تمهيد

في التجربة المستمرة للتعامُل مع طُروحات الأيديولوجيا الصهيونية، المؤسَّسة على أعمدةٍ تاريخية ودينية قُدسية، كنتُ على يقين دومًا بمدى تهافُتِ كثيرٍ من أعمالنا الفكرية وترنُّحها إزاءَ تلك الطروحات، رغم كَمِّ الشعارات والجُمل الساخنة، والإطالة المُفرِطة؛ حيث كانت تلك الأعمال تُلقي بنا في النهاية على حجر الفكر الصهيوني وقَبضة منظومته الفكرية، بعد الإقرار لها بكلِّ تأسيساتها التاريخية والقدسية، برداءٍ إسلامي يُعيد إنتاج عناصرِ الأيديولوجيا الصهيونية، وهو ناتجٌ ضروري، ولزومٌ حتمي عن التسليم الإيماني بقُدسية التاريخ الإسرائيلي، كمادةٍ أُولى وأساسٍ في النص المقدس، وكمادةٍ أُولى في قانون الإيمان «بالله وملائكته ورسله وكتبه»، وكان الواضح أن أولئك الرسل جميعًا من بني إسرائيل نسبًا وشرفًا وعقيدة، وإن تَمَّ سحب المصداقية عن مُقدَّسِهم المُتداوَل بين الأيدي الآن بعد وَصمِه بالتحريف، بعد اكتشاف يهود يثرب والنبي محمد ، اختلاف توجُّهاتهم على البُعد الاستراتيجي؛ ومن ثَمَّ تغير التكتيك المرحلي زمن الدعوة، بالنسخ القُدسي، ليتم الكشف عن الإسلام كبُعدٍ تاريخي قديم، وأن الإسلام كان مُستبطنًا باليهودية التاريخية؛ ومن ثَمَّ تمَّت إعادة التاريخ دورةً كاملة إلى عهد النبي محمد . كما تحوَّل جميعُ أنبياءِ وملوكِ دولة إسرائيل القديمة إلى أنبياءَ مُسلمِين، كانوا يدْعون بدعوة الإسلام، وإن ظلَّتِ الشهادات المنسوخة متواجدةً بالمُقدَّس الإسلامي، بكل تفاصيلها التاريخية الإسرائيلية كما هي في المنظومة التوراتية، وظلَّتِ التوراة بصفتها الحاملةَ للهدى والنور، وظلَّت الآيات التي تُذكِّر بهم كشعبٍ مختار متميز فضَّلهم الله على العالمين. وغير ذلك لا تجد سوى تنويعاتٍ عروبية نادرة ويتيمة، عن القُرى العربية البائدة، وأنبياءَ مثل هودٍ وصالح. أمَّا النَّسَب الإسلامي والعربي فقد ظل بدوره إسرائيليًّا، بإعلان نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام، أنه الحفيد النبوي الأخير لسلسلةٍ عبرانيةٍ استَعربَت بعد إبراهيم، باستعراب ولده إسماعيل، واكتسابه الجنسيةَ العربية بسُكناه بلادَ الحجاز، عبورًا على عمومةٍ مؤكَّدة لإسحاقَ شقيقِ إسماعيل، الذي أنجب إسرائيل (يعقوب) وبنيه وسلساله الطويل من أنبياء توارثوا النبوة خلَفًا عن سلَف.

هذا ناهيك عن تطابُق المُنمنَمات الدقيقة حول الإله وقُدراته، وقصص الأولِين الأولى بدءًا من قصة الخليقة وآدم مرورًا بنوح والطوفان، حتى قيامِ مملكةِ شعب الرب (مملكة إسرائيل القديمة) في فلسطين، وما لَحِق ذلك من قصص الأنبياء والمُرسَلِين، وكلهم من ذات النسل المبارك. ثُم ما أُضيف في عصر التدوين الإسلامي للسِّير والتاريخ؛ تلك المُدوَّنات التي عمِلَت مستضيئةً بحديث النبي محمد عليه الصلاة والسلام: «حدِّثوا عن بني إسرائيلَ ولا حَرج.» والتزامًا بقانون الإيمان، وما فرضه كل ذلك من سيادة المأثور الإسرائيلي على العقل العربي وروحه، بعد أن غَصَّ مأثوره بالإسرائيليات.

أمَّا الشق الثاني من عناصر الأُمة، والذي يُمثِّله المسيحيون العرب، فمعلومٌ منذ البدء أنهم قد سلَّموا لإسرائيل وتوراتها، عَبْر إسرائيلية المسيح وتلامذتِه جميعًا، نسبًا، بل وبِالشقِّ الأعظم من العقيدة المسيحية، وذلك اتِّباعًا لأمرٍ إيماني، يطلب الإيمان بالمُقدَّس الإسرائيلي القديم، والتاريخ الإسرائيلي؛ إعمالًا لتوجيهاتٍ يسوعية بَدأَت بالإعلان: «ما جئتُ لأنقُض الناموس، بل جئتُ لأُكمِل.» ولهذا ركَّز المسيح تعاليمه على الجانب الأخلاقي التشريعي، وتركَ ما دون ذلك للمؤمن يبحث عنه في المُقدَّس الإسرائيلي؛ لذلك تمَّ ضَمُّ الكتاب اليهودي المُقدَّس (التوراة ومجموعة الأسفار القديمة) إلى الكتاب المسيحي المُقدَّس (الأناجيل ومجموعة رسائل التلاميذ) في كتابٍ واحدٍ مُقرَّر على المسيحي المؤمن، يحمل عنوان «الكتاب المُقدَّس» بِشقَّيه «العهد القديم» و«العهد الجديد».

وإعمالًا لذلك سلَّم المسيحيون بتاريخِ إسرائيل وقُدسيته وحتميته القدَرية، ونهايته المرسومة في التقدير الإلهي لقيام مجد إسرائيل في فلسطين مرةً أخرى، بل أصبح المسيحيون هم مادة التطوُّر الكبرى، لقيامِ مملكةِ داودَ وسليمانَ في فلسطين بزعامة الرب يسوع صاحب الملكوت؛ لأنه امتدادٌ لملوكِ إسرائيل القديمة، باعتباره من نسلِ سليمانَ وأبيه داود؛ فإن هو إلا حفيدُ ملوك، تجري في عروقه دماءٌ إسرائيلية مَلَكية، ارتفع في المسيحية من كرسي النجارة الأرضية في مدينة الجليل، حيث كان يُمارِس حِرفته، إلى كرسي الأُلوهية في السماء. لكن ليظل وفيًّا لِرَحِمه وعشيرته، يمركز كل الحقوق التاريخية والدينية لإسرائيل في فلسطين؛ لأنه هو ذاته إله اليهود «يهوه» القائد الرباني المُظفَّر الذي قاد شعبَ إسرائيلَ من مصر ليقيم مملكةً في فلسطين، نعم هو «يهوه» ولكن بعد أن تجلَّى لخرافِه الضالَّة في صيغةٍ بشرية.

ومن ثَمَّ تنافَس العُربان، عتاة العقيدة العاضُّون بالنواجذ على الإيمان، مسيحيةً وإسلامًا، في تشريفِ تاريخِ إسرائيلَ وتكريمِه. وبينما باتت عودة المسيح لإقامة مملكة أبيه داود، والجلوس على عرشِ سلفِه سليمان في فلسطين، مشروعًا مسيحيًّا، فلا يزال المسلمون ينتظرون المسيح لِيقتُل الدجَّال، ويقيم ذات المملكة، وبعدها يقف إسرافيلُ ينفخ في البُوق من صخرة بيت المقدس، لقيام مملكة الحق الإسلامية الخالدة، مشروعًا إسلاميًّا.

والأَمرُ بهذا الشكل مُشكِلةٌ إيمانية، وأزمةٌ فكرية طاحنة، يتغافَل عنها الجميع وفق صِيَغهم السياسية، وتكتيكاتهم المرحلية، وأهدافهم الاستراتيجية، لكن المأساة الحقيقية أنها تَتجاوَز ذلك الإطار إلى مستوى الأزمة الوطنية والقومية والاجتماعية، بحالةٍ تبدو مستعصيةً على الحل تمامًا، اللهم إلا في عالم الحُلم الثوري الآتي، وهو — بالركون إليه — يُعادِل تمامًا انتظار المسيح قاتل الدجَّال ثم دخول الجنات في المشروع الإسلامي، كما يُعادِل انتظار عودة المسيح الإله وقيام المملكة المجيدة في المشروع المسيحي واليهودي، على حدٍّ سواء. والمُدرِك لأبعادِ تلك الأزمة المُروِّعة في الفكر والسلوك العربي، سيجد كمًّا من الإحباط الفكري والنفسي، والواقعي (في التعايُش مع ذلك الفكر السائد)، كفيلًا وحده بإلجائه إلى إهمال الأمر برُمَّته، ونفضِ يدَيه منه، بيأسٍ كامل ومُطبِق، لولا بقيةٌ من روحٍ قتالية تتشبَّث بالمحاولة، لوضع لبنةٍ حقيقية في بناء الأمل الآتي، ضِمنَ لبِناتٍ أخرى نتمناها ونرجوها ونستحثُّها، من الباحثِين المُخلصِين.

وضِمنَ تلك المُحاوَلات يأتي هذا القسم من بحثنا، الذي جَهِدنا عليه بالمعنى السالف، ولا نعلم مدى ما حقَّقناه فيه، الأمر متروكٌ في النهاية للجدل القائم الآن على مستوى التعامُل مع التراث لتحديد الهُوية؛ وعليه، أضع هذا الجهد، الذي ربما كان مُتعجِّلًا في بعض مواضعِه، كناتجِ محاولةِ المسارعة بالخروج إلى الساحة، بعد تأخُّرٍ طويل، راجيًا أن أكون بذلك قد وضعتُ بين يدَي القارئ مساهمةً على طريق التعامُل العلمي مع طُروحات الأيديولوجيا الصهيونية، مع قناعةٍ خاصة، أو اعتقاد، أني أُقدِّم به واحدةً من الأدوات اللازمة، في الصراع الثقافي والحضاري، المُلتبِس دومًا بالاجتماعي، والذي تخوضه فصائلُ أمتنا الواعية اليوم.

سيد القمني

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠