تمهيد

يشغل هذا الجزء من تاريخ أرض الكنانة حقبة من الزمن تولى في أثنائها حكم البلاد سلسلة من الفراعنة النكرات، الذين لم تبرز من بينهم شخصية نابهة تسترعي الأنظار بعمل من الأعمال الخالدة، كالتي قام بها فراعنة مصر العظام من قبل.

ولا عجب في ذلك، فإن ملوك الرعامسة الذين خلفوا «رعمسيس الثالث» كانوا بطبيعتهم ضعفاء في أخلاقهم، خاملين في عزائمهم، وقد كانت آخر جذوة من الحماس ومضاء العزيمة تتقد في نفوسهم قد خبت وتلاشت واستحالت رمادًا بموت «رعمسيس الثالث»، الذي كان يُعد بحق آخر بطل في أسرة الرعامسة، التي استوت على عرش الكنانة عدة قرون.

والواقع أن هذا الفرعون قد أمضى مدة حكمه في كفاح لإرجاع مجد مصر الضائع، وعزتها التي هانت وتضعضعت من جراء الغارات وغزوات الأمم المجاورة التي كانت تجتاح البلاد من كل الجهات، وبخاصة غارات أهل لوبيا، هذا إلى تفشي الفتن الداخلية، وقيام المؤامرات الأسرية في داخل القصر الفرعوني؛ يضاف إلى ذلك الفقر الذي كانت البلاد ترزح تحت عبئه، وبخاصة بعد أن أصبحت معظم ثروة البلاد على مر الأيام في يد طائفة من كهنة الآلهة العظام، وبخاصة كهنة الإله «آمون» أعظم الآلهة نفوذًا في تلك الفترة، ولقد وصلت الحال المالية من التدهور في نهاية عهد هذا الفرعون إلى أن أصبح عاجزًا عن دفع أجور عمال الجبانة، الذين كانوا ينحتون قبره مما أدى إلى إضرابهم، فكانت أول ثورة عمالية عُرفت في تاريخ العالم. وقد برهنت الآثار التي تركها لنا أخلاف «رعمسيس» على مقدار فقرهم وعجزهم، ولا أدل على ذلك من أننا نرى معظم مقابر ملوك الأسرة العشرين ومعابدهم الجنازية قد وقف العمل فيها، ولم تتم بعد حتى الآن، فلا غرابة إذن في أننا لم نعثر على آثار هامة من عهد هؤلاء الملوك من حيث العمارة أو الفتوح الخارجية، اللهم إلا بعض بعوث قام بها «رعمسيس الرابع» إلى «وادي حمامات» لقطع الأحجار من هذه الجهة لإقامة العمائر الدينية، وقد ترك لنا نقوشًا غاية في الأهمية نستنبط منها حالة البلاد الاجتماعية والدينية، كما خلف لنا بعض نقوش وقصائد دينية تكشف لنا عن أحوال العبادة في تلك الفترة، وبخاصة عبادة الإله «أوزير» الذي وحد بالنيل الذي تحيا بفيضانه البلاد، وتموت بانخفاضه، ومن ثم أصبح «أوزير» والنيل موحدين، فحياة «أوزير» هي الفيضان، وموته هو القحط. هذا وقد ترك لنا هذا الفرعون بردية تصميم مقبرته، وما وصل إليه المهندسون في تخطيط العمائر الدينية، وقد خلفه آخرون يحملون نفس الاسم، غير أنه لم يكن لهم من الأمر شيء، ولا نكاد نعرف عنهم أنفسهم إلا بعض حقائق مبهمة، شأن كل الملوك النكرات؛ ولذلك يكاد يكون تاريخ نهاية الأسرة العشرين قاحلًا مجدبًا بالنسبة لأشخاص الفراعنة، إلا أنه قد عوضنا عن ذلك فيض عظيم من المتون التي عُثر عليها من عهدهم مدونة على جدران المعابد وقطع الإستراكا، أو على إضمامات من البردي.

ومن الغريب المدهش أن المؤرخين الذين كتبوا عن عصر الأسرتين العشرين والواحدة والعشرين يمرون سراعًا على هذه الفترة كأنما لم يكن التاريخ تاريخًا إلا إذا كان يتحدث عن الملوك وأعمالهم، وصفاتهم ومناقبهم، وحركاتهم وسكناتهم. أما الشعب وطبقاته وحياته وأعماله، وصناعته وفنونه، وما لاقاه أفراده من نعيم أو بؤس فليس بالشيء الذي يستحق الذكر أو يلفت النظر بوجه ما، ومن ثم نجد الخطأ المخزي في تدوين تاريخ هذه العصور التي لم يكن لملوكها أعمال تُذكر. وفي الحق يعد المؤرخون مثل هذه الفترات في تاريخ مصر القديمة فجوة لا يمكن ملؤها، حتى إن المطلع في أسفار التاريخ عن هذه الحقبة يجد أنها كُتبت في صحائف معدودات، بل نجد أحيانًا أن ما كُتب عن أحد الملوك لا يشغل أكثر من بضعة أسطر، لقلة المصادر الخاصة بهذا الملك.

وإذا كان التاريخ بمعناه الحديث هو علم الاجتماع الوصفي لا تاريخ الملوك وأعمالهم فحسب، فإن لدينا في نهاية عصر الأسرة العشرين وعهد الأسرة الواحدة والعشرين مادة غزيرة تصور حالة المجتمع وحياته من كل الوجوه، وهذه المادة تركها لنا أفراد عاشوا في عهود هؤلاء الفراعنة، وقد أدى فحص هذه المادة ودرسها إلى الكشف عن الحياة في تلك العهود مما جعل هؤلاء الملوك النكرات يطهرون بعد أن كان لا يعرف عنهم أكثر من أسمائهم، وبعض حقائق تافهة عن أشخاصهم لا تفيد التاريخ في شيء، ويرجع الفضل في ذلك إلى ما خلفه لنا أفراد الشعب من وثائق هامة.

فمثلًا في عهد «رعمسيس الخامس» الخامل الذكر عثر الباحثون على عدة إضمامات من البردي كشفت لنا عن نواحٍ جديدة في حياة مصر الاجتماعية والجغرافية والاقتصادية، ويلفت النظر من بين هذه الأوراق بردية تصف لنا أخلاق الكهنة، وما كانوا يرتكبونه من جرائم خلقية، ولا نزاع في أن ما جاء في هذه الورقة يضع أمامنا صورة حية عن انتشار الرشوة وفساد الأخلاق، وانحلال أداة الحكم في أنحاء البلاد، وبخاصة بين رجال الدين الذين ضربوا الرقم القياسي في ارتكاب هذه الآثام، وأشركوا معهم الموظفين الآخرين حتى عم الفساد كل الطبقات.

في عهد هذا الفرعون نفسه جادت علينا تربة مصر بإضمامة من البردي توضح لنا للمرة الأولى بشيء من التفصيل كيفية مسح الأراضي ووجود مصلحة خاصة بها، وتقسيم الأراضي إلى فئات حسب خصبها، وتوزيع الضرائب التي تُجبى بما يتناسب مع نوع التربة من حيث الخصب، كما كانت تراعي العدالة الاجتماعية في فرض الضرائب، وسيرى القارئ أن المشرع المصري للضرائب كاد يكون مثاليًّا في هذا الصدد، ولا أدل على ذلك من أن أصحاب الملكيات الصغيرة كانوا يُعْفَوْنَ من الضرائب، ويُستنبط من مضمون هذه الورقة كذلك أن الضرائب كانت تُجبى من كل طبقات الشعب بما في ذلك أملاك الكهنة والمعابد. هذا إلى أننا قد عرفنا الكثير عن كيفية توزيع الأطيان وأصحاب الملكيات وأن الفرعون لم يكن المالك الوحيد للأرض، بل كان كل طبقات الشعب يملكون أراضيَ، حتى العبيد كان لهم أملاك خاصة بهم يتصرفون فيها كيف شاءوا، هذا وتدل شواهد الأحوال على أن الأراضي كانت تُورث على وجه عام.

ولدينا من هذا العهد كذلك بردية تحدثنا عن تدوين الوصايا في هذا العهد، وبخاصة وصية امرأة أرادت أن تقسم متاعها بين أولادها ذكورًا وإناثًا قبل موتها، ومحتويات هذه البردية والوثائق الأخرى التي تتعلق بها تكشف لنا عن صفحة جديدة في تقسيم الميراث، كما تضع أمامنا صورة ناطقة عن مقدار فقر البلاد في تلك الفترة.

وفي عهد «رعمسيس السادس» لم نجد شيئًا من عهده يستحق الذكر إلا مقبرة كُشف عنها في بلاد النوبة، وهي لنائب الملك في بلاد «واوات» التي كانت تعد في العهد الفرعوني أكبر مصدر لاستخراج الذهب، وقد اتخذ الحاكم مقر حكمه بلدة «عنيبة» الحالية، وقد دفن في مقبرته هذه، ومن نقوشها نفهم صلات مصر ببلاد النوبة، وأن الأخيرة حتى في أحرج الأوقات في تاريخ مصر كانت دائمًا متصلة اتصالًا وثيقًا بالفراعنة، وتدين لهم بالطاعة والولاء.

وفي عهد هذا الفرعون ومن قبله تحدثنا النقوش التي عُثر عليها أن سلطة الكاهن الأكبر «لآمون» قد أخذت تعظم، ويتفاقم خطرها، كما أخذت سلطة الفرعون تضعف وتتضاءل، وفي الحق نجد أن أسرة بعينها وهي أسرة الكاهن الأكبر «رعمسيس نخت» قد أصبحت ذات نفوذ عظيم في البلاد، فكان أفرادها فضلًا عن نفوذهم الديني يتولون الشئون المالية، فقد كان والد «رعمسيس نخت» هذا هو رئيس الضرائب في البلاد، وقد ورَّثها أحد أبنائه، كما أصبحت وظيفة الكاهن الأكبر وراثية في الأسرة، وبذلك أصبحت في الواقع هي الحاكمة الفعلية في البلاد، ولم تترك للفرعون من السلطة إلا الاسم وحسب. ثم خلف «رعمسيس السادس» على عرش مصر شبح آخر يحمل اسم «رعمسيس السابع» لا نعرف عنه ولا عن عهده شيئًا إلا مقبرة للعجل «أبيس» بُنيت في عهده عرفنا من نقوشها المراسيم التي كانت تؤدى لهذا العجل عند دفنه، ثم أعقبه «رعمسيس الثامن» ولم يذكر اسمه إلا مرة واحدة على لوحة لأحد الموظفين أرسله في بعثة خاصة من الوجه البحري إلى العرابة المدفونة مقر عبادة الإله «أوزير»، وهكذا نجد أنفسنا نسير في ظلام دامس في ركب التاريخ المصري في هذه الفترة إلى أن نصل إلى عهد الفرعون «رعمسيس التاسع» الذي عثر على سلسلة من الأوراق البردية تنسب إلى عهده، وتكاد تكون فذة في بابها من حيث المادة والموضوع، فقد كشفت لنا محتويات هذه الأوراق عما كانت عليه البلاد من فقر مدقع، أدى إلى اضطرابات وثورات قلبت الأوضاع الاجتماعية والدينية في البلاد رأسًا على عقب.

وأهم هذه الأوراق وأعظمها شأنًا الأوراق الخاصة بسرقة المقابر والمحاكمات الجنائية التي نتجت عن ذلك، فقد قامت في عهد «رعمسيس التاسع» موجة فقر أدت بالقوم إلى الكفر بكل شيء حتى بملوكهم الذين كانوا يعبدونهم منذ أقدم العهود، فأخذ حراس القبور بالاشتراك مع الطبقة السفلى من الأهلين وبخاصة العمال وكذلك الكهنة أنفسهم يبحثون عن موارد رزق لهم يسدون بها رمق الجوع، ولم يكن أمامهم مورد عذب فياض إلا مقابر أغنياء القوم والملوك التي كانت مستودعًا لحليهم وأثاثهم الفاخر، فأخذوا ينهبون ما فيها مما غلا ثمنه وخف حمله، وقد بدءوا بمقابر علية القوم نساءً ورجالًا، ثم انقضوا على مقابر الملوك على الرغم من حراستها والقيام بالمحافظة على ما فيها، فكانت تؤلف عصابات من العمال والكهنة الذين يعرفون مواطن هذه المقابر وبخاصة التي تحتوي على فاخر الأثاث، فنهبوها نهبًا شاملًا كاملًا؛ ولا أدل على ذلك مما جاء في ورقة «إبوت» وورقة «أمهرست وليو بولد الثاني»، فقد وضعت أمامنا محتويات هذه الأوراق صورة واضحة عما كان في هذه المقابر من أثاث فاخر وحلي ثمين. والعجيب أن هؤلاء اللصوص كانوا مهرة مدرَّبين على السطو والنهب بطريقة فنية ورثها عنهم أحفادهم الذين يسكنون في الجهة الغربية من «طيبة» الآن، وقد أدت هذه السرقات إلى نشر الذعر والهلع في نفوس القائمين بالأمر من رجال الحكومة، وأخذ حاكما «طيبة» الغربية والشرقية كلاهما يتخاصمان في أمر هذه السرقات، فاتهم حاكم طيبة الشرقية حاكم طيبة الغربية بالتهاون في حراسة هذه المقابر مما أدى إلى تأليف لجنة للتحقيق في شأن المقابر التي قيل إنها نُهبت، وقد حدثت مشادات ومخاصمات بين هذين الحاكمين ظهر في أثنائها التحيز مما أدى إلى ضياع الحقيقة واستمرار النهب، وقد قامت في خلال ذلك لجان تحقيق للوصول إلى نتيجة، كما ضُبط بعض اللصوص وأخذ رجال الإدارة والقضاء في محاكمتهم، وفي هذه المحاكمات التي أوردناها في هذا المؤلف يرى القارئ العجب العجاب، وسيتضح له من محتوياتها أن اللصوص كانوا يتألفون من فقراء القوم والكهنة أنفسهم الذين كانوا قائمين على حراسة هذه المقابر، وقد كانوا يقتسمون فيما بينهم محتويات هذه القبور التي دل ما وُجد فيها على أنها كانت تحتوي على نفائس غاية في الأهمية والقيمة، ولقد كان اللصوص يتخذون من الطرق في إخفاء سرقاتهم ما نراه ونسمعه في أيامنا هذه، فكانوا يمحون أسماء أصحاب هذه القبور ويأخذون الثمين منها فقط، وما لا يدعو إلى الريبة في أمره، كما سنرى أن الحراس وفقراء القوم كانوا لا يطمعون في أخذ أنصبة كبيرة قد تفشي سر غناهم المفاجئ، وثروتهم الطارئة، ولكن المحاكمات التي كانت تعقد للوصول إلى الحقيقة قد استعملت طرقًا غاية في الذكاء وغاية في الشدة للوصول إلى حقيقة هؤلاء اللصوص وما ارتكبوه من جرائم، فقد كانوا يحلفون المتهم بالأيمان المغلظة عندهم كالحلف بالملك وبالإله كما كانوا يستعملون أنواع التعذيب بالجلد والنفي كما هي الحال في أيامنا، وقد كان اللصوص يعترفون أحيانًا بأشياء لم يرتكبوها كما كان بعضهم يصر على عناده ولا يبوح بشيء.

والغريب أننا نرى من سير هذه المحاكمات أن معظم اللصوص كانوا من حراس المقابر أنفسهم والكهنة القائمين بالمحافظة على هذه المقابر، ولما فرغوا من سرقة ما عرفوه من مقابر فخمة ذات أثاث ثمين انتقلوا إلى سرقة أواني وأثاثِ المعابد نفسها جهارًا، ولقد بلغ ببعضهم الجرأة أنهم كانوا يتخذون من خشب أبواب المعابد ومعادنها مادة لصنع توابيت لأنفسهم منها أو لإذابتها وبيعها لسد رمقهم. وقد اعترف بعض اللصوص بأن السبب في ارتكابهم مثل هذه الجرائم مع ملوكهم هو الفقر والجوع وقلة ما لديهم من متاع، فقد قال بعضهم: لقد سرقت لأسد رمقي. ولقد كانت السرقات ترتكب جهارًا في رابعة النهار، ولقد ساعد على ذلك إغضاء الحراس من الكهنة، ولقد قيل: إن الكاهن الأكبر نفسه في تلك الفترة كان يشترك في هذه الجرائم؛ وبخاصة لأنه كان يئول إليه في النهاية أمر تنفيذ عقاب هؤلاء من الكهنة المجرمين، وقد زاد الطين بلة في تلك الفترة أن الجنود المرتزقة من اللوبيين وغيرهم قد ازداد نفوذهم في البلاد وأصبحوا يسيطرون على الموقف، فكانوا يشتركون في النهب والتخريب.

وسيرى القارئ مما استنبطناه من سير المحاكمات كيف كانت تؤلف محكمة الجنايات للتحقيق مع اللصوص، وكيف كان يسير التحقيق وتنفذ الأحكام؛ وسنرى أن الوزير كان القاضي الأعلى لهذه المحاكم يعاضده فئة من رجال الإدارة ومعه الكاهن الأكبر، وكيف أن أحكامه كانت لا تصدر إلا بعد تصديق الفرعون عليها، وأن النظرية القائلة بأن الفرعون هو الذي كان يصدر الأحكام ويقضي فيها وحده نظرية خاطئة، وكل ما هنالك أنه كان في نهاية عرض التحقيق عليه كان هو الذي يصدق على الحكم أو يأمر بالعفو إذا شاء، وقد كان بعيدًا عن التأثير في سير المحاكمات، وسيرى القارئ كذلك من سير التحقيق أن المحققين كانوا يشبهون في كثير من الأحوال وكلاء النيابة والمحققين في أسئلتهم وإظهار الحقيقة، وأنه كان هناك رجال شرطة يتجسسون على عصابات السرقة ويقبضون عليهم مما يذكرنا برجال اسكتلنديارد في إنجلترا والبوليس السياسي في بلادنا، ولكن للأسف نجد أن طرق إظهار الحقيقة التي كانت تتخذ لجعل المتهم يدلي بالحقيقة، وهي الضرب والتعذيب هي التي لا تزال حتى الآن في بعض جهات العالم وفي مصر أيضًا، فما أشبه أمس باليوم، وهكذا نجد أن التحقيقات في مصر القديمة منذ أربعة آلاف سنة لا تزال كما هي.

ومن الطريف أن نرى بعض اللصوص يعترف بفرح وسرور بجريمته كأنه عائد من معركة قد انتصر فيها أو كنز عثر عليه وظفر بمحتوياته، ولكن دل الفحص والاستنباط على أن هذه الاعترافات كان يكتبها رجال الشرطة كما يشاءون، وليس على المتهم إلا أن يصدق عليها وهو لا يعرف ما اتهم به سواء أكان في صالحه أو في غير صالحه.

وقد عثر على وثائق أخرى هامة منها ما هو خاص بتقسيم الميراث، ومنها ما هو خاص بالضرائب وجمعها، ولكن أعجبها وثيقة خاصة بالتبني لا نظير لها في تاريخ العالم من حيث التشريع، ومن كل هذه الأوراق نقرأ بين السطور عن حالة عدم الاستقرار في البلاد والفقر المدقع.

ولقد أدت هذه الحالة المُيْئِسة في البلاد من النهب وتسلُّط الأجانب، وبخاصة اللوبيين إلى قيام ثورة اجتماعية أدت إلى غزو البلاد بطوائف الأجانب، وقيام حروب داخلية كان لا بد من إخمادها والقضاء عليها، وبخاصة أن رجال الدين قد استأثروا بالسلطة حتى أصبح الكاهن الأعظم هو والفرعون يتنازعان على زمام السلطة في البلاد، حتى لنرى على الآثار أن «أمنحتب» الكاهن الأكبر قد رسم نفسه على جدران معابد الكرنك بحجم واحد، مما لم يحدث مثيله في تاريخ مصر من قبل، وقد أدى الأمر بعد ذلك إلى قيام الثورة على هذا الكاهن، وطرده من وظيفته، وظهور القحط في البلاد إلى أن قيض الله لها رجلًا عصاميًّا مغمور الذكر هو «حريحور» مؤسس الأسرة الواحدة والعشرين، وكان من رجال الحرب في بادي أمره كما تدل شواهد الأحوال، فأخذ يجمع السلطة الدينية والحربية والسياسية في يده، ثم بدأ يسلب الفرعون الجالس على عرش الملك وهو «رعمسيس الحادي عشر» سلطانه شيئًا فشيئًا حتى استولى على زمام الأمور في البلاد جملة، وأسس ملكًا لنفسه في «طيبة» غير أنه على ما يظهر لم يكن في مقدوره أن يقوم بأعباء الأمور وحده، فأشرك في الملك معه «سمندس» في «تانيس»، التي جعلها عاصمة ملكه في الشمال.

وتدل شواهد الأحوال وما لدينا من نقوش على أنه بعد موت «حريحور» — الذي لم تعترف به القوائم الرسمية، التي وصلت إلينا بأنه كان فرعونًا شرعيًّا لمصر — قد قسمت البلاد مملكتين: مملكة الجنوب وعاصمتها طيبة، ويحكمها رؤساء الكهنة وأخرى في «تانيس» في الدلتا ويتولى عرشها أسرة «سمندس»، وبذلك عادت مصر سيرتها الأولى من التقسيم قبل عهد مينا الوجه القبلي والوجه البحري، فقد كان رجال كهنة «آمون» الذين أخذوا يجمعون السلطة في أيديهم شيئًا فشيئًا، منذ بداية الأسرة الثامنة عشرة أصبحوا هم المسيطرين على شئون الدولة الدينية والاقتصادية في عهد «حريحور». وقد كان «حريحور» هذا بطل عصر النهضة التي قامت في البلاد لتحريرها من رِبْقَة الأجانب وبخاصة اللوبيين، وقد تم له ما أراد فأصبح الملك المطلق، وقد نصب ابنه «بيعنخي» كاهنًا أكبر في «طيبة» قبل موته، كما أصبح «سمندس» الفرعون المطلق على البلاد كلها بعد موت «حريحور»، ولكن سلطانه لم يكن عظيمًا على كهنة «طيبة» بل أخذوا يستأثرون بالأمر في الوجه القبلي، وإن كان هو قد أصبح الملك على البلاد كلها اسمًا، وقد سارت البلاد على هذا المنوال بحكم الكهنة العظام في «طيبة» بوساطة الكاهن الأكبر في «طيبة» الذي كان يدعي أنه يمثل «آمون»، وأن «آمون» هو الحاكم الحقيقي للبلاد، وكان يحكم البلاد بوساطة الوحي، فكان تمثال الإله يقضي في كل المخاصمات الاجتماعية والدينية في البلاد، فكان بمثابة القاضي الذي يفصل في كل الأمور، ويرجع الأمر إليه في كل الأحوال. وكانت تماثيله منتشرة في كل البلاد تحت ألقاب مختلفة باسم «آمون» تفصل في المخاصمات كلها، فكان ذلك بمثابة حكومة إلهية، وكان «آمون» يعد فرعونًا يحكم بلاد الوجه القبلي، ولكن دلت الأحوال على أن حالة النهب والسلب وبخاصة مقابر الملوك كانت لا تزال شائعة منتشرة، مما جعل الأتقياء من هؤلاء الكهنة يجمعون كل هؤلاء الملوك في مكان واحد خفي عن أعين اللصوص حتى لا تُنتهك حرمتهم، وقد جددوا أكفانهم، وكتبوا ما فعلوه على الأكفان، مما ساعدنا على ترتيب هؤلاء الملوك وكهنتها.

وقد ظل هؤلاء الملوك في مخبئهم حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حيث كشف عنهم في خبيئة الدير البحري. وقد عثر عليهم أحد لصوص بلدة «قرنة مرعى» الذين يعدون بلا شك من نسل أولئك اللصوص، الذين نهبوا المقابر في عهد الأسرة العشرين، وكان لهذا الكشف أعظم أثر في تاريخ مصر، وقد قفاه كشف آخر في تلك الجهة في خبيئة أخرى كانت تحتوي على موميات كهنة هذا العهد، ولكن هذا الكشف الأخير لا يعد شيئًا بجانب الكشف الأول الذي وضع أمامنا صحيفة ناصعة عن تاريخ ملوك الدولة الحديثة حتى الأسرة الواحدة والعشرين.

أما أسرة «سمندس» فقد أخذت تتصاهر مع أسرة الكهنة في «طيبة»، وأصبح الاتصال بينهم وثيقًا حتى أصبح الكهنة العظام بالمصاهرة يتولون بعد الكهانة العظمى عند موت الفرعون عرش البلاد في «تانيس»، وهكذا أصبحت البلاد على الرغم من تقسيمها ظاهرًا متحدة بالمصاهرة باطنًا، فكان ابن ملك «تانيس» أحيانًا يسير في موكب حافل بعد موت الكاهن الأكبر ليتولى عرش الكهانة، فإذا مات والده الملك ولم يعقبه أحد تولى هو عرش الملك وولى ابنه كاهنًا أكبر في «طيبة»، وهكذا سارت الأمور في البلاد إلى أن أخذ نفوذ اللوبيين الذي استوطنوا البلاد بوصفهم جنودًا مرتزقة وحكامًا للأقاليم يعظم شأنهم شيئًا فشيئًا، حتى قامت فتنة لم نتبين حقيقتها على وجه التأكيد انتهت بزوال ملك الأسرة الواحدة والعشرين، وتأسيس الأسرة الثانية والعشرين الذين كانوا من أصل لوبي، وقد سهل عليهم الوصول إلى غرضهم هذا ما كان بين اللوبيين وملوك الأسرة الواحدة والعشرين من مصاهرة كما سنشرح هذا في الجزء التاسع من هذه الموسوعة، وهكذا نجد أنه بنهاية الأسرة العشرين انقسمت مصر إلى مملكتين شبه مستقلتين: مملكة الكهنة في «طيبة»، ومملكة «سمندس» وأسرته في «تانيس» التي كانت من أعظم البلاد شهرة من الوجهة الدينية في الوجه البحري، ثم انتهى الأمر بزوال ملك الكهنة وملوك «تانيس» بتولي طائفة من الأجانب وهم اللوبيون عرش البلاد. ومن هذه اللحظة أخذت مصر تتقلب في محن وانقلابات كان الدور الهام فيها ما قام به حكام البلاد المجاورة عندما لمسوا ضعف مصر؛ فأخذوا ينقضون عليها من الجنوب والشمال إلى أن قُضي على استقلالها نهائيًّا في عهد الفرس كما سنفصل ذلك في الأجزاء التالية.

وقبل أن نختم هذه اللمحة الخاطفة في استعراضنا هذا لتاريخ مصر في عهد نهاية الأسرة العشرين، وعهد حكم كهنة رجال الدين في طيبة نريد أن نلفت النظر هنا إلى أننا قد بالغنا في إثبات الوثائق التي وصلنا إليها، حتى كتابة هذه الأسطر مما جادت به تربة مصر، وغرضنا في ذلك أن نعطي أولئك الذين يريدون أن يستنبطوا الحقائق من مصادرها الأصلية كما توجههم أفكارهم وآراؤهم ما يشتهون. أما تعليقنا على تلك النصوص فهو رأينا الشخصي لم نفرضه على الباحث، ولكنا أردنا به أن نرشد القارئ العادي الذي لا يمكنه تتبع هذه النصوص لما فيها من فجوات وتهشيم لا تمكنه من الوصول إلى حقيقتها إلا بعد جهد وإضناء.

وقد قصدت من ذلك أن أكون قد قدمت خدمة للعالم الباحث بإثبات الوثائق الأصلية، وساعدت القارئ العادي في تفهمها دون عناء وكد فكر، والله الموفق لما فيه الصواب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠