّل هو وَحدَه الصحيح. فالمُستشرِقون يَكتُبون عن الشرق والعرب والإسلام لأبناء ثقافتِهم، وليس من أهداف عملهم العِلمي توصيله إلى الثقافة الشرقية وتعريفها بنفسها من خلاله. صحيح أن هذا الأمر الأخير يتحقَّقُ كأمرٍ واقع، وأنَّنا كشرقِيِّين ننتفِع من أعمال المُستشرِقين على نِطاق واسع، ولكن هذا هدف غير مقصود.

    فالاستشراق ليس فقط مبحثًا «يرتبط بمصدره؛ أي الغرب، أكثرَ مِمَّا يرتبِط بموضوعه، أي الشرق.»٢ وليس فَقَط نوعًا من المعرفة وَثِيقَ الصِّلة بالحضارة المُسيطِرة التي أنتجَتْه، وإنما هو أيضًا مبحث «ينتمي» إلى الغرب وحدَه ويوُجَّه إليه ويهدف إلى خدمته، أي إنه مُرتبِط بالغرب، لا من ناحية الأصل فقط، بل من ناحية الغاية أيضًا.
    ففي الاستشراق تُخاطِب الثقافة الغربية نفسَها، أساسًا، لكي تتعرَّف على الشرق وتتعامَل معه. وتترتَّبُ على هذه الحقيقة البسيطة عدَّة نتائج هامَّة:
    • الأولى: هي أنَّنا لسْنا مُلزَمين بِقَبول الصورة الاستشراقية لفكرنا ومُجتمعِنا، فمُشكلة الاستشراق بأكملها يُمكِن التَّخلُّص منها، إذا أردْنا، بالاستِغناء عن كتابات المُستشرِقين، وترك الغرب نفسه يتحمَّل نتائج أية أخطاء أو تَشويهات قد تكون مُتضمَّنةً في هذه الكتابات. وكما أنَّ الثقافة الغربية لا تقرأ ولا تتأثَّر في الغالِب بالأحكام التي يُصدِرُها عنها مصطفى محمود أو الشيخ شعراوي مثلًا، ففي استطاعتنا نحنُ بفعل إراديٍّ أن نَتجنَّب أيَّةَ أضرارٍ أو تشويهات مُحتمَلَة للفكر الاستشراقي بأن نَستَغنِيَ عنه بكلِّ بساطة.
    • والنتيجة الثانية: التي تترتَّب على الأولى، هي أنَّ نظرية المؤامَرة والتشويه المُتعمَّد، التي يقول بها نُقَّاد الاستشراق من المُعسكَرَين الدِّيني والعَلماني، كلٌّ على طريقته الخاصَّة، تضعُف إلى حدٍّ بعيد إذا أدركنا أنَّ الخطاب الاستشراقي مُوجَّه أساسًا إلى الغرب. فالباحِثون الغربيُّون لا يُشاركون في مُؤامَرة تستهدِف تضليل الشَّرق وتثبيط عَزيمته وتشويه تاريخه، لأنهم ببساطةٍ لا يُخاطِبونه أصلًا. هذا بالطبع لا يَمنَع دُون حدُوث تشويه، ولكنَّه إذا حدَثَ لا يكون مُستهدِفًا خِداعَ الشَّرق أو التآمُر عليه. وعلى ذلك ففكرة المؤامرة في هذا السياق لا معنى لها، أمَّا التشويه فلا يُمكن أن يكون فادحًا؛ لأنَّ أيَّ مجتمع سيُحاوِل بقدر إمكانه ألَّا يَخدَعَ ذاته، وخاصَّة إذا كان يَستهدِف فَهْم مُجتمَعٍ آخَرَ من أجل السيطرة عليه.
    • والنتيجة الثالثة: هي أن استِخدام المُستشرِقين للمناهج والمقولات المُنتمِية إلى حضارتهم، في مُحاولتهم أن يفهموا الشرق، يغدو عندئذٍ أمرًا طبيعيًّا، فخطابُهم إذا كان عن الشرق فإنه مُوجَّه من الغرب إلى الغرب، ومِنْ ثَمَّ فإن ما يبدو غريبًا في نَظرِنا — أعني اتِّباع المنهج العقلاني أو التاريخي مثلًا في تفسير ظواهر تنتمي إلى صميم الجانب العقائدي في الإسلام — يكون في نظرهم شيئًا عاديًّا لا غرابة فيه؛ ذلك لأن الغرب يستخدِم هذا المنهج العقلاني في تفسير المَسيحية واليهودية بدَورهما، كما أنه يتعقَّب أصول العقائد فيهما إلى مراحل تاريخية أسبق من ظهور العقيدتَين بكثير. وبعبارة أخرى، فإن المعرفة الاستشراقية لا تستهدِف النَّيل من الإسلام بالذات عندما تُفسِّر الظواهر الدينية تفسيرًا عقلانيًّا أو تاريخيًّا، بل إنَّ هذا منهج سارَ عليه العلم الغربي منذ عهدٍ بعيد، وأصبح تقليدًا راسخًا فيه، أيًّا كان الموضوع الذي يبحثه.
    • والنتيجة الرابعة: التي ربما كانت أهمَّ النتائج جميعًا، هي أنَّ الاستشراق نشأ عن وجود فراغٍ علميٍّ لدى الشرق ذاته، فقد كان من الأفضل بالنسبة إلى الغرب أن يعرِف الشرق من خلال ما يكتُبه عنه أهله، لو كانت تُوجَد كتابات كافية تَتَّبِع مناهج علمية دقيقة وتُقدِّم معرفة متكاملة. ولكن عدم وجود هذه الكتابات، أو وجودها بصورةٍ ناقصة، هو الذي ولَّد ظاهرة الاستشراق. فما الذي كان يدعو الباحثين الغربيين إلى تَحمُّل مشقَّة تعلُّم اللغات الشرقية ومُعايشة تراث الشرق وعاداته، وإلى تحمُّل مُهمَّة التعريف بالشرق بدلًا من أهله، لو كانوا يَجِدون في أعمال الشرقِيِّين أنفسهم ما يُغني عن هذا الجهد؟ إن ضَعف الدراسات التي نقوم نحن بها هو في الواقِع سببٌ أساسيٌّ لازدِهار الاستشراق. ومن هنا فإني أتَّفِق تمامًا مع الرأي الذي يقول إنه «في اليوم الذي يُضطرُّ فيه الغرب لترجمة دراساتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية عن بُلداننا، باعتِبارها أفضل المراجِع المُتوفِّرة عَنَّا، نكون قد بدأنا دقَّ المسامير الأولى في نعش الاستشراق، ولكنه ولا شكَّ نهار بعيد.»٣

    وهكذا فإن نُقَّاد الاستشراق لو كانوا قد طرَحوا على أنفسهم هذا السؤال البسيط: لمن يوجَّه الخطاب الاستشراقي؟ لتوصَّلوا منه إلى مجموعةٍ من النتائج الهامَّة التي كانت كفيلةً بأن تُقدِّم ردودًا مُباشرةً على كثيرٍ من تساؤلاتهم وانتقاداتِهم.

    فإذا كان الاستشراق في أساسه خطابًا عن الشرق مُوجَّهًا من الغرب إلى الغرب، فإنَّ من واجبنا، في هذا التحليل النفسي الاجتماعي الذي نُقدِّمه الآن، أن نبحث عن الأسباب التي جعلتنا، في هذا الجُزء من الشرق الذي نُسمِّيه بالوطن العربي، والذي هو أيضًا جُزء من الحضارة الإسلامية، ننظر إليه كما لو كان خطابًا مُوجَّهًا إلينا، وننقُده بوصفه مؤامَرة تُحاك ضِدَّنا، أو معرفة غير موضوعية تستهدِف تحقيق مصالح الغرب في مجتمعاتنا. وسوف نُحاوِل في النقاط التالية أن نُعدِّد أهمَّ هذه الأسباب، في ضوء هدفنا الحالي، وهو تحليل نقد الاستشراق نفسيًّا واجتماعيًّا.

  • (٢)

    إنَّ رفضنا للاستشراق يُمكن أن يُعَدَّ في جانبٍ منه مظهرًا من مظاهر العجز عن تَقبُّل وجهة النظر الأخرى، والامتِناع عن رؤية أنفسنا بعيون الآخرين. ولو كُنَّا ناضِجين بما فيه الكفاية لعمِلنا على الإفادة من رؤية الآخرين لنا، حتى ولو كانت غير موضوعية، بعد أن شبِعنا من رؤية أنفسنا بطريقتِنا الخاصَّة. والواقِع أنَّنا نستطيع أن نكتسِب استبصارًا عميقًا بحياتنا وتاريخنا من خلال المُقارنة بين الرؤيتَين، بغضِّ النظر عن مسألة الصواب والخطأ في كلٍّ منهما. ولكن الإصرار على رفض نظرة «العين الأخرى» إلينا، والتمسُّك بأن تكون هذه النظرة مُطابقة لطريقتنا في النظر إلى أنفسنا — وهو ما نُسمِّيه «إنصاف» الحضارة الإسلامية — لا بد في هذه الحالة أن يبدو علامةً من علامات الافتِقار إلى النُّضج.

    إننا نُريد من الآخر حين يرانا أن يتخلَّى عن «آخريته»، ويرانا كما نرى أنفسنا، ونُريد من الغَير أن يتقمَّصوا وجهة نظرنا تجاه ذاتنا، ويُلغوا «غَيرِيَّتهم». وقد تتعدَّد أسباب رفضنا لرؤية المُستشرِقين، ما بين دينية وسياسية وحضارية، ولكن من وراء هذا كله يَكْمُن موقف واحد، هو رفض النظرة التي تتمُّ بعَينٍ مُغايرة. وكم يكون رائعًا في نظرِنا أن يستعير الآخر عيوننا نحن لينظر بها إلينا. ولهذا كان أعظم المُستشرِقين، في رأي الكثيرين، هم الذين يعتنِقون الإسلام، يليهم من يتعاطفون معه ويمدَحون إنجازاته،٤ أمَّا ألعنُهم جميعًا فهم أولئك الذين يتمسَّكون بأن يَرونا بعيونهم المُغايرة.

    بل إننا نستطيع أن نرى في الحملة على الاستشراق، من حيث هو تعبير عن «رؤية أخرى» لنا، مظهرًا من مظاهر سيطرة التفكير السُّلطوي، الأحادي الجانب، على عقولنا. فالعالم العربي لا يقول «بالحقيقة الواحدة أو المُطلقة» في مَيدان الدين فحسب، وإنما يقول بها في مَيدان السياسة والأيديولوجيا معًا. وفي كلِّ يوم يضيق نِطاق المُعارضة وتتَّسِع سُلطة الأنظمة التي لا تتحمَّل إلا طريقة تفكيرها الخاصة، وتَعُدُّ كلَّ ما عداها «خيانة»، ويبدو أنَّ هذه النزعة التَّسلُّطية الأحادية الجانب قد تَسرَّبَت إلى المَيدان الثقافي بدَوره، بحيث يُمكن أن يُعَدَّ نقد الاستشراق مظهرًا لها، وإن لم يكن مظهرًا واعيًا بنفسه كلَّ الوعي.

  • (٣)

    وفي ضوء السِّمة السابقة نستطيع أن نلمح من وراء حملتِنا على أعمال المُستشرِقين قدرًا هائلًا من الرِّضا عن النفس والغرور الذاتي، فالرؤية المُغايرة تُرفَض إذا كان فيها هتْكٌ لحجاب «الستر»، الذي تَعُدُّه قِيَمُنا وأمثالنا الشعبية من أعظم النِّعم التي يُمكن أن يمنحها الله للإنسان. وهذه الرؤية تُصبِح مقبولةً إذا سايرتْنا في تضخيم الذات وتفخيمها، أمَّا إذا اخترقت قِشرة الغرور فإنها تُصبِح شرًّا مُستطيرًا. ومن هنا كان مِقياس قَبولنا للمُستشرِقين هو: إلى أي حدٍّ يُعدِّدون أفضالنا على الغرب، ويمدحوننا (مع ملاحظة أن هذا المديح هو وحده الذي يستحقُّ في نظرنا اسم «الموضوعية»).

    فهل يجرؤ أحد مِنَّا في تقييمه للمُستشرِقين على أن يضع لهم معايير علمية خالصة، بحيث يُفضِّل الأعمقَ بحثًا والأكثر جُهدًا والأوسع معرفةً، بدلًا من تلك المعايير «الذاتية» التي نتمسَّك بها، مثل مدى التعاطُف مع العرب؟ هل يجرؤ أحد على أن يتقبَّل المُستشرِق العلَّامة حتى لو لم يكن يَتعاطف معنا؟

    إننا في تَعامُلنا مع المُستشرِقين لا نستطيع — حتى نظريًّا — أن نطرَح على أنفسنا هذا السؤال الأساسي: ألا يجوز أن تكون بعض ملاحظاتهم السلبية عَنَّا صحيحة؟ ولا بد أن أؤكد هنا أنَّ ما أعنِيه ليس على الإطلاق كون هذه الملاحظات صحيحة بالفِعل أم باطلة، بل إنَّ ما يُهمُّني هو حالتنا الذهنية ومدى قُدرتها على تقبُّل الصورة التي تكشِف العيوب. ولو افترضنا حالةً خيالية لمُستشرِقٍ عالمٍ ونَزيه وموضوعي، ولكنه ناقِد لنا، فإننا في هذه الحالة نخشى أن نطرح السؤال السابق، بل لا يخطر ببالِنا السؤال أصلًا؛ لأن غُرورَنا الذاتي وطريقة تربيتِنا وقِيَمنا، بل وتخلُّفنا، كل هذا لا يسمَح بطرح السؤال، ناهيك عن الاستعداد لقَبول ردٍّ إيجابي عليه.

  • (٤)

    هذا الغرور الذاتي، وما يرتبِط به من رفض أية صورة لا تكون مُرضِية لنا، يؤدِّي في واقِع الأمر إلى خِداعٍ ذاتي فادِح الضَّرَر. فحين تكون رؤية الغرب لنا مؤامرة مُتَّصِلة الحلقات، حتى ولو اختلفت دوافعها عبر القرون، وحين تكون المناهج والمفاهيم وطرُق البحث الغربية ذاتها جُزءًا من هذه المؤامرة، يكون أيُّ تصوير نقديٍّ لنا أكذوبةً مُضللة. وهكذا نخدَع أنفسنا فنعتقِد أنَّ سِماتٍ مثل التخلُّف والتفكير اللامنطقي والعقلية السحرية أو الخُرافية، ما هي إلا أساطير يُروِّجها الغرب وينقلها إلينا عمدًا، وربما أقنع بها بعض مُثقَّفينا، حتى تكتمل سيطرتُه علينا. وحين نصِل إلى هذا الحدِّ من التفكير، نرضى عن أنفسنا كلَّ الرضا، فقد أعفَينا أنفسنا من العيوب، وعلَّقناها على مِشجَب «التزييف الذي يقوم به الآخَرون لكي يُحطِّموا مَعنوياتنا.»

    وفي اعتقادي أنه ليس أضرَّ على مجتمعات تمرُّ بمرحلة نِضال شاقٍّ من أجل البناء، ويَتعيَّن عليها أن تُكافِح عناصر التخلُّف وتُواجِه مشاكلها بوضوحٍ وصراحة، من أن تُقنِع نفسها بمثل هذه الأوهام الخادِعة. فتخلُّفنا حقيقة واقعة، سواء قال بها المُستشرِقون أم لم يقولوا. وسيطرة اللامعقول والفكر الخُرافي على طريقتنا في النظر إلى العالم، وإلى أنفسنا، هي أمر يستحيل إنكاره، بغضِّ النظر عن نوايا المُستشرِقين ودوافعهم عندما يُشيرون إليه. والطريق المُوصِّل إلى النُّهوض الحقيقي ليس أن نخدَع أنفُسنا ونُنكِر عيوبَنا، بحجَّةِ مُقاوَمة الهيمنة الثقافية للغرب، وإنما هو أن نعترِف بهذه العيوب حتى يكون اعترافنا هو الخطوة الأولى نحو التحرُّر منها.

    وهكذا فإن مُشكلة الاستشراق لا تكمُن في أنه يَنسِب إلينا صفات التخلُّف واللاعقلية والإيمان بالسِّحر والخُرافة (فيكفي أن نخرُج عن نِطاق الشريحة العُليا من المُثقَّفين لكي نُدرِك أن هذه السِّمات واسعة الانتشار بين الفئات الشعبية إلى أبعد حد)، ولا تكمُن في أنه ينظُر إلى الإسلام على أنه خارج عن التاريخ ومُستقِلٌّ عن مجرى الزمن، بل إنَّ مشكلته الحقيقية هي أنه لا ينسِبُ هذه السمات إلى أسبابها الحقيقية. فليس في إشارة المُستشرِقين إلى هذه السِّمات ظلمٌ أو تجنٍّ أو مؤامرة (كما يقول نُقَّاد الاستشراق من العرب المُعاصِرين)، بل إنها بالفعل سمات صحيحة لا زالت تتَّصِف بها الكثرة الغالبة من شعوبنا. ولكنَّ النقد الحقيقي للاستشراق هو أنه يجعلها سِمات «مُتوطِّنة» أو «ثابتة»، ولا ينسبُها إلى ظروف القهر والاضطهاد التي عاناها الإنسان العربي، والشرقي عمومًا، طوال الجُزء الأكبر من تاريخه. ولو اعترفنا بهذه الحقيقة الأخيرة لكان معنى ذلك أنَّ هذه السِّمات قابلة للتغيير، وأن الإنسان العربي أو الشرقي أو المُسلِم قادِر على أن يتحرَّر منها إذا استطاع أن يقهر الظروف التي أدَّت إليها. أمَّا إذا أخرجنا هذه السِّمات من التاريخ والتطور، وعزلناها عن الظروف الاجتماعية التي أدَّت إلى ظهورها، فعندئذٍ يُصبِح التَّجاوُز والتحرُّر مُستحيلًا.

    وبعبارةٍ مُوجَزة، فإنَّ أسهل شيءٍ هو أن يخدَع الإنسان العربي نفسه، ويستنكِر بشدَّةٍ عملية كشف عُيوبه، ويمتشِق حُسام الكرامة والشرَف دفاعًا عما يَعتقِد أنه هُويته، فيرفُض كلَّ صفةٍ سلبية يكشِف عنها الاستشراق بوصفِها تزييفًا مُتعمَّدًا. ولكن الطريق الأصعب، الذي هو طريق الشجاعة الحقيقية والتحرُّر الأصيل، هو أن نقول: نعم، إن فينا كثيرًا من هذه العيوب، ولكن هذه لا ترجِع إلى طبيعةٍ مُتأصِّلة فينا، وإنما هي نتاج ظروفٍ سيئة ينبغي علينا أن نُغيِّرها بأيدينا حتى نستطيع أن نتحرَّر.

    ولكي يُدرِك القارئ الفرق بين الموقف الناضِج من الاستشراق، وبين الموقِف المُتشنِّج الذي يُعبِّر عن رضًا مُفرِطٍ عن النفس، ويؤدِّي في واقِع الأمر إلى إلحاق أكبر الضَّرَر بأنفسنا، دعونا نتأمَّل العبارات التالية لواحدٍ من كبار أساتذة العلوم السياسية. فالحركة الاستشراقية قد نجحت، في نظر هذا الأستاذ، في أمورٍ من بينها: «أن تَخلُق القناعة في القيادات العربية بأنَّ التراث الإسلامي إنْ هو إلا تعبير عن التخلف. استطاعت بوعي وحِنكة أن تربط التخلف الذي تعيشه الأمَّة العربية والذي عاشته خلال القرنَين ١٩ و٢٠ بالثقافة الإسلامية لتخلُق القناعة بأنَّ هذه الثقافة هي مَصدر تخلف ولا سبيل للتخلُّص من ذلك التخلُّف إلا بالتخلص من ذلك الانتماء للثقافة الإسلامية … ولعلَّ أكثر التعبيرات وضوحًا في تأكيد نجاح الحركة الاستشراقية هي أنها استطاعت أن تُطوِّع قياداتنا المُفكرة لتصير بوقًا للنَّيل من التُّراث القومي. هل يستطيع أيُّ مؤرِّخٍ مُحايد أن يُغفِل الدَّور المُخرِّب الذي قام به أعمدة الثقافة العربية في القرنَين ١٩ و٢٠ من أمثال طه حسين وتوفيق الحكيم دون ذكر لتلك الأسماء الأخرى التي تنتمي إلى الأقليَّات العربية في سوريا ولبنان. عندما كتَبَ أحد المُؤرِّخين العرب قَولَتَه المشهورة: أعداؤنا من الداخل، إنما عبر عن هذه الحقيقة.»٥

    هكذا يؤدِّي بنا الرِّضا الزائد عن النفس إلى أن نُلحِق بأنفسنا أشدَّ الأضرار. فعندما يتحدَّث الكاتب عن دَورٍ مُخرِّبٍ تقوم به «أعمدة الثقافة العربية»، ويؤكد أن أي «مؤرِّخ مُحايد» لا بد أن ينسِبَ هذا الدَّور التخريبيَّ إلى كبار مُمثِّلي تلك الثقافة، ويجعل من الكُتَّاب الكبار «أعداءنا من الداخل» — كل ذلك لأنهم يُحاوِلون إدخال دمٍ جديد إلى جسد الثقافة العربية — فعندئذٍ نستطيع أن نَتبيَّن عُمق المأساة التي يؤدِّي إليها تضخيم الذات والاكتفاء بها والارتِياب في كلِّ ما يأتيها من مصدرٍ خارجٍ عنها، والاعتقاد بأنَّ العالَمَ كُلُّه مُتربِّص بهذه الذات المُتضخِّمة، الخالية من العيوب، وأنَّ الأعداء قد تَسلَّلوا إلى صفوفِنا وجَنَّدوا لصالحهم «أعمدة ثقافتنا» حتى أصبحت الأعمدة تَهدِم بدلًا من أن تَدعَم!

  • (٥)

    وهناك عامل أساسي يَكْمُن وراء الحملة على الاستشراق، وإن لم يكن مُعترفًا به صراحةً لدى أصحاب هذه الحَملة، بل ربما لم يكن يصعَدُ إلى مستوى الحضور الواعي لدى الكثيرين مِمَّن يتأثَّرون به. هذا العامل هو أنَّ الاستشراق ينبني على صَبغِ التاريخ والحضارة الإسلامية (والشرقية عامة) بِصبغَةٍ إنسانية. فالتاريخ يُصبِح في مُعالَجات المُستشرِقين تاريخًا دُنيويًّا صنَعَه بشَرٌ مُعرَّضون للخطأ، ومسار الحضارة الإسلامية ونُموُّها يخضَع للعوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تخضع لها سائر الحضارات. وهذه الطريقة في المُعالَجة تؤدِّي ضمنًا إلى زعزعة أركان تلك النظرة اللاهوتية أو الميتافيزيقية إلى وقائع التاريخ والمُجتمَع الإسلامي، وهي النظرة التي أصبحَتْ راسِخةً في أذهانِنا لأنها هي التي سادت على مرِّ الزمن.

    إنَّ الاستشراق يُنزل التاريخ الإسلامي من السماء إلى الأرض، وهذه في نظر الكثيرين جريمة كُبرى يَستحيل السُّكوت عليها؛ لأنها تؤدِّي ببساطةٍ إلى نزعِ هالة القداسة عن تاريخٍ يُفترَض أنَّ إشعاع النُّبوَّة «والخِلافة» (وهو في ذاته لفظ مُقدَّس) ظلَّ يُضيئه من بدايتِه إلى نهايته. ولكنَّنا لو تركنا جانبًا مسألة الصَّواب والخطأ، بل حتى لو سلَّمْنا بأنَّ المُستشرِقين كانوا يُبيِّتون نِيَّةَ الكيد للإسلام عندما جعلوا تاريخه بَشريًّا، فلا بد أن نعترِف بأنَّ هذه النظرة تُفيد في إحداث «صدمة» يحتاج إليها المُسلِمون الذين أخرجوا تاريخهم عن نِطاق الزَّمن والتَّغيُّر وقابلية الفناء. فهي تُقدِّم نموذجًا «مُختلفًا» لم نَعتدْه من قبل، وتُتيح لنا أن نتأمَّل تاريخنا بصورةٍ أعمقَ لأنها تُضيف إليه بُعدًا جديدًا لم نعمل له حسابًا من قبل. ولو افترضْنا أنَّ المُستشرِقين أفرطوا في صَبغ فتراتٍ مُقدَّسة مُعينة من التاريخ الإسلامي بِصِبغةٍ بشرية، فنَزَعُوا هالةَ القداسة مثلًا عن فترة صدْر الإسلام، وتوسَّعوا في الحديث عن المُنازَعات والمُناوَرات والمؤامَرات التي كانت تدور فيها، أو فسَّروا مُنازَعات نتصوَّر أنها دينية أو فكرية بحْتة، بأسبابٍ اجتماعية أو اقتصادية، وهو أمرٌ تأباه النظرة التقليدية وتَبتعِد عنه قدْر إمكانها، فإنَّ هذا يَظلُّ أمرًا مُفيدًا لأنه يفتح أبواب منظورٍ جديد، حتى لو كان يبدو بعيدًا عن الصحَّة في نظر أولئك الذين يجعلون من فترة صدر الإسلام عصرًا ذهبيًّا سادَتْه القداسة وتَنزَّه عن أطماع البشر ودسائسهم الدنيوية.

    وهنا أودُّ أنْ أؤكد أنَّ مناهج المُستشرِقين قد لا تكون في جميع الأحيان دقيقةً كلَّ الدِّقة، وقد لا تُتابِع أحدَثَ التطوُّرات المنهجية في مَيدان العلوم الإنسانية. ومع ذلك فإن هذه المناهج الحديثة، حتى في أبسط أشكالها العلمية وأقدَمِها، كما هي الحال في المنهج التاريخي، تظلُّ شيئًا جديدًا وغريبًا ومُخيفًا بالنسبة إلى الباحثين الشرقِيِّين الذين يرفعون مفهوم «القداسة» فوق مُستوى التشريح والتفسير العلمي، ويَظلُّ من يُطبِّق منهجًا كهذا — حتى لو كانت التَّطوُّرات قد تَجاوَزَتْه — مُعرَّضًا للاتهام بالكَيد للإسلام والتآمُر عليه.

    وهكذا، فإنَّ جانبًا هامًّا من جوانب الحملة على الاستشراق يُمكن تفسيره بالحِرص على المُقدَّسات والخَوف من أن تُؤدِّي الرؤية الخاضعة لمناهج عقلانية دقيقة إلى إنزالها من عليائها وجَعْلِها كما يقول نيتشه «أمورًا إنسانية، إنسانية تمامًا.»

تحليل لنُّقَّاد الاستشراق

إذا تركنا جانبًا الفئة التي تنقُد الاستشراق من مُنطلَقٍ دِيني، وهي فئة تنتمي جُذورها إلى التُّراث التعليمي التقليدي، ويندُر أن نَجِد بينها من ألمَّ بالثقافة الحديثة إلمامًا كافيًا (هناك استثناءات واضِحة مثل العقَّاد، ولكنها قليلة جِدًّا). فسوف يلفتُ نظرَنا أنَّ الأغلبية الساحِقة ممَّن ينقُدون الاستشراق من مُنطلَقٍ سياسي وحضاري قد تَشبَّعوا بالثقافة الغربية، وأهمُّ الشخصيات فيهم من العرَب الذين يعيشون في الغرب بصورةٍ دائمة (أنور عبد الملك وإدوارد سعيد) ومُعظَم الباقين قضَوا في الغرب سنواتٍ طويلةً أو توزَّعَت حياتُهم بين بلدٍ غربيٍّ وبلدِهم الأصلي.

فهل نستطيع أن نَستنتِج شيئًا من هذه الحقيقة؟ هل يُمكن القيام بتحليلٍ اجتماعي نفسيٍّ للمُثقَّف العربي الذي يُعايش الغرب طويلًا، ويقود الحملة التي تهدف إلى فضح الدَّوافع الخفِيَّة للاستشراق والتشكيك في موضوعيته؟ لا شكَّ أنَّ هذا مَيدان لا يَسمَح إلا باستِبصاراتٍ يستحيل أن تأخُذ شكلَ المعرفة المَبنيَّة على الدليل والبُرهان، ومجال الاجتهاد فيه واسِع ومُتعدِّد الاتجاهات إلى أقصى حد. ويكفي أنْ أُشير بكلِّ وضوحٍ إلى أنه لا شيء مؤكد في موضوعٍ كهذا، وكلُّ ما سأقدِّمه استنتاجاتٌ شخصية يستطيع القارئ تعديلها كما يشاء، أو رفضَها كلها إذا أراد.

  • (١)

    أول ما ينبغي أن نُلاحِظه هو أنَّ نظرة أمثال هؤلاء المُثقَّفين إلى الاستشراق أعقَدُ بكثيرٍ من نظرة أصحاب المُنطلَق الديني. ففي الحالة الأخيرة هناك مُواجهة مُباشِرة بين نظرةٍ إيمانية ونظرة عقلانية، بين التَّسليم والتحليل، وتتحدَّد المواقِف بوضوحٍ وبساطة: فالمُدافع عن التراث يقِف على أرضه الخاصة، ويتكلم لُغَته الخاصة، ويَتَّبعِ منهجه (أو لا-منهجه) الخاص، بينما المُستشرِق يصُبُّ التراث في قوالب ثقافته هو، وتتصادَمُ نتائجه حتمًا مع الصورة التقليدية التي رسمها التراث لنفسه طوال تاريخه.

    ولكن المُواجَهة بين العربي المُتشبِّع بالثقافة والمناهج الغربية، وبين الغربي الذي يُوجِّه بحثَه إلى الشرق، أعقَدُ من ذلك بكثير، إنها مواجَهة بين شرقي مُستغرب وغربي مُستشرِق. فهنا تتداخل الخُيوط وتتشابَك العلاقات ويختفي في ذلك التَّضادُّ البسيط الواضح الذي رأيْنا أنه يَفصِل بين الشرقي المُؤمِن والغربي الناقد. ومن الطبيعي أن يتساءل العربي الذي يَستوطِن الغرب، والذي اندمَج فيه، عن السبب الذي يجعل المُستشرِق «غير مُندمِج» في الشرق، وأن يُقارِن بين إزالته هو للحواجز مع الثقافة التي أصبح مُندمجًا فيها، وبين إقامة المُستشرق لكثيرٍ من حواجز ثقافته الخاصَّة إزاء الشرق، ونظرته إلى موضوع دراسته بطريقةٍ لا تخلو من الترفُّع، حتى ولو كان مَمزوجًا بالتعاطُف.

  • (٢)

    على أنَّ عملية اندِماج المُثقَّف العربي في الغرب، لا تخلو من قدرٍ من المُقاوَمة، ومن الرغبة في تأكيد الذات. إن مشكلة الهوية تُثار أمامه في كلِّ لحظة من حياته، ومن الطبيعي أن يتَّجِه، وهو يعيش وسط ثقافة غير ثقافته، إلى تأكيد أصوله الأولى كنوعٍ من مُقاوَمَة الذَّوَبان في الهوية الجديدة.

    إنَّ الشرق، أو الإسلام الحضاري، الذي يُدافِع عنه العرَب المُتشبِّعون بالثقافة الغربية، أو الذين يُقيمون في الغرب إقامة دائمة، لا يَقلُّ «رومانتيكية» في كثيرٍ من الأحيان عن الشرق الخلَّاب الساحر الغريب Exotic الذي يَصِفُه كثيرٌ من الرحَّالة الغربيين. ففي غَمرة الحَماس من أجل الدفاع عن أصولهم الأولى، ومقاومة الانتماء المتأخِّر، فضلًا عن تأخير الابتعاد الطويل عن الوطن، يلجأ هؤلاء المُثقَّفون إلى تقديم صورة عن «شرق وهمي» لا تقلُّ بُعدًا عن الواقع الفعلي عن صورة المُستشرِقين. فالاستشراق مُتَّهَم بأنه يُصوِّر شرقًا مُتخلِّفًا، مُتحجِّرًا، يظلُّ جوهرًا ثابتًا خارجًا عن التاريخ والزمان. ومعنى ذلك أنَّ نُقَّاد الاستشراق من العرب يُنكِرون أن يكون الشرق مُتَّصفًا بهذه الصفات. ولكن لو قُدِّر لهم أن يَحيَوا طويلًا في مجتمعاتهم، ويتأمَّلوا نوعَ الفكر الذي تنشره جماعاتٌ دِينية أصبحت الآن تُسيطر على أغلبية لا يُستهان بها من شباب المجتمع العربي، لوجدوها هي ذاتها تُنادي بالثَّبات عند نُقطةٍ واحدة من التاريخ (صدر الإسلام)، ولوجدوا أحكامها على كلِّ مشكلة عصرية، تَصدُر على أساس حُلول تمَّ التوصُّل إليها منذ ألف وأربعمائة عام، ولوجدوا حرب ١٩٧٣م تُقاس حرفيًّا بمَوقِعة بدر، ولوجدوا أنَّ القول بوجود أحكامٍ شرعية تَتعلَّق بالإنسان (أكثر الكائنات تغيُّرًا) وتَصلُح لكلِّ زمانٍ ومكان؛ هذا القول قد أصبح راسخًا إلى حدِّ أنَّ أحدًا لم يَعُد يَجرؤ على تَحدِّيه. هذا هو الواقع العربي والإسلامي كما يُتَمثَّل اليوم لدى القطاعات التي تَعُدُّ نفسَها مُدافِعةً أصيلة عن الإسلام، فأين منه تلك الصورة الرومانتيكية التي يتمسك بها النُّقَّاد العرَب المُعاصِرون للاستشراق؟
  • (٣)

    بل إنَّني أكاد أقول بأنَّ من وراء هذه الصورة المُبالَغ فيها للشرق، لدى العرب المُغتربين والمُستغرِبين، رغبةً في ردِّ الاعتبار إلى مجتمع أصلي مَتروك ومهجور، واتجاهًا لا شعوريًّا إلى التخلُّص من عُقدة الذَّنب التي ولَّدها تَخلِّيهم عن هذا المجتمع. إنَّ باحثًا في وضعٍ كهذا يَتَّجِه إلى سداد الدَّين للثقافة الأصلية التي تركها، عن طريق الهجوم الحادِّ على الثقافة الجديدة، والدفاع المُتطرِّف، الذي يصِل إلى حَدِّ فُقدان الرُّؤية الواقِعية عن ثقافة المنشأ. ويكاد المرءُ يلمَحُ في تلك السِّمات التي يرسُمون بها صُور الشرق عند المُستشرِقين — سِمات الشرق السلبي، الخاضع، المُتحجِّر، الذي لا يريده أحد لِذاته، وإن كان الجميع يطمعون فيه — آثارًا للضمير المُثقَل بالذنب.

    والنتيجة الطبيعية التي تؤدِّي إليها الرَّغبة في ردِّ اعتبار الموطن الأصلي وتخفيف الشعور بالذنب لدى الشرقي المُهاجر، هي أن يَتَّجه إلى طمسِ الفوارق بينه وبين بيئته الجديدة. وأوضحُ تعبير عن ذلك هو ما نَجِده لدى إدوارد سعيد: «إنَّ ما أُدافعُ عنه هو أنَّ «الشرق» ذاته كِيان مصنوع Constituted، وأن الفكرة القائلة بوجود أماكن جُغرافية لها سكان أصليون، «مختلفون» جذريًّا، يُمكن تعريفهم على أساس عقيدةٍ أو ثقافة أو جوهر عرقيٍّ خاصٍّ بذلك المكان الجغرافي، هي بِدَورها فكرة مشكوك فيها إلى حدٍّ بعيد.»٦ هذا تَصوُّر تلعَب فيه العوامل النفسية-الاجتماعية دورًا يزيد عن دَور العوامل المعرفية والعلمية. إنه تَصوُّر المُغترِب العربي الذي يقول لنفسه: إنَّ الوطن الذي أصبحتُ فيه ليس أفضلَ من وطني الأصلي، وليس مختلفًا عنه جذريًّا (أمَّا الصورة الحقيقية لوطنه الأصلي فإنها غابت عنه، أو تغيَّرَت بحُكم الرؤية عن بُعد، أو أصبحت مُتسامِية Sublimated على سبيل التعويض).

    فمِن الطبيعي أن تكون الاختلافات، في نظر الشرقي الذي يعيش في الغرب، مُختفِية، ومَطموسة، وأن ينتقِد بشدَّة من يؤكد له أنَّ الشرق كِيان قائم بذاته؛ وذلك على الأقلِّ لأنَّ هذا لو صَحَّ لكان هو ذاته كإنسانٍ مُختلفًا عن الغربيين الذين يعيش بينهم، وهي نتيجة ضارَّة ومكروهة. ولو عُدنا إلى عالم الواقِع لوَجدْنا أنَّ الشرق ذاته يؤكد اختِلافه عن الغرب ويَحرِص في اتجاهاته التُّراثية التقليدية على إثبات تفرُّدِه وتأكيد هُويته القائمة بذاتها. كذلك نَجِد أنَّ الغربي المُستشرِق يُؤكد هذا الاختلاف، بناءً على دوافع مُختلِفة. ولكن الوحيد الذي يريد مَحوَ الاختلاف هو الشرقي الذي يَعيش في الغرب، وذلك لعدَّة أسبابٍ منها أنه لا يَشعُر بأنه أدنى ثقافيًّا من البيئة التي يعيش فيها، ومنها رغبته في الارتفاع بمكانة الشرق الذي ينتمي إليه، ومنها أنَّ مَحوَ الاختلاف بين الشرق والغرب يجعل حياته أيسر، ومنها سداد الدَّيْن للشرق الذي ابتعد عنه. وهكذا يبدو الأمر هنا في جانب منه على الأقلِّ كما لو كان إسقاطًا من الباحث العربي لحالته الخاصَّة وسط مجتمع جديد يشعُر فيه بالنِّدِّيَّة، على مُجتمِعه الأصلي كله.

    ولكن، سواء أكانت المسألة مسألة نوايا طيبة تجاه الموطن الأصلي، أم شعور بالذنب ورغبة في التعويض، فإن النتيجة هي أن الشرق لا يعود في نظر هؤلاء مختلفًا، ولا مُتخلفًا، ولا راكدًا، ولا أسطوريًّا، بل إن الاسم ذاته لا يصحُّ إطلاقه عليه لأنه ليس إلَّا «كيانًا مصنوعًا». وقد يكون هذا التصوُّر مُفيدًا للعربي المُقيم في الغرب، أو الذي أقام فيه أمدًا طويلًا؛ لأنه يُعيد إليه تُوازُنه الداخلي، ولكنه قَطعًا ضارٌّ بِمَوطنه الأصلي في المدى الطويل. فنحن لا نخدُم أنفسنا بمثل هذا الدفاع المُتحمِّس، وبإنكار عيوبنا ومُهاجَمة كل إشارة إلى وَضْعنا المُتخلِّف، ونحن لا نُثبتُ مكانَتنا إزاء الغرب لو قُلنا له: إنَّنا لسنا أقلَّ منك، ولا مُختلِفين عنك. وإنما نكتسِب مكانتنا الحقيقية منذُ اللحظة التي نقول فيها بشجاعة: نعم، نحن مُختلِفون، ومُتخلِّفون، ولكن تَخلُّفنا قد فُرِض علينا، وليس جُزءًا من تكويننا، وفي استطاعتنا أن نتغلَّب عليه!

    إنَّ المُثقَّف العربي الذي يعيش في الغرب لا يستطيع لأسبابٍ خارجة عن إرادته أن يكون مُمثلًا حقيقيًّا للبيئة التي ينتمي في الأصل إليها. فهو لا يُعبِّر فقط، كما قال «العظم»، عن «استشراق معكوس»، وإنما يُعاني من «استشراق مُزدَوَج»، يَمرُّ بمرحلتَين من التوسُّط Mediation لأنَّ الشرق الذي يتحدَّث عنه ردُّ فعلٍ على ردِّ فعل. فالمرحلة الأولى هي رؤية الغرب للشرق، أمَّا المرحلة الثانية فهي رؤية الشرقي المُغترِب للشرق من خلال ردِّ فعله على الرؤية الغربية. وهنا تكمُن الدراما الحقيقية لتلك النظرة الفريدة إلى الشرق، فلا هي رؤية غربية خالِصة تُفهَم بوصفِها تعبيرًا عن نظرة ثقافةٍ إلى ثقافةٍ مُختلِفة عنها، ويُمكن تفسير تَشوُّهاتها وانحرافاتها على هذا الأساس، ولا هي رؤية شرقية خالِصة مُنبعِثة من مُعايشةٍ حقيقية للشرق وتاريخه. ومن هنا فإن نُقَّاد الاستشراق من العرَب العلمانيين غير مَقبولين لدى المُستشرِقين، ولكنَّ الأهمَّ من ذلك أنهم أيضًا غير مَقبولين لدى الشَّرقِيِّين التُّراثِيِّين. فهم يُحارِبون تلك النظرة المُطلَقة، الجامِدة والسُّكونية، إلى الإسلام، وهي النظرة التي يُدافِع عنها المُستشرِقون والإسلامِيُّون السلفيون، كلٌّ من جانِبِه الخاص، وبذلك يقِفون في تلك الأرض الحرام No-man’s Land التي لا يَعترِف بها الطرفان معًا.
  • (٤)

    ومن النِّقاط الجُزئية التي لا ينبغي أن تَفُوتَنا في هذا التحليل، الوضع الدِّيني لأهمِّ المُمَثِّلين العرب في حركة نقد الاستشراق. فأنور عبد الملك وإدوارد سعيد مسيحيان مُقيمان في بلادٍ مسيحية، ومُهاجِران من أرضٍ إسلامية. ومن المؤكَّدِ أنَّ هناك اختلافًا واضحًا بين جِيلهما وجيل المُثقَّفين المَسيحيين العرب السابق في الموقِف من الحضارة الغربية. فجيل شبلي شميل وسلامة موسى كان يُدافِع عن الحضارة الغربية إلى حدِّ التعرُّض للاتهام بِمُمالأة الغرب. ولكن الجيل الذي نَتناوَلُه هنا بالبحث قد أثبتَ قدرًا كبيرًا من الموضوعية حتى قاد الهجوم على تصوُّر الغرب للشرق والدِّفاع عن المُجتمع والتاريخ الإسلامي. صحيح أنه يتحدَّث في مُعظَم الأحيان عن «الإسلام الحضاري»، لا عن الإسلام كعقيدة، ولكن هذا هو المُتوقَّع منه، لا لكونه مَسيحيًّا فحسْب، بل لكونه علمانيًّا قبل كلِّ شيء.

  • (٥)
    وأخيرًا، فإنَّ هذا التحليل النفسي الاجتماعي يؤدِّي بنا إلى عاملٍ آخر ذي طابع أعم، يُساعِد إلى حدٍّ بعيد على تفسير حركة نقد الاستشراق بين العرب المُتشبِّعين بالثقافة الغربية؛ فَهُم قد أكدوا ذاتهم عِلميًّا إلى الحدِّ الذي يَشعُرون معه أنهم بلَغُوا سِنَّ النُّضج والاستقلال عن الغرب. وإذا كان شعار الجيل الذي سبَقَهم من العلمانيين بل ومن بعض أنصار المُعسكر الديني هو أننا لا نستطيع أن نَلحَقَ بالغرب ثم نتفوَّقَ عليه إلَّا باقتِباس أساليب حياته وفكره، فإن الجيل الحالي يَشعُر بأنَّ هذه التجربة قد أخذت مداها، وأنه آنَ الأوان لإعلان الاستقلال الفكري عن الغرب، بحيث نَكُفُّ عن أن نرى أنفسنا من خلال مرآته. بل إن الاتجاه إلى تأكيد الاستقلال يصِل إلى حدِّ إلقاء ظلٍّ من الشكِّ على مناهج الفكر الغربية بِوصفها جُزءًا لا يتجزَّأ من نُزوع الغرب إلى السيطرة. إنها مُحاولة بُطولية ولا شك. ولكنها، في ضَوء النظرة الواقِعية، تبدو كما لو كانت سابقةً لأوانها، ويبدو أنها تَسعى إلى حرقِ مَراحِلَ ما زال من الضروري أن نَمُرَّ بها. والدليل على ذلك:
    • (أ)

      أنَّ مُحاوَلة الاستقلال ذاتها تتمُّ من خلال مُصطلَحات ومناهج غربية خالصة. فبِدون الخلفية الثقافية الغربية القوية، كان من المُستحيل أنْ تظهر الانتقادات التي يُوجِّهها هؤلاء المُثقَّفون العرب إلى الاستشراق وإلى الثقافة الغربية، من حيث دوافعها ومناهجها ومضامينها. وهكذا تظلُّ هذه الدعوة إلى الاستقلال دائرةً في نفس الفَلَك الذي تُحاول أن تَستقلَّ عنه.

    • (ب)

      إنَّ الاستقلال الحقيقي لا يَتحقَّقُ إلَّا عن طريق الإتيان بالبديل. أو بعبارةٍ أخرى: إن حركة نقد الاستشراق بين العرَبِ المُعاصِرين لن تكون مُقنِعةً كلَّ الإقناع إلا إذا صاحَبَها قيام الثقافة العربية بملء الفراغ الذي كان يَسُدُّه الاستشراق. ولكن الذي حدَثَ حتى الآن هو أن الاستشراق قد انتُقد من كافة الأطراف، دون أن تظهر حركة ناضِجة تضمَن استغناءنا عنه.

      وهكذا تبدو حركة نقد الاستشراق هذه تعبيرًا عن حُلم النُّضوج المُبكِّر في ثقافةٍ تَمُرُّ بأوَّلِ مراحل الوعي الذاتي. ولكن المَوقِف الأنضج من ذلك في رأيي هو أن نعترِف بِحدودنا المَعرفِيَّة ونبذُل قصارى جُهدنا من أجل تَجاوزها، أي من أجل تقريب اليوم الذي يُمكننا فيه أن نَستقلَّ برؤيتِنا الخاصَّة لذاتنا، منهجًا ومحتوى.

١  د. شكري النجار: لِمَ الاهتمام بالاستشراق؟ مقال في مجلة «الفكر العربي»، عدد ٣١، ١٩٨٣م، ص٦٣.
٢  إ. سعيد، ص٢٢.
٣  د. غسان سلامة: عصب الاستشراق، المستقبل العربي، يناير ١٩٨١م، ص١١.
٤  من الجدير بالذِّكر أنَّ المقدمة الممتازة التي صَدَّر بها د. رضوان السيد المجلد الأوَّل (عدد ٣١) عن الاستشراق في مجلة «الفكر العربي» (يناير–مارس ١٩٨٣م) لم تَستطِع أن تتخلَّص تمامًا من هذا الاتجاه حين أشاد بباحثةٍ ألمانية استخدمَتِ المنهج التحليلي في نقد النصِّ في «الدفاع عن أصالة النصِّ القرآني ووحدتِه وقِدَمه» (ص١٠).
٥  د. حامد ربيع: الثقافة العربية بين الغزو الصهيوني وإرادة التكامُل القومي، القاهرة، دار المَوقف العربي، ١٩٨٣م، ص١٧ (النصُّ منقول حرفيًّا، وعيوب الأسلوب ينبغي أن تُنسَب إلى الكاتب).
٦  Orientalism, p. 322.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠