الفصل الخامس

المراجع الإسلامية

وتأتي مصادر الإسلام في ختام مصادر الأديان الكتابية، وسنرى أنه ما من شيء كالمصادر الإسلامية يثبت قيام دعوة إبراهيم، بل يثبت وجود إبراهيم الذي شك فيه أصحاب بدعة الشك في كل خبر قديم من غير سند يستندون إليه، ولا نعني هنا أدلة تاريخية تستمد من روايات الأخبار، وإنما نعني دليل التسلسل المنطقي الذي يصدق حين تكذب التواريخ، كما سيأتي بيان ذلك في موضعه. ونكتفي هنا بإيراد أخبار الخليل في المصادر الإسلامية؛ وهي: القرآن الكريم، والحديث النبوي، والتفسير وما يلحق به على سبيل التفصيل أو الاستطراد.

وردت أخبار الخليل في سور كثيرة بعضها أقرب إلى الإسهاب، وبعضها يميل إلى الإيجاز، وهذه هي الآيات التي جمعت سيرته في بيان مفصل.

فمن سورة مريم: (٤١–٤٨): وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا١ * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا.

ومن سورة الأنبياء: (٥١–٧٢): وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا٢ إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَن فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةًۖ٣ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ.

ومن سورة الصافات: (٨٣–١١٣): وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا٤ آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ * قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ * وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ.

ومن سورة البقرة: (١٢٥–١٣٢): وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ.

ومن سورة آل عمران: (٩٣–٩٧): كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَمَنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ صَدَقَ اللهُ ۗ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا.

ومن سورة البقرة: (٢٥٨): أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

ومن سورة الأنعام: (٧٤–٨٣): وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ٥ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ ۚ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ۗ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ.

ومن سورة إبراهيم: (٣٥–٤١): وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ.

ومن سورة الحج: (٢٦-٢٧): وَإِذْ بَوَّأْنَا٦ لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا٧ وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ٨ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ.

ومن سورة البقرة: (٢٦٠): وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.

ومن سورة الذاريات: (٢٤–٣٤): هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ.

ومن سورة هود: (٦٩–٧٦): وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ ۖ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ * فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ * يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۖ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ.

ومن سورة النحل عن دين إبراهيم: (١٢٠-١٢١): إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.

ومن سورة الأنعام عن دين إبراهيم والإسلام: (١٦١): قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

ومن سورة آل عمران عن دين إبراهيم والإسلام وسائر الأديان: (٦٥–٦٨): يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ ۚ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ.

هذه جملة الآيات التي جاء بها القرآن الكريم مطولة في سيرة إبراهيم، أو مشيرة إلى دعوته وما فيها من سابقة للدعوة الإسلامية، ولا حاجة بمن يكتب عن الدعوة الإسلامية إلى إبراز جانب منها لإثبات الانتقال من العقيدة المحصورة في عصبية خاصة إلى العقيدة التي تعم كل أمة، وتخاطب كل ملة، فهذه المساواة بين الأمم هي صبغة الإسلام في كل جانب من جوانب دعوته من مبدئها إلى ختامها.

أما أخبار إبراهيم في القرآن، فمنها ما تقدم في التوراة والمشنا، ومنها ما انفرد به القرآن، ومداره على أمرين:

  • أحدهما: خاص بالوقائع، وهو قيام إبراهيم وإسماعيل إلى جوار البيت الحرام.
  • والآخر: خاص بالنظرة الدينية، وهو على جانب عظيم من الدلالة في هذا المقصد؛ لأنه يبين الفارق بين التجسيم والتنزيه في العبادة على مدى الزمن الذي انقضى بين كتابة أسفار العهد القديم وقيام الدعوة المحمدية.

فالضيوف الثلاثة الذين ورد ذكرهم في سفر التكوين كانوا يأكلون ويشبعون من الطعام، وكان مفهومًا من أسلوب بعض النسخ القديمة أن واحدًا منهم هو الإله، ثم أصبح مفهومًا أنه مَلَكٌ يتكلم باسم الإله ومعه صاحباه من السماء.

إلا أن القرآن الكريم يروي قصة هؤلاء الضيوف ولا يروي أنهم أكلوا وشبعوا، بل جلسوا إلى الطعام ولم تصل أيديهم إليه، وسألهم إبراهيم أن يأكلوا فلم يفعلوا، فأوجس منهم خيفة وعلِم من ثمَّ أنهم من غير البشر، وأن لهم شأنًا غير شأن ضيوف الزاد والمقام.

إن هذه النقلة ليست بالأمر الهين في تاريخ بني الإنسان؛ فإن النوع الإنساني قد انتقل من استخدام مادة الحجر إلى استخدام مادة الحديد في عشرات الألوف من السنين، فهذا الانتقال بين العقل الذي يقصر عن إدراك مخلوق سماوي يخالف الأجساد الحية في مطالبها المادية، وبين العقل الذي تهيأ للتمييز بين الحياة الروحية والحياة المادية، هو الانتقال الذي يؤرخ به عصران في حياة بني الإنسان، بينهما من الفارق أبعد جدًّا مما بين عصر الحجر وعصر النحاس وعصر الحديد.

•••

وأهم المصادر الإسلامية بعد القرآن الكريم أحاديث النبي ، ومنها طائفة عن الخليل تصفه وتصف أعماله، وتُلمُّ بسيرته، وللفقهاء فيها خلاف؛ إذ كان بعضها ينسب أمورًا إلى الخليل لم يُعهد في الأحاديث النبوية أن تنسبها إلى الأنبياء.

والحكم في هذا الخلاف أن الأحاديث التي يرويها الآحاد لا يجوز أن تخالف أصول الاعتقاد؛ لأن الآحاد يجوز عليهم الخطأ والكذب، ومثل ذلك لا يجوز في العقيدة، ولا سيما العقيدة التي يقررها الكتاب.

وقد أخذ الإمام الفخر الرازي بهذا الحكم في تفسيره، ودارت حوله مساجلة بين الشيخ عبد الوهاب النجار ولجنة العلماء التي راجعت كتابه عن قصص الأنبياء، فقال رحمه الله:

نص العلماء على أن الحديث إذا كانت روايته آحادًا وفيه نسبة المعاصي أو الكذب إلى الأنبياء يُردُّ.

ففي شرح العصام على العقائد النسفية بعد أن ذكر وجوب اتصاف الأنبياء بالصدق ما نصه: إذا تقرر هذا؛ فما نقل عن الأنبياء مما يُشعر بكذب أو معصية، فما كان منقولًا بطريق الآحاد فمردود، وما كان بطريق التواتر فمصروف عن ظاهره إن أمكن، أو محمول على ترك الأولى، أو كونه قبل البعث.

وجاء في الحاشية عليه قوله: فما كان منقولًا بطريق الآحاد سواء بلغ حد الشهرة أو لا فمردود؛ لأن نسبة الخطأ إلى الرواة أهون من نسبة المعاصي إلى الأنبياء.

ونحن نمهد بهذه الملاحظة للأحاديث التي ننقلها، ونختار من الأحاديث ما له علاقة بصميم السيرة، وندع للقارئ أن ينظر فيها وبين يديه ما تقدم من أقوال الفقهاء.

ففي بعض الأحاديث أن إبراهيم كان أشبه الناس بالنبي عليهما السلام.

وعن أبي هريرة قال: قال النبي ليلة أُسري به: «لقيت موسى، قال: فنعته، فإذا رجل — حَسبتُه — مُضْطَرِبٌ رَجِل٩ الرَّأْس، كأنه من رجال شنوءة،١٠ قال: ولقيت عيسى: فنعته النبي فقال: ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس — يعني الحمام — ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به.»
وعن مجاهد قال: كنا عند ابن عباس رضي الله عنهما، فذكروا الدجال فقال: إنه مكتوب بين عينيه كافر، وقال ابن عباس: لم أسمعه قال ذلك، ولكنه قال: «أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى فرجل آدم١١ جعد على جمل أحمر مخطوم بخلبة١٢ كأني أنظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبي.»
وعن جابر عن رسول الله أنه قال: «عُرض عليَّ الأنبياء فإذا موسى عليه السلام رجل ضرب من الرجال،١٣ كأنه من رجال شنوءة، فرأيت عيسى ابن مريم عليه السلام فإذا أقرب من رأيت به شبهًا عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم عليه السلام فإذا أقرب من رأيت به شبهًا صاحبكم.»

وعن ابن عباس: دخل النبي البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال: «أما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، هذا إبراهيم مُصوَّرٌ فما له يستقسم؟»

وعن ابن عباس، أنه عليه السلام لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمُحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام١٤ فقال: «قاتلهم الله! والله إن استقسما بالأزلام قط.»

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «اختتن إبراهيم النبي عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم.»

وقال ابن عباس في قصة هاجر: «ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع جرابًا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم … أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يُضيعنا. ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة، فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون. وجعلت أم إسماعيل تُرضع ابنها وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات …

قال ابن عباس: قال النبي : «فلذلك سعى الناس بينهما.» فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه! تريد نفسها، ثم تسمَّعت أيضًا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه — أو قال: بجناحه — حتى ظهر الماء، فجعلت تخوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف، قال ابن عباس: قال النبي : «يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم!» وقال: «لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا!»١٥ قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها المَلَك: لا تخافوا الضيعة؛ فإن هذا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله.
فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جُرْهم، أو أهل بيت من جُرْهم مُقبِلين على طريق كَدَاء،١٦ فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا١٧ فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريًّا أو جريَّين، فإذا هم بالماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم.

قال ابن عباس: قال النبي : «فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس.» فنزلوا وأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأعجبهم حتى شب، فلما أدرك زوَّجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا رزقًا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بِشرٍّ، نحن في ضيق وشدة، وشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغيِّر عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا فقال: هل جاءكم أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسأل عنك فأخبرته، وسألني: كيف عيشنا فأخبرته أنَّا في جهد وشدة، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، وهو يقرأ عليك السلام ويقول: غيِّر عتبة بابك، قال إسماعيل: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك؛ فالحقي بأهلك. فطلقها وتزوج من امرأة أخرى، وغاب عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم فلم يجد إسماعيل، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا الرزق، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة. وأثنت على الله، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومُريه يُثبِّت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنَّا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، وهو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تُثبِّت عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلًا له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: أعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هنا بيتًا. وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.»

هذه القصة التي رواها ابن عباس، وتخللها بكلمات للنبي عليه السلام، وهي أطول خبر عن إبراهيم نقله رواة الحديث.

أما الأحاديث التي أشرنا إلى الخلاف عليها بين الفقهاء وعلماء الأصول، فمنها الحديث التالي وفيه غنية:

حدث أبو هريرة أن رسول الله قال: «لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام قط إلا ثلاث كذبات: اثنتين في ذات الله؛ قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وواحدة في شأن سارة، فإذا قدم أرض جبار ومعه سارة، وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي؛ فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلمًا غيري وغيرك. فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار، فأتاه فقال له: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك. فأرسل إليها فأُتي بها، فقام إبراهيم عليه السلام إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضت يده قبضة شديدة، فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك. ففعلت، فعاد، فقُبضت أشد من القبضتين الأوليين، فقال: ادعي الله أن يطلق يدي؛ فلك عهد الله ألا أضرك. ففعلت وأُطلقت يده، ودعا الذي جاء بها فقال له: إنك إنما أتيتني بشيطان ولم تأتني بإنسان، فأخْرِجْها من أرضي وأعْطِها هاجر … قال: فأقبلت تمشي، فلما رآها إبراهيم عليه السلام انصرف فقال لها: مهيم؟١٨ قالت: خيرًا؛ كف الله يد الفاجر، وأخدم خادمًا.»

قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء!

وليس بعد القرآن والأحاديث النبوية من مصدر يصح أن يُسمى إسلاميًّا غير أقوال المفسرين.

وإنما تُسمى أقوال المفسرين مصدرًا إسلاميًّا حين تكون مقصورة على تفسير معاني القرآن وألفاظه، أو الاستشهاد بالأحاديث النبوية، فأما ما عدا ذلك فلا يُنسب إلى الإسلام، وإنما المرجع فيه إلى الأخبار المروية عن النسابين وأصحاب الأخبار عامة، ومنهم اليهود الذين أسلموا، والنسابون الذين توارثوا تواريخ أسلافهم بالسماع.

فمن اليهود الذين أسلموا كعب بن ماتع الحميري الذي اشتهر باسم كعب الأحبار، كان من علماء اليهود في اليمن وأسلم في زمن أبي بكر، وعاش في المدينة زمنًا ثم خرج إلى الشام بعد مقتل عمر، فأقام بحمص ومات فيها، ومنهم وهب بن منبه، وهو من يهود اليمن أيضًا، وكان من أبناء الفرس الذين أرسلهم كسرى إلى اليمن، ثم أسلم وتوفي في عهد الدولة الأموية، وكلاهما كثير الرواية والنقل عن الكتب الإسرائيلية، ويظن بهما أنهما وضعا كثيرًا مما روياه.

والمعلوم أن المسلمين في صدر الإسلام لم يتحرجوا من النقل عن أهل الكتاب إلا فيما يناقض القرآن الكريم؛ لأن المسلم يؤمن بالكتب التي تنزلت قبل القرآن، ويؤمن بأن العقائد التي تخالف عقيدته منها تحريف من الكهان والأحبار، وأنهم يجهلون بعض ما عندهم من الآيات، ويخفون بعضها أو يتمحلون١٩ له التأويل.

فإذا دخل عالم من علماء اليهود في الإسلام، ونفى من روايات دينه ما يخالف القرآن ثم يتحرج المسلم أن يستمع إليه فيما ينقله عن كتبه، وأمِن له، واعتبره من العلم الذي سبقه إليه أهل الكتاب، وكذلك فعل كثير من المفسرين، وبالغوا في الطمأنينة إلى أولئك الرواة، وفاتهم أنهم إن سلموا من سوء النية لم يسلموا من الجهل، وضعف السند، وقلة التثبت والتمحيص.

وكان الفاروق عمر والإمام علي رضي الله عنهما ينهيان كعب الأحبار عن الإفاضة في رواياته وأساطيره، وسخر الفاروق منه حين زعم له أن مقتله مكتوب في التوراة، ولم يُثبت أحد من جلة الصحابة شيئًا من تلك الأساطير، ولكن كعب الأحبار وأمثاله قد طاب لهم أن يتحدثوا بتلك الأساطير التي ينفردون بدعواها، فأفرطوا فيها وجعلوا يطرقون السامعين بجديد كلما نفد قديمهم المعروض، وآنسوا من السامعين إقبالًا على هذه البضاعة التي لا يزحمهم فيها أحد من المسلمين.

إلا أن المصادر الإسرائيلية لا تستوعب كل ما وعاه العرب قبل الإسلام من تواريخ عقائدهم، ولا سيما العقائد التي تلصق بالكعبة ونشأتها، وإقامة الشعائر فيها، وأسباب تلك الشعائر منذ أقدم عصورها. ومن الخطأ أن يقال: إن الروايات عن بناء الكعبة تلفيق من اليهود لإرضاء العرب والتقرب إليهم، بتوحيد النسب بينهم والارتفاع بنسبهم جميعًا إلى جدهم إبراهيم؛ فإن نسبة العرب إلى إسماعيل بن إبراهيم مكتوبة في سفر التكوين، ومِن العرب الذين كانوا يجهلون التوراة مَن كانوا ينسبون أنفسهم إلى «نبات» بن إسماعيل، كما جاء في تاريخ ديودورس الصقلي المتوفى بعد منتصف القرن الأول للميلاد.

وقد كانت الروايات ترتفع ببناء الكعبة إلى آدم وإلى الملائكة، ولا تقف بها عند إبراهيم، وجاء فيما رواه التقي الفاسي، صاحب كتاب شفاء الغرام، أن الكعبة بُنيت عشر مرات: بناء الملائكة، وبناء آدم، وبناء أولاده، وبناء إبراهيم، وبناء العمالقة، وبناء جُرْهم، وبناء قصي بن كلاب، وبناء قريش، وبناء عبد الله بن الزبير، وبناء الحجاج، ثم قال: إن بناءها قبل إبراهيم لم يأتِ به خبر ثابت، وقال المسعودي: إن بناء الملائكة وآدم وشيث لم يصح.

وأما بناء جرهم والعمالقة وقصي فهو ترميم، وتوسع الأزرقي، صاحب كتاب أخبار مكة، غاية التوسع في هذه الروايات التي لم تستوعبها الإسرائيليات، ولا يمكن أن تستوعبها؛ لأن تبجيل العرب للكعبة أقدم من هذه الإسرائيليات، وقد جاوز حدود جزيرة العرب إلى الهند ومصر كما ذكر برتون في رحلته إلى الحجاز، ولا يزال الصابئة اليوم، كما كانوا قبل الإسلام، يحسبونها من البيوت السبعة التي تناظر الكواكب السبعة، ويقولون: إنها بيت أشرفها دارًا وهو زحل، وستبقى في الأرض ما بقي زحل في السماء.

وسيأتي الكلام بشيء من التفصيل عن سلالة إبراهيم في البلاد العربية، ولا محل هنا لنقل الروايات المختلفة التي اقتبسها المفسرون أو المؤرخون التفسيريون، سواء منها ما أخذوه من الإسرائيليات وما أخذوه من حفظة الأنساب وبناء الأسلاف، فإنها جميعًا على نحو ما تقدم، ولكننا ننقل هنا ما فيه اجتهاد للمفسرين، أو ما فيه خبر يُضاف إلى أخبار السيرة ويعولون على روايته.

فالمفسرون الأوائل يقولون: إن النار لم تحرق إبراهيم؛ لأن الله سلبها خاصة الاحتراق، والألوسي، صاحب روح المعاني، من المفسرين المتأخرين يقول: «وأيًّا ما كان فهو آية عظيمة، وقد يقع نظيرها لبعض صلحاء الأمة المحمدية كرامةً لهم؛ لمتابعتهم النبي الحبيب صلى الله تعالى عليه وسلم، وما يُشاهد من وقوعه لبعض المنتسبين إلى حضرة الولي الكامل الشيخ أحمد الرفاعي — قدس سره — من الفسقة الذين كادوا يكونون لكثرة فسقهم كفارًا؛ فقيل: إنه باب من السحر المختلف في كفر فاعله وقتله؛ فإن لهم أسماء مجهولة المعنى يتلونها عند دخول النار والضرب بالسلاح، ولا يبعد أن تكون كفرًا وإن كان معها ما لا كفر فيه …

ولم يكن ذلك في زمن الشيخ الرفاعي — قدس سره العزيز — فقد كان أكثرَ الناس اتِّباعًا للسنة، وأشدهم تجنبًا عن مظان البدعة، وكان أصحابه سالكين مسلكه، متشبثين بذيل اتِّباعه قدس سره، ثم طرأ على بعض المنتسبين إليه ما طرأ … قال في العبر: قد كثر الزغل في أصحاب الشيخ قدس سره، وتجددت لهم أحوال شيطانية منذ أخذت التتار العراق، من دخول النيران وركوب السباع واللعب بالحيات. وهذا لا يعرفه الشيخ ولا صلحاء أصحابه، فنعوذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم.

والحق أن قراءة شيء ما عندهم ليست شرطًا لعدم التأثر بالدخول في النار ونحوه، فكثير منهم من ينادي إذا أوقدت له النار وضربت الدفوف: يا شيخ أحمد يا رفاعي، أو يا شيخ فلان؛ لشيخ أخذ منه الطريق، ويدخل النار ولا يتأثر منها دون تلاوة شيء أصلًا، والأكثر منهم إذا قرأ الأسماء على النار، ولم تُضرب له الدفوف، ولم يحصل له تغير حال لم يقدر على مس جمرة.

وقد يتفق أن يقرأ أحدهم الأسماء وتُضرب له الدفوف وينادي من ينادي من المشايخ فيدخل ويتأثر، والحاصل أنَّا لم نر لهم قاعدة مضبوطة، بيد أن الأغلب أنهم إذا ضُربت لهم الدفوف، واستغاثوا بمشايخهم وعربدوا؛ يفعلون ما يفعلون ولا يتأثرون. وقد رأيت منهم من يأخذ زق الخمر، ويستغيث بمن يستغيث، ويدخل تنورًا كبيرًا، ويضطرم فيه النار فيقعد في النار ويشرب الخمر، ويبقى حتى تخمد النار فيخرج ولم يحترق من ثيابه أو جسده شيء.

وأقرب ما يُقال في مثل ذلك أنه استدراج وابتلاء، وأما أن يقال: إن الله عز وجل أكرم حضرة الشيخ أحمد الرفاعي — قدس سره — بعدم تأثر المنتسبين إليه كيفما كانوا بالنار ونحوها من السلاح وغيره، إذا هتفوا باسمه أو اسم منتسب إليه في بعض الأحوال، فبعيدٌ، بل كأني بك تقول بعدم جوازه. وقد يتفق ذلك لبعض المؤمنين في بعض الأحوال إعانة له، وقد يأخذ بعض الناس بيده ولا يتأثر لأجزاء يطلي بها يده من خاصيتها عدم إضرار النار للجسد إذا طلي بها، فيوهم فاعل ذلك أنه كرامة …»

والشيخ محيي الدين بن العربي يفسر الآية على أسلوب المتصوفة الذين يرمزون بالكلمات إلى الأسرار فيقول: حرقوه أي اتركوه يحترق بنار العشق التي أنتم أوقدتموها أولًا، بإلقاء الحقائق والمعارف إليه، التي هي حطب تلك النار عند رؤيته ملكوت السماوات والأرض بإرادة الله إياه كما قال: وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وإشراق الأنوار الصفاتية والأسمائية عند تجليات الجمال والجلال عليه من وراء أستار أعيانكم التي هي منشأ اتقاء النار، وانصروا آلهتكم، أي معشوقاتكم ومعبوداتكم في الإمداد بتلك الأنوار، وإيقاد تلك النار، إن كنتم فاعلين.

بأمر الحق «يا نار كوني بردًا وسلامًا بالوصول حال الفناء؛ فإن لذة الوصول تفيد الروح الكامل، والسلامة عن نقص الحدثان، وآفة النقصان والإمكان، وأرادوا به كيدًا؛ بإفنائه وإحراقه …»

ومن المفسرين المحدثين محمد علي الهندي الذي ترجم القرآن الكريم إلى الإنجليزية، واجتهد في تفسير آياته فقال: إن الحادث — حادث الأصنام المحطمة — قد هاج ثائرة القوم، وأوقد نيران ضغنهم، وإن الآية التالية تدل على أن النار نار كيد: وأرادوا به كيدًا، فجعلناهم الأخسرين.

ولعلهم أرادوا إحراقه فنجاه الله من تدبيرهم، ثم فسر الآية في سورة العنكبوت: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ.

فقال في تفسيرها: إن أعداءه عجزوا عن إحراقه، وكانوا يدبرون له القتل والإحراق فلم يستطيعوا.

والإمام البيضاوي يفسر: فنظر نظرة في النجوم فقال: إني سقيم، فيفهم من الآية أنه ربما رأى مواقع النجوم واتصالاتها، أو نظر في عملها أو في كتابها، ثم يقول: ولا مانع منه مع أن قصده إيهامهم وقد سألوه أن يخرج معهم إلى عيدهم الذي يعيدونه لأربابهم، فأراهم أنه استدل بالنجوم — لأنهم كانوا منجمين — على أنه مشارف للسقم. وكان أغلب أسقامهم الطاعون، ويخافون عدواه … قال: وربما أراد أنه سقيم القلب لكفرهم، أو خارج المزاج عن الاعتدال.

ومن الجديد في المصادر الإسلامية أن إبراهيم ولد على مقربة من دمشق، وأن آزر عم إبراهيم ولم يكن أباه، قال صاحب بدائع الزهور في وقائع الدهور: «روى وهب بن منبه أن إبراهيم الخليل بن تارح بن ناحور، وقال الحافظ السهيلي: إنه كان مولودًا ببلاد حوران، وقيل بقرية تسمى برزة من قرى دمشق في مغارة هناك معروفة، وفيها الدعاء مستجاب … قال الرواة: إن سامًا وحامًا ويافث أولاد نوح عليه السلام كانوا ثلاثة أقسام؛ فكانت النبوة في أولاد سام، ومساكنهم الحجاز وما يليها، والقوة في أولاد حام، ومساكنهم المغرب، والتجبر في أولاد يافث، ومساكنهم المشرق …»

ومن المختلف عليه بين المفسرين والمؤرخين التفسيريين قرابة سارة وإبراهيم؛ فالحافظ ابن كثير يروي أن المشهور أنها ابنة عمٍّ لإبراهيم يُسمى هاران، ويقول ابن إسحاق الثعلبي، صاحب قصص الأنبياء، نقلًا عن أهل العلم بسير الماضين: إنها ابنة عمه ولا يذكر اسمه …

ويختلفون كذلك في ولد إبراهيم الذي أُمر بذبحه، فمنهم من يرى أنه إسحاق، ومنهم من يرى أنه إسماعيل، وجاء في قصص الأنبياء: أن محمد بن إسحاق روى عن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقول: إن الذي أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل … ولم يكن يأمره بذبح إسحاق وله فيه من الله تعالى من الوعود ما وعده، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل، قال محمد بن كعب القرظي: فذكرت ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة؛ إذ كنت معه بالشام، فقال لي عمر: إن هذا الشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل إلى رجل كان عنده من الشام — وكان يهوديًّا فأسلم وحسن إسلامه، وكان يرى أنه من علماء يهود — فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك وأنا عنده، فقال له: أيُّ ابني إبراهيم الذي كان أُمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل، ثم قال: والله يا أمير المؤمنين، إن اليهود لتعلم ذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أبوكم الذي أمَر الله بذبحه؛ لمَا فيه من الفضل الذي ذُكر أنه كان منه بصبره على ما أُمر به، فهم يزعمون أنه إسحاق؛ لأن إسحاق أبوهم.

وسنرى فيما يلي أن هذا الاختلاف له جانب هام يفوق في أهميته جانب البحث التاريخي الذي يُراد به مجرد العلم باسم الذبيح من ابني إبراهيم، فإنه اختلاف يتعلق به اختيار الشعب الموعود، ويتعلق به الحذف والإثبات في سيرة إبراهيم، ليتصل بذرية إسحاق، وينقطع عن ذرية إسماعيل، أو ليثبت من سيرته كل ما يتعلق بإسرائيل، وينقطع منها كل ما يتعلق بالعرب، وأن هذا النزاع قد بدأ قديمًا قبل تدوين نسخ التوراة التي كتبت في بابل، أي قبل الميلاد بعدة قرون.

وواضح أن النزاع في أوله لم يكن نزاعًا على العقيدة؛ فإن العهد القديم يروي عن إبراهيم أنه قدم العشر لملكي صادق كاهن الله «العلي» أو عليون، الذي كان معبودًا لسكان فلسطين وما جاورها إلى الجنوب، وقد زار هيرودوت بلاد العرب الشمالية عند مدخل مصر، وروى عنهم أنهم كانوا يعبدون الله تعالى Arotal، واللات أو أيليلات Alilat منذ قرون سابقة للقرن الخامس قبل الميلاد — وهو القرن الذي عاش فيه هيرودوت — فلم يكن النزاع على العقيدة في نشأته إلا فرعًا من فروع التنازع على الميراث، ولم يكن شأن الذرية الموعودة أو المختارة إلا أنها تعزز دعواها في ذلك النزاع، وتنفي عنه من ينازعها عليه.

وهذه المشكلة التي عرضت لمحمد بن إسحاق القرظي قد صادفت فقهاء المسيحية من قبل كما صادفت فقهاء الإسلام؛ إذ كيف يؤمر إبراهيم بذبح إسحاق وهو ابنه الموعود الذي يخرج منه شعب الله المختار؟ إن كاتب الرسالة إلى العبرانيين يقول في الإصحاح الحادي عشر حلًّا لهذه المشكلة: «إن إبراهيم بالإيمان قدم إسحاق وحيده الذي قيل له: إنه بإسحاق يدعى لك نسل؛ إذ حسب أن الله قادر على الإقامة من الأموات.»

وحل المشكلة على هذا الوجه جديد في المسيحية، لم ينظر إليه أحبار اليهود الذين اعتبروا أن التضحية قائمة على تسليم إبراهيم بموت إسحاق، وأنه أطاع الله ولم يطع قلبه، ولم يحفل بحنانه على ابنه الموعود. ويبقى من المشكلة جانب آخر، وهو وصف الابن بالوحيد، فلم يكن إسحاق وحيدًا مع وجود إسماعيل. أما إسماعيل فكان وحيدًا قبل مولد إسحاق.

إن فهم السيرة كما جاءت في الكتب الدينية، أو في كتب الشروح والتعليقات لا يتهيأ للباحث ما لم يضع أمامه سر الاختلاف على إسحاق وإسماعيل. وما نقلناه هنا من المصادر الإسلامية يوضح هذا السر بعض الإيضاح، وربما تم إيضاحه بما يلي من مصادر التاريخ.

١  حفيًّا: مبالغًا في إكرامي.
٢  جذاذًا: الجذاذة: القطعة المكسورة.
٣  نافلة: النافلة: العطية يتبرع بها معطيها من صدقة أو عمل خير.
٤  إفكًا: الإفك: الكذب.
٥  جنَّ عليه الليل: دخل.
٦  بوَّأنا: بوَّأ له منزلًا: هيَّأه ومكَّن له فيه.
٧  رجالًا: جمع راجل، وهو خلاف الفارس.
٨  ضامر: القليل اللحم من الخيل.
٩  الشَّعْر الزجل — بسكون الجيم: ما كان بين الجعد والمرسل.
١٠  أزد شنوءة: وشنوءة قبيلة عربية مشهورة.
١١  آدم: أسمر.
١٢  خلبة: حبل من ليف.
١٣  ضرب: رجل ضرب: شديد قوي العضلات.
١٤  الأزلام: السهام التي يُستقسم بها.
١٥  معينًا: الماء المعين: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض.
١٦  طريق كداء: طريق غليظة تتعب الماشي فيها.
١٧  طائرًا عائفًا: عاف الطائر: استدار على الشيء وحام يريد الوقوع.
١٨  مهيم بسكون الهاء وفتح الياء: اسم فعل بمعنى ما خبرك، وهي منحوتة من «ماها يوم؟» العبرية ما يوم؛ أي ما خبرك؟
١٩  يتمحلون: تمحل الشيء: طلبه بحيلة وكلفة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠