الفصل العشرون

المرجئة

رأينا قبل أن الشيعة والخوارج كانا أول أمرهما حزبين سياسيين تكونا حول الخلافة، وأن رأي الخوارج فيها رأي ديمقراطي، ورأي الشيعة رأي ثيوقراطي، أما المرجئة فكانت كذلك أول أمرها، أعني حزبًا سياسيًّا محايدًا، له رأي فيما شجر بين المسلمين من خلاف؛ يروي ابن عساكر في توضيح رأيهم «أنهم هم الشكَّاك الذين شكُّوا وكانوا في المغازي، فلما قدموا المدينة بعد قتل عثمان، وكان عهدهم بالناس وأمرهم واحد ليس بينهم اختلاف، قالوا: تركناكم وأمركم واحد، ليس بينكم اختلاف، وقدمنا عليكم وأنتم مختلفون، فبعضكم يقول قتل عثمان مظلومًا، وكان أولى بالعدل أصحابه، وبعضكم يقول: كان علي أولى بالحق وأصابه، كلهم ثقة وعندنا مصدق، فنحن لا نتبرأ منهما ولا نلعنهما، ولا نشهد عليهما، ونرجئ أمرهما إلى الله حتى يكون الله هو الذي يحكم بينهما».

فترى من هذا أنه حزب سياسي لا يُريد أن يغمس يده في الفتن، ولا يريق دماء حزب، بل ولا يحكم بتخطئة فريق وتصويب آخر، وأن السبب المباشر في تكوينه هو اختلاف الأحزاب في الرأي، والسبب البعيد هو الخلافة، فلولا الخلافة ما كانت خوارج ولا شيعة، وإذن لا يكون مرجئة.

وكلمة المرجئة مأخوذة من أرجأ بمعنى أمهل وأخر، سموا المرجئة؛ لأنهم يرجئون أمر هؤلاء المختلفين الذين سفكوا الدماء إلى يوم القيامة، فلا يقضون بحكم على هؤلاء ولا على هؤلاء؛ وبعضهم يشتق اسمهم من أرجأ بمعنى بعث الرجاء؛ لأنهم كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، فهم يؤمِّلون كل مؤمن عاص، والأول أنسب لما حكينا عن ابن عساكر.

نشأت المرجئة لما رأت الخوارج يكفرون عليًّا وعثمان والقائلين بالتحكيم، ورأت من الشيعة من يُكفر أبا بكر وعمر وعثمان ومن ناصروهم وكلاهما يكفر الأمويين، ويلعنهم، والأمويون يقاتلونهم ويرون أنهم مبطلون، وكل طائفة تدعي أنها على الحق وأنها وحدها على الحق، وأن من عداها كافر وفي ضلال مبين، فظهرت المرجئة تسالم الجميع، ولا تُكفر طائفة منهم، وتقول: إن الفرق الثلاث: الخوارج والشيعة والأمويين مؤمنون، وبعضهم مخطئ وبعضهم مصيب، ولسنا نستطيع أن نعين المصيب، فلنترك أمرهم جميعًا إلى الله، ومن هؤلاء بنو أمية: فهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فليسوا إذن كفارًا ولا مشركين، بل مسلمين نرجئ أمرهم إلى الله الذي يعرف سرائر الناس ويحاسبهم عليها، وينتج من هذا أن موقفهم إزاء حكم الأمويين موقف تأييد، ولكنه تأييد سلبي لا إيجابي، فليسوا ينحازون إليهم ويحملون سيوفهم يقاتلون في جيوشهم، ولكن هم إزاء الأمويين مثلهم إزاء الشيعة والخوارج، وهم — على ما يظهر — يرون حكومة الأمويين حكومة شرعية، وكفى ذلك تأييدًا.

ونواة هذه الطائفة كانت بين الصحابة في الصدر الأول، فإنا نرى أن جماعة من أصحاب رسول الله امتنعوا أن يدخلوا في النزاع الذي كان في آخر عهد عثمان مثل أبي بَكْرَةَ، وعبد الله بن عمر، وعِمْران بن الحصَيْن، وروى أبو بكرة أن رسول الله قال: «ستكون فِتَنٌ، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت، فمن كان له إبل فَليَلْحق بإِبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كان له أرض فليلحق بأرضه، قال: فقال رجل يا رسول الله من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حدِّه بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاة».

هذه النزعة إلى عدم الدخول في الحروب التي بين المسلمين بعضهم وبعض هي الأساس الذي بُني عليه مذهب الإرجاء١، ولكنه لم يتكون كمذهب — كما رأينا — إلا بعد ظهور الخوارج والشيعة.
وبعد أن كان مذهبًا سياسيًّا أصبح بعدُ يبحث في أمور لاهوتية وكانت نتيجة بحثهم تتفق ورأيهم السياسي، فأهم ما بحثوا فيه تحديد «الإيمان» و«الكفر» و«المؤمن» و«الكافر»، وقد دعا إلى هذا البحث أنهم رأوا الخوارج يُكفِّرون مَن عداهم والشيعة كذلك، غلا الخوارج فعدُّوا كل كبيرة كفرًا، وغلت الشيعة فعدُّوا الاعتقاد بالإمام ركنًا أساسيًّا من أركان الإيمان، فكانت النتيجة الطبيعية أن يعرض على بساط البحث: ما الكفر وما الإيمان؟ فرأى كثير من المرجئة أن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله، فمن عرف أن لا إله إلا الله محمدًا رسول الله فهو مؤمن، وهذا رد من المرجئة على الخوارج الذين يقولون إن الإيمان معرفة بالله وبرسله، والإتيان بالفرائض، والكف عن الكبائر؛ فمن آمن بالله ورسله وترك الفرائض وارتكب شيئًا من الكبائر كان مؤمنًا عند المرجئة؛ كافرًا في نظر الخوارج، وردَّ أيضًا على الشيعة الذين يعتقدون أن الإيمان بالإمام والطاعة له جزء من الإيمان؛ بل غلا بعض المرجئة أكثر من ذلك فقالوا: «إن الإيمان الاعتقاد بالقلب وإن أعلن الكفر بلسانه، وعبد الأوثان أو لزم اليهودية والنصرانية في دار الإسلام، وعبدَ الصليب وأعلن التثليث في دار الإسلام، ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الإيمان عن الله عز وجل، ولي لله عز وجل، من أهل الجنة»٢، فترى من هذا أن هؤلاء لا يعدون إيمانًا إلا الاعتقاد القلبي بالله ورسله؛ وليست الأعمال الظاهرة جزءًا من الإيمان.

ولهذا الكلام كله نتيجة تتفق ورأيهم السياسي، فهم لا يحكمون بالكفر على الأمويين ولا على الخوارج والشيعة، بل لا يجزمون بكفر الأخطل ونحوه من النصارى واليهود؛ لأن الإيمان محله القلب، وليس يطلع عليه إلا الله، وذلك يدعو إلى مسالمة الناس جميعًا.

وقد لاحظ بعض المستشرقين أن الكلام على طائفة المرجئة وبدء تكونها وشرح عقائدها أُحيط بشيء من الغموض، وعلَّل ذلك بأن الدولة العباسية دمَّرت هذه الطائفة، وأماتت القول بهذه العقيدة؛ لأنها تُناصر الأمويين إلى حدٍّ ما، وعلى كل حال فهذه الفرقة تدخلت بعد العصر الأموي في الفرقة الأخرى وذابت فيها ولم يعد لها وجود مستقل محسوس.

وقد اشتهر من شعراء بني أمية بالقول بالإرجاء ثَابِت قُطنة، وكان في صحابة يزيد بن المهلَّب يُوليه أعمالًا من أعمال الثغور فيحمد فيها مكانه لكتابته وشجاعته، وله قصيدة في الإرجاء تعدُّ وثيقة قيمة في توضيح مذهبهم، رواها أبو الفرج في الأغاني، منها:

يا هِنْدُ فاسْتَمِعِي لِي إنَّ سِيرَتَنَا
أن نَعْبُدَ اللهَ لَمْ نُشْرِكْ بِه أَحَدَا
نُرْجِي الأمورَ إذا كانت مشبَّهة
ونَصْدُقُ القولَ فيمن جار أو عَنَدَا
المسْلِمُون عَلَى الإسلام كلهمُو
والمُشْرِكُون اسْتَوَوْا فِي دِينِهم قِدَدَا
ولَا أرَى أنَّ ذنبًا بالغٌ أحدًا
مِ الناس شِركًا إذا ما وحَّدوا الصَّمَدَا
لا نَسْفِكُ الدَّمَ إلا أن يُراد بنا
سفْك الدِّماء طريقًا واحدًا جَدَدًا
مَنْ يَتَّقِ الله في الدنيا فإنَّ له
أجْرَ التقيِّ إذا وفَّى الحسابَ غَدَا
وما قضى اللهُ من أمرٍ فليس له
رَدٌّ وما يقْضِ من شيءٍ يكن رَشَدَا
كل الخوارج مُخْطٍ في مقالته
ولو تعبَّدَ فيما قال واجْتَهَدَا
أمَّا عليٌّ وعُثْمَانٌ فإنهما
عبدان لم يُشْرِكا بالله مذ عَبَدَا
وكان بينهما شغْبٌ وقد شَهِدَا
شقَّ العصا وبعين الله ما شَهِدَا
يَجْزي عَلِيًّا وعُثْمَانًا بسعيهما
ولسْتُ أدري بحق أيةً وَرَدَا
اللهُ يعلم ماذا يحضران به
وكل عبدٍ سيلقى الله منفردا

ونحن إذا حللنا قصيدته لنتبين منها معنى الإرجاء وجدناه يقول: إنه لا يحكم على أحد من المسلمين بالكفر مهما أذنب، وإن الذنب مهما عظم لا يذهب بالإيمان، وإنه لا يسفك دم أحد من المسلمين إلا دفاعًا عن نفسه، وإنه إذا اشتبهت الأمور وكفرت كل طائفة أختها فيما فعلت أرجأنا أمرهم جميعًا إلى الله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون؛ أما الجور البيِّن والعناد الواضح والأعمال الظاهرة فنصدر أحكامنا عليها في صراحة، ونُبيِّن الخطأ فيها من الصواب؛ وإن الخوارج أخطئوا إذ حكموا على علي وعثمان بالكفر، فإنهما عبدان لله لم يُشركا به منذ عَرَفاه، ولكن كان بينهما شغب لم يخرج بهما عن الإيمان، فنترك أمرهما لله يقدر عملهما ويُكافئ عليه.

وقد ذكر الأغاني أن عون بن عبد الله بن علقبة بن مسعود كان من أهل الفقه والأدب، وكان يقول بالإرجاء، ثم رجع عنه وقال:

فأوَّلُ ما أُفارِقُ غير شكٍّ
أُفارِقُ ما يقولُ المُرْجِئُونَا
وقالوا مؤمن من آل جَوْرٍ
وليس المؤمنون بجائرِينَا
وقالوا مؤمن دمه حلالٌ
وقد حرمت دماء المؤمنينا٣
١  يقول النووي على مسلم: إن القضايا «يُريد قضايا الفتن التي كانت بين الصحابة» كانت مشتبهة حتى إن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا ولم يتيقنوا الصواب … إلخ.
٢  ابن حزم ٤: ٢٠٤.
٣  أغاني ٨: ٩٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤