الفصل العاشر

اللغة

ربما كان من المفاجآت عند بعض الناس أن يقال لهم: إن إبراهيم عليه السلام كان عربيًّا، وإنه كان يتكلم اللغة العربية.

ولكنها الحقيقة التاريخية التي لا تحتاج إلى فرض غريب، أو تفسير نادر غير ترجمة الواقع بما يعنيه، وإنما الفرض الغريب أن يحيد المؤرخ عن هذه الحقيقة لينسب إبراهيم إلى قوم غير قومه الذين هو منهم في الصميم.

وليس معنى هذا بالبداهة أنه كان يتكلم العربية التي نكتبها اليوم، أو نقرؤها في كلام الشعراء الجاهليين ومن عاصرهم من العرب الأقدمين؛ فلم يكن في العالم أحد يتكلم هذه اللغة في عصر إبراهيم، ولا في العصور اللاحقة به إلى القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد.

وإنما اللغة العربية المقصودة هي لغة الأقوام التي كانت تعيش في شبه الجزيرة العربية، وتهاجر منها وإليها في تلك الحقبة، وقد كانت لغة واحدة من اليمن إلى مشارف العراق والشام وتخوم فلسطين وسيناء.

ولقد عُرفت تلك اللغة حينًا باسم اللغة السريانية غلطًا من اليونان في التسمية؛ لأنهم أطلقوا اسم آشورية أو آسورية على الشام الشمالية، فشاعت تسمية العربية باسم السوريانية والسريانية من المكان الذي أقامت فيه بعض قبائل العرب الوافدة من شبه الجزيرة منذ أقدم العصور، قبل عصر إبراهيم بزمن طويل.

واشتملت هذه اللغة السريانية في بعض الأزمنة على عدة لغات، لا تختلف فيما بينها إلا كما اختلفت لهجات القبائل العربية قبل الدعوة الإسلامية، ومن هذه اللغات لغة آرام وكنعان وأدوم وموآب ومديان وما جاورها في الأقاليم الممتدة بين العراق وسيناء. وربما كانت المفاجأة أشد على من يسمع أن الخليل لم يكن عبريًّا من العبريين.

فقد مضى زمن طويل والناس يفهمون أن العبرية واليهودية كلمتان بمعنًى واحد، ولم تكن اليهودية قط مرادفة للعبرية في معنًى صحيح.

فالعبرية في نحو القرن العشرين قبل الميلاد كانت كلمة عامة تُطلق على طائفة كبيرة من القبائل الرحل في صحراء الشام، وكان من أبناء هذه القبائل مَن يعمل كالجنود المرتزقة هنا وهناك حسب المواقع والمناسبات، وبهذا المعنى وردت كلمة العبري والإبري والهبيري وما قاربها لفظًا في أحافير «تل العمارنة وفلسطين وآسيا الصغرى والعراق، وجاءت بهذا المعنى في الكتابات المسمارية والفرعونية»، ولم يكن لليهود وجود في ذلك الحين.

ولما وجد اليهود وانتسبوا إلى إسرائيل كانوا هم أنفسهم يقولون عن العبرية: إنها لغة كنعان، ثم انطوت العبرية في الآرامية التي غلبت على القبائل جميعًا بين فلسطين والعراق، مع اختلاف يسير بين الآرامية الشرقية والآرامية الغربية.

وأصبحت العبرية لهجة تختلف بنطق بعض الحروف كما تختلف القبائل بنطق الشين والكاف، أو نطق الميم واللام إلى هذه الأيام.

ففي الإصحاح الثاني عشر من سفر القضاة يقول: «كان رجال جلعاد يقولون له: أأنت من إفرايم؟ فإن قال: لا، كانوا يقولون له: قل شبولث، فيقول: سبولث، فكانوا يأخذونه ويذبحونه.»

ولما كشف حجر موآب المشهور١ وُجدت الكتابة عليه قريبة جدًّا من العبرية، وهو يرجع إلى القرن التاسع قبل الميلاد.

وقد أقام هذا الحجر ملك موآب ميسا بن شموس، وقال فيه: إن الإله شموس «أي الشمس» نصره على إله إسرائيل، وإنه بنى هيكل بعل معون، وذكر «اشتار شموس» في موضع آخر، كما قال: إنه جر محاريب «يهوا» أمام ربه المعبود، وكان هذا الرب راضيًا عنه بعد جفاء وعقاب، وظهر من أحافير اليمن والعراق والشام وفلسطين أن أسماء الإله واحدة في جميع هذه البلاد، ففي كلامها اسم بعل والرب وإيل وصادق بمعنى المعطي الوهاب، ومن هذا التشابه اسم ملكي صادق في فلسطين، واسم إيل صادق في معين وحضرموت.

ومن أقوى الأشياء دلالة على العلاقة بين إبراهيم والحجاز: أن اسم بعل يُطلق كثيرًا على الإله في ديانات جميع القبائل، ما عدا القبائل التي دانت بدعوة إبراهيم وخلفائه، فإن إطلاق اسم البعل على الإله مكروه فيها، لا يذكرونه إلا عرضًا في تركيب الأسماء التي يتوارثها الناس بغير نظر إلى معناها. وقد ورد اسم البعل في ديانات الجزيرة العربية ما عدا ديانة الكعبة أو ديانة الحجاز، ومن قال: إن اسم «هبل» تصحيف لاسم «يهوا بعل» لم يستند إلى دليل ولا قرينة معقولة؛ إذ لا معنى لتصحيف الكلمة في اسم الصنم مع وجودها في اللغة بمعنى السيد أو الزوج إلى اليوم.

ولو كانت الكلمة منسية لما كان بالتصحيف من غرابة، وأما وهي مفهومة معروفة فتصحيفها في اسم صنم معبود غير معقول، وأبعد من هذا القول أن يقال: إن «هبل» منحوت من كلمة «يهوا» وكلمة «بعل»؛ فإن الدعوة إلى يهوا تُناقض الدعوة إلى بعل، ومن آمن بهذا لم يؤمن بذاك، إلا أن يقال: إن اسم «يهوا» مأخوذ من لغة العربية الحجازية أو الجنوبية، وينبغي لمن يقول هذا أن يستشهد بأمثلة لوجود الكلمة مفردة ومقترنة ببعل في أثر ثابت، وليس لهذا الأثر وجود.

ويرجح بعضهم أن اسم إبرام يتألف من أب ورام، وأن رام هنا بمعنى أحب، فاسم إبرام إذن يعني محبوب الله، وهو وصف يُوافق تلقيبه بخليل الله، ويستبعد مرجليوث٢ أن تكون «رام» من مادة الرفعة كالرامة التي تطلق على القرية في البناء العالي، وتجمع على رام كما تجمع ساعة على ساع، وحالة على حال، وحانة على حان.
وينقل مرجليوث عن جليزر Glaser أن الملك الحميري شرحبيل يعفور ذكر اسم الله في الحجر المنقوش على سد مأرب، فسماه «بعل السمائين والأرضين»، وأنهم عرفوا التوحيد في منتصف القرن الخامس للميلاد، وينقل عن دسو Dussaud أن الأحافير النبطية التي ترجع إلى القرن الثالث قبل الهجرة تدل على تقارب شديد بين الآرامية والعربية الفصحى.

وقد لوحظ التقارب بين اللغات أو اللهجات العربية فيما هو أقدم من ذلك كثيرًا، بحيث لا يحسب تاريخه بأقل من ألفي سنة قبل الميلاد؛ فإن أداة التعريف، وضمير المتكلم والغائب، وكلمات النفي والنهي، وتصريف الأفعال مشتركة في اللغة العربية واللغة الآشورية التي تنسب إليها السريانية كما تقدم …

وهذا التقارب هو الذي أوحى إلى الأستاذ دويرتي أن يترجم اسم «دمقي اليشو» بحبيب الله، من المقة بمعنى الحب، والإيل بمعنى الله، وضمير الإضافة، وجاء فلبي فظن أن هذا الاسم يُطابق في الزمن والصفة اسم الخليل إبراهيم، وأن الخليل كان ملكًا من الملوك الذين حكموا جنوب العراق عند الخليج الفارسي؛ لأن الأقوال متواترة بمقام الخليل هناك في أور الكلدانيين، ولأن اسم «دمقي اليشو» ورد في الآثار البابلية بين عدة ملوك يسمون بملوك الشاطئ، أو ملوك الأرض البحرية.٣ وهو اصطلاح لهم يطلقونه على العرب من سكان تلك الجهات.

وهذا التقارب في اللغة والكتابة يفض لنا — فيما نعتقد — خلافًا شديدًا دخل فيه المهاجمون للإسلام والمدافعون عنه حول نسب الخليل إبراهيم واسم أبيه.

فقد جاء في القرآن الكريم: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ، فاتخذ المهاجمون للإسلام من ذلك دليلًا على الخطأ في تسمية أبي الخليل، وقالوا: إن اسمه تارح كما ورد في العهد القديم.

وجاء بعض المفسرين من المسلمين فحاولوا طويلًا أن يجعلوا لكلمة «آزر» موضعًا من الإعراب، أو مدلولًا يبطل ذلك الانتقاد، ويردون به تخطئة المهاجمين …

والواقع أن هذه التخطئة لا محل لها عند النظر في أصول الأسماء، فإن إبراهيم قد انحدر إلى أرض كنعان من أرض آشور، واعتقد شراح الكتب الإسرائيلية، في غير موضع، أن الآباء الأولين كانوا ينسبون إلى بلادهم أو أممهم كما يُقال عن ابن مصر، وابن أوروبة، وأبناء الشرق، وأبناء الغرب، وأبناء النيل.

فإذا نسب إبراهيم إلى آشور، فمن الجائز جدًّا أن يكون تارح وآزر لفظين مختلفين لاسم واحد، سواء كان هذا الاسم علمًا على رجل أو على الجد القديم الذي تنسب إليه أمة آشور، وكثيرًا ما انتسب القوم إلى اسم جد قديم كما يقال في النسبة إلى عدنان وقحطان.

ونظرة واحدة في كتابة اسم آشور ونطقها إلى اليوم في العراق وسورية تقرب لنا هذا الاحتمال الذي يبدو بعيدًا لأول وهلة.

فقد كتبت آشور تارة آزور، وتارة آثور، وتارة آتور بالتاء، وتارة آسور بالسين …

ولا يخفى أن اللغات السامية لم تكن تكتب لها حروف علة إلى زمن قريب، وأن الإغريق الذين أطلقوا اسم «آسورية» على وطن إبراهيم من نهر الفرات إلى فلسطين ينطقون الياء الإغريقية بين الواو والياء؛ ولهذا تكتب لوبيا بالواو كما تكتب بالياء، وتُنطق سيرية بالياء في اللغات الأوروبية، وتُنطق سورية بالواو في اللغات الشرقية.

ولا يخفى كذلك أن كلمة تارح تنطق تيرح على لسان الكثيرين من الناطقين باللغات السامية، وتنطق تيرا وتيره عند الذين لا يستطيعون النطق بالحاء.

فإذا لاحظنا ذلك كله، فليس أقرب من تحويل آتور وآتير إلى تيره وتيرح، وقد وردت في تاريخ يوسيفوس بغير الحاء، ووردت في تاريخ يوسبيوس آثور، وهو مكتوب باليونانية، وقد ورد في التوراة اسمان بمعنى الأميرة، أحدهما بالحاء، وهو سارح «٤٦ تكوين»، والآخر بغير الحاء، وهو سار أو سارة.

ومؤدى هذا أن «آزر» هي النطق الصحيح الذي عُرف به اسم آسور القديم، وأن تيره وتيرح هي نطق الذين يكتبونها آتيره وآتيرح، وينطقون بكلمة آتور بين الواو والياء.

روى صاحب «المزهر» عن الأصمعي أن رجلين «اختلفا في الصقر، فقال أحدهما بالصاد، وقال الآخر بالسين، فتراضيا بأول وارد عليهما، فحكيا له ما هما فيه فقال: لا أقول كما قلتما؛ إنما هو الزقر. وعلى هذا يتخرج جميع ما ورد من التداخل نحو قلى يقلى وسلى يسلى.»

وإذا اختلفت الحروف في اللهجة العربية الواحدة هذا الاختلاف، فلا محل للجزم بالتخطئة حين تختلف السين والزاي، أو التاء والثاء في لغات تباعدت بينها الآماد.

وأيًّا كان القول في نسبة إبراهيم إلى آزر بمعنى آسور، فهو أقرب من القول بأن أباه سمي تارح من الحزن أو من الكسل، وليس عليه دليل من وقائع التاريخ والجغرافية ولا من الاشتقاق.

وتفيد هذه الملاحظة فائدة جُلَّى في معرض آخر من معارض سيرة الخليل، فلم يكن تاريخ إبراهيم في الإسلام مستمدًّا من المصادر اليهودية، كما زعم بعض المتسرعين من رواة الأخبار الدينية غير الإسلامية، وإلا لما كان أيسر من تسمية أبيه تارح أو تيرح أو تيره وما شابه هذه التصحيفات، ولمَا كان هناك سبب قط لتسميته بآزر على أي توجيه.

وإنما هذا بينة من بينات شتى على أن دعوة إبراهيم لم تصل إلى الحجاز من مصادر اليهود.

والبينة الكبرى التي تأتي من مباحث اللغة هي التقارب الشديد بين لغة الحجاز ولغة النبط أو النباتيين الذين ينتمون إلى نبات من أبناء إسماعيل.

فقد عقد اللغويون مقارنات كثيرة بين لهجات العربية القديمة التي بقيت إلى ما قبل الإسلام، فظهر من هذه المقارنات أن التقارب بينها يُقاس بالزمان ولا يقاس بالمكان، فقد يكون الجاران مختلفين غاية الاختلاف، وقد يكون التشابه قريبًا جدًّا بين طائفتين تسكن إحداهما إلى أقصى الجنوب، وتسكن الأخرى إلى أقصى الشمال.

فالحميريون كانوا يقيمون بأقصى الجنوب من الجزيرة العربية، والآشوريون كانوا يقيمون بأقصى الشمال من العراق، ولكن التشابه بين لهجة حمير ولهجة آشور أقرب جدًّا مما بين اللهجة الحميرية واللهجة القرشية بمكة، والمسافة بين اليمن والحجاز أقرب المسافات.

فاللغة الحجازية لم تتطور من اللغة اليمانية مباشرة، وإنما جاء التطور من العربية القديمة إلى الآشورية إلى الآرامية إلى النبطية إلى القرشية، فتقاربت لغة النبط ولغة قريش من هذا السبيل، وكان التقارب بينهما في الزمان، أو في درجات التطور، ولم يكن تقاربًا يُقاس بالفراسخ والأميال.

هذه هي البينة الكبرى من مباحث اللغة على قرابة أهل الحجاز من النبطيين أو النباتيين أبناء إسماعيل، ولم تكن هذه القرابة من اختراع النسابين أو فقهاء الإسلام، ولكنها كانت قرابة الواقع التي حفظتها أسانيد اللغة والثقافة، واستخرجتها من حجارة الأحافير والكشوف الحديثة.

ومما يدعو إلى احترام روايات النسابين في هذا الباب أنهم عرفوا الحقيقة التي كشفها علماء الأحافير في الزمن الأخير، فقال ابن عباس: «نحن معاشر قريش من النبط.»

هذا من جهة الأصل واللغة، ومن جهة الكتابة يقول الشاعر المنتصر بن المنذر المديني:

ملوك بين حطي وسعفص في الندى
وهوز أرباب الثنية والحجر

وربما اختلفوا في مسألة الكتابة؛ لأنها طارئة لم يتعلمها منهم غير القليلين. أما النسب ومرجعه إلى نبات والنباتيين، فالتوافق فيه واضح بين رواية النسابين وتحقيق الأحافير.

١  كشفه «كلين» الألماني سنة ١٨٦٨.
٢  رسالته في مطبوعات الأكاديمية البريطانية سنة ١٩٢٤.
٣  The Back Ground of Islam by Philby.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠