الفصل الخامس عشر

خروج علي بك من مصر

أمضى السيد عبد الرحمن وعلي خادمه أيامًا في القلعة وهما موضع الإكرام والاحترام من كل مَن فيها، ثم جاء عماد الدين بعد ذلك فاجتمع بهما وأخذوا يتجاذبون أطراف الحديث في مختلف الشئون، إلى أن قال عماد الدين للسيد عبد الرحمن: «يجب أن تنتهز الحظوة التي نلتها لدى الشيخ ضاهر للبحث عن حسن.»

فقال السيد عبد الرحمن: «إن هذا أهم ما يشغل بالي، ولكني أخشى أن أخاطب الشيخ ضاهر في ذلك فتقل ثقته بي وتحدِّثه نفسه بأني لو كنت بارعًا في التنجيم حقًّا لاستطعت الاهتداء إلى مقر ولدي، فما رأيك أنت؟»

قال: «ولماذا تخاطب الشيخ ضاهر نفسه في هذا الأمر؟ يكفي أن تتصل بحراس أبواب المدينة، وتكلِّفهم أن يبلغوك أمر أي شخص غريب صفته كذا وكذا يدخل المدينة أو يخرج منها، وتذكر لهم أوصاف حسن.»

فقال: «هذا رأي صائب، وسأعمل به في أقرب وقت.»

وفي صباح اليوم التالي خرج السيد عبد الرحمن وعلي من القلعة. وطافا بكل أبواب المدينة موصيين حرَّاسها بإبلاغهما في القلعة أمر أي غريب تنطبق عليه أوصاف حسن، وذكراها لكل منهم بالتفصيل.

ثم تذاكرا أمر سالمة، فقال علي لسيده: «أرى وقد داخلنا شيء من الاطمئنان على سيدي حسن، أن تبقى أنت هنا حتى يأذن الله بلقائه عما قريب، وأمضي أنا إلى مصر فأبحث هناك أمر سيدتي والدته.»

فقال السيد عبد الرحمن: «لقد نطقت صوابًا، وغدًا أستأذن في سفرك على أنك ذاهب إلى مصر لإحضار بعض الأدوات والمعدات والعقاقير اللازمة لإتقاننا مهنة التنجيم والطب.»

وكان الشيخ ضاهر عند حسن ظن السيد عبد الرحمن وزيادة؛ فإنه ما كاد يعلم منه برغبته في إيفاد خادمه إلى مصر لذلك الغرض حتى وافق وأظهر ارتياحه التام، ثم نادى كاتب سره وأمره بأن يبلغ أمره بتزويد خادم الطبيب بكل ما يحتاج إليه في سفره من مئونة ومال، وأن تسير في ركابه كوكبة من الفرسان لحراسته في الطريق ذهابًا وإيابًا، مع إعطائه كتاب توصية إلى علي بك صاحب مصر لتسهيل مهمته باعتباره من حاشيته وأتباعه.

ولم يسع السيد عبد الرحمن إلا أن يقبِّل يد الشيخ ضاهر شاكرًا، ثم خرج من عنده فقابل عليًّا وبشَّره بما كان. وفي اليوم التالي كانت معدات السفر كلها قد أُعدَّت فودَّعه طالبًا له التوفيق، وعاد إلى القلعة ينتظر ما تأتي به الأقدار.

أما علي فما زال يَجِدُّ السير ليل نهار حتى وصل إلى يافا مع ركبه، فاستراحوا فيها يومًا، واشترى من هناك ملابس شامية استبدل بها ملابسه المغربية، ثم واصلوا رحلتهم إلى غزة فالعريش فالصالحية، وكان السفر قد أجهدهم فقرر الاستراحة هناك يومين أو ثلاثة ثم يواصلون السفر إلى القاهرة.

وفيما هم في الصالحية، شاهدوا عند العصر غبارًا عاليًا إلى الغرب منها قد حجب الأفق وكاد يحجب الشمس، ثم ما لبثوا أن علموا بأنه غبار جيش المماليك أعوان علي بك، وقد خرج به من مصر هاربًا من وجه صهره أبي الذهب، ووجهته عكا للاحتماء فيها بالشيخ ضاهر حليفه.

فقال علي لنفسه: «هذا ما كان متوقعًا منذ عاد أبو الذهب من دمشق حانقًا معتزمًا التمرد والغدر.» ثم مضى رفقاؤه فوقفوا لمشاهدة موكب الحاكم الهارب المطرود، فإذا بالموكب يضم أخلاطًا من الرجال والنساء والأولاد، بين مشاة وركبان، وعلي بك في مقدمتهم على جواده، وقد ازداد وجهه عبوسًا وتجهمًا، ولكن الذل والانكسار غالبان على هيئته، فقال علي: «هذه نهاية كل جبار عنيد، وسبحان المعز المذل!» ثم تذكَّر كتاب التوصية الذي يحمله إليه من الشيخ ضاهر، فرأى أن يسلمه له وإن لم يكن في ذلك ما يفيده شيئًا بعد أن أصبح الأمر في مصر لأبي الذهب، فدنا من علي بك ولوَّح له بالكتاب، فأوقف هذا جواده وتناول الكتاب منه سائلًا: «ما شأنك وماذا تريد؟»

فقال: «إني من أتباع الشيخ ضاهر الزيداني في عكا، وهذا كتاب منه إلى مولاي.»

ففض علي بك الكتاب وقرأه ثم طواه وجعله في منطِقته، وأشعل غليونه وأخذ ينفث الدخان من فيه في غضب يحاول كبته فلا يستطيع، ثم أخذ يسأل عليًّا عن أحوال الشيخ ضاهر ومدى قوة جنده وما إلى ذلك، وأخيرًا قال له: «إني ذاهب إلى عكا للقاء مولاك، وستجد في القاهرة ما تريد إن شاء الله.» ثم همز جواده واستأنف الموكب سيره، فعاد علي إلى رفقائه، وأقنعهم بأن ينضموا إلى موكب علي بك عائدين معه إلى عكا، ثم واصل هو سيره إلى القاهرة للبحث هناك عما تم في أمر سيدته.

•••

لبث حسن مقيمًا بكنيسة النبي إيليا في ضواحي بيروت منتظرًا مرور قافلة ذاهبة إلى عكا ليصحبها إليها، ولكن انتظاره طال حتى ملَّ الإقامة بتلك المنطقة، كما ضعف أمله في بقاء أبيه في عكا حتى ذلك الوقت، ولاسيما أنه لا يستطيع الظهور فيها وحاكمها الشيخ ضاهر متحالف مع علي بك في مصر، فلن يتأخر عن القبض عليه وإرساله إليه إن هو وقف على حقيقة أمره.

وكانت هواجسه تشتد كلما تصور أن أباه راجع إلى مصر ليرى ما أخَّره ووالدته عن اللحاق به إلى عكا، وأنه علم هناك بما أمر به علي بك من إغراقه في النيل وأخذ والدته للخدمة في قصره.

وفيما هو جالس يقطع الوقت بالتحدث مع قسيس الكنيسة، علم منه بما كان من قدوم أبي الذهب لفتح دمشق ثم رجوعه إلى مصر واستيلائه على مقاليد الحكم فيها بعد طرد علي بك منها، فكان سروره بذلك النبأ عظيمًا وقال: «هذه عاقبة الخيانة والظلم، ولسوف يلقى علي بك ما هو أمر وأدهى.»

فقال القسيس: «على كل حال، ما أظن أن أبا الذهب يكون أعدل حكمًا من علي بك.»

قال: «هذا رأيي أيضًا، فأبو الذهب قد نشأ في بيت علي بك، وتلقى عليه مبادئ الظلم والاستبداد وسفك الدماء والدسائس، وبرع في كل هذا إلى أن أولاه مولاه كل ثقته وزوَّجه بابنته، ولكن الله — جل شأنه — يسلط بعض الظالمين على بعض، وكما دالت دولة علي بك على يد أبي الذهب، تدول دولة هذا على يد آخر قريبًا بإذن الله.»

فقال القسيس: «نسأل الله أن يمحق الظالمين جميعًا، على أني ما زلت أوجس خيفة على أبي الذهب من علي بك نفسه؛ لأن مجيء هذا إلى الشيخ ضاهر حليفه في عكا إنما هو للاستنجاد به وبالأسطول الروسي المتحالف معهما، وأكبر الظن أنهما سيسارعان إلى نجدته ومعاونته على استرداد حكم مصر من يد أبي الذهب، وهذا لن يقوى على دفعهم مجتمعين.»

فقال حسن: «نسأل الله أن يبيد دولة المماليك جميعًا؛ فإن التاريخ لم يشهد حكامًا في مثل جبروتهم وظلمهم.»

فأمَّن القسيس على دعائه وقال: «إنه لا يهد أركان الممالك كالظلم والانغماس في اللهو والفجور، ولعل حكم علي بك كان أقل جورًا وفسادًا من حكم أسلافه الذين سبقوه من المماليك.»

فتنهد حسن وقال: «كان هذا صحيحًا في أول أمره، لكنه ما لبث قليلًا حتى فاق بظلمه كل مَن سبقوه، فكم خرَّب من بيوت كانت عامرة! وكم سفك من دماء، وانتهك من حرمات!» ثم غلبته عواطفه فأخذ في البكاء حزنًا على ما أصابه وأسرته من ظلم علي بك.

فأخذ القسيس يعزيه ويحاول الترفيه عنه إلى أن قال له: «لعلك راغب في السفر إلى عكا، وقد علمت اليوم من قريب لي أنه ذاهب إليها بعد يومين في صحبة وفد من اللبنانيين بعث به الأمير يوسف شهاب إلى الشيخ ضاهر، فإذا شئت فإني أوصي قريبي هذا بأن يهيئ لك مكانًا معهم.»

فهمَّ حسن بيد القسيس وقبَّلها شاكرًا. وفي اليوم التالي مضى به القسيس إلى قريبه السالف الذكر، وأوصاه به خيرًا، فهيأ له هذا جوادًا وزادًا، وألحقه بقافلة الوفد اللبناني، فسارا فيها آمنًا حتى وصل إلى عكا بعد العصر بقليل.

•••

ما كاد حسن يدخل المدينة من الباب الشرقي حتى استوقفه حارس الباب وأخذ يتفرس فيه، ثم سأله عن اسمه وإلى أين هو ذاهب، فارتبك حسن ولم يدرِ كيف يجيب، فقال له الحارس: «إن لدي أمرًا بحجزك وإرسالك إلى مولانا الشيخ ضاهر في القلعة.»

فأجفل حسن ومُلئ قلبه رعبًا وفزعًا؛ لعلمه بتحالف الشيخ ضاهر مع علي بك، ثم تجلَّد قليلًا وقال للحارس: «إني غريب عن هذه المدينة، وليس فيها مَن يعرفني أو أعرفه، فلعل شخصًا غيري هو المطلوب.»

فقال الحارس وهو يشير إليه بالجلوس بجانبه قرب الباب: «كلا، بل أنت الشخص المطلوب نفسه، ولا شك عندي في ذلك؛ إذ تنطبق على هيئتك جميع الصفات التي ذكروها لي.»

فلم يبقَ لدى حسن أدنى شك في أن أمره قد انكشف، وأن الأمر بالقبض عليه ليس سوى تمهيد لتسليمه إلى علي بك، فلم يتمالك عن البكاء حزنًا وأسفًا على سوء حظه الذي أوقعه في يد ذلك الظالم من جديد.

ورقَّ الحارس لحالته ولم يدرِ سبب بكائه، فقال له: «لا داعي للبكاء والجزع يا سيدي؛ فإن رسول الشيخ ضاهر الذي أبلغني وصفك وهيئتك وطلب حجزك وإرسالك إلى القلعة أوصى بإرسالك إليها معززًا مكرمًا، وأعتقد أنك ستكون هناك أكثر حظًّا من الإعزاز والإكرام.»

فقال حسن: «أي إعزاز وأي إكرام يا سيدي؟! إنني أتوسل إليك بكل عزيز لديك أن تطلق سراحي لأرجع من حيث أتيت؛ فإني لم أقترف أي ذنب، ولا رغبة لي في الذهاب إلى القلعة.»

فقال الحارس: «لو أنني خليت سبيلك، لقبض عليك غيري، فقد علمت أن الأمر الذي صدر في شأنك أُبلغ إليهم جميعًا، واعلم أن الشيخ ضاهر ورسوله ليسا في القلعة الآن؛ إذ خرجا للقاء علي بك القادم إلينا من مصر، ولن يعودا إلا غدًا، وستكون عندي في ضيافتي معززًا مكرمًا حتى يرجع الجميع إلى القلعة، ولن يكون إلا ما تحب إن شاء الله.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١