الكاهن الأكبر والملك «منخبر رع»

خلف «منخبر رع» أخاه الأكبر «ماساهرتا» كاهنًا أكبر «لآمون» في تاريخ غير مؤكد لنا حتى الآن، ولكنه كان على وجه التأكيد بين السنة السادسة عشرة والخامسة والعشرين من عهد ملك «تانيس» «أمنمأبت» (؟) وقد امتدت مدة اعتلائه كرسي كهانة «آمون» إلى أن مات الملك «أمنمأبت» الذي مكث على أكثر تقدير حتى السنة التاسعة والأربعين من حكمه.

وتنقسم الآثار التي خلفها لنا هذا الكاهن والملك ثلاثة أقسام:
  • (١)

    آثار «منخبر رع» بوصفه كاهنًا أكبر، ويرجع تاريخها إلى عهد الملك «بينوزم الأول» والفرعون «أمنمأبت».

  • (٢)

    آثار «منخبر رع» التي لم تؤرخ.

  • (٣)

    آثار «منخبر رع» في أثناء جلوسه على عرش الملك باسم الملك «بسوسنس الثاني».

والأثر الهام الذي تركه لنا «منخبر رع» من الوجهة التاريخية في أثناء جلوسه على كرسي الكاهن الأكبر «لآمون»، أي قبل أن يكون ملكًا على البلاد هو تجديد لفائف الفرعون «سيتي الأوَّل» في السنة السابعة من عهد ملك لم يسمَّ باسمه، ولكن تدل شواهد الأحوال على أنه هو الملك «أمنمأبت» الذي خلف «بينوزم الأول» والد «منخبر رع» في «تانيس»، ويقول «برستد»: «إنه ربما كان في الفترة بين حكم هذين الملكين قد اكتسب الامتيازات الفرعونية، وكذلك لقب الملك «بسوسنس»، الذي لم يستعمله قط في حياة والده.» (راجع Br. A. R. IV § 661) على أن «منخبر رع» لم يجدد شيئًا كثيرًا في لفائف «سيتي الأول» إذ أثبت الفحص الحديث أن معظم اللفائف القديمة كانت عليه، وكل ما عمله أنه أصلح حالتها من العبث الذي لاقته على أيدي اللصوص في عهد الأسرة الحادية والعشرين. فبعد أن انتزعت ست طبقات من اللفائف وجد على قطعة سيج كبيرة نقش يحتوي تاريخًا جديدًا، ولكنه كما قلنا لم يذكر فيه اسم الملك الحاكم وقتئذ، وهو: السنة السابعة. الشهر الثاني من الفصل الثاني، اليوم السادس والعشرين، وهو يوم دفن الملك «من ماعت رع» (سيتي الأول) له الحياة والفلاح والصحة.
وبعد ذلك كشف عن كتلتين من اللفائف بين قطعة نسيج مكتوبة وبين الجسم. وقد خط عليها بالمداد سطر واحد هو: «النسيج الذي صنعه كاهن «آمون» الأكبر لوالده «آمون رع» في السنة السادسة.» ومن هذين المتنين نفهم أنه في السنة السادسة أمر «منخبر رع» بصنع نسيج في السنة السادسة من عهده، وبه أصلحت لفائف الفرعون «سيتي الأول» في السنة السابعة من عهد هذا الكاهن الأكبر (راجع Monies Royales p. 555).

(١) لوحة «النفي» أو لوحة «مونيه»: (راجع Gauthier, L. R. III, p. 264)

هذه اللوحة التي تشير إلى عهد هذا الكاهن محفوظة بمتحف «اللوفر»، وهي منحوتة في الجرانيت الأسود. وتصف لنا وصول «منخبر رع» إلى «طيبة». وكان قد أرسله والده لإعادة النظام في نصابه والقضاء على ثورة يحتمل جدًّا أن سببها يرجع إلى موت الكاهن الأكبر «ماساهرتا»، والظاهر أن «بينوزم» الأول كان قد أراد أن يستغني عن منصب الكاهن الأكبر عندما توفي «ماساهرتا»، غير أن الطيبيين أجبروه على إرسال كاهن أكبر إليهم بدلًا منه. وكان هذا هو ابنه الأصغر «منخبر رع»، وعلى ذلك فإنه من المحتمل جدًّا أن «منخبر رع» هذا لم يتولَّ أعمال وظيفته الدينية إلا في السنة الخامسة والعشرين، وهذا التاريخ وكذلك السنة الأربعون، والسنة الثامنة والأربعون، لا يمكن أن تطبق على عهد «بينوزم» الأول، وقد نسبها «جوتييه» لحكم الفرعون «أمنمأبت» خلفه، غير أنه يميل إلى الاعتراف بأن الملك الجديد قد استمر في عدِّ سني حكمه مبتدئًا بتولية «بينوزم الأول».١

أما «برستد» فيقول في تفسير ما جاء على هذه اللوحة ما يأتي: نجد «منخبر رع» آتيًا من الشمال، وقد كان المفروض أنه حضر من «تانيس» إلى «طيبة» في السنة الخامسة والعشرين من عهد «بينوزم الأول»، وقد أحيطت لغة وثيقة هذه المأمورية الهامة التي كانت سببًا في مجيئه إلى «طيبة» بحجاب من الغموض عن قصد، حتى أصبح من الصعب تحديد كنهها، فقد أتى «منخبر رع» ليقضي على أعداء غير معروفين، ويعيد النظام إلى نصابه في «طيبة». وهذا يدل على قيام عصيانٍ من نوعٍ ما بين الطيبيين، وبعد إخضاع هذا العصيان ظهر «منخبر رع» أمام الإله «آمون»، وقد توصل إلى الحصول على وحي بالطرق العادية، وهي التي كانت متبعة على الأقل منذ زمن «حريحور» من الإله، وبه سمح لكل من نُفي إلى الواحة الجنوبية بالعودة إلى مصر، يضاف إلى ذلك أنه قد حصل على رضاء الإله بإصدار مرسوم سرمدي يحرم مثل هذا النفي في المستقبل. وهذه اللوحة كانت السجل الثابت لهذا المرسوم. وقد ختمت المحادثة مع الإله «آمون» بقوله: «إن كل القاتلين يجب أن يذبحوا.» والمسألة الهامة هنا هي شخصيات هؤلاء المنفيين الذين عفا عنهم «آمون»، غير أن الوثيقة التي في أيدينا قد سكتت عن هذا الموضوع سكوتًا تامًّا، فهل كان هؤلاء طيبيين قد أشعلوا نار الفتنة في المدينة؟ وهل كانت إعادتهم إلى وطنهم لتهدئة الحالة الثائرة؟ وهل كان هذا آخر عمل قاسٍ فعله الإله بمثابة تذكرة لأهل العنف وإنذارًا بما ينتظرونه إذا قامت ثورة أخرى؟

  • ترجمة اللوحة: التاريخ والمقدمة: السنة الخامسة٢ والعشرون، الشهر الثالث من الفصل الثالث، اليوم التاسع والعشرون المقابل لعيد «آمون رع» ملك الآلهة في العيد الجميل (وهذا لا يمكن أن يكون عيد الأقصر) لأنه كان يقام في الشهر الثاني كما يقول «بركش» (راجع Brugsch. Gesch. p. 45) … (٢) … «نسحور» في زيارتهم هناك لها. وكان جلالة هذا الإله السامي … (٣) طيبة وبعد ذلك سلك طريقه إلى الكتاب والمراقبين والناس …
  • الرحيل إلى «طيبة»: (٤) السنة الخامسة والعشرون، الشهر الأول من فصل … اليوم … وبعد ذلك تكلم جلالته إلى الناس: «آمون رع» رب «طيبة» …

    (٥) وقلوبهم ثابتة … وجماهيرهم … الكاهن الأكبر «لآمون رع» ملك الآلهة، والقائد الأعلى للجيش «منخبر رع» المنتصر ابن الملك «بينوزم» «مري آمون» … (٦) … رفيق خطواته، في حين أن قلوبهم كانت منشرحة، لأنه كان قد رغب في المجيء إلى الجنوب بالقوة والنصر ليسر قلب الأرض، وليطرد أعداءه وليعطي … (مثل ما) (٧) كانوا في عهد الإله «رع».

    الوصول إلى «طيبة»: ووصل إلى مدينة «طيبة» بقلب منشرح، وقد استقبله شباب «طيبة»، وأقاموا له الأعياد بوفود أمامه. وقد ظهر جلالة هذا الإله السامي سيد الآلهة «آمون رع» رب «طيبة» في (موكب) …

    (٨) لأجل أن … له كثيرًا جدًّا كثيرًا جدًّا، ووضعه على عرش والده كاهنًا أكبر «لآمون رع» ملك الآلهة، والقائد الأعلى لجيوش الجنوب والشمال. وقد قرر (الإله) له معجزات لطيفة لم تحدث مثلها منذ زمن الإله «رع».

  • عيد السنة الجديدة: والآن بعد (٩) الشهر الرابع من الفصل الثالث، في اليوم الخامس من العيد (والمقصود هنا اليوم الخامس من أيام النسيء) ولادة «إزيس»، وهو المقابل لعيد «آمون» عند السنة الجديدة، ظهر جلالة هذا الإله السامي، رب الآلهة «آمون رع» ملك الآلهة، في موكب، وأتى إلى القاعات العظيمة لبيت «آمون»، ووقف عند جدار سور «آمون» (١٠) فذهب إليه الكاهن الأكبر «لآمون رع» ملك الآلهة، وقائد الجيش الأعلى «منخبر رع» ومدحه كثيرًا جدًّا، ووقف له قربانه من كل شيء جميل.
  • إعادة المنفيين: وبعد ذلك قص عليه الكاهن الأكبر «لآمون» «منخبر رع» المنتصر قائلًا: «يا سيدي الطيب عندما يكون هناك أمر هلا يقصه الإنسان … (؟)» وعلى ذلك هز الإله رأسه بعنف. ثم ذهب ثانية إلى الإله العظيم قائلًا: «يا سيدي الطيب إنه موضوع خدمك الذين غضبت عليهم، وهم الذين في الواحة التي نفوا إليها.» وعندئذ هز الإله رأسه بعنف، على حين كان قائد الجيش هذا يمدح سيده رافعًا يديه، كما يحدِّث٣ والد ابنه (؟): مرحبًا بك يا موجد كل كائن، وبارئ كل ما يوجد، ويا والد الآلهة، وبارئ الإلهات، والذي يمدهم في المدن والأقاليم، وخالق الرجال، وبارئ النساء، وصانع حياة كل الناس. وإنه «خنوم»٤ الباني بامتياز، ومعطي نفس الحياة، ونسيم الشمال … والناس تعيش من مؤنه، وهو الذي يمد الآلهة والناس بحاجياتهم، والشمس بالنهار، والقمر بالليل يسبحان في السماء بدون (١٤) انقطاع. وإنه عظيم الشهرة، وأقوى من «سخمت»٥ مثل النهار … لأجله التي تصلي له، وإنه صاحب صحة يشفي المريض عندما تتطلع الناس إليه … (١٥) … إنك ستسمع لصوتي في هذا اليوم، وإنك سترق لخدمك الذين نفيتهم (١٦) إلى الواحة، وإنهم يحضرون ثانية إلى مصر. فهز الإله العظيم رأسه بعنف.
  • العفو عن المنفيين: وبعد ذلك تكلم (الكاهن الأكبر) ثانية قائلًا: «يا سيدي الطيب؛ أمَّا عن أية كتابة تعمل … أي لأجل أن يحضرها فليعن …» وعندئذ هز الإله رأسه بعنف، ثم ذهب إلى الإله العظيم قائلًا: «يا سيدي العظيم ستصدر مرسومًا عظيمًا باسمك على ألا يُنفى أحد من أهل البلاد لإقليم الواحة النائي ولا … منذ هذا اليوم.» (١٨) وعندئذ هز الإله رأسه بعنف، ثم تحدث ثانية قائلًا: «عليك أن تقول ذلك: سيصدر في مرسوم على لوحة … في باقية وثابتة سرمديًّا.»
  • تقديم الشكر «لآمون»: وبعد ذلك تكلم ثانية الكاهن الأكبر «منخبر رع» المنتصر قائلًا: «يا سيدي الطيب إذن … عشرات آلاف المترات، والأمر ليكون للأب والأم في كل أسرة، وكل كلمة مني ستشرح القلب في حضرتك، وإني خادمك المطيع، والمفيد لروحك (٢٠) وإني كنت شابًّا في مدينتك وإني أنتجت مؤنتك و… في حين كنت لا أزال في الفرج عندما كوَّنتني في البيضة، وعندما أتيت بي إلى الوجود كان ابتهاجًا عظيمًا للناس. امنحني أن أمضي حياة سعيدة (٢١) بوصفي تابعًا لروحك. وحيث تقف٦ توجد الطهارة والصحة، ضع قدمي في طريقك، وأرشدني إلى نهجك. املأ قلبي … ليفعل … امنحني أن أمضي شيخوخة سعيدة في أمن، على حين أكون مستقرًّا عائشًا في بيتك السامي مثل كل محبوب …»
  • ذبح القتلة: (٣) وعندئذ ذهب الكاهن الأكبر «لآمون» «منخبر رع» قائلًا: «أما عن أي شخص يبلغ عنه أمامك قائلين: إنه ذبح الأحياء … فعليك أن تهلكه، وعليك أن تذبحه.» وعندئذ هز الإله رأسه بعنف (علامة على الرضا).
  • إصلاحات «منخبر رع»: وقد قام «منخبر رع» بإصلاحات واسعة النطاق، غير أنه لم يترك لنا عليها نقوشًا موضحة كافية، فقد قام ببعض إصلاحات في معبد الأقصر، كما يدل على ذلك نقش تركه لنا على الجدار الخارجي للسور الخاص بقاعة العمد، وهو: «إصلاح الأثر الذي عمله الكاهن الأكبر «لآمون رع» ملك الآلهة «منخبر رع» المنتصر ابن سيد الأرضين محبوب «آمون» «بينوزم» في بيت والده «آمون» بالأقصر.»٧

    وكذلك أعاد بناء بعض جدران السور الخارجي لمعبد الكرنك وغيره كما سنرى. ففي «الكرنك» عُثر على نقوش سجل تفتيش عمل في المعبد على يد الكاهن الأكبر «منخبر رع» في العام الأربعين من عهده: «السنة الأربعون، الشهر الثالث من الفصل الثالث، وهو يوم فحص بيت «آمون رع» ملك الآلهة، وبيت «أمنمأبت» (بالأقصر) وبيت «موت» وبيت «خنسو» وبيت «بتاح جنوبي جداره» في «طيبة» وبيت «منتو» رب «طيبة»، وبيت «ماعت» على يد الكاهن الأكبر «لآمون رع» ملك الآلهة «منخبر رع» ابن الملك «بينوزم» محبوب «آمون»، عندما أعطى الأمر للكاهن الرابع «لآمون رع» ملك الآلهة، وكاهن «منتو رع» سيد «طيبة» ورئيس حملة البخور «حات أمن ثانفر» المنتصر ابن الكاهن الرابع «لآمون» كاهن «منتو» رب «طيبة» «نسي باحرن موت» المنتصر.»

وهذا النقش وجد على عمود من الجرانيت ملقى في معبد الدولة الوسطى «بالكرنك» (راجع Rec. Trav. XXII p. 53; A. S III p. 42-3).
ومنه نفهم عناية الكاهن الأكبر بالآلهة الذين كانوا يقطنون «طيبة»، على حسب ترتيبهم في الأهمية. ويلاحظ أن تاريخ السنة الأربعين هو على رأي «برستد» للملك «بينوزم الأول»، وعلى رأي «جوتييه» هو الملك «أمنمأبت» وهو الأصح، وتدل على ذلك مومية هذا الفرعون، وكذلك عثر على لوحة من الحجر الرملي «بالكرنك»، وهي محفوظة الآن «بالمتحف المصري» ومؤرخة بالسنة الثامنة والأربعين من حكم الملك «أمنمأبت» (؟) ويدل ما جاء عليها أنه قام بإصلاحات في «معبد الكرنك»: «السنة الثامنة والأربعون، بداية الأعمال للقيام بإصلاحات على يد الكاهن الأكبر «لآمون رع» ملك الآلهة «منخبر رع» المرحوم ابن الملك «بينوزم-مري آمون» في بيت والده «آمون» رب عروش الأرضين …» وقد لقب «منخبر رع» على هذه اللوحة بالألقاب التالية: الكاهن الأكبر «لآمون رع» ملك الآلهة، والمشرف الأعظم على الجيش، ورئيس الجنود «منخبر رع» بن الملك رب الأرضين «بينوزم مري آمون».٨
وتاريخ السنة الثامنة والأربعين قد وجد كذلك على قطعة من كفن مومية من التي وجدت في خبيئة «الدير البحري» (راجع A. S. VIII p. 30) جاء عليها: السنة الثامنة والأربعون، من عهد الكاهن الأول «لآمون رع» ملك الآلهة. عمله لفافة … إلخ، وهذه اللفافة جاء عليها كذلك: السنة الأولى، الشهر الثالث من فصل الزرع. ويعتقد «بتري» أنها للملك الذي خلف «أمنمأبت» (راجع Petrie, Hist. III p. 212). وتاريخ السنة الثامنة والأربعين هو أرفع تاريخ وجدناه على آثار الكاهن الأكبر «منخبر رع». وعلى الرغم من أنه جاء صراحة على قطعة الكفن: السنة الثامنة والأربعون من عهد الكاهن الأكبر «منخبر رع» فإن «جوتييه» لا يعتقد أنه من حقنا أن نستخلص كما فعل «دارسي»٩ و«بتري» وكذلك «جرفت». أن «منخبر رع» قد حكم ثمانية وأربعين سنة.
والواقع أن هذا الكاهن الأكبر «لآمون» لم يكن بعد (أو لم يكن قط) ملكًا في هذا العهد؛ وذلك لأن اسمه لم يوضع في طغراء، ولم يحمل الألقاب الملكية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى نجد أن تاريخ التأشيرة الخاص بالمحافظة على الموميات هي تواريخ خاصة بالملوك لا بالكهنة العظام. وتاريخ السنة الثامنة والأربعين لا يمكن تطبيقه على عهد كهانة «منخبر رع» (راجع Gauthier, L. R. III p. 265, Note 2) وقد ترك لنا هذا الكاهن الأكبر نقشًا على صخور جزيرة «بجة» بالقرب من أسوان جاء عليه اسمه ولقبه الكاهن الأكبر لآمون «منخبر رع» بن الملك «بينوزم» محبوب «آمون»، مما يدل على أن نفوذ هذا الكاهن وأمثاله ممن تولوا وظيفة الكاهن الأكبر «لآمون» كان يمتد حتى الشلال الأول (راجع L. R. III p. 266).
والظاهر أن أهم عمل قام به هذا الكاهن الأكبر هو تحصينات «الحبيبة» القريبة من «بني سويف» كما يدل على ذلك اللبنات التي وجدت في هذه الجهة، وقد نقش عليها اسم الكاهن الأكبر «منخبر رع» واسم زوجه دون طغراء، غير أنه توجد لبنات أخرى كتب عليها الاسمان، وأحيط كل منهما بشكل بيضي أو طغراء (راجع L. R. III p. 266 N. 2).

ويقول «مسبرو» عن هذا الكاهن: إنه أعاد بناء جزء من سور «معبد الكرنك» «ومعبد الأقصر»، ومعبد الجبلين، و«معبد الحيبة». وهذه المدينة الأخيرة يحتمل أنها تعد النهاية الشمالية القصوى للإقليم الذي كانت تمتد سلطته عليه.

والظاهر أن زوجه كانت مشتركة معه في إدارة البلاد، ويظهر اسمها بجانبه على اللبنات. وتدل الألقاب — على ما يظهر لنا — أنها كانت تحمل ألقاب الكهانة العادية التي تحملها نساء الكهنة العظام «لآمون» اللائي لم تكن ملكات: الرئيسة العظيمة لحريم الكاهن الأكبر «لآمون رع» ملك الآلهة، وكاهنة «موت» العظيمة صاحبة «إشرو»، ووالدة الإله «خنسو» الطفل، وكبيرة حريم «مين حور بن إزيس» في «أبو». وكان لكل من «منخبر رع» و«إستمخب» زوجه — بانتسابهما إلى بيت الملك — أن يطمع في عرش الملك، والواقع أن منصب الكاهن الأكبر «لآمون» لم يكن لكل من «حريحور» و«بينوزم» الأول إلا سلمًا لاعتلاء عرش الملك، ولا نزاع في أن «منخبر رع» أظهر في تصرفاته أنه كان يريد أن يعمل مثلهما. وقد كانت عادة الكهنة العظام «لآمون» أن يضعوا أسماءهم في شكل مربع. ونجد بعض الأحجار كما ذكرنا من التي عليها اسم «منخبر رع» وزوجه «إستمخب» موضوعين في هذا المربع (راجع L. D. III, Pl. 251, I) وكما نجد في بعضها الآخر (Ibid 251, K.) شكلين بيضيين باسميهما قد وضعا في هذا المربع. ولم نلبث أن وجدنا لقب الملك يحل محل اسم «إستمخب» في إحدى هذه الطغراءات الكاذبة.١٠
وأخيرًا نلحظ أن الطغراء الكاذبة قد حل محلها طغراء حقيقية (راجع Maspero Ibid Note 5) باسم «منخبر رع» هذا، ونجد أن الملكة «إستمخب» من جهتها قد ادعت لنفسها لقب الملك الرسمي: ملكة الوجه القبلي والوجه البحري، الرئيسة العظيمة لحريم الكاهن الأول «لآمون» ملك الآلهة، و«موت» الإلهية: «إستمخب»، غير أن هذا النقش قد وجد في نقوش تابوتها، هذا إلى أن لقب الملك الذي كانت تحمله على اللبنات كان مصيره أن يكون مختفيًا عن الأنظار كما كان تابوتها، وعلى ذلك يمكن أن نحكم بأنها كانت تميل إلى اغتصاب لقب الملك، ولكن ذلك كان في الخفاء. ولم تكن لديها الفرصة لإظهاره علنًا؛ لأن الملك الذي كان يجلس على عرش الملك في «تانيس» كان يعرف كيف يحافظ على امتيازاته.
ولم نعثر على جسم «منخبر رع» ولا على تابوته في خبيئة «الدير البحري»، ولكن وجد تابوت زوجه «إستمخب» وجسمها كما سنذكر ذلك بعد (راجع Maspero, Ibid p. 703). وقد عثر في «كوم الشيخ مبروك» الذي يقع قبالة مدينة «المنيا» على الشاطئ الأيمن على بقايا حصن وجدت بعض لبناته مختومة بطغراءَي الكاهن الأكبر «لآمون» «منخبر رع» (راجع A. S. VIII p. 223).

وفي مجموعة «فيدمان» جعران باسم هذا الكاهن، وقد كتب اسمه في طغراء ومعه اسم زوجه «إستمخب».

وفي «متحف درسدن» توجد لوحة صغيرة من الفخار المائل إلى البياض. ويوجد مع طغراء «منخبر رع» طغراء أخرى: «أمن رع ستبن رع»، وقد رأى كل من «لبسيوس» و«فيدمان» أن هذه هي الطغراء الثانية للفرعون «منخبر رع» غير أن «جوتييه» يرى استحالة ذلك؛ لأن كلًّا من هاتين الطغراءين هي طغراء تتويج (أي لقب للفرعون). ونجد أن الطغراء الثانية هي طغراء تتويج الملك «أمنمأبت» الذي كان يحكم البلاد بوصفه ملكًا في «تانيس»، أي إنها طغراؤه الأولى، فهل نستنبط من وضع الطغراءين جنبًا لجنب على لوحة «درسدن» أن هذين الملكين كانا يحكمان معًا؛ أي إنه حكم «أمنمأبت» في «تانيس»، وحكم «منخبر رع» في «طيبة»؟ والواقع أن هذا الوضع من الوجهة التاريخية ممكن؛ لأن «منخبر رع» كان متقلدًا وظيفة الكاهن الأكبر في معظم مدة حكم الفرعون «أمنمأبت».١١
ولدينا على أية حال سؤال ليس من السهل الإجابة عليه وهو: هل كان الكاهن الأول «منخبر رع» في وقت ما خلال مجال حكمه قد أُعلن ملكًا أولًا؟ وهذا على ما يظهر يكاد يكون حقيقة؛ لأن اسمه كان يظهر كثيرًا وهو محاط بطغراء، فما هي طغراؤه الثانية إذن؟ وقد حاول «سيسل تور» في حاشية صغيرة أن يبرهن على أن الكاهن الأكبر «منخبر رع» والملك «بسوسنس الثاني» موحدين، وعلى ذلك يكون «منخبر رع» على حسب قوله قد حكم في وقت في «طيبة» فقط في عهد «بسوسنس الثاني»، وقد قبل «برستد» (Br. A. R. IV p. 297 Note e & 298 Note b) هذه النظرية، وسمي هذا الكاهن «منخبر رع» «بسبخنو» (بسوسنس)، غير أنه رفض أن يسميه «بسوسنس الثاني» في تاريخ الأسرة، وذلك لأنه لم يكن ملكًا إلا في «طيبة». وأبقى لقب «بسوسنس الثاني» لفرعون ثانٍ كان يحكم في كل من «تانيس» و«طيبة» في وقت واحد.

(٢) أسرة «منخبر رع»

(٢-١) زوجه «إستمخب» الثانية

تحدثنا على «إستمخب» هذه بوصفها زوج الكاهن الأكبر «منخبر رع» في أثناء التحدث عنه. وقد جاء اسمها فضلًا عما ذكرنا على لبنة وجدت في «حجازة» القريبة من «قوص»، وهي محفوظة «بالمتحف المصري».

وكذلك وجد اسمها على لبنة وجدت في «الحيبة».١٢
وقد وجد اسم هذه الأميرة ومعه اسم الكاهن الأكبر «لآمون» المسمى «بينوزم»، وقد اختلفت الآراء بالنسبة لشخصيته، فعلى حين يقول «مسبرو» (Maspero. Ibid. 703): إنه «بينوزم الثاني»، وإنه ابنها، نجد أن «بتري» (Petrie Hist. III p. 210. II) يعتقد أنه «بينوزم الأول» وأنه والدها؛ وذلك لأن اسمه قد شفع بعبارة «المتوفى»، وهذا السبب في نظر «جوتييه» ضعيف؛ ولذلك يعتقد أن رأي «مسبرو» هو الصواب.

تابوت «إستمخب» المزدوج:١٣

والظاهر أن التابوتَيْن اللذين وجدا في خبيئة «الدير البحري» هما لهذه الأميرة وقد ذكر عليهما ألقابها. وهذان التابوتان غاية في الفخامة، ورقعتهما صفراء، وقد مثل كل منهما على صورة مومية، ويعد الرأس صورة طبق الأصل للأميرة. ومومية الأميرة يبلغ طولها حوالي ١٫٦٢ متر، وقد نهب اللصوص الأحداث ما عليها وما معها من آثار، والبردية التي كانت معها جزء من الآثار التي قدمها «عبد الرسول» لمدير «قنا» وكانت موضوعة في تمثال خشبي مفرغ، أوزيري الشكل (راجع Maspero, Ibid p. 577 & PI. VI c) وهي كالورقة التي وضعت مع الأميرة «ماعت كارع»، وكذلك وجد لها أربع أوانٍ للأحشاء من المرمر محفوظة في «متحف القاهرة».
والواقع أن هذه الأواني لم تكن في الأصل مخصصة لهذا الغرض، بل هي من الأواني التي كانت تستعمل يوميًّا، واستعيرت لتكون من أثاث الأميرة لتقوم مقام أواني الأحشاء دون أن تصلح لتأخذ الشكل أو الحجم، الذي كان يستعمل لهذا الغرض (Ibid 579).

وأخيرًا وجدت قطعة نسيج في كفن مغنية «آمون» المسماة «نسيتأنب إشرو» عليها اسم الرئيسة العظيمة لحريم «إستمخب»، وأرخت بالسنة الثالثة عشرة.

وهذه السنة يحتمل أنها ترجع إلى عهد ملك «تانيس» الذي خلف «أمنمأبت»، وعلى ذلك تكون «إستمخب» هذه قد عاشت عدة سنين بعد وفاة زوجها. وفي اعتقاد «جوتييه» أن الآثار الستة التي ذكرناها للأميرة «إستمخب» زوج «منخبر رع» هي الخاصة بها فقط. أما الآثار الأخرى في الواقع فتحمل ألقابًا مختلفة مثل «إستمخب» بنت «ماساهرتا»، أو تدل صراحة على أنها بنت لا زوج «منخبر رع».١٤
وقد لاحظ «دارسي» بحق (Rec. Trav. XXXII (1910)) أن اسم العلم «إستمخب» يذكرنا بمستنقعات الدلتا، حيث وقعت حوادث خرافة طفولة «حور» بن «إزيس» و«أوزير» الذي كان مسقط رأسه الدلتا. وهذا الاسم لا يصادفنا في نقوش «طيبة» قبل عهد الكهنة العظام «لآمون». واسم هذا المكان قد بقي ذكراه في المكان المعروف الآن «بكوم الخبيزة» الواقع في شمال الدلتا (ومعناه «إزيس» في بلدة «خبيت») وهو المكان الذي وُلد وربي فيه الإله «حور».

(٢-٢) أولاده

وقد ترك «منخبر رع» و«إستمخب» ذرية كثيرة، جاء ذكرهم في نقش طويل، غير أنه لسوء الحظ مهشم، وقد نقله «مسبرو» وعلق عليه (راجع Maspero, Ibid p. 704) والظاهر أن هذا النقش لم يتم قط. ويلاحظ أنه يشبه في محتوياته مرسوم الأميرة «ماعت كارع» ومرسوم الأميرة «نسخنسو» مع الفارق أن الأخير كما سنرى كان خاصًّا بعالم الآخرة. أما منشور كل من «ماعت كارع» و«حنت تاوي»، إنه خاص بالحياة الدنيا. والمتن على ما فيه من فجوات يمكن أن نستخلص منه أنه يحتوي على معلومات خاصة بالوراثة وخلافة الملك، وعلى الأخص يقدم لنا حقائق محدودة عن نسب هذه الأسرة، وهذا هو المهم في الموضوع الذي نحن بصدده.
fig29
شكل ١: مومية الأميرة «نسخنسو» (انظر الكلام عنها الكاهن الأكبر «بينوزم الثاني»).
ويمكن أن نستخلص من المتن أن «منخبر رع» رزق من «إستمخب» ولدين وهما الكاهن الأكبر «بينوزم» و«نسبانبدد» (سمندس) وقد تزوَّج الأخير من أخته «حنت تاوي» الثانية، ورزق منها «نسخنسو» و«بسوسنس الثاني». ويلاحظ أن المتن لا يقول إن «نسخنسو» كانت بنت «حنتاوي» الثانية، ولكنها في الواقع كانت أخت «بسوسنس» من أبيه وأنها كانت من زوجة أخرى للملك «سمندس» (راجع Ibid p. 708).
١  كما فعل «تحتمس الثالث» مع «حتشبسوت».
٢  راجع: Brugsch, Recueil de Monuments I, Pl. XXII, Br. A. R. Vo. VII §§ 625.
٣  وجدت هذه العبارة في الأصل هكذا مقلوبة.
٤  مثل «آمون» بأنه مثل الإله «خنوم» الذي يبرأ الخلق ويصوِّرهم كما يمثل صانع الفخار الأواني على عجلته.
٥  إلهة الحرب.
٦  أي عندما يُحمل تمثال الإله على الأعناق في الأعياد والأحفال، وكان الإله وقتئذ يقف يوحي للناس عندما كان يُسأل.
٧  راجع: Momies Royales. p. 720.
٨  راجع: Legrain, Archeological Report of Egypt Exploration Fund. for 1906–1907 p. 21-22.
٩  راجع: Daressy, Revue. Archeol. 1896 t. I p. 85-86; Petrie Hist. III p. 211; Griffith, Archeological Report of the Egypt. Exp. Fund. 1906-1907 p. 22 Note 1.
١٠  راجع: Prisse d’Avenne Monuments, Pl. XXIII, 5.
١١  راجع: Gauthier, L. R. III, p. 269 Note 1.
١٢  راجع: Journal d’Entrée No. 44670; Prisse. Le Caire: Monuments Egyptiens p. 5 et. Pl. XXIII, No. 12.
١٣  راجع: Elliot Smith. Cat. Gen. Royal Mummies Nr. 61093 p. 106-107, Pl. LXXX. ويعتقد «دارسي» أن «إستمخب» هذه هي بنت الكاهن الأول «منخبر رع».
١٤  راجع: L. R. III, p. 270 Note 2.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠