الاكتفاء بالدموع

هو نوع من القناعة في الحب يكون عند القنوط، ومن جيد الشعر فيه قول بعض الأعراب:

فإن تمنعوا ليلى وحسن حديثها
فلن تمنعوا مني البكا والقوافيا
فهلا منعتم إذ منعتم حديثها
خيالًا يوافيني على النأي هاديا

وهى سذاجة طريفة تذكرنا بقول جحدر وهو في السجن:

أليس الليل يجمع أم عمرو
وإيانا فذاك لنا تداني
نعم وأرى الهلال كما تراه
ويعلوها النهار كما علاني

وما الذي يضير أعداء المحب من أن يرى القمر كما تراه، ويعلوها النهار كما علاه، ما داموا قد أبعدوه عنها، وحرموه منها. وقد تنبه بعض الأعراب إلى تفاهة هذه القناعة فقال:

بربك هل ضممت إليك ليلى
قبيل الصبح أو قبلت فاها
وهل رفت عليك فروع ليلى
رفيف الأقحوانة في شذاها

على أنه لا ينبغي ألا ينسينا جمال هذا الخيال ما في شعر جحدر وأمثاله من روعة الصدق، وجلال الوفاء. وماذا عسى أن تكون الصبابة إن لم يصبح البكاء أشهى من الحديث المعسول، حين يغدو المحب ولا أمل له في غير الوجد المشبوب، والدمع المسكوب، والصبر المغلوب!

من أجل هذا نخالف أستاذنا الجليل الشيخ سيد المرصفي، ونرجوه أن يصفح عن إعجابنا بقول قيس بن ذريح في الاكتفاء بدمعه الدائم، وحزنه المقيم:

فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها
مقالة واشٍ أو وعيد أمير
فلن يمنعوا عيني من دائم البكا
ولن يذهبوا ما قد أجن ضميري
إلى الله أشكو ما ألاقي من الهوى
ومن كُرب تعتادني وزفير
ومن حرق للحب في باطن الحشا
وليل طويل الحزن غير قصير
سأبكي على نفسي بعين قريحة
بكاءَ حزين في الوثاق أسير
وكنا جميعًا قبل أن تظهري النوى
بأنعم حَالَيْ غبطة وسرور
فما برح الواشون حتى بدت لنا
بطون الهوى مقلوبة لظهور
لقد كنت حسب النفس لو دام وصلنا
ولكنما الدنيا متاع غرور
figure

وتمتاز هذه القطعة بتصويرها للنفس الإنسانية أجمل تصوير، وتمثيلها أدق تمثيل. ألم تر إلى الشاعر وقد أوجز في قناعته بالبكاء، ثم انطلق يشكو إلى الله لوعته، وحرقته، ولياليه الطوال! ألم تر إليه وقد كان يحسب الدمع نعمة سابقة يكبت بخلودها الأعداء، فعاد يرى الدمع آية الذل والمسكنة، وآخر ما يفزع إليه الأذِلَّاء المساكين!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤