أماني المحبين

وللمحبين أمانٍ كثيرة، لو تنفع الأماني، فمنهم من يتمنى الكأس من يد جميل، بين ندمان يُعاطونه أطايب الحديث، كما قال العطوي:

وكم قالوا تمنَّ فقلت كأسٌ
يطوف بها قضيبُ من كثيبِ
ونُدمان تساقطني حديثًا
كلحظ الحب أو غض الرقيب

وإنها لأمنية عزيزة المنال!

ومنهم من يسامر الأماني حتى ليحسب محبوبه بين يديه، كما قال ابن الزيات:

يا داني الدار في الأماني
ونازح الدار في العِيانِ
ذكرك دانٍ وأنت ناءٍ
فأنت ناءِ وأنت دانِ
نفسك موصولةٌ بنفسي
وأنت كالنجم من مكاني
لي فِكَرٌ فيك معجبات
في اللفظ صِفرٌ من المعاني
تجري ضروبُ من التمني
في كل يوم على لساني
أقول حتى كأن عيني
تراك من حيث لا تراني

ويتمنى ابن الأحنف لو ينام ليرى طيف محبوبته، ويقول:

مجلسٌ يُنسب السرور إليه
بمحبٍ ريحانهُ ذكراكِ
كلما دارت الزجاجة زادتـ
ـهُ اشتياقًا وحُرقةً فبكاكِ
لم يَنلك الرجاء أن تحضريني
وتجافت أمنيتي عن سواكِ
فتمنيت أن يغشيني الله
نعاسًا لعل عيني تراك

وربما تمنى المحب لو أعير سَلوة من قلب حبيبه، كما قال البحتري:

ودِدْتُ وهل نفس امرئ بملومةٍ
إذا هي لم تعطَ الهوى من ودادها
لو ان سُليمى أسجحت أو لو انه
أعير فؤادي سلوةً من فؤادها

وما أظرف النشوة التي تمناها البحتري حين قال:

هل لي سبيلٌ إلى الظهران من حلب
ونشوةٍ بين ذاك الورد والآسِ
أمدُّ كفي لأخذ الكأس من رشأٍ
وحاجتي كلها في حامل الكاسِ
بقرب أنفاسه أشفي الغليل إذا
دنا فقربها من حر أنفاسي

ومن غريب التمني ما جاء في رائية أبي صخر الهُذلي، فقد تمنى أن يجتمع بحبيبته فوق أمواج البحر، ومن دونها اللجج الخضر والأهوال، وإليك أروع هذه القصيدة البديعة:

لليلى بذات الجيش دارٌ عرفتها
وأخرى بذات البينِ آياتها سطرُ
كأنما مِلآنَ لم يتغيرا
وقد مر للدارين من بعدنا عصْر
وقفت برسميها فعيَّ جوابُها
فقلت وعيني دمعها سَربٌ همْر
ألا أيها الركب المخبون هل لكم
بساكن أجزاع الحمى بعدنا خُبرُ
فقالوا طوينا ذاك ليلا فإن يكن
به بعض من تهوى فما شعَر السفرُ

•••

أما والذي أبكى وأضحك والذي
أمات وأحيا والذي أمرهُ الأمرُ
لقد كنت آتيها وفي النفس هجرها
بتاتًا لأخرى الدهر ما طلع الفجر
فما هو إلا أن أراها فُجاءة
فأبهتَ لا عُرفٌ لديَّ ولا نُكرُ
وأنسى الذي قد كنت فيه هجرتها
كما قد تُنسي لُبَّ شاربِها الخمرُ
وما تركت لي من شذًا أهتدي به
ولا ضِلع إلا وفي عظمها وَقر
وقد تركتني أحسد الوحش أن أرى
أليفين منها لا يروعهما الذُّعر
ويمنعني من بعض إنكار ظلمها
إذا ظلمت يومًا وإن كان لي عذر
مخافةُ أني قد علمت لئن بدا
ليَ الهجر منها ما على هجرها صبر
وإني لا أدري إذا النفس أشرفت
على هجرها ما يبلغن بي الهجر
تكاد يدي تَندى إذا ما لمستها
وينبت في أطرافها الورق النضر
وإني لتعروني لذكراك هِزةٌ
كما انتفض العصفور بلله القطرُ
تمنيت من حبي عُليَّة أننا
على رَمثٍ في البحر ليس لنا وفر
على دائم لا يعبر الفلك موجهُ
ومن دوننا الأهوال واللجج الخضر
فنقضيَ هم النفس في غير رِقبةٍ
ويغرق من نخشى نميمته البحرُ
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها
فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
فيا حبها زدني جوى كل ليلة
ويا سَلوة الأيام موعدكِ الحشرُ
هجرتك حتى قلتِ لا يعرف القِلى
وزرتك حتى قلتِ ليس لهُ صبر
صدقتِ أنا الصَّبُّ المُصاب الذي به
تباريحُ حبٍّ خامَرَ القلبَ أو سِحْرُ
فيا حبذا الأحياء ما دمت فيهمُ
ويا حبذا الأموات ما ضمك القبر

وإليك شتى الأماني في قول جميل:

جزتكِ الجوازي يا بثين ملامة
إذا ما خليلٌ بان وهو حميدُ
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بوادي القرى؟ إني إذن لسعيد
فقد تلتقي الأهواءَ من بعد يأسة
وقد تُطلب الحاجات وهي بعيد
ويحسبُ نسوانٌ من الجهل أنني
إذا جئت إياهن كنت أريد
فأقسم طرفي بينهن سوية
وفي الصدر بَون بينهن بعيدُ
فليت وشاة الناس بيني وبينها
يدوف لهم سمًّا طماطمُ سود
وليتهم في كل ممسى وشارقٍ
تُضاعف أكبالٌ لهم وقيودُ
إذا جئتها يومًا من الدهر زائرًا
تعرض منقوص اليدين صَدوُد
يصد ويغضي عن هواي ويجتني
ذنوبًا علينا إنه لعنود
فأصرمها خوفًا كأني مُجانبٌ
ويغفل عنا مرة فنعود
يقولون جاهد يا جميل بغزوةٍ
وأي جهاد غيرهن أريد
لكل حديثٍ بينهن بشاشةٌ
وكل قتيٍل بينهن شهيد

وغاية الغايات في هذا الباب قول أبي بكر بن عبد الرحمن الزهري:

ولما نزلنا منزلًا طله الندى
أنيقًا وبستانًا من النورِ حاليًا
أجد لنا طِيب المكان وحسنُهُ
مُنى فتمنينا فكنتِ الأمانيا

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤