الفصل العاشر

النصرانية

فتح المسلمون البلاد وهي مملوءة بالنصارى في مصر وبلاد المغرب والأندلس والشام، وكانت النصرانية عند الفتح منقسمة إلى جملة طوائف، أشهرها في الشرق ثلاثة: اليَعَاقبة، وكانت منتشرة في مصر والنوبة والحبشة، والنساطرة١: وكانت منتشرة في الموصل والعراق وفارس. والملكانية: وكانت منتشرة في بلاد المغرب وصقلية والأندلس والشام، وكان بين هذه المذاهب جدال في العقائد الدينية؛ فاليعاقبة كانوا يرون أن المسيح هو الله، وأن الله والإنسان اتحدا في طبيعة واحدة هي المسيح؛ والملكانية والنساطرة قالوا: إن للمسيح طبيعتين متميزتين: الطبيعة اللاهوتية والطبيعة الناسوتية، وإن اختلفت الطائفتان فيما عدا ذلك من التفاصيل، وقد استمر الخلاف بين هذه الفرق في: هل اللاهوتية وما للناسوتية من إرادة وفعل متحدتان في المسيح، أو مختلفتان؟ قالت اليعاقبة بالأولى، وقالت النساطرة: إن للمسيح ناسوتية لها إرادة، ولها فعل يختلف كل الاختلاف عن العنصر اللاهوتي٢، واختلفوا في تصوير اتحاد اللاهوت بالناسوت، فقال اليعاقبة: كاتحاد الماء يُلقى في الخمر فيصيران شيئًا واحدًا، وقالت النسطورية: كاتحاد الماء يُلقى في الزيت، فكل واحد منهما باقٍ بحسبه، وقالت الملكانية: كاتحاد النار في الصفيحة المحماة٣.

وقد سقنا هذا لنبين أن الفِرق النصرانية المنتشرة في البلاد التي فتحها المسلمون كانت مختلفة، وكانت تتجادل في العقيدة في الله جدالًا شديدًا، والقرآن نفسه حكى شيئًا عن بعض أقوال هذه الفرق ورد عليها، فقال: لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وقال يخاطب عيسى: أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ.

ولم يقتصر النزاع بين النصارى على العقيدة في الله، بل اختلفوا في مسائل أخرى كثيرة: هل ينزل المسيح قبل يوم القيامة أو لا ينزل؟ وهل الحشر يكون للأرواح والأبدان أو للأرواح فقط؟ وهل صفات الله زائدة عن ذات الله، أو هي هي؟ ومن النسطورية من كان يقول بالقَدَر خيره وشره؛ إلى غير ذلك من أقوال تسرب منها إلى المسلمين كثير وأثار بينهم الجدل، وحق قول النبي : «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة»، وسترى أثر ذلك واضحًا في الفِرق الإسلامية.

وقد لجأت النصرانية إلى الفلسفة اليونانية لتستعين بها على الجدل، ولتُؤيد تعاليمها وعقائدها أمام الوثنيين — أولًا — ثم أمام المسلمين أخيرًا، فكان كثير من رجال الدين فلاسفة كالأب أوغسطينوس (٣٥٤–٤٣٠م)، وكانت الإسكندرية هي المركز الجغرافي لمزج الدين بالفلسفة، فبعد أن كانت مدينة المتحف، والمدينة المعروف عن أهلها النقد وسعة الاطلاع، أصبحت مجمع المذاهب الفلسفية والطوائف الدينية، فسهل الاتصال والامتزاج، والتقى على ضفاف النيل رجال مختلفة آراؤهم، متباينة مذاهبهم، تبادلوا فيها الآراء كما كانت تُتَبادل السلع، فاتسعت دائرة الفكر، وقورن بين الآراء المختلفة، وكان من نتيجة ذلك ظهور روح جديد أسس على مبدأين متناقضين ممتزجين أحدهما الشك والنقد، والثاني سرعة التصديق، تقابلت في الإسكندرية آراء الشرقيين والغربيين «اليونان» فامتزج روح اليونان بروح المشارقة، فأَنْتَجا عقائد ونظمًا دينية متأثرة بأمل الأولين وإلهام الآخرين، بما لليونان من علم، وما للمشارقة من أساطير، جاء الروح اليوناني بما له من ذكاء ودقة وقدرة على الشرح المبين، فأصابته شرارة من الشرق أشعلته وأحيته، كذلك أخرج الروح الشرقي — الذي من خصائصه الطموح إلى ما وراء عالم الشهادة — نظامًا ملتئمًا ونظريات مرتبة لم يكن ليخرجها لولا مساعدة العلم اليوناني له، فإنه رتب مأثور الشرقيين وحل من عقد لسانهم، فاستخرجوا العقائد الدينية والنظم الفلسفية التي بلغت الذروة في مذاهب الغنوسطية والأفلاطونية الحديثة، ويهودية فيلون، ومذهب الإشراك الذي وضعه يوليان الصابي، إن الشرقي بما له من ميل إلى الغرب وخوارق العادات، وما في طبيعته من تصوف وتدين، واليوناني بما له من فحص دقيق وبحث عميق، وإن شئت فقل: إن ما للأول من شعور، وما للثاني من تحليل منطقي امتزجا، ونتج منهما فكر خاص انتشر في الإسكندرية في القرون الأولى للميلاد، وقد صبغ ذلك الفكر بصبغتين مختلفين: صبغة الكماليين والصوفيين، وصبغة أهل البحث العلمي، ولذا امتاز هذا العصر بميل الفلسفة إلى الدين، وميل الدين إلى الفلسفة٤.
١  هم أتباع نسطور وقد كان بطريقًا للقسطنطينية في بعض أيامه ومات في منفاه حوالي سنة ٤٥٠ م، وليس كما زعم الشهرستاني أنه ظهر في عصر المأمون.
٢  انظر Boer في الفلسفة الإسلامية ص ١٢.
٣  ابن حزم في الملل والنحل ١: ٥٣.
٤  كتاب «مبادئ الفلسفة» تعريب المؤلف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤