الفصل الرابع

إنجلز الثوري

لم يكن أول لقاء لإنجلز مع كارل ماركس ناجحًا؛ ففي طريق إنجلز إلى إنجلترا في نوفمبر عام ١٨٤٢، زار (للمرة الثانية من العام نفسه) مقرَّ الصحيفة الكولونية الراديكالية التي كانت تنشر بعضًا من مقالاته، وكان ماركس قد أصبح رئيسَ تحرير هذه الصحيفة في منتصف أكتوبر، واتخذ موقفًا صارمًا تجاه الإسهامات المقدَّمة من مجموعة الهيجليين الشباب في برلين؛ تلك المجموعة التي كان إنجلز منضمًّا إليها.

كان ماركس، باعتباره عالمًا وفيلسوفًا ومفكِّرًا، متفوِّقًا كثيرًا عن إنجلز؛ تعلَّمَ ماركس في مدينة ترير التي وُلِد فيها في ٥ مايو ١٨١٨، قبل عامَين من ميلاد إنجلز، الأعمالَ الكلاسيكية اللاتينية واليونانية والفرنسية في المنزل وفي المدرسة وفي منزل حَمِيهِ المستقبلي البارون فون فستفالين. كان والدَا ماركس من اليهود الذين تحوَّلوا إلى اللوثرية لأسباب سياسية، لكن لم تلعب اليهودية ولا المسيحية دورًا أساسيًّا في تكوين ماركس مقارَنةً بالتقوية القمعية التي تربَّى عليها إنجلز. أما على الصعيدين الديني والسياسي، فقد كانت مدينة ترير بيئةً أكثرَ ليبراليةً إلى حد كبير مقارَنةً ببلدة بارمن، وتأثَّرَ ماركس كثيرًا بمبادئ الثورة الفرنسية مقارَنةً بالنزعة المحافِظة لمملكة بروسيا التي نشأ فيها إنجلز. وعلى النقيض من إنجلز، كان ماركس طالبًا جامعيًّا متفرِّغًا، درس أولًا في بون ثم في برلين، حيث قاوَمَ (بنجاح) محاولاتِ والده في توجيهه نحو دراسة القانون؛ وقد حصل ماركس على دورات في الفلسفة والتاريخ، ودرس على نحو غير رسمي بين الهيجليين الشباب في برلين قبل وصول إنجلز. وتوقَّفت خطط ماركس لحياته الأكاديمية مبكرًا، على الرغم من إكماله رسالةَ الدكتوراه في الفلسفة الإغريقية (وقبولها عن طريق المراسلة في جامعة ينا)؛ وحيث إن الراديكاليين كانوا يُستبعَدون من العمل في الجامعات في ألمانيا، جرَّبَ ماركس وسائلَ أخرى لتطوير الأفكار المتداولة بين الهيجليين الشباب، وجرَّبَ أيضًا وسائلَ أخرى لكسب العيش.

لكن ماركس كان يمتلك قدرًا قليلًا من الخبرة في مجال الصحافة مقارَنةً بخبرة إنجلز فيها، وقد نُشِرت الأعمال الصحفية الوحيدة لماركس — التي كانت عبارة عن ثلاث مقالات — في الصحيفة الكولونية الراديكالية، وكانت إحدى هذه المقالات تتناول حرية الصحافة، والمقالتان الأخريان كانتا تتحدثان عن التبريرات التاريخية والدينية لما اعتبره ماركس ممارسات عبثية غير ليبرالية في الحياة السياسية. واستمر على هذا النسق في مشروعين من مشاريعه عندما أصبح رئيسًا لتحرير الصحيفة؛ فكان أحد هذين المشروعين نقدًا للقوانين الإقطاعية «المعدلة» فيما يخص جمع الأخشاب، والآخَر عرضًا للفقر الذي كان يسود وادي موزيل. وبعد نشر أول مقالة من هاتين المقالتين، انفصل على نحو واضح عن مجموعة برلين، وكتب إلى أرنولد روجه في أواخر نوفمبر من عام ١٨٤٢ (بعد وقت وجيز من وصول إنجلز) يقول إنَّ «دسَّ معتقدات شيوعية واشتراكية» في مقالات النقد المسرحي يُعَدُّ عملًا «غير لائق، بل حتى غير أخلاقي في واقع الأمر.» ورفض تمامًا «الكتابات الكثيرة المشبعة بالرغبة في نشر الروح الثورية في العالم، وإن كانت خالية من الأفكار، ومكتوبة بأسلوب غير متقن مضاف إليه بعض الأفكار الإلحادية والشيوعية (التي لم يدرسها مطلقًا هؤلاء السادة)» (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الأول).

فلماذا إذن عندما زار إنجلز ماركس في باريس بعد ذلك بعامَين في أغسطس ١٨٤٤، تلقَّاه ماركس بالترحيب الحار والموافقة الفورية على التعاون معه في أحد الكُتَيِّبات؟

أثناء تواجد إنجلز في مانشستر، كتب مقالة في الفترة ما بين أكتوبر ونوفمبر من عام ١٨٤٣ حملت عنوان «إسهام في نقد الاقتصاد السياسي»، ونُشِرت في فبراير ١٨٤٤ في صحيفة يرأس تحريرَها كلٌّ من ماركس وروجه، ودوَّنَ ماركس ملاحظاتٍ، يعود تاريخها إلى أوائل عام ١٨٤٤، عن تلك المقالة (الأعمال المجمعة لماركس وإنجلز، المجلد الثالث)، ووصفها في فترة لاحقة من حياته بأنها «مخطط ممتاز لنقد الفئات الاقتصادية» (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الأول). وكانت هذه المقالة مفخرة ماركس كلما تحدَّثَ عن علاقته بإنجلز؛ فلا بد أنَّ تناوُلَ إنجلز النقديَّ للاقتصاد السياسي (النظرية الاقتصادية في عصره) قد حاز إعجاب ماركس، الذي كان يبحث الآثار العملية لنظام الملكية الخاصة الذي تقره مملكة بروسيا وتدافع عنه. بالإضافة إلى ذلك، كان ماركس مؤهلًا جيدًا لنقد كتاب «فلسفة الحق» الذي كتبه هيجل، وهو محاولة نظرية رائدة للتعامُل مع الملكية الخاصة والحكومة، لكنه لم يكن يعرف عن الاقتصاديين الفرنسيين والبريطانيين معلوماتٍ أكثر من تلك التي أوردها هيجل في نظريته. وكان من الواضح أن إعداد دراسة نقدية عن الاقتصاد السياسي نفسه، هو الخطوة التالية لماركس في إطار اهتمامه الجاد بالمحرومين من حقوقهم الاجتماعية والسياسية في ألمانيا وفي كل مكان في أوروبا.

كان تطرُّقُ إنجلز للاقتصاد السياسي نابعًا من اهتمامه بالتاريخ الاجتماعي لإنجلترا، لا سيما الثورة الصناعية التي حدثت في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وقد كان آدم سميث، وديفيد ريكاردو، وجيمس ميل، هم أصحاب النظريات التقليدية التي تحدَّثَتْ عن مزايا الملكية الخاصة والمنافسة. ونظرًا لكون إنجلز شيوعيًّا، فقد اقترَحَ إلغاءَ كلٍّ من الملكية الخاصة والمنافسة، ولم يكن اعتراض ماركس على الشيوعية (الممثَّلة في مجموعة برلين وغيرهم) بسبب استنتاجاتها في حد ذاتها، بل بسبب عدم وجود بحث حقيقي وحُجَّة مقنعة لدعم تلك الاستنتاجات. وأخيرًا، كانت مقالة إنجلز عملًا شيوعيًّا يستحقُّ القراءة.

اعتبر إنجلز أن الاقتصاد السياسي ما هو إلا علم للإثراء تطوَّرَ نتيجةً لتوسُّع التجارة، وكتب: إن «التقدُّم «الإيجابي» الوحيد الذي حقَّقه الاقتصاد الليبرالي هو التوسُّع في قوانين الملكية الخاصة.» وهاجَمَ في مقالته الاقتصادَ السياسي بوصفه وجهًا آخَر لنفاق الطبقة المالكة، وهذا هو موضوع عمله «رسائل من فوبرتال» وغيره من الأعمال التي كتبها في السنوات الأربع السابقة؛ إلا أنه من خلال ممارسة المنافسة التي وصفها بالنفاق، قد رأى الطريقَ إلى «التحوُّل الهائل الذي يتجه إليه القرن، والمتمثِّل في تصالُح البشرية مع الطبيعة ومع نفسها» (الأعمال المجمعة لماركس وإنجلز، المجلد الثالث).

أما من ناحية النقد الأخلاقي للاقتصاد السياسي، فقد كان عمل إنجلز دقيقًا وحادًّا؛ فقد وصف التجارة بأنها تشبه السرقة، وتقوم على قانون القوي، وعلى حسد وطمع التجار المرسومة «على جباههم الأنانية البغيضة للغاية.» وقال إن المزاعم القائلة بأن التجارة هي رابطة صداقة بين الأمم والأفراد، لم تكن سوى إنسانية زائفة، وسرعان ما عادت أفكارُ المنافسة لتبسط سطوتها، وأضاف:

النتيجة الفورية للملكية الخاصة هي «التجارة» — مقايضة المتطلَّبات بين طرفَيْن — أي البيع والشراء. وهذه التجارة، مثلها مثل بقية الأنشطة، يجب أن تصبح في ظل سيطرة الملكية الخاصة مصدرًا مباشِرًا للمكسب لدى التاجر؛ أي يجب أن يسعى كل طرف من الطرفين إلى البيع بأعلى سعر ممكن والشراء بأقل سعر ممكن؛ ولذلك ففي كل عملية بيع وشراء يتواجه رجلان لدى كلٍّ منهما مصالحُ متعارِضةٌ تمامًا مع مصالح نظيره، وهذه المواجهةُ عدائيةٌ بلا شك، فكلٌّ منهما يعرف نوايا الآخَر، ويعلم أن بينهما تعارضًا في النوايا؛ ومن ثَمَّ تصبح النتيجة الأولى لذلك هي انعدام الثقة بين الطرفين من ناحية، وتبرير انعدام الثقة — المتمثِّل في استخدام أساليب غير أخلاقية لتحقيق غاية غير أخلاقية — من ناحية أخرى؛ ولذلك فإن الشعار الأول للتجارة هو السرية؛ أي إخفاء كلِّ ما من شأنه تقليل قيمة السلعة المذكورة. وكانت نتيجة ذلك أن أصبح مسموحًا به في التجارة استغلالُ جهلِ وثقةِ الطرف الآخَر إلى أقصى حد، وبالمثل أصبح مسموحًا به الافتراءُ على سلعة الطرف الآخَر بأوصاف سيئة ليست فيها. باختصارٍ، التجارةُ هي احتيال مقنَّن، وأيُّ تاجرٍ يرغب في إثبات الحقيقة يمكنه أن يقدِّم أدلةً على أن الممارسة الفعلية للمهنة تتفق مع هذه النظرية (الأعمال المجمعة لماركس وإنجلز، المجلد الثالث).

وفي العصر الحديث، أسفر النظام الاقتصادي الليبرالي عن نتائج مروِّعة في المصانع، أدَّتْ إلى تفسُّخ المصالح المشتركة حتى في الأسرة الواحدة؛ قال إنجلز في هذا الشأن:

لقد أصبح ممارسةً مألوفةً لدى الأطفال أنهم بمجرد أن يصبحوا قادرين على العمل (أيْ بمجرد بلوغهم سن التاسعة)، فإنهم ينفقون الأجور التي يحصلون عليها بأنفسهم، ويعتبرون منزل الأسرة مجرد نُزُل للإقامة، ويسلِّمون لآبائهم مبلغًا محدَّدًا نظيرَ الطعام والسكن؛ فكيف يمكن أن يكون الأمر مختلفًا؟ وماذا قد ينتج أيضًا عن الفصل بين المصالح بحيث يشكِّل أساسًا لنظام التجارة الحرة؟ فبمجرد أن يدخل المبدأ حيز التنفيذ، يستمر في العمل وصولًا لنتائجه النهائية، سواء أعجب علماءَ الاقتصاد ذلك أم لم يعجبهم (الأعمال المجمعة لماركس وإنجلز، المجلد الثالث).

واستكمل إنجلز تحليله، فكتب أنه: «يقوم قانون المنافسة على سباق بين العرض والطلب كي يتمم أحدهما الآخر؛ ولذلك لا يحدث هذا مطلقًا.» وتساءل إنجلز: «ما الذي جعلنا نطبِّق قانونًا لا يمكن إثبات صحته إلا من خلال التقلبات الدورية»؛ أي الدورة الاقتصادية في الأزمات التي تحدث على نحو دوري؟ إنه «قانون طبيعي يقوم على عدم وعي المشتركين فيه» (الأعمال المجمعة لماركس وإنجلز، المجلد الثالث).

بفضل الاقتصاد السياسي، ولا سيما نظرية مالثيس الخاصة بالإنتاج والسكان، انصرَفَ انتباهنا إلى إنتاجية الأرض وإنتاجية البشر، واستنتج إنجلز من ذلك «أقوى الحجج الاقتصادية لدعم التحوُّل الاجتماعي»؛ فالملكية الخاصة قد حوَّلت الإنسانَ إلى سلعة، والمنافسة «اخترقت كلَّ العلاقات في حياتنا وأكملت العبودية المتمثِّلة في المقايضة التي جعل الناسُ أنفسَهم عبيدًا لها في الوقت الراهن.» واستطرد إنجلز قائلًا إن كل هذه الأمور ستقودنا «نحو القضاء على هذا الإذلال للبشرية، من خلال إلغاء الملكية الخاصة، والمنافسة، والمصالح المتعارضة.» وبعد ذلك، إذا تمَّ الإنتاجُ على نحو واعٍ، وعَلِم المنتجون قدرَ المنتجات التي يطلبها المستهلكون، وشاركوها معهم، فستكون «تقلباتُ المنافسة، واحتماليةُ تحوُّلها إلى أزمة أمرًا مستحيلًا» (الأعمال المجمعة لماركس وإنجلز، المجلد الثالث).

تلك الموضوعات التي قدَّمها إنجلز تناولها ماركس في عمله «المخطوطات الاقتصادية والفلسفية» (وفي عمله «ملاحظات على جيمس ميل»)، الذي بدأ تأليفه في ربيع عام ١٨٤٤. وعندما حقق إنجلز نجاحًا، كان لدى ماركس مخزونٌ كبير من المعلومات اللازمة لدراسته النقدية للاقتصاد السياسي، وشعور مبدئي بأن تلك الدراسة ستكون مشروعًا كبيرًا وصعبًا إذا ما أُنجِزت على الوجه الأكمل. وبعد ذلك، وجد ماركس سببًا أدعى لتأجيل عمله المهم للتعامُل الفوري مع خصومه السياسيين، ويبدو أن إنجلز قد وافَقَ على اقتراح ماركس بالتخلِّي التام عن الهيجليين الشباب؛ فهل يوجد ما يمكن أن يفعله ماركس لإتمام عمله، أفضل من الاستعانة بخدمات أحد أعضاء مجموعة برلين بعد تصحيح مفاهيمه؟

علاوة على ذلك، كانت شهرة إنجلز الكاتب تَفُوق شهرةَ ماركس، وحتى وقت المشروع المشترك المقترح، كان ماركس قد نشر حوالي اثنتي عشرة مقالة في عدد محدود جدًّا من الصحف والمجلات، التي كان يرأس تحريرَ بعضها. وعلى الرغم من تحقيق الصحيفة الكولونية الراديكالية (ورئيس تحريرها) شهرةً كبيرة في أواخر عام ١٨٤٢ وأوائل عام ١٨٤٣، فقد اختفت تلك الشهرة سريعًا؛ ومع ذلك فإن تلك الشهرة التي حقَّقها ماركس لم تكن نابعةً بقدر كبير من محتوى مقالاته، بل كانت نابعةً من مزيج التوجهات الراديكالية والثورية التي كانت تعبِّر عنها الصحيفة ككلٍّ تحت رئاسته. وفي خطاب أرسله إنجلز إلى ماركس، سأله عن سبب وضع اسمه أولًا على صفحة عنوان عملهما المشترك الذي حمل اسم: «العائلة المقدسة: نقد النقد النقدي»؛ وذلك بسبب ضآلة إسهامه فيه (أعمال ماركس وإنجلز بالألمانية، المجلد السابع والعشرون). ولم يكن إنجلز في حاجة لطرح هذا السؤال.

لم يكن كتاب «العائلة المقدسة» عملًا مشتركًا كاملًا، من أي ناحية؛ لأن كل فصل — بل وبعض الأقسام الفرعية — كان يحمل توقيع مؤلفه. عرَّفَتِ المقدمة العملَ بأنه مقدمة نقدية لأعمال منفصلة، وفيها «نقدِّم — كلٌّ منَّا متحدِّثًا عن نفسه بالطبع — وجهةَ نظرنا الإيجابية بشأنها»، وتلك الأعمال هي: أعمال ماركس النقدية للاقتصاد السياسي (وأيضًا مقالات نقدية أخرى عن القانون والتاريخ والأخلاق … إلخ)، وكتاب إنجلز «حالة الطبقة العاملة في إنجلترا» (الذي كان حينها قيد الطبع)، وعمله المنتظَر عن التاريخ الاجتماعي لإنجلترا. والآن بعد أن انتقل إنجلز من الفلسفة والليبرالية إلى الاشتراكية والاقتصاد، لم يَعُدْ يحمل سوى الازدراء لنقد الهيجليين الشباب؛ قال في هذا الإطار:

النقد لا يفعل شيئًا سوى «تكوين صيغ من عيناتِ ما هو موجود بالفعل»، تحديدًا من الفلسفة «الهيجلية» الحالية والتطلُّعات الاجتماعية الحالية؛ مجرد صيغ ولا شيء غيرها. وعلى الرغم من النقد اللاذع الذي وجَّهَتْه الفلسفة الهيجلية للدوجماتية، فإنها تتسم بالدوجماتية، بل إنها تتسم بالدوجماتية «النسوية». إن الفلسفة «الهيجلية» ستظل أرملة عجوزًا شاحبة تصبغ وتزيِّن جسدها الذي تضاءل إلى مستوى التجريد البغيض للغاية، وتنظر بإغواء في كل أنحاء ألمانيا بحثًا عن مُغازِل (الأعمال المجمعة لماركس وإنجلز، المجلد الرابع).

لحق إنجلز بماركس إلى بروكسل عام ١٨٤٥، وارتضى — حسب اعترافه — بدورٍ أقل في هذه الشراكة؛ حيث شعر على الأرجح بقدرات ماركس الفائقة في التحليل ودقته الشديدة. سافر الاثنان إلى إنجلترا في صيف ١٨٤٥ وزارا مانشستر، ووجدَا في طريق عودتهما إلى بروكسل ردًّا على كتاب «العائلة المقدسة» من جانب الهيجليين الشباب؛ لذا برزت حاجةٌ مُلحَّة إلى تقديم عرض واضح للأفكار الاشتراكية؛ فالنقد السابق، كما في كتاب «العائلة المقدسة»، كان نابعًا من افتراضات غير موضَّحة تمامًا، وبالتأكيد غير معروضةٍ تفصيلًا. وبعد ذلك شرع ماركس وإنجلز في كتابةِ ما يبدو أنه أول عمل مشترك حقًّا، وهو «الأيديولوجية الألمانية»؛ وكان ذلك بهدف تسوية اختلافاتهما مع هيجليِّي عصرهما السطحيين المزعجين، وأيضًا للمساعدة في «توضيح أفكارهما الذاتية» (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الأول).

fig5
شكل ٤-١: فريدريك إنجلز، عام ١٨٤٥.

كادت مخطوطة كتاب «الأيديولوجية الألمانية» تكون مكتوبة بالكامل بخط يد إنجلز، وكانت التصحيحات والتغييرات بخط كلا المؤلفَين. في بعض الأحيان، كانت الصفحات مقسَّمةً إلى عمودين، كان النص على اليسار، والإضافات على اليمين، وكان خط ماركس يكاد لا يُقرَأ، وقيل إن إنجلز قد كُلِّف بعملية كتابة النص الذي اشتركَا شفهيًّا في تأليفه. كان العمل من الناحية الفلسفية مماثِلًا للأعمال السابقة لماركس أكثر ممَّا كان مماثِلًا لأعمال إنجلز، وكان القسم الأول مستقًى مباشرةً من مقالة ماركس «أطروحات حول فيورباخ»، التي كتبها في أوائل عام ١٨٤٥ قبل وصول إنجلز إلى بروكسل. وفي هذه السطور القليلة، شنَّ ماركس هجومًا على «كافة أشكال المادية السابقة» (الأعمال المجمعة لماركس وإنجلز، المجلد الخامس)، وعندما تأمَّلَ إنجلز الكتابَ عام ١٨٨٨ بعد وفاة ماركس، اعترَفَ بأن الأطروحات الإحدى عشرة حول فيورباخ كانت «أول عمل توجد فيه البذرةُ الرائعة للنظرة الجديدة للعالم» (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الثاني). وفي عمل آخَر وضعه في العام نفسه، كتب مردِّدًا كلمات ماركس التي قالها عام ١٨٥٩: «إن مدى التقدُّم الذي أحرزتُه بمفردي في سبيل الوصول إلى [فرضيات ماركس]، يظهر بوضوح شديد في عملِي «حالة الطبقة العاملة في إنجلترا»، لكن عندما قابلتُ ماركس مرة أخرى في بروكسل … فإنه كان قد أكملها بالفعل» (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الأول).

وفي كتاب «الأيديولوجية الألمانية»، تعرَّضَ العديد من الهيجليين الشباب للهجوم الشديد بسبب أوهامهم؛ فقد زعموا أن: «علاقات البشر، وكل أفعالهم، وقيودهم ونقاط ضعفهم، هي نتاج وعيهم»، ولأنهم كانوا يواجهون العبارات بالعبارات، فقد كانوا «لا يعارضون العالَم الفعلي القائم بأي حال من الأحوال.» تبنَّى ماركس وشريكه وجهةَ نظر معارضة لوجهة نظر الهيجليين الشباب؛ فكانت الأسس التي انطلقوا منها هي البشر — ليس «في أي حالة من حالات الثبات والعزلة الخيالية، بل في عملية تطوُّرهم الفعلية والمحسوسة تجريبيًّا» — وكذلك مشروعهما المُعَنْوَن «دراسة تطوُّر الحياة الفعلية للأفراد وعملهم في كل عصر» (الأعمال المجمعة لماركس وإنجلز، المجلد الخامس).

وفي الجزء الأول من كتاب «الأيديولوجية الألمانية»، كانت هناك فقرات وثيقة الشبه بأعمال إنجلز قبل تأثُّره بالماركسية، تلك الأعمال التي تناولت تاريخَ الثورة الصناعية وتعليقاته على طبيعة الشيوعية، وكتب المؤلفان أن فيورباخ:

عندما لا يرى رجالًا أصحاء، ويرى بدلًا منهم مجموعةً من الرجال المنهَكين المصابين بسلِّ الغدد الليمفاوية والسل الرئوي والهزال، كان يضطر إلى الاختباء وراء مصطلحات مثل «الإدراك الأعلى» والتمسُّح في مثالية «التعويض في الأنواع»؛ وبذلك يعود إلى المثالية عند النقطة التي يرى فيها الماديون ضرورةً، بل ووجوبًا، لحدوث تحول في كلٍّ من الصناعة والنظام الاجتماعي. (الأعمال المجمعة لماركس وإنجلز، المجلد الخامس).

كانت كتابات ماركس الصحفية ومخطوطاته المبكرة هي المصدر المحتمل للمناقشة التي تناولت الدولة والقانون والملكية في الكتاب. أما المناقشات الساخرة التي شغلت بقيةَ الكتاب، فعكست الأعمال التي قدَّمها كِلا المؤلفَين قبل كتاب «العائلة المقدسة»، وفي هذا العمل نفسه حدث تطوُّرٌ أكبر في مسألة شخصنة النقد السياسي لدى كلا المؤلفين؛ بَيْدَ أن الجانب الفلسفي في كتاب «الأيديولوجية الألمانية» الذي استمر طوال الكتاب ومنحه الترابُط، يمكن أن يُعزَى دون تردُّد إلى ماركس، كما قال إنجلز. وبالرغم من ذلك، يجب التأكيد على أن هذا العمل قدَّم الفلسفة في مقابل التفلسُف الصرف؛ لأن الهدف منها كان الارتقاء بالحياة الواقعية وإعادة تنظيمها بطريقة عملية لا تحمل طابعًا مثاليًّا.

لم تكن مقالة «أطروحات حول فيورباخ» التي ألَّفها ماركس صدمةً لإنجلز؛ لأن أبحاثه التي أجراها عام ١٨٤٤ حول التاريخ الاجتماعي والظروف الاجتماعية المعاصرة كانت متوافِقةً تمامًا مع تلك الأطروحات. كتب ماركس: «كل الحياة الاجتماعية عملية في جوهرها، وكل الألغاز التي تقود النظرية إلى التصوف تجد ضالتها العقلانية في الممارسة البشرية وفي فهم هذه الممارسة» (الأعمال المجمعة لماركس وإنجلز، المجلد الخامس).

الآن، بحسب علمنا، كان إنجلز قد تخلَّى عن الاقتصاد السياسي وترك التحدث عنه لماركس، ولم يُضِفْ شيئًا مطلقًا إلى نقده الأول «الرائع»، على الرغم من وجود بعض لمحاتٍ منه في كتاب «الأيديولوجية الألمانية»، والتي من بينها:

أوْ كيف يمكن أن تكون التجارة، التي لا تُعَدُّ أكثر من مجرد مقايضة منتجات بين العديد من الأفراد والبلدان، هي ما يحكم العالَمَ بالكامل من خلال علاقة العرض والطلب — تلك العلاقة التي قال عنها أحد علماء الاقتصاد الإنجليز إنها تحوم حول الأرض مثل قَدَر الأقدمين، وتوزِّع بيدها الخفية السعادة والشقاء بين البشر، وتقيم إمبراطورياتٍ وتهدم أخرى، وترفع أممًا وتخسف الأرض بأخرى — في حين أنه مع إلغاء أساس التجارة، المتمثِّل في الملكية الخاصة، بالإضافة إلى اعتماد نظام الإنتاج الشيوعي … سوف تتلاشى قوة علاقة العرض والطلب، وسيتحكم البشر مرة أخرى في عملية التجارة والإنتاج وطريقة تعاملهم بعضهم مع بعض؟ (الأعمال المجمعة لماركس وإنجلز، المجلد الخامس).

كان أول أعمال ماركس المنشورة الذي استعرض فيه بعض ثمار قراءاته وأبحاثه الاقتصادية في الفترة ما بين عامَي ١٨٤٥ و١٨٤٦، هو كتاب «فقر الفلسفة»، الذي نُشر باللغة الفرنسية وحمل اسمه فقط، وكان هذا عام ١٨٤٧. تولَّى إنجلز مهمةَ التحدُّث في الصحافة عن القضية الشيوعية والترويج لها، تلك القضية التي اتخذت شكلًا منظمًا تمثَّلَ في لجنة المراسلات الشيوعية في بروكسل. وكان الهدف الأساسي — بحسب ماركس — هو جعل الاشتراكيين الألمان يتواصلون مع الاشتراكيين الإنجليز والفرنسيين (المراسلات المختارة لماركس وإنجلز)؛ وذهب إنجلز بنفسه إلى باريس لتنظيم العمال الألمان، وأخبر اللجنة أنه حصل على دعم (بنسبة تصويت ثلاثة عشر إلى اثنين) لتعريف الشيوعية بأنها (١) تحقِّق مصالح طبقة البروليتاريا من خلال (٢) إلغاء الملكية الخاصة واستبدال الملكية المشتركة للبضائع بها، وتحقيق الأمرين الأول (١) والثاني (٢) من خلال الأمر الثالث (٣) المتمثِّل في قوة الثورة الديمقراطية (المراسلات المختارة لماركس وإنجلز). وذهب أيضًا إلى لندن، وجَعَل مهمته في العموم هي المساعدة في تبنِّي المجموعاتِ الشيوعيةِ المبادئَ الماركسية بدلًا من مبادئ الهيجليين الشباب، أو غيرها من المصادر. انعقد أول مؤتمر للشيوعيين في لندن في صيف ١٨٤٧، وقدَّم فيه إنجلز مُسوَّدة «البيان الشيوعي» بغرض المناقشة، وأعَدَّ إنجلز نسخة أخرى من تلك المسوَّدة من أجل ماركس، حملت اسم «مبادئ الشيوعية»، وفي أواخر ذلك العام حضر كلاهما المؤتمر الثاني الذي عُقد في لندن في أواخر نوفمبر وأوائل ديسمبر (الأعمال المجمعة لماركس وإنجلز، المجلد السادس). وطُلِب من كلٍّ من ماركس وإنجلز استخدام هذه المسوَّدة وغيرها في تشكيل وثيقة نهائية يمكن لكل الشيوعيين الالتزام بها.

وفي مرحلة لاحقة، اعترف ماركس وإنجلز كلٌّ منهما على حدة بأن الفكرة الأساسية للبيان الشيوعي كانت من إنتاج ماركس وحده، وتمثَّلت في أن وجود الطبقات في المجتمع كان نتيجةَ مراحل معيَّنة في تطوُّر الإنتاج، وأن الطبقة المطحونة المعاصرة هي فقط التي بإمكانها تحقيق التحوُّل إلى مجتمع بلا طبقات (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلدان الأول والثاني؛ المراسلات المختارة لماركس وإنجلز). كانت تلك الفكرة الأساسية مأخوذةً من فرضيات ماركس في كتاب «الأيديولوجية الألمانية»، وقُدِّمت على نحو مفصل بالفعل في هذا البيان أيضًا، على الرغم من أن هذا التفصيل، كما أشرتُ، حمَلَ جوانبَ تشابُهٍ كبيرٍ في عدة نقاط مع كتابات إنجلز الأولى عن التاريخ الاجتماعي وتعليقاته المبكرة على الشيوعية؛ إلا أن النسخ الأولى من البيان كانت مُعَدَّة بالفعل على يد إنجلز وحده، وظهرت أفكارٌ من تلك المسوَّدات ببعض الإسهاب في الوثيقة النهائية. علاوة على ذلك، كان أسلوبُ صياغة البيان (الذي يجب أن يكون قصيرًا وجذَّابًا) وغرضه (وهو كسب مناصرين وسط الشيوعيين) أمرًا اهتمَّ به إنجلز على نحوٍ مباشِر أكثر من ماركس الذي كان أكثر اهتمامًا، كما قال لاحقًا، بتقديم تحليل مفصل لدور المجتمع البرجوازي في الاقتصاد السياسي.

وبالرغم من ذلك، تولَّى ماركس مسئوليةَ صياغة البيان في النهاية؛ نظرًا لسفر إنجلز إلى باريس في أوائل عام ١٨٤٨، فضلًا عن إلحاح الشيوعيين في لندن على ماركس لتقديم البيان في أواخر يناير؛ وبهذه الطريقة أصبح هذا البيان يُنسَب إليه (على الرغم من أنه كان غير مُوقَّع بطبيعة الحال). كان الهدف من البيان أيضًا تقديم وجهات نظرِ لجنةِ المراسلات الشيوعية؛ ولذلك يمكن افتراض أن بعض أجزاء الكتاب عكست محاولةَ ماركس التصدي للاعتراضات الموجهة من الآخرين. كان باستطاعته على الأرجح تأليف البيان دون الاستعانة بمسوَّدات إنجلز، أو حتى دون أن يقابِل إنجلز على الإطلاق؛ لأن الفكرة الأساسية وتفصيلها نَبَعَا على نحوٍ منطقي للغاية من أعماله التي كتبها في عامَي ١٨٤٢ و١٨٤٣. غير أن أعمال إنجلز الأولى، التي اعترف ماركس بتأثيرها عليه، لا بد أنها يسَّرت المضي قدمًا في تفصيل الفكرة الأساسية في البيان؛ ففي أعمال إنجلز الأولى، كما رأينا، قدَّمَ إنجلز في فقرات شهيرة وصفًا عامًّا للثورة الصناعية ونفاق الطبقة البرجوازية، بالإضافة إلى تأثير العلاقات الاقتصادية التنافسية على النساء والأطفال والأسرة؛ علاوة على ذلك، فإن الدليل النقدي للاشتراكية في إنجلترا وأوروبا في الجزء الثالث من البيان أظهَرَ موهبتَه في كتابة مقالات مختصرة عن النقاشات الفلسفية المعاصرة.

على أقل تقدير، كان ماركس أمام مادةٍ بحثية مهمة مقدَّمة من إنجلز وتحتاج قدرًا طفيفًا من التعديل؛ بالإضافة إلى ذلك، ربما كانت أعمالُ إنجلز المبكرة وإسهامُه اللاحق في تأليف كتاب «الأيديولوجية الألمانية» وكُتَيِّب «البيان الشيوعي» ضروريةً لإبعاد ماركس عن الأسلوب المتكلف المعقَّد الذي ظهر في أعماله التي نشرها عام ١٨٤٣، كي يصبح أسلوبُه أسهلَ في القراءة. وبغض النظر عن الفضل الذي يعود لإنجلز في تأليف «البيان الشيوعي»، فإنه لا يمكن إنكار جهوده في تكوين لجنة المراسلات الشيوعية، وفي توفير الجمهور اللازم لها. وقد كان مخطَّطًا في ذلك العامِ ترجمة البيان إلى لغات أوروبية أخرى، ولاحقًا أُعيد نشره باللغة الألمانية عام ١٨٧٢ بمقدمة جديدة اشترَكَ في تأليفها الكاتبان، ثم أُعيد نشره عامَي ١٨٨٣ و١٨٩٠ بمقدمتين كتبهما إنجلز.

من المعروف أن «البيان الشيوعي» ليس له أيُّ تأثيرٍ يمكن تعقُّبه على الأحداث الثورية التي وقعت عام ١٨٤٨، وبالرغم من ذلك، فقد لعب ماركس وإنجلز في تلك الأحداث دورًا فعَّالًا لكنه لا يكاد يكون مؤرَّخًا عالميًّا؛ فقد كان ماركس يرأس تحريرَ إحدى الصحف في كولونيا، وأسهم إنجلز بحوالي ثمانين مقالة في تلك الصحيفة، وكتب لغيرها من الصحف أيضًا؛ ويقال إن متوسط عدد النُّسَخ المَبِيعة من تلك الصحيفة تراوَحَ ما بين خمسة وستة آلاف نسخةٍ خلال مدةِ وجودها التي بلغَتْ سنةً واحدة. وكان ماركس يهدف إلى مساعدة الثورات الديمقراطية في ألمانيا وفي غيرها من البلاد، بعد اندلاع الثورة في باريس في فبراير ١٨٤٨، وكانت السياسات التي حرَّضَتْ عليها الصحيفةُ تعكس البرنامَجَ المعلَن عنه في «البيان الشيوعي»؛ كانت تلك السياسات إجراءاتٍ ليبراليةً، من ناحيةٍ تسعى للقضاء على الأنظمة الرجعية، لكنها في الوقت نفسه تحمي مصالحَ أيِّ طبقةٍ عاملة تقوم بالثورة. وأدَّتْ خيبةُ الأمل، بسبب فشل الثوريين المنتسبين إلى الطبقة الوسطى في أبريل ١٨٤٩، إلى تبنِّي وجهة نظرٍ أكثر راديكاليةً بخصوص العمل السياسي للطبقة العاملة، قبل وقت قصير من حجب الصحيفة في منتصف مايو من العام نفسه.

تورَّطَ إنجلز بنفسه في مصادمات ثورية غير ناجحة في بلدة إلبرفيلد مسقط رأسه في مايو ١٨٤٩، لكن لم ينضم العمال والثوار إلى مجموعة المتمردين الصغيرة بأعداد تكفي لتشكيل تهديدٍ كبير للسلطات؛ وفي يونيو انضمَّ إلى القوات الثورية في جنوب غرب ألمانيا في حملتهم غير الناجحة ضد حكام بروسيا، وكان يريد بهذا — كما أخبر زوجة ماركس في أحد الخطابات — أن ينقذ سمعة صحيفة أستاذه ماركس (المراسلات المختارة لماركس وإنجلز). وفي أواخر عام ١٨٤٩، سافر من سويسرا إلى جنوة وأبحر منها ليلحق بماركس الذي وصل لتوِّه إلى منفاه في لندن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠