التضليل الصهيوني (فليكوفسكي نموذجًا)

(١) التأسيس

تأسيس (١)

ربما سَمحَت لي علاقةٌ امتدت زمنًا بالتراث القديم للمنطقة أن أُجازف بالزعم: أنه إذا كان النبي «موسى» — حسب المأثور التوراتي — هو المؤسس الحقيقي للديانة اليهودية، والعقدة الرابطة للقبائل التي ائتَلفَت في كيانٍ كونفودرالي عُرف بعد ذلك بشعب إسرائيل، وأنه إذا كان «شاول» و«داود» و«وسليمان» هم أصحاب الفضل في إقامةِ أولِ كيانٍ سياسي مركزي لذلك الشعب، فإن «إيمانويل سيمون فليكوفسكي» أو «عمانوئيل شمعون» هو صاحب أهم وأخطر وأثرى تنظيرٍ تاريخي لِما يُسمِّيه هو «القومية الإسرائيلية»، في كتابه الذي اكتسب شهرةً عالمية في الأوساط العلمية كافة، والموسوم بعنوان «عصور في فوضى»، والذي انتهى من كتابته في شهر فبراير من عام ١٩٥٢م.١

وقبل قراءتي لذلك الكتاب، والتي جاءت متأخرةً بل ومتأخرةً جدًّا فيما يبدو، قضيتُ وقتًا أُحاوِل فيه البحث لِفهمِ سر الادعاء الإسرائيلي، بأن أسلافهم الغوابر هم بُناةُ أهرامِ مصر، ومُعظمِ أعلامها الآثارية، وأنهم أصحاب الأصل الرفيع لثقافات المنطقة الشامية منذ فَجرِ التاريخ. ولمَّا لم يهدني البحث إلى تفسيرِ أيٍّ من تلك المعاني، لم أجد سِوى أن القوم قد استمرءوا زهوًا تاريخيًّا زائفًا، وأن الأمر لا يزيد عن كونِه مثلَ كثيرٍ من السذاجات والأساطير والمبالغات المسطورة بكتابهم المُقدَّس، الذي هو كتابٌ لتاريخهم في المقام الأول؛ حيث اكتسبت فيه أحداث التاريخ وتلبَّسَت بألوانٍ عديدة من المُبالَغات المُغرِقة في الأَسطَرة، واكتَسبَت ذلك الادِّعاء كلونٍ من مغامرات يشوع وشمشون وداود وسليمان. لكني عندما طالعتُ «عصور في فوضى»، اكتشفتُ أن الأمر جِدُّ خطير، وأخطر بكثيرٍ من كتاباتٍ أسطوريةٍ قديمة كانت تُلائم بنية التفكير في عصرها، وأن احتساب دعواهم كبُناةٍ وكعمادةٍ أساسيةٍ لحضارة المنطقة في عصرها القديم مجرَّدَ سذاجةٍ لَهُو موقفٌ في منتهى السذاجة؛ لأن في الأمر أمرًا وللادعاء حيثياتٍ وقرائنَ وشواهدَ ودلائلَ وبراهين، قام على جمعها وتصنيفها بأسلوبِ عصرنا، وصياغتها بالمنهج العلمي الصارم، رجلٌ من نوعٍ نادر، وباحثٌ من طرازٍ فذ، هو «فليكوفسكي».

ورغم الواضحِ للوهلة الأولى، أن «عصور في فوضى» كتاب يخدم غرضًا سياسيًّا وعنصريًّا من ألفه إلى يائه، فإن الأوضح كان قدرة المُؤلِّف على البحث الدءوب الذي لا يَكِل، وامتلاكه جلَدًا على التقصِّي المُضنِي لا يُبارى، وسعيًا لا يفتُر — من أول كلمة خطها إلى الختام — وراء القرائنِ والبراهين التي تدعم فروضَه وطروحاتِه لتحويلها إلى بناءٍ راسخ القواعد؛ مع لُهاثِه خلال حقبةٍ زمنيةٍ طويلة مُكتظَّة بالأحداث والمُتغيِّرات، وفي مساحةٍ شاسعة من أثرى مساحاتِ العالم القديم بالراسب الثقافي الذي لم يزل فاعلًا إلى اليوم. وبين مُتغيِّراتٍ اجتماعيةٍ واقتصادية وسياسية تلاحَقَت في كافة الاتجاهات، وتَركَت بصماتِها على نقوشٍ ورسومٍ ودلالاتٍ حفرية، وكتاباتٍ ذاتِ طرائقَ مختلفة باختلاف الأصول اللغوية لِمَواطنَ متباينة؛ مما كان كفيلًا بجعل أيِّ باحثٍ يقبع وسَط شَركٍ من خيوطٍ عنكبوتيةٍ متشابكة وكثيفة، يحتاج فكُّها وفحصها — وإعادةُ نظمِها مُرتَّبة — إلى صبرِ قدرة ووعي نفَّاذ، وربما كان البحث مع البدء عن طرف الخيط فيها، لا يَزِيدها إلا تشابكًا واضطرابًا. وهنا سِرُّ عظمة الرجل، الكامن في هذا القَدْر العجيب من الصبر، الذي لازمه طَوالَ رحلته مع ذلك الرتل المختل وتقديمه، في سياقٍ قصصي لينٍ سهل، صِيغ بلونِ روايات التحري المباحثية؛ مما جعله — في رأينا — بحق، صاحبَ أخطرِ تنظيرٍ مُعاصر لِما يُسمَّى القومية الإسرائيلية؛ بحيث لا يتخلف درجةً عن موسى أو سليمان، وذلك بعينه ما جعله «النوتة» الأصلية لكل المعزوفات الصهيونية، التي لم تفعل أكثر من إعادة توزيع المعزوفة حسب المقامات المطلوبة. وهذا أيضًا ما جعله صاحبَ أَخطرِ فكرٍ يُشكِّل قدرًا هائلًا من الإقناع، حتى لدى الخصوم السياسيِّين، بل ولدى الخصوم المصيريِّين، وهذا أيضا ما جعله — بعقد المقارنات — يزيد في تقزيمِ مُؤسَّساتنا الفكرية، التي لم تُقدِّم على عراقتها وممكناتها عملًا على ذات المستوى، وربما جاز لتلك المؤسسات مراجعةُ مناهجها وطرائقها وأدواتها، التي أثبت هذا العملُ مدى هشاشتِها وهُزالِها رغم مُنتَجها الكمِّي الضخم.

ولا يجوز أن يُفهم من كلامنا هنا، دعوة إلى ردٍّ من النوع ذاته، ردٍّ عنصريٍّ أو قومي، فهذا أبعد ما يكون عما نريد، لكن ربما طلبنا عملًا على ذات الدرجة من الأصولية العلمية، وعلى ذات القَدْر من التمكُّن من أدوات العلم، والتي تمكَّن بها «فليكوفسكي» من تطويع مادته التاريخية، لخدمةِ أغراضٍ أبعدَ ما تكون عن العلمية؛ مع رغبتنا في تسجيلِ ملحوظةٍ لا بُدَّ منها في حالة المُقارَنة بين عملٍ مثل «عصور في فوضى» وبين أعمالٍ أخرى تزحم أَرفُف مكتباتنا، ولا حول لها ولا قوة إلا بالله طبعًا. وتكاد تأخذنا الرِّيَب والظنون بشأن ذلك الرتل من الزحام في المكتبة العربية، والذي يُفصِح — بتناوُله — عن عمدٍ للطرق السهلة، والابتعاد عن مكامن الإشكاليات الحقيقية في التاريخ القديم؛ لِما يحتاجه تناوُلها من جلَدٍ وصبرٍ ودأب. ذلك في الوقت الذي نؤكِّد فيه أن «عصور في فوضى» لا يمكن احتسابُه نتاجَ باحثٍ فرد هو «فليكوفسكي»؛ فلا ريب يُراوِدنا أنه كان «المايسترو» الذي خطَّط وقاد ووجَّه فريقًا من المُتخصِّصين بالمراكز الأكاديمية العالمية، والتي بدون معونتها ودعمها ما كان ممكنًا إخراجُ مثل ذلك العمل.

ولا ريب لدينا أن تلك المؤسَّسات قد عمِلَت لحساب ذلك العمل، وجَمعَت له المادة العلمية النادرة من الوثائق القديمة، وبَحثَت له بين قوالبِ الآجُر وقِطَع الفخَّار ونقوش المعابد، وباللغات المسمارية سومريةٍ أو سامية، أكاديةٍ أو كنعانية أو حثية أو آرامية أو عبرية، أو خطوطٍ هيروغليفية متناثرة، تجد نصف البردية منها في نيويورك، والنصف الآخر في ليننجراد، وقامت على ترجمةِ كُلِ تلك الوثائق للباحث الفذ؛ مع إيضاحِ إمكانات الاحتمال فيها، ما بين صِدقِ نسبتِها لِعصرِها أو لغيره، عَبْر مقارناتٍ للنص بالعصور من حيث شكل الأسلوب والكتابة والبلاغيات وما يحكيه من أحداث، وهل يوافق ذلك العصر الفلاني أم ذلك؛ مع بيانِ مواضعِ الثغرات التي يمكن للرجل أن يَتسلَّل من خلالها لدعمِ توجُّهاته، وباختصارٍ قدَّمَت له جهدًا كان يحتاج أيُّ باحثٍ آخر لإتمامه، أن يعيش قرنَين من الزمان على أدنى تقدير؛ مما أهَّلَه في النهاية للخروج بسِفره هذا، الذي يصح لأصحابه أن يضعوه بفخر في مُقدِّمة أسفارهم، ليقف منتصبًا بين التوراة والتلمود والهجادا والمشناه والمدراش. وحُكمُنا هذا، الذي نزعم فيه دعمَ مؤسَّساتٍ أكاديمية عالمية لصاحب هذا العمل، يتأسَّس على معرفتنا، وبحكم درايتنا، بتلك المادة الوثائقية القديمة، وعِلمنا اليقيني بالحدود القُصوى التي يمكن أن تصل إليها قدراتُ باحثٍ فرد، لإنتاج مثل ذلك العمل.

تأسيس (٢)

من المُستحسَن هنا أن نبدأ بالإهداء الذي صدَّر به «فليكوفسكي» كتابه، والذي يستحق التسجيل كاملًا دون تدخُّل؛ لأنه يفصح بجلاءٍ عن الرجل وهُويَّته وأهدافه، والروح التي كتب بها كتابه. يقول:

هذا العمل مُهدًى إلى أبي، وأُحِب أن أُوضِّح في بضعةِ أسطر، من هو سيمون إيمانويل فليكوفسكي؟ منذ ذلك اليوم، وهو في الثالثة عشرة من عمره، حين غادر منزل والدَيه، وذهب سيرًا على الأقدام، إلى واحدٍ من تلك المراكز المُتخصِّصة في تدريس التلمود بروسيا، وحتى يوم وافته المنية في ديسمبر ١٩٣٧م على أرض إسرائيل. كل ذلك العمر، مع ثروته وراحة باله وكل ما يملك، كرَّسه لتحقيقِ ما كان يومًا مجرد فكرة، ألا وهي إعادةُ بناءِ نهضة الشعب اليهودي على أرضه القديمة. لقد أنجز الكثير لإحياء لغة الكتاب المُقدَّس، وتطوير العبرية الحديثة بإنجازه مع الدكتور ج كلوشنر كمُحرِّرٍ للأعمال العبرية القديمة المُجمَّعة، كما ساهم في إحياء الفكر العلمي اليهودي، بنشر كتابه المخطوطة العالمية، من خلال المؤسَّسة التي سبق له انشاؤها، وكانت تلك الأعمال بمثابة البنية التحتية، التي قامت عليها أعمدة الجامعة العبرية بالقدس بعد ذلك. كما كان «مِن أوائلِ مَن استعادوا الأرض في النقب»، أرض الأحبار، وأنشأ هناك أول مستعمرةٍ تعاونية أطلق عليها اسم: ردحاما، وتُعَد اليوم من أكبر المنشآت الزراعية المُتطوِّرة شمالي النقب. ولا أعرف لمن أتوجه بالعرفان في إنجاز هذا العمل الفكري، في إعادةِ بناء التاريخ القديم، إن لم أتوجه به إلى أبي سيمون.

الأمر واضحٌ من البداية، لكنه رغم وضوحه، وإمكانِ اتخاذِ مواقفَ مناسبةٍ من جانب القارئ إزاء ما سيُطالِع بعد الصدمة النفسية لذلك الإهداء فإن الرجل غامَر وصدَّر به الكتاب وهو واثقٌ تمامًا من قُدراته، ويعلم سلفًا إلى أيِّ حدٍّ يمكن أن يؤثِّر في قارئه ويُزحزِحه عن موقفه، إن لم يَجعلْه يتبنى في النهاية كلَّ أطروحاتِ الكتاب عن قناعة، وهنا قمةُ خطورة الرجل والكتاب.

ولعل الغرض الأساسي للكتاب قد وضح في الإهداء، في قوله «هذا العمل الفكري في إعادة بناء التاريخ القديم» وفي الفصل الأول يشرح دوافعَ ذلك الغرض بقوله: «لقد تَبنَّى الكثير من الدارِسِين رأيَا خلاصته، أن إقامة الإسرائيليِّين بمصر واستعبادهم وخروجهم ورحيلهم، مُجرَّد تصوراتٍ دينيةٍ بحتة، وقد لقي هذا الرأي تعضيدًا قويًّا، في غيابِ أي دليلٍ مباشر على وقوع تلك الأحداث في الآثار المصرية القديمة، أو في المُدوَّنات البردية. وعلى العكس من ذلك تبنَّى آخرون وجهةَ نظرٍ مضادة، فحواها أنه من العسير أن يخترع شعبٌ أساطيرَ عن العبودية، والتي لم يكن في الحُسبان وقتها، أنها ستُحفِّز وتخلق كرامةً قومية؛ وعليه فلا بد من وجودِ أُسسٍ تاريخيةٍ للقصة.» ولأن «فليكوفسكي» من أصحاب وجهة النظر الثانية، فقد كرَّر الحديث عن دوافع الكرامة القومية لشعب إسرائيل، كما في قوله: «إن الرجوعَ الدائم بالذكرى اليهودية لتجربةِ البحر، يوحي بأن القصة كلها لم تكن من نسج الخيال … والغريب حقًّا هو مثابرة الشعب اليهودي على التعلُّق بهذه القصة، جاعلًا منها بدايته الحقيقية، وجاعلًا منها في الوقت ذاته، الحدثَ الأكبر في حياته وتاريخه كأمة.»

ومن ثَمَّ تُصبِح الكارثة التي صحِبَت الخروج، وانشقاق البحر، الركن الأساسي في عمل «فليكوفسكي»، حتى إنه يذهب إلى أن «الخروج اليهودي من مصر — لا بد — قد حدَث في قمة فوران الأحداث، وأن الكارثة بالذات، ربما يمكنها البرهنة كونها كانت الحلقة الرابطة للتاريخ الإسرائيلي بالتاريخ المصري، القديم.» ومن هنا يبدأ بتأسيسِ موطئِ قدمٍ لقبائل بني إسرائيل في التاريخ، ذلك التاريخ الذي لا يعرف شيئًا عنهم في وثائقه، وذلك بدءًا من أحداث الخروج، تلك الأحداث الأكثر أسطورية في الميثولوجيات القديمة، والتي ينجو فيها شعب إسرائيل ويغرق المصريون وفرعونهم. لكن ليجعل تلك الأحداث بعد عدةِ فصول — وسَط إثارةٍ رائعةٍ حقًّا وأسلوبٍ متميزٍ وقرائنَ منتقاة — من أشدِّ الأمور قبولًا واعتيادية؛ بحيث لا يجد القارئ بعدها مانعًا في قبولِ أساطيرَ أقل إدهاشًا بالكتاب المقدَّس، والتي سيُعالجها في بقيةِ أقسام الكتاب، والتي لا ترقي إلى مستوى شق البحر إغراقًا في الأَسطَرة، معتمدًا على إثارة الدهشة وبأسلوب المُباغَتة، التي يتحول فيها الواقع إلى منظومة أسطورية. بينما تَتحوَّل أحداث الأسطورة إلى وقائعَ حيةٍ وفاعلة.

من تلك الحادثة «حادثة البحر» يَنطلِق «فليكوفسكي» لِيؤسِّس فروضه؛ تلك الفروض التي تقف بدَورِها كأمرٍ نافرٍ عسير القبول، لكنه مُدهِشٌ ومثير وجديد، مع مُخالفتِه لكلِّ ما تم التعارُف عليه حتى الآن. والفرضية الأساس عنده تبدأ من كون مُدوَّنات التاريخ القديم سواء في مصر أو الشام أو الرافدَين أو حتى فلسطين ذاتها، لا تعرف شخصًا باسم «موسى» رغم أهميته القُصوى في التاريخ اليهودي وفي تاريخ الأديان الكبرى في الشرق الأوسط عمومًا ولا تعرف ملكًا أسَّس مملكة لشعب إسرائيل باسم «شاول»، ولا عظيمًا باسم «داود»، ولا حكيمًا حاز شهرةً فلكية في التاريخ الديني باسم «سليمان». كما لا يعلم علم التاريخ شيئًا البتةَ عن دخولِ قبائلِ بني إسرائيل إلى مصر، ولا عن خروجها ولا عن بحرٍ ينشق ويبتلُع جيوشَ دولةٍ عُظمى آنذاك، وهو الحدث الذي كان جديرًا بالتسجيل في مُدوَّنات مصر والشام والرافدَين وتركيا لأهميته وخطورته. بينما على الجانب الآخر نجد الكتاب المُقدَّس في الأسفار من سفر الخروج إلى سفر القضاة لا يذكر مصر إطلاقًا، ولا يحكي أحداثًا عنها كعادته، وهو زمنٌ امتد زُهاء أربعةِ قرون، رغم المُفترَض تاريخيًّا أن الخروج قد حدَث زمن الأسرة الثامنة عشرة الفرعونية، أُولى أُسراتِ الدولة الحديثة المعروفة بدولة الإمبراطورية، وهو زمنٌ كانت مصرُ تُسيطِر فيه على بلدان المُتوسِّط الشرقية، وبضمنها فلسطين.

ومن هنا يتأسس العمل كله على فرضيةٍ تذهب إلى أن ثمَّة خطأً وقع في تأريخ التاريخ المصري القديم — وهذا رأي «فليكوفسكي» — توقف معه تاريخُ مصرَ عند لحظةٍ محددة مع نهاية الأسرة الثانية عشرة في الدولة الوسطى؛ مع دخول الهكسوس إلى مصر. ولأن هؤلاء الغزاة كانوا بدوًا برابرة لا يحترمون الحضارة، ولا يعرفون حتى الكتابة، فقد حطَّموا حضارة مصر، ولم يحاولوا أن يتعلموا شيئًا من المصريِّين، لذلك لم يتمَّ تدوينُ شيءٍ ذي بالٍ طَوالَ فترة الاحتلال. هذا بينما كان بنو إسرائيل وقتَ دخول الهكسوس إلى مصر، في طريق الخروج لشبه جزيرة سيناء، ووقت فورانِ أحداثٍ جسام لم تسمح بتدوينٍ واضح كامل لتلك الأحداث. أمَّا كون بني إسرائيل كانوا في مصر قبل دخول الهكسوس، وفي زمنٍ أسبقَ سمحَ لهم بالتكاثُر مدةً طويلة في أرض النيل، فإن ذلك سيعودُ بنا إلى عهدِ بُناةِ الأهرام في الدول القديمة. ومكمن الخطأ عند فليكوفسكي يكمن في أن المُؤرخِين قد قاموا بوصلِ نهاية الأسرة الثانية عشرة آخر أُسر الدولة الوسطى (١٧٨٨ق.م) ببداية الأسرة الثامنة عشرة أُولى أُسر الدولة الحديثة بعد التحرُّر من الهكسوس (١٥٨٠ق.م)، ولم يتركوا للأُسَر من الثالثة عشرة إلى السابعة عشرة سوى مائتي عامٍ تزيد قليلًا، يتم تقسيمها على مجموعة الأُسر المصرية والهكسوسية خلالَ خمسِ أُسرٍ كاملة. بينما يرى «فليكوفسكي» أنه قد سقط من ذلك التاريخ — بالإضافة إلى المائتي عامٍ المفترضة — ما لا يقل عن أربعمائة عامٍ كاملة — هي زمنُ قضاة إسرائيل، وهي بالضبط زمنُ احتلال الهكسوس لمصر؛ وعليه فيجب أن تكون بداية الأسرة الثامنة عشرة التي أسَّسها «أحمس» الذي قضى على الهكسوس، واقعةً في تاريخ يبعُد عما حدَّده المُؤرِّخون بأربعةِ قرونٍ إضافية؛ أي يجب أن تكون بدايتها بين ١١٨٠ و١١٠٠ق.م على وجه التحديد.

والخطورة عند «فليكوفسكي» في ذلك الخطأ، لا تكمن في اختلالِ تاريخ مصر، أو في سقوطِ ذكرِ بني إسرائيل من التاريخ، إنما ينسحب الخطأ على عمليات التأريخ لحضارات المنطقة بكاملها؛ حيث كان التاريخ المصري هو المعيار الذي قِيست بالنسبة إليه عهودُ الحضارات الأخرى وتَمَّ تزمينها وَفقَه. ومن هنا جاز له القول: «إن تاريخ الآشوريِّين البابليِّين والفرس قد تم تشويهه وتخريبه، وتاريخ الإمبراطورية الحثية (تركيا القديمة) قد اختُرع بأكمله، وكذلك التاريخ اليوناني في عصره البرونزي لم يُوضَع في موضعه الحقيقي من السياق الزمني، كما تم تشويه التاريخ السابق للإسكندر الأكبر … ومن ثَمَّ يتضح أن هناك ملوكًا قد وُضِعوا في مواضع أحفاد أحفادهم، ووُصِفَت إمبراطورياتٌ وهمية، بينما كانت قطع الآثار نتاجَ قرونٍ أخرى، وعصورٍ تُخالف ما يُنسب إليه، وكان هذا هو الحال بالنسبة للإمبراطورية الحثية وفنونها، وكانت كذلك أيضًا، بالنسبة للشعوب الحورية ولغاتها لأنها ببساطة لم توجد أصلًا.» ومن هنا كانت فوضى العصور في حاجة إلى «فليكوفسكي».

تأسيس (٣)

وحتى لا يبدو الرجل كمن يُلقي القول جزافًا، كان عليه أن يقوم بأمرَين: الأَمر الأول هو عرضُ ما انتهت إليه النظريات التاريخية التقليدية بشأن الخروج، ومناقشة مدى مصداقيتها؛ بحيث إذا ثبت بطلانها انتقل إلى الأَمر الثاني، وهو تقديم الأدلة الكافية لتأكيد فروضه، تلك التي استَغرقَت كتابه حتى آخرِ صفحة فيه. ومن هنا يبدأ مناقشة التاريخ ونظرياتِ المؤرِّخِين، ومحاكمتها محاكمةً عادلة تمامًا، وربما ساعده على تلك المحاكمات أن حيثياتِ إدانةِ أيِّ نظريةٍ منها، سبق وقدَّمَتها نظريةٌ أخرى بديلة.

ويبدأ بأقدمِ نظريةٍ قُدِّمَت عن حدث الخروج، وقد وَردَت عند المؤرخ المصري «مانيتون». وتَقرِن تلك النظرية بين ظهور الهكسوس وبين ظهور الإسرائيليِّين، كما تَقرِن خروج الهكسوس بخروج الإسرائيليِّين؛ حيث سجَّل «مانيتون» أن الهكسوس بعد طَردِهم من مصر اتجهوا إلى فلسطين؛ حيث أنشئوا هناك مملكة «أورشليم». وقد أخذ المُؤرِّخ اليهودي «يوسفيوس» بكلام «مانيتون». وذهب المذهب نفسه — من القدماء — الأب «يوليوس الأفريقي»، الذي روى أن اليهود تمرَّدوا في مصر بقيادة «موسى»، على ملك باسم «أحمس». وحتى الآن، وبعد مُضي أكثر من تسعة عشر قرنًا على تلك النظرية، لم يزل هناك من يأخذ بها إلى اليوم.

لكن على الجانب الآخر نجد من يرفض تلك النظرية تأسيسًا على مُقدِّمةٍ منطقية تمامًا، وهي «كيف يقع اليهود تحت نِير العبودية في مصر إذا كانوا هم الذين حكموها باسم الهكسوس»، إضافةً إلى المُقدِّمة الثانية في ذلك القياس وهي أن حكام مصر بعد «أحمس» قائد التحرير، كانوا من الحكام الأقوياء الذين فرضوا هيمنتهم على شرقي المتوسط بما فيه فلسطين، مما يستحيل معه أن يخرج بنو إسرائيل رغمًا عن إرادة مصر، بل ويقومون بغزو فلسطين المفترض أنها خاضعةٌ للحكم المصري آنذاك، بل ويتمكن الإسرائيليون من إنشاءِ دولةٍ في فلسطين! لذلك لجأ آخرون إلى البحث عن فتراتِ ضعفٍ إبَّان حُكمِ الأسرة الثامنة عشرة، يمكن أن تسمح بالخروج وبقيام الدولة؛ ومن ثَمَّ ذهبوا إلى احتمال حدوث ذلك بعد انتكاسة «إخناتون» فرعون التوحيد. لكن ما يدحض ذلك المذهب بدوره، أسانيدُ وثائقية تَمَّ العثور عليها بين وثائق مدينة «إخناتون» في تل العمارنة، في شكلِ رسائلَ من حاكمِ أورشليم، يُحذِّر فيها الفرعون من مهاجمةِ قبائلَ بربريةٍ لحدوده من عبر الأردن باسم «الخابيرو»، والتي تُنطق أيضًا «عابيرو»، ويمكن أن تكون مُسمًّى للعبريِّين اليهود؛ لذلك لا بد أن يكون الخروج قد حدث قبل إخناتون بفترةٍ كافية، وتسقط بذلك تلك النظرية بدورها.

ومن هنا ذَهبَت نظريةٌ ثالثة إلى أن بني إسرائيل قد غادروا مصر زمنَ «أحمس»، إبَّان طرده للعناصر الأجنبية مع الهكسوس، ووصلوا فلسطين زمن «إختاتون» باسم «الخابيرو»، لكن العقبة في قَبول تلك النظرية، أنها تُهمِل مائتَي عامٍ بين زمن أحمس وزمن إخناتون، وتعني أمرًا مقبولًا، هو أن يكون زمن التيه الإسرائيلي في سيناء قد استَغرَق مائتَي عام بدلًا من أربعين عامًا قدَّرَتها التوراة، وتُعد بذاتها زمنًا طويلًا جدًّا استَغرَقه الخارجون من مصر إلى فلسطين.

لذلك طَرحَت النظرية الرابعة رأيًا مخالفًا تمامًا؛ وهو أن يكون الخروج قد حدث — لا بُد — زمن الفرعون «مرنبتاح» بن الفرعون «رمسيس الثاني» حوالي ١٢٢٠ق.م في الأسرة التاسعة عشرة، بعد العثور على غطاء تابوته الذي يُعدِّد عليه البلاد التي أخضعها، وبينها عبارة تقول: «أُبيدَت إسرائيل ولم يَبقَ لها بَذْر.» وهو أول ذِكرٍ لإسرائيل في أيِّ وثيقةٍ مصرية على الإطلاق، مما يؤكِّد أن «مرنبتاح» هو فرعون الخروج، بينما كان أبوه «رمسيس الثاني» هو فرعون الاضطهاد، لكن تلك النظرية بدورها تبدو غيرَ كاملةِ الإقناع؛ لأن نص مرنبتاح يشير لإسرائيل ضمن إشارته لدولٍ خارج مصر، وليس لقومٍ داخل مصر، بما يعني أن حديثه عن دولةٍ كانت قائمةً بالفعلِ قبل أن يشُن هُجومه عليها. إضافةً لعدمِ ذِكرِ فرعونَ دمَّر إسرائيلَ باسم «مرنبتاح» ضمنَ الأسماءِ الواردة في المأثور التوراتي لأعداءِ إسرائيل، كما لا يتفق ذلك مع أيِّ محاولةٍ لتزمينه مع أحداث التوراة وزَمنِها، حيث لا بد أن يكون الإسرائيليون قد دخلوا فلسطين بعد خروجهم من مصر، ولكن بمائة عامٍ أي حوالي ١١٩٠ق.م، وبذلك لا يتبقى لعصر القضاة سوى قرنٍ واحد، وهو ما يُخالِف بشدة الزمن المفترض، والذي يُحتسَب ثلاثةَ قرونٍ كاملة على الأقل لذلك العصر، وربما أربعة، «لذلك اعتبر عصر «مرنبتاح» كموعد للخروج موعدًا متأخرًا جدًّا وأكثر مما ينبغي»، ورغم ذلك تُعَد هذه النظرية من أَشيعِ النظريات حتى اليوم.

وبين النظريات التي حازت ذيوعًا أيضًا، تلك التي اعتَبرَت حدثَي الدخول والخروج مسألةً اعتيادية في تاريخ مصر، باعتبار دخول البدو إلى مصر وخروجهم منها في عصورٍ متباينة، كان أمرًا دوريًّا ومعتادًا؛ لذلك كان دخول بني إسرائيل وخروجهم أمرًا هامشيًّا في اهتمامات المصريِّين، إلى الحد الذي لم يجدوا معه أيَّ داعٍ للاهتمام بتسجيله. لكن ذلك لا يتفق مع إصرار التوراة على تفصيل الأحداث وهَولها وشدَّتها، ومن هنا لجأ أصحاب نظريةٍ مشابهة إلى الاعتراف بما قالت التوراة، لكن مع النزوع إلى تأويل النصوص التوراتية لَتبدوَ مقبولة، وذلك بإلباس الأساطير التي سَبقَت الخروج وصحِبَته ثوبًا يُظهِرها كأمرٍ اعتيادي. ومن هنا قامت تُفسِّر الضربات التي أنزلها رب موسى بالمصريِّين من قمل وضفادع أو بعوض وذباب باعتبارها أمورًا اعتيادية تمامًا عند المصريِّين، بالنظر إلى أرضِ مصرَ الشديدة الخِصب، والتي تسمح بكافةِ أنواع الحياة، بينما بدا ذلك غريبًا على بدوٍ رعاة. كذلك رياح الخماسين التي تهُب من الصحراء الليبية محملةً بالرمال والأتربة مع ما تجلبه معها أحيانًا من أسرابِ الجراد، يمكن أن تُفسِّر ضربة الإله اليهودي «يهوه» لمصر بالظلام والجراد. أمَّا مسألة انشقاقِ البحر فهي أسطورةٌ متكررة في الميثولوجيات القديمة عند مختلف الشعوب، وإذا كان لا بُد من الاعتراف بانشقاق البحر وانطباقه، فلن يكون له تفسيرٌ سوى موجةِ مدٍّ عاليةٍ ضاعفَها إعصارٌ مفاجئ. ثم تستكمل النظريات مُسوِّغاتها بالميل الإسرائيلي المعهود، والواضح في كتابهم المُقدَّس للصياغات الإعجازية والميلِ الشديد للخوارق، حتى إن شعلةً بيد قائد الخروج، تتحول مع ميلٍ إلى الخيال في نص التوراة إلى إلهٍ يسير أمامهم في عمودِ دخانٍ ونار.

وقد ذَهبَ أحد هؤلاء، وهو «تشالزبيك» إلى أن جبل سيناء الذي عبَروا إليه كان بركانًا، والبركان هو الظاهرة الوحيدة التي تُعطي صورةَ عمودِ دخان بالنهار ونارٍ بالليل، ولأنه عادة ما تُصاحِب ثورات البراكين النشطة ضرباتٌ زلزالية، فإن زلزالًا قد سحب الماء ليلة الخروج بعيدًا عن الشاطئ، ثم ارتدَّت المياه لِتُحطِّم كلَّ ما جاوَر البحر وتبتلعه، وهو ما يُفسِّر معجزة البحر الموسوية. لكن المشكلة الكبرى التي واجَهَت هذا التفسير … رغم براعته … أن منطقة سيناء لم تكن منطقةً بركانية، إضافةً إلى أن المنطقة الواقعةَ ما بين البحر المتوسط وخليجَي السويس والعقبة تفتقد تمامًا ظاهرة المد الإعصاري، ناهيك عن كون «بيك» اضطُر في النهاية، وفي نهاية حياته، إلى الاعتراف بخطئه، وسحب نظريته.

(٢) الوثائق والأدلة

وهكذا أصبح الميدان خاليًا من نظريةٍ تامة الصدق تُفسِّر حدث الخروج وزمانه، ومرة أخرى تَبِيت الحاجة ماسةً إلى «فليكوفسكي»! ولا يبقى سوى أن ندخل مع الرجل إلى عالمه، بادئِين بقوله: «سنجد أنفسنا مضطرين للإقرار باعترافٍ مباشر وصريح، أن الكلمات (يقصد كلمات الكتاب المُقدَّس) تعني ما تقوله تمامًا، وأن مدى الكارثة كان يفوق بدرجةٍ كبيرة أيةَ نتائجَ أخرى يمكن أن تنجُم عن ثورة بركان. لقد ساهمت الأرض والبحر والسماء في الثورة المفاجئة، البحر غمر الأرض، والحمم الساخنة تدفَّقَت من أرضٍ مُمزَّقة، وقد وَصفَت النصوص المُقدَّسة فوضى العناصر التي انطَلقَت من عِقالها:

ارتجَّت الأرض، وارتَعشَت أُسس الجبال … تحرَّكَت واهتزَّت … دخان ونار … ظَهرَت أعماق المياه، وانكَشفَت أُسس المسكونة. هو المزحزح الجبال، ولا تعلم الذي يقلبها في غضبه … هو المزعزع الأرض من مقرها فتَتزلزَل أعمدتها.»

لكن قبل تلك الأحداث الهائلة، وقبل حدث انفلاق البحر، فإن «النص التوراتي يُصِر على حدوث البلاء بمصر قبل رحيل الإسرائيليِّين عنها، وكانت نذيرًا سابقًا للدمار الذي سبَّبَته عناصر الطبيعة التي أَفلتَت من عقالها … إن الأسئلة المنطقية التي تفرض نفسها في هذا الموضع هي: هل هذه الشهادة مُزيَّفة بأكملها؟ … هل من الممكن ألا يكون المصريون قد لاحظوا شيئًا من تلك الأحداث؟ … هل هناك أيُّ زلزالٍ على الإطلاق تم ذكره في السجلات المصرية القديمة؟ إن التسجيلات المصرية التقليدية لا تحتوي على أي ذكرٍ لهزةٍ أرضية، ولا تحتوي على أي أثرٍ لكوارث، ولكننا نُصِر … فقد نحصُل على مفتاحٍ هامٍّ لمشكلةٍ مستعصية، اختلف الكثيرون بشأنها واختصموا، وظلت حتى الآن ما يقرب من ألفَي عام دون إجابةٍ قاطعة» وبالفعل، ولأول مرة في التاريخ، يُقدِّم لنا «فليكوفسكي» ما عثَر عليه من وتائق وأدلة.

(٢-١) الوثيقة الأولى: بردية لايدن

تحت عنوان «شاهد عيانٍ مصري يشهد بحدوث البلاء»، وبأسلوبه المتميز، يقدم لنا «فليكوفسكي» فيما يبدو أنه كشفٌ خاصٌّ وخطير، بردية «إبيور» المعروفة ببردية لايدن، وفي قالب لا يخلو من ملابسات الغموض، وضبابية الماضي السحيق، ودخانِ ما قبل الكشف عن اللغز وغموض الأمر؛ بحيث يبدو كما لو كان يُقلِّب البردية بين يدَيه، ويصفها وصفًا دقيقًا، بادئًا بالقول: «ليس من المعروف تحت أية ظروف، تم العثور على البردية التي تحتوي كلمات إبيور، وطبقًا لرواية أنستاسي مالكها الأول، فقد عُثر عليها في منف، وهو ما يُشير للمنطقة المحيطة بهرمِ سقارة، ثم انتَقلَت ملكيتها في عام ١٨٢٨م إلى مُتحَف لايدن بهولندا، وأُدرِجَت بقائمةِ محتوياتِ المُتحَف تحت رقم ٣٤٤ لايدن … إلخ.» وفي عُجالاتٍ سريعة يُشير إلى ما قدَّمه المُتخصِّصون من تفسيراتٍ بشأنها؛ فهناك من اعتَبرَها عملًا فلسفيًّا، وآخر لم يجد فيها سوى مجموعةِ أحاجي وألغاز، وذهب ثالثٌ إلى أنها نبوءة بأوقاتِ شدَّةٍ كانت مُقبلةً على مصر، لكن الوثيقة — فيما يرى «فليكوفسكي» — تَنطِق بلسانٍ مُبين لشاهدِ عيانٍ مصري عاصَر الأحداث التي سَبقَت الخروج بأيامٍ أو بأسابيع، وبتطابُقٍ مُبهر مع نصوص التوراة بذات الخصوص، ويبدأ بأخطرِ النصوص دلالة، والتي تُشير بوضوحٍ إلى كارثةٍ أصابت الأرض، ومصحوبة بأصوات الطبيعة الهادرة:
  • ٢: ٨: انظروا الأرض تدور حول نفسها كما تدور عجلةُ صانع الفَخَّار.

  • ٢: ١١: المدن دُمِّرت … وصعيد مصر أصبح يبابًا.

  • ٣: ١١: الكُل خراب.

  • ٤: ٧: انقلب المسكن في لحظة.

  • ٢: ٤: سنوات من الضجيج ولا نهاية للضجيج.

  • ٦: ١: آه لو تَتوقَّف الأرض عن الضجيج وتتقطع الجلَبة.

ويُعقِّب على مدلول «الضجيج» في البردية، بأنها «الأصوات التي تصُم الآذان وعادةً ما تُصاحِب الزلازل، ويبدو أن الهزَّاتِ كانت متتابعةَ الحدوث مرةً بعد أخرى، حتى تحوَّلَت البلادُ إلى حطامٍ وانهار نظام الدولة فجأة، وأَصبَحَت الحياة لا يمكن احتمالها.»

ثم يدلُف مباشرةً إلى المُقارنة بين مقاطعَ من البردية، وبين مقاطعَ من سفر الخروج التوراتي، وهي تُفصِح بوضوح عن ضربات «يهوه» ربِّ التوراة لأرضِ مصرَ قبل الخروج مباشرة.

بلاء تحويل ماء النهر إلى دماء

  • الخروج، ٧: ٢٠: فتحول كل الماء الذي في النهر دمًا.

  • البردية، ٢: ٦٥: النهر دم.

  • الخروج، ٧: ٢١: وكان الدم في كلِّ أرضِ مصر.

  • البردية، ٢: ٦٥: البلاء انتشر في كلِّ أنحاء البلاد … الدماءُ في كلِّ مكان.

  • الخروج، ٧: ٢٤: وحَفَر جميع المصريِّين حولَ النهرِ لأجلِ ماءٍ ليشربوا؛ لأنهم لم يَقدِروا أن يشربوا من ماء النهر.

  • البردية، ٢: ١٠: عاف الناس شرب الماء.

  • الخروج، ٧: ٢١: مات السمكُ الذي في النهر وأَنتَن النهر.

  • البردية، ٣: ١٠–١٣: هذه مياهنا، وهذه سعادتنا، فماذا سنفعل بعد الآن؟ … الكُل حُطام.

بلاء البرد والنار

  • الخروج، ٩: ٢٥: فضَربَ البرد في كلِّ أرضِ مصر، جميعَ ما في الحقل من الناس والبهائم، وضَربَ البردُ جميعَ عُشب الحقل، وكَسرَ جميعَ شَجرِ الحقل.

  • البردية، ٦: ١: لا فاكهة ولا محاصيل موجودة.

  • الخروج، ٩: ٢٣-٢٤: وجَرَت نار على الأرض، وأمطر الرب بردًا على أرض، فكان بردًا ونارًا متواصلة وَسَط البَرد.

  • البردية، ٢: ١٠: التَهمَت النارُ البوابات والأعمدة والحوائط. والنار التي أَهلكَتِ الأرضَ لم تَنشُرْها أيدٍ بشرية، لكنَّها سَقطَت من السماء.

  • الخروج، ١٠: ١٥: لم يَبقَ من أخضر في الشجر، ولا في عُشب الحقل في كلِّ أرضِ مصر.

  • البردية، ٦: ٣: أحقًّا اختلف الحبوب في كلِّ مكان؟

  • البردية، ٥: ١٢: أحقًّا … اختفى ما كان «بالأمس» مرئيًّا؟

«فليكوفسكي» يعقب هنا بأن «حصرَ زمنِ تدميرِ المحاصيل بيومٍ واحد، يستبعد الجفاف» كسببٍ تقليديٍّ لقلة المحاصيل، فقط النار والصقيع والجراد هي التي كان بإمكانها ذلك.

بلاء وباء الطاعون

  • الخروج، ٩: ٣، ١٩: يد الرب تكون على مواشيهم التي في الحقل، على الخيل والحمير والجمال والبقر والغنم … سيفتك بها طاعون … جميع الناس والبهائم الذين يُوجدون في الحقل … ينزل عليهم البرد فيموتون.

  • البردية، ٥: ٥: كل الحيوانات قلوبها تَنتحِب … والماشية تئِن.

  • البردية، ٩: ٢-٣: انظروا تُرِكَت الماشية شاردةً ولا يُوجد من يجمعها، كلُّ إنسانٍ انشَغلَ بنفسه.

بلاء الظلام

  • الخروج،١٠: ٢٢: فكان ظلامٌ دامس في كلِّ أرضِ مصر ثلاثةَ أيام.

  • البردية، ٩: ١١: لم تكنِ الأرضُ نورًا.

بلاء ضربة البكر

  • الخروج، ١٢: ٣٠: فقام فرعونُ ليلًا هو وكل عبيده وجميع المصريِّين وكان صراخٌ عظيم في مصر؛ لأنه لم يكن بيتٌ إلا فيه ميت.

  • الخروج، ١٢: ٢٧: الرب الذي عبَّر عن بيوتِ بني إسرائيل في مصرَ لمَّا ضَربَ المصريِّين وخلَّص بيوتنا.

  • الخروج، ١٢: ٢٩: حدث في نصف الليل أن الرب ضرب كلَّ بكرٍ في أرضِ مصر، وبكر فرعون الجالس على كرسيه، إلى بكر الأسير الذي في السجن، وكل بهيمة.

  • البردية: انهار المسكن في لحظة.

  • البردية، ٤: ٣: أحقًّا كل أبناء الأمراء سُحِقَت أجسادهم في الحوائط؟

  • البردية، ٦: ١٢: أحقًّا تشرَّد أبناء الأمراء في الطرقات؟

  • البردية، ٣: ١٤: النُّواح في كل أنحاء البلاد يَختلِط بالنحيب.

«فليكوفسكي» يُعقِّب: إن موتَ كلِّ هذا العدد في ليلةٍ واحدة، وفي ذات الساعة من منتصف الليل لا يمكن تفسيرُه بوباءٍ كالطاعون، إنما بكارثةٍ أرضية ضَربَت كل أرض مصر.

تكسير آلهة المصريِّين

  • الخروج، ١٢: ١٢: وأصنع أحكامًا بكل آلهة المصريِّين، أنا الرب.

  • البردية، ٣: ١٤: وسَقطَت تماثيل الآلهة مُهشَّمة إلى أجزاء.

خروج كفن يوسف من قبره

النص من الهجادا: عندما سُحِقَت الأرض في مصرَ آخرَ ليلة وَجد الإسرائيليون كفنَ يوسفَ على سَطحِ الأرض فحملوهُ معهم.

«فليكوفسكي» يُعقِّب: ولم تكنِ الأرضُ أكثرَ رحمةً بجثث الموتى في قبورهم فالمقابر لفَظَت موتاها وتمزَّقَت الأكفان.

البردية، ٤: ٤: أحقًّا أولئك الذين كانوا مُحنَّطِين في أكفانهم، صاروا مَلفوظِين على سطحِ الأرض؟

ويشرح «فليكوفسكي» أن البردية قد تضمَّنَت تمرُّد السكان وفِرار البؤساء والمساكين المُسخَّرِين للعبودية، واختفاء الملك في ظروفٍ غامضة … والحقيقة الثانية هنا، هي أن زلازلَ متتابعةً صاحبَتها ظواهرُ طبيعيةٌ أخرى، قد اجتاحَت أرضَ مصر، صاحَبَها أكثرُ من بلاء، سبَّب هلاك الإنسان والحيوان والنبات، وأَتلَف كلَّ مصادر الحياة … ونظر المصريون إلى ذلك كله على أنه من فعلِ رب العبيد … وأسرع العبيد الفارُّون باتجاه حدود الدولة، يسبقهم نهارًا عمودُ سَحابٍ ليهديهم في الطريق، وليلًا في عَمودِ نار.

الخروج، ١٣: ١١: وكان الرب يسير أمامهم نهارًا في عمودِ سَحاب ليهديهم في الطريق، وليلًا في عمودِ نارٍ ليضيء لهم، لكي يَمضوا نهارا وليلًا.

البردية، ٧: ١١: يا ويلاه، النار ارتَفعَت إلى الأعالي وامتَدَّ لهيبها أمام أعداء البلاد.

… مع ما سجَّلَته البردية ١٧: ١-٢: «أن الفرعون قد فُقد في ظروفٍ غير عادية، وأن ذلك لم يحدُث من قبلُ قطُّ لأيِّ فرعون آخر.»

ثُمَّ يُبرِز «فليكوفسكي» حدَث دخول الهكسوس البلاد البردية ٣: ١: «أحقًّا صارتِ الدولة خرابًا كالصحراء وأَصبَحَت الأقاليمُ يبابًا واقتَحمَت البلاد قبائلُ غريبةٌ من وراء الحدود؟ إن الكارثة التي حوَّلَت مصر إلى دمارٍ شامل بلا قوةٍ متماسكة تُدافِع عن أرضها، أَغرتِ الغُرباء، وكانت حافزًا لقبائل الصحراء العربية لينقضوا عليها. البردية، ١٥: ١ ماذا حدث؟ لقد علم الآسيويون بحال البلاد.»

(٢-٢) الوثيقة الثانية: حجر العريش

وحجر العريش كتلةُ جرانيتَ سوداء، حُفِرَت عليها نصوصٌ هيروغليفية ورغم أهميته فإنه لم يحظَ باهتمامٍ كافٍ، ولم يعُد يذكرُه أحدٌ إلا لمامًا، رغم احتوائه على أسماءِ ملوكٍ ومدن وأماكنَ جغرافية، وغزوِ غُرباء للبلاد في عصر ملكٍ يُدعى «توم». ونص الكتابة في رأي «فليكوفسكي» يتطابق كليةً مع نصِّ التوراة بشأن الأحداث التي صحِبَت الخروج من البحر. ومما اقتبسه «فليكوفسكي» من تلك النصوص: «لقد مرَّت البلاد ببلوى عظيمة، سقط الشر على أرضها، وثارت الأرضُ ثورةً عنيفة شمِلَت عاصمة البلاد، ولم يغادرْ أحدٌ القصر الملكي لمدة تسعةِ أيامٍ كاملة، وأثناء هذه الأيام التسعة من جيَشَان الأرض، كانت هناك عاصفةٌ بَلغَت قوتها حدًّا لا يستطيع معه الإنسان ولا الإله أن يرى وجوه الآخرِين.»

وحجر العريش ليس — عند «فليكوفسكي» — سوى تسجيل للقصة الكاملة للبلاء العاشر، الذي أنزله الرب الإسرائيلي بمصرَ في شكلِ ظلامٍ وعواصفَ برية؛ فالحجر يتابع «وفي خِضَم المحنة، وتقلُّبات الطبيعة الوحشية، جمَع الملك جيشَه وأَمرهم باتباعِه إلى مناطق، وعدهم أنهم سيَرَون فيها النور من جديد (سنرى أبانا رع حر أختي في منطقة باخيت المضيئة) … وفي هَدأة الليل، وتحت سِتار الظلام، اقتَربَت جحافل الغرباء من حدودِ مصر ثم اجتازَتها، وذهب صاحب الجلالة لمحاربة أبوبي وزمرته … وحين قاتل جلالة الملك رع حرماكيس؛ حين قاتل إلهَ الشر بالقرب من البحر في مكان الدوَّامة، فإن إله الشر لم يتغلب على جلالته، ولكن جلالَته هو الذي اندفع إلى دوَّامات البحر.»

وبعد شروح يعود الكاتب إلى المكان الذي انتهت إليه مسيرة الملك قبل غرقه في البحر، وأنها مُحدَّدة بالاسم في النص «ووصل جلالته إلى مكانٍ يُسمَّى بي خاروتي». ثُمَّ يأتي بنص التوراة «فسعى المصريون وراءهم، وأدركهم جميعُ خيلِ مَركَباتِ فرعون وفرسان جيشه، وهم نازلون عند البحر، عند فم الحيروث» (خروج، ١٤: ٩)، ثُمَّ يُوضِّح «وبي خاروتي في المصدر المصري هي «بي حيروت» أو «فم الحيروث» في المصدر العِبري. إنه المكان نفسه والمطاردة نفسها … وبعد انقضاءِ فترةٍ من الزمن خرج ابن الفرعون «صاحب السموجب» باحثًا عن أبيه (وقد أخبره شهود العيان بكلِّ ما حدث لرع في بات نيبيس والصراع الذي خاصه الملك توم)، ويحكي النقشُ أن كلَّ من رافقوا الأميرَ في رحلته للبحث عن أبيه قد ماتوا حرقًا أمَّا الأمير نفسه صاحب السموجب، فقد أُصيب بحروقٍ شديدة قبل أن يعود من رحلة البحث وهو يائس من العثور على أبيه الذي لقِي حتفه. ومن غَبرة الصحراء في طريق يات نيبيس وصل الغزاة واحتلُّوا مصر (أتى أبناء أبوبي المُتمرِّدون الذين كانوا يعيشون في أوشيرو … وساروا على طريق يات نيبيس، وحلُّوا على مصر مع حلول الظلام). لقد غَزَوا البلاد ليُحطِّموها ويُدمِّروها وبمرور الوقت برد الجو في مصر وجفَّت الأرض، ولم يُعرف ماذا حدث بعد ذلك للأمير التعِس، ولكن نهايته كانت بائسة بالتأكيد (لقد دُمِّرت مصر بالإعصار فأكلَتها النيران، وأمَّا العاصمة فقد احتلَّها الآمو) … إن النقش الموجود على حَجَر العريش يُحدِّد «اسم الفرعون الذي هلَك في دوَّامة البحر، كان توم أو تووم»، ومن المثير أن اسم «بي توم» تعني مَسْكن أو مَقَر توم، و«بي توم» كانت إحدى المدينتَين اللتَين شيَّدهما العبيد الإسرائيليون للفرعون الطاغية وبأَمرٍ منه، وطبقًا لمانيتون فإن الفرعون الذي حلَّ غضب السماء على مصر في عهده قبل غزو الهكسوس، كان يدعى توتيماوس أو تيمايوس.»

(٢-٣) الوثيقة الثالثة: بردية الأرميتاج

وهي بردية الحكيم «نفررحو» المحفوظة بمتحف الأرميتاج بليننجراد بروسيا ويرى فيها «فليكوفسكي» ترديدًا لذاتِ نصِّ بردية لايدن، وإن اختلفت في كونِها نبوءةً ألقاها صاحبها أمام أحدِ الفراعين، وأهم ما يريده «فليكوفسكي» منها قولها في مقاطع:

ملء قلبي رثاء لهذه الأرض التي نبع منها الفن …
ستَهلِك هذه البلاد وما عليها ولن يبقى سوى الشر.
فانية هذه البلاد.
ستُحجَب الشمس ولن يرى إنسانٌ النور.
لن يبقى أحدٌ حيًّا.
النهر جافٌّ.
ستهُبُّ الرياح الجنوبية ضد الرياح الشمالية.
وتُكابِد الأرض بؤسًا لم تعرفه.
ويحتل البلادَ البدوُ حين يأتون من الشرق.
سينزل الآسيويُّون أرض مصر.
ستشرب وحوشُ الصحراء وحيواناتُها من نهرِ مصر.
أرى هناك الأرضَ مقلوبةً رأسًا على عقِب.

ويُردِف «فليكوفسكي»: «إن الرائي نفررحو يتنبأ بعد ذلك بتحريرِ مصر على أيدي ملكٍ مصري يُولد من أمٍّ نوبية، ويُسمَّى «أميني»، وهو الذي سيقتُل الآمو (البدو) بسيفه، وبعدها سوف يبني سور الحاكم حتى لا تتكرر عودة الآمو إلى مصر … واسم «أمني» يشير إلى «أمن حوتب» الأول، وهو واحدٌ من الموك الذين حكموا مصر بعد أن تم تحريرها من الهكسوس، وكان وقتَ بدايةِ حروب التحرير ما زال أميرًا، وكانت صوره على جدران المعابد تُشير إلى لون بشرته الأسود، وهو ما يتفق مع مقولةِ أنه سيُولد لأمٍّ نوبية، وقد تم تبجيله فيما تلا ذلك من عصور.»

(٢-٤) الوثيقة الرابعة: نبوءة الخزَّاف

وهي أثرٌ أدبي مماثل في مضمونه للوثائق السالفة، لخزَّافٍ عاش في عهد «أمينحوتب» يقول: «إن نهر النيل سيمتلئ بالمياه، «ويعود مَوسِم الشتاء إلى موقعه الصحيح من العام، وتستعيد الشمس مجراها الطبيعي».» مما يشير إلى خللٍ قد أصاب النظام الطبيعي الكوني.

(٢-٥) الوثيقة الخامسة: مقياس سمنة

«لاحظ «ليبيسيوس» أن مقياس النيل عند «سمنة» الموجود منذ عصر الدولة الوسطى، يُظهِر ارتفاعًا عظيمًا لمستوى الماء في ذلك المكان، حيث يجري النهر فوق أرضٍ صخرية، ومقدار الارتفاع يزيد عن أعلى ارتفاع للمياه مُسجَّل في العصر الحديث بمقدار ٢٢ قدمًا. ونظريًّا فإن هبوط مستوى الماء في ذلك المكان بعد ذلك بمقدارِ اثنَين وعشرين قدمًا قد يُعزى إلى واحدٍ من احتمالَين: فإمَّا إلى تغيُّر كمية المياه المُتدفِّقة من نهر النيل، أو إلى تغيُّر في التركيب الصخري والطبقي للأرض. ولو كان يحمل هذا القَدْر العظيم من الماء قبل الكارثة، فإن العديد من المعابد والمساكن كان من المُفترَض أن تُغطَّى تمامًا بالمياه بانتظامٍ كلَّ عامٍ مع الفيضان، لكن الواضح أن «التغيير المرصود عند مقياس سمنة، يدُل على حدوثِ تغيُّراتٍ ضخمة في التكوين الصخري وفي طبقاتِ الأرض بمصر، في أواخرِ الدولة الوُسْطى أو بعدها».»

(٢-٦) الوثيقة السادسة: نقش حتشبسوت

وهو نقشٌ حجري من عهد الملكة «حتشبسوت» التي حَكمَت بعد جيلَين أو ثلاثةٍ من طرد الهكسوس، وتقول فيه الملكة: «إن مقَر ربَّة كيس قد تحول إلى أنقاض، وابتَلعَت الأرض حَرمَها المقدَّس، ولعب الأطفال فوق معبدها. وقد أزلتُ عنه ما تراكم، وأعدتُ بناءه … فقد كان هناك عامو في وسط الدلتا، وفي حاوار (حواريس عاصمة الهكسوس)، وكانوا هم دمَّروا كل المباني القديمة، وحكموا البلاد غير مؤمنِين بالإله رع.» ويُعقِّب «فليكوفسكي»: «إن السطور السابقة تحمل الدليل على أن تلك المعابد قد ابتَلعَتها الأرض … وصحيحٌ أن الهكسوس قد دمَّروا المباني، لكنهم لم يدفنوها في الأرض.» وهو بذلك إنما يشير إلى كارثةٍ طبيعية ليست في رأيه شيئًا آخر سوى كارثة الخروج.

ويُنهي الباب الأول من القسم الأول بعبارةٍ تُلخِّص نظريته تمامًا، وتقول: «لو كانت كل المقارَنَات السابقة، والنتائج المُترتِّبة عليها، صحيحة، فإن خروج الإسرائيليِّين يكون قد سبق غزو الهكسوس لمصر بأسابيعَ أو بأيامٍ قليلة.»

(٣) إمبراطورية الهكسوس العربية

وربما الأمر هنا لا يُشبِه مجموعة الوثائق التي جمعها «فليكوفسكي» للتدليل على صدقِ أحداث الخروج كما وَردَت بالكتاب المقدَّس، إنما هي مجموعةُ شهاداتٍ عربية على القسم الثاني من نظريته، والذي يذهب إلى أن الهكسوس كانوا من عرب شبه الجزيرة العربية؛ فهو يلتقط طرف الخيط من «مانيتون» في شذرة تقول: «البعض قالوا إنهم كانوا عربًا.» وهم من أَطلَق عليهم المصريون اسم «آمو». وكان الهكسوس من الشعوب التي تشرَّبَت حتى النخاع بروح التدمير والتحطيم، وعلى قَدْرِ ما هو معروف، لم يتركِ الهكسوس أثرًا أو نُصبًا تذكاريًّا ذا قيمةٍ تاريخية أو فنية طَوالَ فترة حكمهم، وأن هؤلاء الهكسوس ليسوا سوى التسمية المصرية لمن ذكرهم سِفر الخروج باسم العمالقة، حيث «أتى عماليق وقاتلوا إسرائيل عند رفيديم.» في طريق الخروج بسيناء، لذلك قال الرب لموسى: «اكتب هذا تَذكارًا في الكتاب وضَعْه في مسامعِ يشوع، فإني سوف أمحو ذكر عماليق من تحت السماء» (١٧: ١٤).

وإن هؤلاء العماليق في هجرتهم انقسموا خطَّين عظيمَين: الأول احتَل كل منطقةِ شرقي المتوسط، بينما احتل الثاني مصر، وعند خروج بني إسرائيلَ من مِصرَ وقتَ انهمارِ سيول العمالقة على المنطقة، «وبسبب وجود العماليق في جنوب فلسطين، اضطُر الإسرائيليون للبقاء في الصحراء على مدى جيلٍ كامل»، وبذلك يُفسِّر «فليكوفسكي» مسألةَ التيه أربعين عامًا في سيناء.

ولتأكيد فروضه حول كون الهكسوس هم ذاتهم العمالقة، وأنهم كانوا من غربِ شبه الجزيرة، فإنه يؤكِّد أن ما حدث للطبيعة من هياجٍ مفاجئ في مصر، قد حدَث أيضًا على الضفة الأخرى من البحر الأحمر في جزيرة العرب.

وبصبرٍ غريب يُنقِّب الرجل عن كلِّ ما يدعَمه في كتب التراث الإسلامية، وما جاء فيها من تاريخ جزيرة العرب في عُصورِها الأولى. ومعلومٌ أن حديث العماليق من الأحاديث المتواترة في كتبنا الإخبارية بحسبانِ العماليق من أشهرِ قبائل العرب البائدة، وأنهم بادُوا كما جاء في مستندات «فليكوفسكي» بنصوص من «المسعودي» وَصفَ فيها الغضب الإلهي الذي حاق بهم، وكيف أَرسَل عليهم الله سيلًا هَربُوا على إثره من البلاد مُتتبِّعِين سُحبًا قادتهم إلى أماكن دمارها أشد هولًا. يقول المسعودي: «ودُمِّرَت مكةُ في ليلةٍ واحدة بضجيجٍ يصُمُّ الآذان، وتحوَّلَت كل المنطقة إلى صحراءَ بلقع، وأصبحت كل الأرض من الحَجون إلى الصفا قفرًا … وصل العماليق إلى سوريا ومصر وامتلكوا البلاد، وكان طغاةُ سورية وفراعنة مصر من أولئك العماليق، … وقدم ملك العماليق الوليد بن دوما من سوريا وغزا مصر وقهرها واستولى على العرش … وغزا العماليقُ مصر بعد أن عبروا حدودها وبدءوا في نهبِ البلاد، وحطَّموا أعمالها الفنية وخرَّبوا كل آثارها (ويلفت فليكوفسكي نظرنا إلى تشابُه تعبيرات المسعودى مع نص حتشبسوت). كذلك طعَّم مستنداتِه بأسانيدَ من شهادة الطبري «ثم مات ملكُ مصر، وارتقى ملكٌ آخر عرش البلاد وكان من العماليق، كان يُدعى قابوس بن مصعب بن مويا بن نمير بن سلواز بن عمرو بن عماليق.» ومن شهادة أبي الفدا «كان هناك فراعنةٌ مصريون من أصلٍ عماليقي.» ومن شهادة أبي الفرج الأصبهاني «إن العماليق انتهكوا حُدود الحرم فحلَّت عليهم نقمة الله، فتركوا مكة … وساقهم الله إلى منشئِهم حيث أَغرقَهم بالطوفان.»

وحسب «مانيتون»، فقد أنشأ الهكسوس لهم عاصمةً شرقي الدلتا باسم «حواريس»، وكان أولُ ستة ملوكٍ منهم يُشكِّلون الأسرة الأولى من الفراعنة الهكسوس، وأشهر هم الملك الرابع في هذه الأسرة «أبوفيس». وهنا يُصدِر فليكوفسكي بعض الأحكام من قَبيل «وكان حكم الهكسوس قاسيًا، ولم تُدرِك قلوبهم شفقة ولا رحمة.» ثُمَّ يضيف «ولم تقتصر هيمنة الآمو الهكسوس على مصر وحدها فقد وُجِدَت جعارين وأختامٌ رسمية في العديد من البلدان تحمل اسم الملك المصري «أبوب = أبو فيس» والملك «خيان»، كما وُجد اسم خيان أيضًا على تمثال لأبي الهول اكتُشف في بغداد، وعلى غطاءِ آنيةٍ في «كونسوس» بجزيرة «كريت». كما وُجد نقشٌ يعود للملك «أبوب» ذُكر فيه، أن أبوب الملك، ست رب حواريس، قد أخضع كل البلاد تحت قدمَيه … ووجد بعض المُؤرخِين أنفسهم مُجبَرين على قبولِ حقيقةِ أن الهكسوس كانوا أصحاب إمبراطوريةٍ كبرى، ولو لفترةٍ محددة من الزمن … وطبقًا لمانيتون … كان آخرُ ملوكِ الفراعنة الهكسوس ملكًا قويًّا يُدعى أبوب الثاني.»

ولأن الإسرائيليِّين غادَروا مصر وقتَ دخولِ الهكسوس، ولأنهم لقوهم في سيناء، ولأن تلك النظرية لا تجد نصًّا توراتيًّا واضحًا بشأنها، فإن «فليكوفسكي» يعثُر على ذلك النص، ويَكتشِف أن الإسرائيليِّين قد عَرفوا بالفعل الكارثةَ الحادية عشرة التي حلَّت بِمصرَ مُمثَّلةً في غزو الهكسوس. والنص في سِفر المزامير، ويقول: «أرسل الله عليهم حَمْو غضبه سخطًا ورجزًا وضيقًا، جيش ملائكةٍ أشرار» (٧٨: ٤٩). ويكتشف أن تعبير «ملائكة أشرار» خطأ في القراءة والترجمة؛ حيث «ملائكة» و«ملوك» تتشابَهان في العبرية، ثم تأتي زيادةُ حرف «ألف» إلى كلمة «رعاة» فتُحوِّلها إلى كلمة «أشرار»؛ ومن ثَمَّ فقد كان الأصل: «أرسل الله عليهم جيش ملوكٍ رعاة، وهو الاصطلاح المأخوذ من كلمة هكسوس.»

وتأسيسًا على كلِّ تلك القرائن، وإعمالًا لتلك الشواهِد الغزيرة، ينتهي «فليكوفسكي» إلى «إعادة التزامُن الصحيح للتاريخ، ويُعيد إليه أربعمائة سنةٍ مفقودة بين نهاية الدولة الوسطى وبداية الدولة الحديثة، إضافة للمائتَي عام المُفترَضة من قِبل المُؤرخِين لتلك الفترة الزمنية» وهو الفرض غير المقبول منطقيًّا. ليُصبِح الزمن ما بين سقوط الأسرة الثانية عشرة آخر أُسر الدولة القديمة، وبين الأسرة الثامنة عشرة أُولى أُسر الدولة الحديثة، ستة قرونٍ كاملة؛ «ومن ثَمَّ يكون زمن التيه، ويشوع، والقضاة، الذي استغرق في تاريخ إسرائيل أربعة قرون، يقع في توقيتٍ واحد مع حكم الهكسوس العماليق لمصر»، وتبقى المائتا سنةٍ الأولى لأُسرٍ مصرية متهالكة فيها تُعرف بالعصر المتوسط الثاني.

ومن هنا يستمر «فليكوفسكي» في دعم فرضيَّته ليسوق المزيد من الأدلة على صدقها، ويقف مع نص العراف «بلعام» بالتوراة، والذي يمتدح فيه إسرائيل ويقول: «يجري ماءٌ من دِلائه، ويكون زرعه على مياهٍ كثيرة، ويتسامى في ملكه على أجاج وترتفع مملكته … ثم رأى عماليق فنطق بمثله وقال: عماليق أول الشعوب وأما آخرته فإلى هلاك» (عدد، ٢٤: ٧، ٢٠). ويستنطق «فليكوفسكي» ذلك النص بما لم يخطُر ببال أحدٍ حتى اليوم؛ فعماليق أول الشعوب تُشير أن العمالقة كانوا أصحاب إمبراطوريةٍ عظمى، لكن آخرته ستكون الهلاك على يد بني إسرائيل، و«أجاج» الملك بالنص ليس سوى «أبوب الثاني» آخر ملوك تلك الإمبراطورية؛ حيث كانت العبرية القديمة تَحمِل تشابهًا يؤدِّي إلى اللبس بين حرفَي «ج» و«ب».

ومن بردية ساليه يخرج «فليكوفسكي» بمدى الازدراء والاحتقار الذي كان يعامل به الهكسوس أمراء الولايات المصرية، وكيف حكت تلك البردية عن رسالةٍ مهينة من «أبوب الثاني» إلى «سقننرع» أميرٍ طيبة، وكيف «يظل أمير المدينة الجنوبية صامتًا، ثم بكى لوقتٍ طويل، ولم يَدرِ بم يجيب على رسالة الملك أبوفيس.» ومن ثَمَّ «قُبض على الأمير المصري، «وساقه رسول الملك أبوب الثاني إلى حواريس»، ونهاية البردية مفقود.»

لكن الأمير «كاموس» ابن الملك الطيبي «سقننرع» قاد أُولى عمليات المقاومة «ضد الهكسوس العرب، بمعاونةِ قواتٍ أجنبية»، كما هو مُسجَّل بلوح كارنارفون، كما أن قصةَ طردِ الهكسوس محفورة على جُدران مقبرة الضابط «أحمس»، وكان ضابطًا في جيش الملك «أحمس» الذي حمل الاسم ذاته، أخي الملك «كاموس» وقد قاد الكفاح ضد الهكسوس بعد أخيه. وهنا يقول «فليكوفسكي»: ««إن الأمراء المصريِّين المُتمرِّدِين على حكم الهكسوس، لم يكونوا هم من حرَّر مِصر، لكنَّ مقاتلِين أجانبَ من خارجِ مصر» هم المُحرِّرون الحقيقيون لها؛ فالنقش بمقبرة الضابط أحمس يقول: تابعتُ الملِك سيرًا على أقدامي في حين ركب عجلَته الحربية، في طريقه إلى خارج الولاية … «كانوا هم» يُحاصِرون مدينة حواريس، أظهرتُ بسالةً في القتال مترجلًا أمام سموه … «كانوا هم يُحارِبون» من جهة قناة المياه في حواريس، ثُمَّ نشِب قتالٌ جديد في ذلك المكان … وشاركتُ في القتال مرةً أخرى … «حاربوهم» في مصر هذه جنوب تلك المدينة … ثم استطعتُ اقتياد أسيرٍ حي … «استولَوا هم» على حواريس «وهم حاصَروا» شاروهين لأربعة أعوام، ثم أخذها جلالته.»

ويتوقف «فليكوفسكي» مع أولئك الأجانب المُشار إليهم بإشارة الغائب (كانوا هم) في النص، ليشير إلى أنهم أصحاب الفضل الحقيقي في تحريرِ مصر من العرب العمالقة الهكسوس، ليَقرِنه مباشرةً بنص الكتاب المقدَّس؛ حيث يقول «صموئيل» آخرُ قضاةِ إسرائيل، «لشاول» أول ملوك إسرائيل: «هكذا يقول رب الجنود: إني قد افتقَدتُ ما عمِل عماليقُ بإسرائيل؛ حيث وقف له في الطريق عند صعوده من مصر، فالآن اذهب واضرب عماليق، وأحرموا كل ماله (أحرموا اصطلاحٌ توراتي بمعنى أبيدوا، والإشارة من عندنا)، ولا تعفُ عنهم «بل اقتلْ رجلًا وامرأة، وطفلًا ورضيعًا، بقرًا وغنمًا، حَملًا وحمارًا» … ثم جاء شاول إلى مدينة عماليق وكَمَن في الوادي … وضرب شاول عماليقَ من حويلة حتى مجيئك إلى شور التي مقابل مصر وأَمسِكْ أجاج ملكَ عماليقَ حيًّا» (صموئيل أول، ١٥: ٢–٨). ويُعقِّب: «كانت عبارة مدينة عماليق عقبةً دائمة أمام دارسي التوراة؛ فقد كانوا يفترضون أن العماليق ليسوا سوى قبيلةٍ صغيرة … والأدلة الوحيدة على موقع تلك المدينة هي العلامات الطبوغرافية لموقعها؛ فالمدينة حُوصِرَت من جهةِ مجرى قناة للمياه، أو نهر ناخال … ولا يُوجد في كل تلك المنطقة سوى نهرِ وادي العريش؛ حيث تجري مياهه غزيرة بالشتاء، ويجف مجراه صيفًا.»

ونكتشف أن مدينة العماليق ليست سوى «حواريس»، وأن أجاج هو «أبوب»، وأن «هم» ليسوا سوى بني إسرائيل بقيادة الملك «شاول»؛ ومن ثَمَّ وجد «فليكوفسكي» أن من واجبه إعلان «أن هناك دينًا تاريخيًّا يدين به الشرق الأدنى لنيله حريته، وتخليصه من نِير عبودية الهكسوس على يد شاول»، لكن أعماله العظيمة لم تُقدَّر، بل حتى لم يُعترف بها. لقد كان سقوط حواريس وتدمير جيوش العماليق، تغييرًا حاسمًا لمسار التاريخ، ومن جديدٍ نهضَت مصر لتبني قوتها مرةً أخرى، وتستعيد إشراقها بعد أن تحرَّرَت من العبودية التي دامت مئات السنين، و«كان مُحرِّرها واحدًا من بين أحفاد اليهود الذين كانوا عبيدًا بمصر».»

بل إن حصار «شاروهين» بعد ذلك حيث انسحب الهكسوس، والذي دام ثلاثَ سنواتٍ لم ينتهِ على يد المصريِّين كما يظن علم التاريخ التقليدي، لكن على يد أحد قادة جند الملك «داود» خليفة «شاول» والمعروف باسم «يوآب»، والذي تتواتر عنه أسطورةٌ تقول إنه اخترق بمفرده أسوار عاصمة العماليق، وقد كتب الضابط «أحمس»: ««لقد حاصر هو» شاروهين لمدةِ ثلاثةِ أعوام ثم أخذها جلالته.» وكلمة «هو» في النص تشير بالضرورة فيما يرى فليكوفسكي إلى «يؤاب».

وقبل أن يصل «فليكوفسكي» إلى إغلاق القسم الأول والأساس الصلب لنظريته لا يفوته القول: «لم يستطع الإسرائيليون أبدًا أن يَنسَوا معاناتَهم في مصر، ولكنهم لم يَحمِلوا أبدًا أيةَ كراهيةٍ للمصريِّين، أو للشعوب الأخرى في تلك المنطقة القديمة، لكن العماليق وحدهم هم الذين أصبحوا رمز الشر في نظرهم؛ ومن ثَمَّ هدفًا لكراهيتهم. إن الشر الهائل في ذلك الشعب ظل يتكرَّر حتى الملَل في آداب الفكر القديم، «وكيف كانوا يمتصون دماء الشعب المُرهَق في تيه الصحراء (يقصد بذلك الشعب المُرهَق اليهود)، وكيف كانوا ينصبون الكمائن بكل خسةٍ وجبن، ويستولون على الأقوات القليلة، وكيف كانت حقارتهم ووضاعتهم ووحشيتهم تظهر في مهاجمتهم للضعفاء في مؤخرة القافلة، وكانوا يبترون أعضاء وأطراف الجرحى ويُمثِّلون بهم ويُهرطِقون ويُجدِّفون بكفرٍ صارخ، بقذف الأعضاء المبتورة من الجرحى نحو السماء، ويَسخَرون من الرب … لقد خلَّف الهكسوس ذات الكراهية في نفوس المصريِّين؛ فقسوتهم البالغة، ووحشيتهم التي لا تعرف رحمة، تركت آثارًا من المستحيل محوها من ذاكرة الشعوب … لقد كان قدَر شاول أن يحمل مهمةَ تحريرِ إسرائيل ومصر على عاتقه، ولم يذكُرِ المصريون إسرائيل بالتقدير المناسب، وأشار إليهم المصريون ﺑ «هو» و«هم»» وفي ذلك بعض الظلم. وكانت مكافأتهم للإسرائيليِّين ما قام به المؤرخون المصريون بجمعهم الإسرائيليِّين مع المُخرِّبِين الهكسوس في سلةٍ واحدة، مع أن الإسرائيليِّين هم مَن طردوا الهكسوس من مصر ومن حواريس. وفي عالم الإغريق وإمبراطوريتهم لم توُجد إشارةٌ واحدة إلى كراهيةٍ عنصرية لليهود، «حتى بَدأَت قصص المصري «مانيتون» في الانتشار والذيوع، وحين عرَّف اليهود كسلالةٍ منحدرة من العماليق الغزاة المُتوحشِين» … وكانت هناك كراهيةٌ موازية لا تقل عنها ومتأجِّجة على الدوام من نفوس اليهود وذاكرتهم نحو العماليق. إن الكراهية من الممكن أن تدوم وتمتد عبر الزمن حتى ولو لم يعُد المُستهدَف بالكره موجودًا على ظهر الأرض. وكم كان يُصبِح عليه مقدار هذا الكره، إن لم يكنِ «المكروهون قد ذابوا بشخصيتهم القومية من آلاف السنين في شعوب شبه الجزيرة العربية؟! لقد رأى المؤرخ المصري مانيتون أن اليهود هم البذرة الخسيسة للطغاة المُتوحشِين، وتسلَّلَت تلك الكراهية إلى كل الأجيال. «إن اللعنة التي وُجِّهَت إلى العماليق تحوَّلَت لِتنصَبَّ على بني إسرائيل»، ومُحِيَت ذكرى العماليق حتى لم يعُد هناك من يعرف أن العماليق كانوا هم الهكسوس، واستمر الإسرائيليون يُعانون أشد المعاناة بسبب تشويه حقائق التاريخ، وحملوا آلام إدراجهم في سُلالة العماليق، «وبدأ ذلك العقاب التاريخي حين أطلق مانيتون أحكامه الخاطئة، مانيتون المصري الذي تحرَّرَت أُمته من الهكسوس على يد اليهود.»

ومن هنا يبدأ «فليكوفسكي» مشواره الطويل لإعادةِ كتابةِ تاريخ العالم وترتيب فوضى العصور، مع الإصرار على معالجة ذلك التشويه الظالم الذي لحِق بني جلداته، وإلى هنا نوقفه، لنبدأ رحلتنا معه مرةً أخرى من البداية. ورغم اعترافنا بقدرته العظيمة على البحث، واحترامنا لجهده الهائل، ووصفِنا له بأنه رجلٌ من نوعٍ نادر وفذ، فإن ذلك لا يمنعنا من وصفه الآن بأنه أبرعُ رجلِ علم، تمكَّن من استخدام أدوات البحث العلمي لإجراءِ أروعِ بل وأمتعِ عمليةِ «تزييفٍ وتلفيق وتزوير»، في تاريخ الدين والتاريخ.

(٤) التحدي

وعَود على بَدء، ومع مقدمة «عصور في فوضى»، تلك المقدمة الهادئة المغلَّفة داخل طرحٍ علمي لأهم الإشكاليات التي سيتناولها ذلك التنظير التاريخي للقومية الإسرائيلية، دون أن تبدو أيةُ ملامح لتلك النقمة الشديد على التاريخ الذي أهمل شأن شعب إسرائيل، ورماهم بكلِّ ما في قاموسه من اصطلاحاتٍ عدائية في كتاباته المتأخرة من بعد الميلاد — لذلك استحق أن يُعاد النظر فيه؛ لأنه بخطيئته كان خاطئًا — يوحي كاتبنا بمدى ما أُصيب به من عسرٍ ومشقة وهو يبحث في مُدوَّنات العالم القديم، وهو لا شك مُحقٌّ في ذلك تمامًا. لكن الإيحاء يتوسَّع في دلالاته؛ حيث يصف الكاتب نفسه بأنه سيكون كرجل المباحث، الذي لا يهمل في بحثه وراء الجريمة شيئًا مهما بدا تافهًا و«حتى لو كان شعرةً على عتبةِ نافذة». لكن ما وضح عندما أن أتممنا قراءة العمل، وسعَينا وراء مصادره، أن الرجل فعلًا لم يُهمِل شعرة على عتبةِ نافذة، ولا خطأً عفْويًّا على حائط، ولا كومةَ قمامةٍ ملقاة في ركنِ غرفة، لكنه أهمل عن قصدٍ مُبيَّت وعن رغبة، عوارضَ خشبية تسُد الطريق، وألواحًا من حديد لا يمكن النفاذ من خلالها. وهنا مكمن خطورة الكتاب على قارئٍ ذي اهتمامٍ عامٍّ بشئون التراث، لا يمتلك أدواتٍ كافية للتعامُل مع الكتاب ومؤسَّساته، وإمكانيات اللعب بنصوص ذلك التراث لعبةً تلفيقية، ذات أغراضٍ سياسية عنصرية، مغلَّفةٍ بأرديةٍ شديدة الكثافة، ومخاطةٍ بقَدْرٍ عظيم من الذكاء، مادتها عقلانيةٌ ساطعة وعلمٌ باهر؛ لذلك كان الرجل فخورًا بعمله إلى حدِّ وصفِه في مُقدِّمته أنه «إنجازه الأعظم على الإطلاق»، ثُمَّ لا يلبث أن يُقدِّم تحدِّيه للجميع سافرًا: «وأنا أُقدِّم هنا معركةً كبرى للتاريخيِّين والمُؤرخِين.» ورغم أن الرجل يطلُب عِراكًا، ويَقفِز على الحلبة طولَ الوقت دون أن يستقر ودون أن يَلهَث، مستفزًّا الجميع داعيًا إياهم للنزال، فإننا فيما نعلم، وفي حدود بلادنا على الأقل، لم نجد من قَبِل النزال، إنما ما بدا حتى الآن هو القبول بقُفَّازه المرمي على الوجوه، ثم يقول عن عمله «إعادة بناء التاريخ القديم للعالم من جُذُوره.» إنه عمل «غير مسبوقٍ بمحاولاتٍ مثيلة.» بل «إنه ليست هناك أية فرضياتٍ قوية، ولا أدلة ولا براهين، يمكنها أن تُواجِه أو تدحض إعادة صياغة التاريخ التي أوردناها.»

لكن، وفق أيِّ معيارٍ يقوم بإعادة كتابة التاريخ وإعادة تزمينه، ما دام الأصل المصري فاقدًا السلامة؟ إنه كما عرضنا سار بنا مع وثائقَ وبردياتٍ وحفائرَ وأحداثٍ وكوارث، لكن كان يُلقي بنا كل مرة في قبضة التاريخ الإسرائيلي، حيث ينتهي إلى قياس كل شيءٍ بمعيار التاريخ اليهودي وحده، والكتاب الذي دوَّن ذلك التاريخ، الكتاب اليهودي المقدَّس وحده، والعقل الذي صاغه، العقل اليهودي وحده.

لكنك لا تلمس بطول كتابه نزوعًا إيمانيًّا حقيقيًّا، ولا يبدو الرجل كحبرٍ من الأحبار، ولا حتى ذا ميولٍ دينية، بل إنك تلمس رغبة الرجل في ألا يبدو رجلَ دينٍ تقليديًّا، بل يكاد يُفصِح أحيانًا بإلحاده. لكن لأن قيام الدولة الإسرائيلية حاليًّا، لا يجد أيَّ دعاماتٍ من مُقوِّمات الكيانات السياسية، ولا يجمع عُقَدها المُتنافِرة سوى الدين وتلك الذكريات التاريخية، كأُسسٍ للقومية الإسرائيلية، فإن «فليكوفسكي» بكتابة هذا سجَّل أعظمَ نقطةٍ في رصيد القوميات العنصرية، بقراءةٍ مُوثَّقة، وتنظيرٍ قلَّ أن يوُجد مثيلٌ له لتاريخ إسرائيل المقدَّس، وبحيث تَطابَق ما كنا نظنه خرافة وأساطير، مع وثائقَ أخرى رَصدَت ما بدا أنه حدثٌ موضوعي واقعي، سَحبَت مصداقيتها على النصوص التوراتية في أدقِّ تفاصيلها، وفي مُنمنَمات تلك التفاصيل وفُسيفِسائها، حتى بدا كتابًا لا يدخله الباطل من بين يدَيه ولا من خلفه. وربما من باب التحدِّي لمن يُفكِّر في النزال، قام الرجل يُروِّعنا بمغامراته التي صاحَبَت نشر كتابه الأسبق «عوالم في تصادُم»، ويقول: «إن مجموعة العلماء التي هاجمت عوالم في تصادُم وأدانت مؤلِّفه، ولعدم قدرتهم على إثبات أن الكتاب أو حتى جزءًا منه قد جانبه الصواب، أو إن إحدى الوثائق الواردة به مُزيَّفة، فإن تلك المجموعة من العلماء انزلقَت إلى موجةٍ من التعصب الأعمى، بلا أدنى أُسسٍ علمية، وحاولوا وأد الكتاب في مهده، وهو بين يدَي أول ناشر، بالتهديد بمقاطعة كل ما تُنتِجه تلك الدار من كتب ومراجع، وبلغ الأمر حِدَّته حيث أجبروا عالمًا وكاتبًا صحفيًّا على الاستقالة من عملهما؛ لكونهما اتخذا موقفًا موضوعيًّا علنيًّا من الكتاب، مما حدا بكثير من المُفكِّرِين الأكاديميِّين بالجامعات، إلى السعي لقراءةِ كتابِ عوالم في تصادُم سرًّا والاتصال بكاتبه في الخفاء.»

نحن إذن بإزاء كاتبٍ ألجأ علماء الدنيا للتخلي عن موضوعيتهم وحيادهم ووقارهم العلمي، والتحوُّل إلى استخدامِ أساليبَ قمعيةٍ إزاءه، عندما لم يجدوا لديه تزييفًا في الوثائق، أمَّا لماذا كل ذلك الهجوم الذي تعرَّض له كاتبنا؟ فيرجع — فيما يُوعِز به للقارئ — إلى أن كتابه احتُسِب مروقًا على الدين، وتجديفًا على الملَّة اليهودية، وهو ما يتضح بقوله في المقدمة: «لقد كان حرَّاس العقيدة، وما زالوا، مُتحفِّزِين دومًا لمهاجمة أيِّ جديدٍ وإدانته بأساليبَ رجعية، بعيدةٍ عن الحُجة الموضوعية وعن النقاش، فضلًا عن تحقيرِ صاحبِ كل فكرٍ جديد في أعيُنِ الرأي العام، وفي مُسوحِ مَن يُريدون إظهارَ كم هي خطأٌ تلك الأفكار المُتمرِّدة والمُنشقَّة عن الدين.» وهكذا فالكاتب يُطمئِن القارئ على أمرَين: الأول: أن الذين يُهاجمونه رجالُ دين تقليديون مُتعفِّنون يترصَّدون لكل جديد بعقليةٍ متخلفة، وبذلك يكسب أشد القوى استنارة؛ لأن معنى ذلك اتخاذه موقفًا، علميًّا موضوعيًّا لا ينحاز لرأي أو عقيدة. أمَّا الثاني، فهو أنه سيقول ما يُعتبَر تجديفًا في عُرف بني ملته، وأنه قد قبل بذلك الموقف التزامًا من جانبه لوجهِ الحق ولوجهِ العلم بغض النظر عمن سيَغضَب ومن سيرضى.

وبين المقدمة والتمهيد، يعمد إلى فصل يبدو كنتوءٍ مقصود تحت عنوان «اعتراف بالفضل»، وهو ما اعتدنا كباحثِين إدراجه بالمقدمات، لتقديم التقدير لمن ساهم في إنجاز البحث وقدم العون للباحث. لكن «فليكوفسكي» قصد ما هو أكثر من تقديم الامتنان؛ حيث أَورَد مجموعة أسماءٍ لعلماءَ ومُتخصِّصِين في صيغة الشكر على المعاونة، لكنها ملتبسةٌ بما يُشير إلى موافقتهم على عمله واقتناعهم بفروضه ونتائجه، وبشكل لحَظنا فيه ما لا يبدو واضحًا من التواءٍ يعسُر مؤاخذاته عليه. وخرجنا بنتيجةٍ مفادها أنه لا العلماء المذكورون وافقوا وأيَّدوا، ولا هم — في ضوء الأسلوب الملتوي — بقادرِين على الاحتجاج، ولا القارئ سيلتفِت إلى الخدعة المبيَّتة، ونضرب لذلك أمثلةً لأهميتها كنموذجٍ لأسلوبه الذي احتذاه بطول كتابه:

يقول: «أشعر بامتنانٍ أيضًا للدكتور «والتر فيديون» بمعهد دراسات آسيا بنيويورك، الذي لم يتوانَ عن مد يد العون بمعلوماته الغزيرة عن الأدب القديم، ويزيد من إحساسي بالعرفان أنه لم يُحاوِل أبدًا أن يقدم نفسه بأي شكلٍ على فرضياتي الخاصة بالكتاب. «ولقد اقتضى الأمر ما يزيد على ستة أعوام، حتى اقتنَع» وأقر بأن التاريخ التقليدي كما نعرفه، غير مبني على أُسسٍ ثابتة.» ولا أخفي القارئ سرًّا، أني لم يصادفني إطلاقًا عالم باسم «والتر فيديون»، واحتسبت ذلك للوهلة الأولى تقصيرًا ينبغي تلافيه، أمَّا كلام فليكوفسكي فيشير إلى اقتناع «د. فيديون» أخيرًا برأي «فليكوفسكي» وموافقته على إعادةِ صياغة التاريخ المبني على أُسسٍ غيرِ ثابتة. ومع قراءةٍ متأنية تكتشف أن «فيديون» كان لديه تحفُّظات وأراءٌ ترفَّع بها عن الإقحام في عمل «فليكوفسكي»، لكن الأهم هو أن فيديون احتاج ستَّ سنواتٍ ليقتنع أن التاريخ القديم يقوم على «أُسسٍ غير ثابتة»، أمَّا التعبير الأصدق «غير يقينية أو قاطعة»، وهو أَمرٌ معلوم لدي جميع العارفِين بذلك التاريخ، ويعلمون أيضًا أن ذلك ليس لعيبٍ فيه أو خلل ينتظر «فليكوفسكي» ليُصلِحه، إنما هو ناتج حلقاتٍ مفقودة لم تُقدِّمها لنا الحفائر الأركيولوجية حتى الآن، والتي تُقدِّم كل يوم جديدًا يملأ مثل تلك الثغرات. والقول باحتياج «فيديون» لست سنوات للاقتناع بفرضية الكتاب، أسلوبٌ فيه التواء يسمح بتسرُّب المعنى الآخر للذهن، لكن إن كان حقًّا، قد احتاج «فيديون» ست سنواتٍ ليقتنع بأمرٍ معلوم، فربما فسَّر لنا ذلك أننا لم نسمع به من قبلُ بين العلماء المتخصِّصِين.

ثم يقول: «كما أدين أيضًا للدكتور روبرت ﻫ. فايفر، المرجع الفذ لدراسات الكتاب المقدَّس، ومدير بعثة التاريخ القديم بجامعة بوسطن، ومُحرِّر جريدة الكتاب المقدَّس، ومؤلف العمل المميز عن العهد القديم (لاحظ الألقاب التي يُعدِّدها فليكوفسكي للمرجع الفذ، محذرًا فيما يبدو كل من لا يحمل مثلها من محاولة التعرُّض له)، وهو من الشخصيات التي يرُكن إلى آرائها. إن فايفر اقترح عليَّ أن أُحاول إثبات فرضياتي على أُسسٍ من الوثائق الآثارية، وهو ما أخذتُ به.» وهنا واضح من رؤية فايفر ما يُشير إلى خلل تلك الفرضيات، وعدم قناعته بما قدَّم كاتبنا، مع رفضه التورُّط بالتأييد لفليكوفسكي.

وللاختصار نصل مباشرةً إلى قوله: «كما قرأ أيضا البروفيسور ج. جارستانج المُنقِّب في آثارِ جيركو، النسخة الأولية للقسم الأول (الذي نحن بصدده)، وأَقرَّ بأن وصف الوثائق المصرية القديمة للكارثة التي صاحبَت الخروج، يتطابق تمامًا مع وصف الكتاب المقدَّس، مما يُثبِت أنهما وصفان لحدثٍ واحد.» وهنا أرى من واجبي الإشارة إلى أن «جارستانج» هذا هو صاحب كشف لجعران في «جيركو/أريحا» وأن هذا الجعران المصري عليه كتابةٌ تشير بالقطع وباليقين أن النبي موسى هو ابن الفرعونة «حتشبسوت». بينما ثبت أن تلك كانت أكبرَ تلفيقةٍ في تاريخ علم الآثار، وكارثةٌ علمية حقيقية.

لكن قبل البدء في التعامُل مع «فليكوفسكي»، نؤكِّد مرة أخرى أنه عقلٌ من نوعٍ نادر، «ولا يصح بحال مقارنته بالمضحكات المبكيات فيما قدَّمه باحثونا بذات السبيل عن تاريخ بني إسرائيل وعقائدهم، وهي أعمالٌ تنضح بالعنصرية وتدَّعي العلمية، لكنها بجوار عملٍ كهذا تُصبِح لونًا من خطب أيام الجمعة، وصفحات الإنشاء القلقشندي»، الذي لا يُؤثِّر إلا مُنفِّرًا، ناهيك عن سطحيته وسذاجته، وما يتركه من انطباعات أن تلك الأعمال كانت لديهم اهتمامًا جانبيًّا؛ لأنه لا يصح — إيمانيًّا — إلا الصحيح، وأن عقائد بني إسرائيل وتاريخهم لا يحتاج لأكثر من جرَّة قلمٍ وينتهي الأمر٢ هذا بينما كرَّس «فليكوفسكي» عُمره كلَّه من أجل عمله هذا، فأين نحن من ذاك؟ استفسار — لا شك — أشدُّ سذاجة من أعمال باحثينا.

لقد بدأ «فليكوفسكي» من حدث الخروج، والأحداث التي صاحَبَت ذلك الحدث، وبنى كل عمله على التأريخ لزمن الخروج، الذي استدعى بدوره إعادة النظر في تاريخ المنطقة برمتها، بعد كشفه لخطأٍ هائل، سبَّبه ذهاب التاريخ التقليدي إلى كون ذلك الخروج قد حدث في عصر الدولة الحديثة (الإمبراطورية) بينما هو حسب إعادة الصياغة والتزمين، ينبغي الرجوع به إلى العصر المُتوسِّط الثاني، مع نهاية الأسرة الثانية عشرة في الدولة الوُسطى. مما يُشير إلى أن دخول بني إسرائيل إلى مصر يجب أن يكون قد سبق ذلك الزمن بفترةٍ مناسبة، معتمدًا خلال ذلك كله على قياسِ تلك الفترة الزمنية مقارنةً بالكتاب المقدَّس، الذي أثبت صدقًا مذهلًا، وتطابقًا يفوق الوصف مع الوثائق التي اكتشف «فليكوفسكي» أنها تشهد بأحداث الخروج.

(٤-١) لكن ماذا عن الدخول؟

«إن «فليكوفسكي» لا يتعرض لهذا الأمر بالمرة ولا مرة!» وهو الأمر الذي يضع عددًا من علامات الاستفهام، ودونه لا يمكن البدء في التعامُل مع حدث الخروج وباقي عمل «فليكوفسكي» المُثير.

وحدث الدخول يبدأ من أسباط بني إسرائيل الاثنَي عشر، وأبيهم (يعقوب) المُلقَّب بإسرائيل، ومع بداية الإصحاح ٣٧ من سفر التكوين، حيث يُلقي الأسباط المُكرمون بأخيهم المميَّز (يوسف) في بئر، حيث تلتقطه قافلةُ تجار «إسماعيليِّين» أو «مديانيِّين» — يتضارب الكتاب المقدَّس هنا — وتبيعه لفوطيفار رئيس شرطة مصر. إلى أن يعلم الفرعون بقُدرات يوسف على التبصير وقراءة الطالع في الأحلام فيُقرِّبه منه، وبمهارةٍ يوسفية يتمكَّن ابن إسرائيل ذو الجمال الأخَّاذ من الوصول إلى كرسي وزارة خزانة مصر، ويُرسِل في طلب أبيه وإخوته ليُقيموا معه في بلاد النيل، ويستقر الرعاة في مصر، وكانت «جميع نفوس بيت يعقوب التي جاءت إلى مصر سبعون» (٤٦–٣٧) و«سكن إسرائيل في مصر في أرض جاسان» (٤٧–٢٧)، «ثُمَّ مات يوسف وهو ابن مائة وعشر سنين فحنَّطوه ووُضع في تابوتٍ في مصر» (٥٠: ٢٦).

ثم يستكمل سفر الخروج قصة الدخول، فيقول: «وأمَّا بنو إسرائيل فأثمَروا وتوالَدوا ونمَوا وكثُروا كثيرًا جدًّا، وامتلأت الأرض منهم، ثم قام ملكٌ جديد على مصر لم يكن يعرف يوسف، فقال لشعبه: هو ذا بنو إسرائيل شعبٌ أكثرُ وأعظمُ منَّا، هلم نحتالُ لهم لئلا ينموا فيكون إذا حدثت حربٌ أنهم ينضمون إلى أعدائنا، ويُحارِبوننا ويصعدون من الأرض، فجعلوا عليهم رؤساءَ تسخيرٍ لكي يُذلُّوهم بأثقالهم، فبنَوا لفرعون مدينتَي مخازن فيتوم ورعمسيس» (١: ٧–١١). ثُم يلي ذلك سرد الأحداث المعروفة مع ظهور «موسى» من نسل يعقوب (إسرائيل) حتى الخروج الإعجازي، وحسب النص التوراتي اليوناني المعروف بالسبتواجت (السبعيني)، فإن مدَّة بقاء بني إسرائيل في مصر كانت ٢١٥ سنة. أمَّا النص العبراني المازوري، فيذهب إلى أن مدة بقاء بني إسرائيل في مصر استغرقت ٤٣٠ سنة وتشهد على ذلك عدة نصوصٍ توراتية، منها بالنص العبراني: «ودور ربيعي يشبوا هنا» وتعني «في الجيل الرابع يرجعون إلى هنا»، وقد احتسبت كلمة «دور» بمعنى مائة سنةٍ كاملة، بدليل نصِّ آخر يقول فيه الرب لإبراهيم، «اعلم يقينًا أن نسلك سيكون غريبًا في أرضٍ ليست لهم، ويستعبدون لهم فيُذلُّونهم أربعمائة سنة» (تكوين، ١٥: ١٣). وبالاستناد إلى نصٍّ آخر واضح تمامًا يقول: «وأمَّا إقامة إسرائيل التي أقاموها في مصر، فكانت أربعمائة سنة وثلاثين» (خروج، ١٢: ٤٠). هذا بينما يحدد لنا الإصحاح السادس من سفر الخروج أسماءً لأربعةِ أجيالٍ فقط من نسل يعقوبَ عاشت في مصر إلى زمن الخروج؛ فقد أنجب «لاوي» أخو يوسف وابن يعقوب «كوجات»، وأنجب كوجات «عمران» وأنجب عمران «موسى» الذي قاد رحلة الخروج، ولو افترضنا أن كلًّا منهم قد أنجب ابنه وله من العمر خمسة وعشرون عامًا، فإنهم يكونون قد لبثوا في مصر حوالي مائة سنة ربما تزيد قليلًا، وليس أربعمائة سنة، ذلك الزمن المعمول به لدى الباحثين التوراتيِّين لمدةِ بقاء الإسرائيليِّين بمصر، وهو رقم (أي الأربعمائة سنة) بجمعه لستمائة ساقطة التاريخ عند «فليكوفسكي»، تذهب بنا إلى عصرِ بُناة الأهرام، «ويكون بنو إسرائيل اليوم، هم فعلًا أحفادُ بناة الأهرام، الذين استُعبدوا في مصر».

هذا بينما على الجانب الآخر، يعطي لنا سفر الخروج عدد الخارجِين من بني إسرائيل في قوله: «فارتحل بنو إسرائيل … نحو ستمائة ألفِ ماشٍ من الرجال، عدا الأولاد» (١٢: ٣٧)، وبإضافة الأولاد والنساء ربما ارتفع الرقم إلى أكثر من مليون، وربما ارتفع إلى مليونَين إذا أخذنا بالاعتبار بقية النص «وصعد معهم لفيف كثير جدًّا أيضًا» (١٢: ٣٨)، وإن كان لا يُحدِّد جنس هؤلاء اللفيف، الذين لن يكونوا بالطبع جنسًا آخر غير المصريِّين، بما يشير إلى خروج أعداد من المصريِّين مع الخارجين.

وهكذا فإن «فليكوفسكي» لا يتعرض بالمرة لهذه الإشكالية، التي دَفعَت المؤرخِين إلى قرن بني إسرائيل بالهكسوس بالنظر إلى عدد الخارجِين الهائل، وهو ما كان مناطَ احتجاجه ورفضه، وقد أسَّس هؤلاء المؤرخون رأيهم بالإضافة إلى عدد الخارجِين، على الزمن الذي استغرقوه بمصر وهو أربعة قرون، مع الأخذ بالحسبان أن رقم الخارجِين لا يتناسب بحال مع سبعين فردا دخلوا مصر وعاشوا فيها لأربعةِ أجيالٍ فقط. هذا بينما أهمل «فليكوفسكي» مسألة الدخول بالمرة، حتى لا يتعرض لإشكالية: كيف ينجب سبعون شخصًا ما يزيد عن مليون شخص خلال أربعة أجيالٍ فقط، وهو ما كان ممكنًا أن يضطره إلى الأخذ بأحد احتمالَين، لا بُد أن يكون الكتاب المقدَّس بموجبه كاذبًا في الاحتمال الآخر.

  • فإمَّا أن يأخذ بكون الخارجين نسلًا لأربعة أجيال فقط، وفي هذه الحال لن يزيدوا بحال عن خمسمائة شخص أو ألفٍ أو ألفَين لو بالَغْنا، مع افتراضِ فحولةٍ لا تُبارى في الرجال، وخصوبةٍ عظيمة في النساء، وهو — أساسًا — ما لن يلتقي مع فروضه ونتائجه؛ حيث انتهى إلى أن «شاول» ملك اليهود، مع «مئات الألوف» من جنوده، هم من دمَّروا عاصمة الهكسوس (حواريس) وحرَّروا مصر.

  • وإمَّا أن يأخذ بالاحتمال الثاني الذي يؤيِّد فروضه، وهو أنهم عاشوا في مصر أربعمائة سنة لِيتيسَّر لهم إنجاب هذا العدد الهائل، لكنه «في هذا الحال كان لا بُد أن يُقِر بنظريةِ أنهم كانوا هم ذات عين الهكسوس».

وحتى لا يقع بين شقَّي الرحى، فقد أهمل تمامًا الإشارة إلى حدَث الدخول، وهو الأمر الذي ربما غرب على بال القارئ وسط زحمة الإثارة وكم الإدهاش، لكنه بتعمُّده هذا أثبت غرضيةً واضحةً بعيدة عن رُوحِ العلم، وأول شروط العلم هو الأمانة فيما نعلم، وهذا أول الغيث الفليكوفسكي، كان لا بد من الإشارة إليه، قبل البدء في مناقشة فروضه وطُروحاته ووثائقه وبراهينه واحدًا واحدًا.

ونعودُ الآن لكلامه «إننا سنجد أنفسنا مُضطَرِّين للإقرار وباعترافٍ صريح مباشر، أن الكلمات — في الكتاب المقدس — تعني ما تقوله تمامًا.» لنجدها حسب ما أوردنا الآن لا تعني ما تقول، ولا تلتقي مع أيِّ فروض. وكان كلامُه تمهيدًا للاستشهاد بالنص الذي أَوردَه هكذا «ارتجَّت الأرض … وارتَعشَت أُسس الجبال … تحرَّكَت واهتزَّت … دخانٌ ونار … فظَهرَت أعماق المياه، وانكَشفَت أُسس المسكونة» (أسقط هنا الإشارة إلى موضع النص بالكتاب المقدس).

هنا عمد «فليكوفسكي» مباشرة إلى النص التوراتي الذي رآه أهلًا لتصوير الكارثة التي صاحَبَت الخروج، وربما مَرَّ القارئ على النقاط الأفقية بين العبارات مُرور الكرام، وهي في عُرف الباحثين مواضعُ لجملٍ أو فقراتٍ تم الاستغناء عنها لعدم صلتها بالموضوع، وحتى لا تصرف ذهن القارئ عن جوهر الموضوع، وهي إحدى أدوات البحث العلمي ولا اعتراض. لكن كل الاعتراض يكون عندما نعلم أن للكاتب مقاصدَ غيرَ أمينة، وأنه قد عمَد إلى الإسقاط والحذف لأن المحذوف كان ممكنًا أن يتعارض مع فروض الكاتب وما يريد الوصول إليه؛ باختصار هي انتقائيةٌ وعدم أمانةٍ واضح، وللتأكُّد إليك النص الأصلي من الكتاب المقدَّس:

وفي ضيقي دعوت ربي، وإلى إلهي صرخت، فسمع من هيكله صوتي، وصُراخي قُدَّامَه دخل أذنَيه، «فارتجَّت الأرض، وارتَعشَت أُسس الجبال»، ارتَعدَت وارتَجفَت لأنه غضب، صعِد دخانٌ من أنفه ونارٌ من فمه، أَكلت جمرًا، اشتعلت فيه، طأطأ السموات ونزل وضباب تحت رجلَيه، ركب على كروبٍ وطار، وهفَّ على أجنحة الرياح، جعل الظلمة سِتره، حول مظلَّته ضباب المياه وظلال الغمام من الشعاع قُدَّامه عَبرَت سُحبُه، «برد وجمر ونار»، أَرعَد الرب من السموات والعُلى، أعطى صوته بردًا وجمرًا ونارًا، أرسل سهامه فشتَّتهم، وبرقًا كثيرة فأَزعَجَهم، «فظَهرَت أعماق المياه وانكشفَت أُسُس المسكونة» من زَجرِك يا رب، من نسمة ريح أنفك، أرسل من العُلى فأخذني …

(المزامير، ١٨: ٦–١٦)

هذا هو النص، وقد عمَدنا إلى إبراز ما انتقاه «فليكوفسكي» ببنطٍ مميَّز، انظر مثلًا «صعد دخانٌ من أنفه ونارٌ من فمه»، أصبَحَت في النص الذي استَشهَد به «دخان ونار» حتى تشير إلى صورة الكارثة التي صاحَبَت الخروج كما صوَّرها، ولا بأس علينا إن لفَّق الرجل في نصوصِ كتابه المقدَّس، لأن بني ملَّته أدرى بالنصوص الأصلية، لكن البأس أنْ زوَّر علينا وعلى العالَمِين!

واضحٌ أن الرب «يهوه» هنا استجاب لدعوة الداعي بغضب، ولغضبه اهتزَّت الأرض والجبال، وفي حَنَقه ترك عرشه السماوي وركب كروبًا (الكروب نوع من الثيران المُجنَّحة، وهي بالقلب اللساني — الميتاتيز — تصبح بروكًا أو بُراقًا)، وهبط ينفُث غيظه دخانًا من أنفه ونارًا من فمه. وهي صفاتٌ اعتيادية لرب التوراة يعرفها جيدًا المعتاد على التعامُل مع المقدَّس الإسرائيلي، فعادةً ما يظهر الإله في صورة التنانين، وهي الصورة التي دَفعَت الباحثِين، ودَفعَتنا (في كتاب: منابع سفر التكوين) إلى جمع الأدلة لتأكيد أنه ليس أكثر من رمزٍ لِقوًى بركانية. لكن فليكوفسكي الذي انتوى «أن يجد لكل كلمةٍ بالتوراة نظيرها في الواقع وفي التاريخ» وما يتبع ذلك بالضرورة من مَوضَعةِ النص التوراتي وعَقلَنتِه؛ فقد قام من البداية «باستبعادِ كلِّ ما يمكن أن يعطي دلالاتٍ أسطورية»، هذا ناهيك عن كونِ هذا النص تحديدًا من النصوص التي كُتِبَت متأخرةً عن كتاباتٍ أخرى بالكتاب المقدَّس، ويذهب الباحثون إلى احتمال كتابتها إبَّان أَسرِ اليهود في بابل أو ربما قبله بقليل؛ أي إنها لا ترقى أصلًا لعصر قائلها النبي «داود» في الألف الأولى قبل الميلاد. وحتى «لو» كانت نسبتها لداود صحيحة، وحتى «لو» كانت نسبتها للألف الأولى قبل الميلاد، وما قبلها بقليل صحيحة، وحتى «لو» دُوِّنَت وقتها فورًا «بالفرض»، وفي كل «لو» كسرٌ لحقيقةٍ علمية، فإن النص يبعُد عن زمن الخروج، وحسب تزمينه هو للعصور حوالي ستةِ قرونٍ كاملة، فهل يصلُح للشهادة على واقعةٍ مضى عليها ستمائة سنة قبل تدوين النص؟ مع ملاحظةِ أن كاتبنا لم يُشِر بالمرة إلى كل تلك المُلابَسات المحيطة بالنص، وإنما أورده كما لو كان شهادةَ شاهدِ عيانٍ على الكارثة. أمَّا الأجدر من كل هذا، ويدفعنا لنصح القارئ «بإلقاء تلك الشهادة في أول صندوقِ قُمامةٍ يقابله»، فهو ما جاء في مُقدِّمةِ ذلك النص ويَشرَح الظروف التي قيل فيها؛ حيث يقول: «المزمور الثامن عشر لإمام المُغنِّين، لعبد الرب داود، الذي كلم الرب بكلامِ هذا النشيد، في اليوم الذي أَنقَذه فيه الرب من أيدي كلِّ أعدائه، ومن يدِ شاول.»

ولإيضاح المقصود في تلك المُقدِّمة التي سَبقَت النص، نُورِد قصةً من أطرف القصص التوراتية المقدَّسة؛ بإيجاز: بعد أنْ هَزمَ الفلسطينيون بني إسرائيل أيام القضاة، اجتَمعَت قبائل إسرائيل وطَلبَت من القاضي الكاهن «صموئيل» أن يختار لهم ملكًا كبقية الشعوب، يجمع صفوفهم ويُنظِّمهم ويقودهم بأسلوب الجيوش النظامية لحرب الفلسطينيِّين، «فالآن أجعل لنا ملكًا يقضي لنا كسائرِ الشعوب» (صموئيل أول، ٨: ٥). فاختار لهم «شاول» كأولِ ملكٍ لإسرائيل، وكان أهم صفاته التي أهَّلَته للمُلك، أنه كان «شابٌّ وحسن الصورة، ولم يكن رجلٌ في بني إسرائيل أحسن منه، كتفه فما فوق كان أَطولَ من جميع الشعب» (٩: ٢)، ودخل «شاول» عدة حروبٍ منها حربه مع العمالقة التي اهتم بها «فليكوفسكي»، لكن شاول أبقى على الغنائم من الأطفال والبهائم، وأطلق سراح زعيمهم «أجاج» بعد إذلاله وكسر شوكته، فغضب يهوه على «شاول»؛ لأن أوامر الرب كانت: اذهَب واضرِب عماليق، وحرموا (أي «أبيدوا»، وهو اصطلاحٌ توراتي معروف ومتواتر) كل ماله، ولا تعفُ عنهم، بل «اقتل رجلًا وامرأة طفلًا ورضيعًا»، بقرًا وغنمًا، جملًا وحمارًا» (صموئيل أول، ١٥: ٢-٣) (لاحظ أن فليكوفسكي «لا يأتي أبدًا على ذكرِ بربرية بني إسرائيل الوحشية تلك بالمرة بطول كتابه، ولا يذكر شيئًا عن إباداتهم للرجال والنساء والأطفال حتى البهائم»، لأي شعبٍ يُوقِعه سوء الحظ في أيديهم، لكنه ينعى وينعب طَوالَ كتابه على العرب الهكسوس، دونما دليلٌ واضح على وحشيةٍ مشابهة اتسَمَ بها الهكسوس تُشابه وحشيةَ وقسوةَ بني إسرائيل وربهم يهوه).

المهم أن الرب يغضب على «شاول» لرحمته بملك العماليق «أجاج»، ويسلط عليه عفريتًا يلبسه؛ لذلك احتاج شاوُل إلى إقامةِ حفلات الزار بالطبول والزمور لتصرفَ عنه العفاريت، وكان رجل الزار هو «داود بن يسي إمام المُغنِّين والزمَّارِين»، الذي دخل البلاط ولمس حلاوته فطمِح إلى الاستيلاء على العرش، بالتعاوُن مع الكاهن «صموئيل». وبدأ الصراع الذي انتهى بمقتل «شاول» وتسلَّق «داود» سُدَّة الحكم، ومن هنا قام «داود» يُغنِّي على مزماره تلك الأنشودة، التي يُقدَّم فيها الشكر للرب عرفانًا، ولا علاقة لهذه التزميرة البتة بحدث الخروج، وقد أرفق «فليكوفسكي» معها شهاداتٍ أخرى، كالاستشهاد بمقاطعَ من سفر «أيوب» المتأخر بدوره عن الأحداث بما لا يقل عن ألف عام، من قبيل «وهو المزحزح الجبال … إلخ»، وهي عباراتٌ تجدها في التوراة بطولها، أو في أي نصٍّ ديني في أي دينٍ آخر لتمجيد عظمة الإله، أيِّ إله، وتصوير قُدراته على اللعب بأركان الطبيعة الثابتة لإثبات ألوهيته.

وهكذا يعزف «فليكوفسكي» مع داود على مزماره مرة، وينوح مع بكائيات «أيوب» على حاله المتدهور وتوقُّعه تدخُّل الغضب الإلهي مرةً أخرى، بنزوعٍ غيرِ خافٍ لنزع النصوص من سياقها، وتفريغها من دلالاتها الأصلية، لتشهد معه على حدث الخروج الأسطوري.

(٥) مناقشه الوثائق

(٥-١) تزييف دلالات بردية لايدن

من المعروف أن بردية لايدن «إبيور» قد نُسِخَت من قِبلِ شخصٍ عاش في الأسرة الثامنة عشرة أو بعدها، عن أصلٍ يعود إلى بداية العصر المتوسط الأول بعد الدولة القديمة، وقد انتهى إلى هذا الرأي – بقرائنَ لا تهم تفاصيلها إلا المصرولوجيِّين (السير ألن هنري جاردنر)، ووافقه عليها بعد نشره الترجمة كاملةً جمهرة العلماء. والبردية على حالها الراهن تتكوَّن من أربعَ عشرةَ صفحة، تشمل فِقراتٍ نثرية، وستَّ قصائدَ شعريةٍ طويلة، وربما كان من الأفضل هنا استحضار كلام «جاردنر» نفسه حول تلك البردية حيث يقول: «إن الفوضى التي ظلت قائمةً بصفةٍ مستمرة أو متقطعة حتى الأسرة الحادية عشرة، إنما هي صورة لثورةٍ حقيقية انطَبعَت في أعجب وأهم بردية من الأدب المصري، الذي استطاع أن يبقى رغم مخاطرِ الأيام، «ولا ترجع هذه البردية المحفوظة في مجموعة لايدن إلى ما قبل الأسرة الثامنة عشرة»، ولكن حالة البلاد التي تناولَتها بالوصف، لا يمكن أن تكون من وصفِ خيالِ قصاص أو راوية، ولا هي تصلُح لأنْ تُوضع في أيِّ مكانٍ من التاريخ المصري، سوى «الفترة اللاحقة لنهاية الدولة القديمة». أمَّا المقدمة فضائعةٌ لسوء الحظ، وقد فُقد معها كذلك تسجيل الظروف التي دَفعَت المتحدث لإلقاء عِظته، وهناك أولَ الأمر مجموعةٌ كبيرة من الفِقرات المختصرة تُصوِّر حالة الدمار والغزو، التي سَقطَت البلاد فريسةً لها نتيجة عُدوانِ مُغامرِين مُنحطِّي الأصول، وآسيويِّين يشقُّون طريقهم إلى الدلتا … إنها تعكس صورةً لما آلت إليه الأرستقراطية المنهارة … أمَّا الملك الذي يهيل إبيور اللوم على رأسه من جَرَّاء ضعفه وتراخيه، فربما كان من آخر فرعٍ بين الملوك المنفيِّين (آخرهم هو آخر ملوك الأسرة السادسة بيوبي/بيومي الثاني، والإضافة من عندنا) ومهما كان من أمر، فإنه لا نزاع في أصالةِ بردية لايدن وصدقها، من حيث هي وصف لمصر في العهد الوسيط الأول.»٣
وكان حريًّا بأي باحثٍ غير مُتخصِّص في المصريات وأركيولوجيتها، أن يترك الأمر لأهلِ مكةَ فهم أدرى بشعابها، وربما جاز له أن يأخذ بأرجح الشهادات، ليبني بعد ذلك عمله أو كشوفه، لكن «فليكوفسكي» ليس باحثًا عاديً؛ لذلك رفَض كل ما قِيل بشأن تلك البردية وركَن إلى احتمالٍ ضعيفٍ قدَّمه «زيته»، ومن ثم رفض نسبتها للعصر المتوسط الأول، وألحقها بالعصر المتوسط الثاني؛ لأنها في هذه الحال ستُوافِق ما ذهب إليه. بينما نحن سبق أن أقمنا عملًا كاملًا تأسَّس على إشارات ﻟ «جاردنر ووبيت وبرستد وإرمان وسليم حسن ونجيب ميخائيل وعبد العزيز صالح … إلخ»، وهي شذرات تشير إلى تصوير البردية لحالٍ يبدو «كلونٍ من ألوان الثورة، ثم» أقمنا عمد العمل وجمعنا له الدلائل والشواهد مع ما لحقها من استنتاجات؛ بحيث أثبتنا في كتابنا «رب الثورة: أوزيريس عقيدة الخلود في مصر القديمة»،٤ أن الظلم الذي حاق بالجماهير في عصر بُناة الأهرام، والفوارق الطبقية الهائلة التي اكتمل نضجها في ذلك العصر، أدَّت إلى ثورةٍ شعبية عارمة، كانت هي السبب في سقوط الأسرة السادسة والدولة القديمة، وأن بردية «إبيور» ليست سوى واحدةٍ من رجع الصدى الأدبي لتلك الأحداث الجسام.

وهنا أجدني مضطرًا لتقديمِ اعترافٍ متواضع، مضمونه أني ما كدت أنتهي من قراءتي الثالثة لكتاب عصور في فوضى حتى كان «فليكوفسكي» قد أنشب كل إمكاناته وبراعته في دماغي، حتى وصلت إلى لحظة كادت تكون هي التسليم له بكل ما ذهب إليه؛ ومن ثَمَّ كان لا بُد أن أُعيد النظر فيما سبق أن وصلتُ اليه في أعمالي المنشورة لي على الأقل، وأن أُعلن في أقرب مناسبةٍ تراجعي الكامل عن كلِّ ما وصلتُ إليه في أبحاثي من باب أمانةٍ واجبة علميًّا، كما كان ينبغي إذا أردتُ الاستمرار أن أبدأ من نقطة الصفر مرةً أخرى، وأُعيد النظر في كلِّ ما وصلتُ إليه حتى الآن في قراءتي للتراث. وهذا طبعًا عدا كم المعاناة التي عشتها ما بين انتماءاتي الوطنية، وبين إصراري على التزام نتائج العلم الصادق — وهي ما تصورتُ «فليكوفسكي» قد انتهى إليها — حتى لو خالفَت أشد الأمور حميمية، وكان الحل هو العزوف الكامل عن البحث والدرس بشكل نهائي.

ولولا محاولةٌ أخيرة في قراءةٍ رابعة لعصور في فوضى، تسعى للاطمئنان اليائس قبل أن أنفض يدي من شئون البحث، قصدتُ منها مراجعةً أخيرة لمكمن سقطاتي البحثية قياسًا على نتائج «فليكوفسكي»، لأضعها بين يدَي باحثٍ صديق أطمئن لإخلاصه ليأخذ الخطوة المناسبة. أقول: لولا تلك القراءة ما كان ممكنًا أن أكتب هذه الصفحات؛ فسرعان ما بدأت تتتالى اكتشافاتي لمكامن الشراك والفخاخ، وبدأ التلفيق يظهر ثم تزييف الدلالات آخذًا بعضه برقاب بعض، تلك الشراك التي تمت صياغتها وترتيبها بحرفيةٍ عالية الجودة، وبإتقانٍ غاية في الكفاءة.

وهنا لا أجد مندوحة من إطلاع قارئي على فكرةٍ أساسية تتعلق بذات الوثائق التي استشهد بها «فليكوفسكي» من نصوص مصر القديمة، وأدت فيها تلك الوثائق — عندنا — دورًا يختلف تمامًا، وسنكتفي بتلك الفكرة الأُس في عملنا «أوزيريس …» والتي استَغرقَتها ثلاثُ أُسر في الدولة المصرية القديمة (الرابعة والخامسة والسادسة)، وما أَفرزَته تلك الأحداث من بُنًى فكرية. مع عدد من القرائن والبراهين التي تشير إلى ثورةٍ جماهيرية شعبية حقيقية، صاحبتها حركةٌ فكرية نشطة أفرزت للثورة تنظيرها ووضعَت لها أيديولوجيتها، تلك الأيديولوجيا التي تمثَّلت في ديانةٍ جديدة، وربٍّ جديد، يهتم بشئون المُستضعَفِين، ويضع أسس النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي طمح إليه الثوار، وقد تمثَّلت الأُدلوجة في ديانة الإله «أوزيريس»، وهو ما دفَعنا لجمعِ عددٍ آخر من البراهين لدعم فكرةٍ محورية، هي حداثة ذلك الإله بالنسبة للآلهة الرسمية وشبه الرسمية، وأن ظهوره وافق مُقدِّمات تلك الثورة، مما استدعانا الرجوع إلى ما تركه العصر من تُراثٍ أدبي ينطق بما حدث، وكان على رأس تلك الأدبيات «بردية لايدن».

ولا يبقى الأن سوى موقفَين يجب أن يُثبِت أحدهما صدقه الموضوعي: الأول: أن تكون الأحداث التي سجلَتها البردية تصويرًا حقيقيًّا لكارثة الخروج كما رواها الكتاب المقدَّس، والثاني: أن تكون تلك الأحداث تصويرًا لثورةٍ شعبية، واعية لأهدافها الطبقية، دلَّت عليها — في رأينا — روحٌ ثورية في أشعارها، متضمنة مطالب بالعدل الاجتماعي، والتقريب بين الطبقات، مع بعض المحافظة التقليدية الطبيعية تمامًا، من شاعرٍ حكيم، أتاحت له ظروفه الاجتماعية ذلك القدر من التعليم.

وحتى لا نفعل فعل «فليكوفسكي»، فسنُقدِّم الوثيقة كما ترجمها المتخصصون من علماء المصريات عن الهيروغليفية، ولن نتدخل في النص إطلاقا، فقط سنُسقط الأبيات التي يُعاد تكرارها نصيًّا، مع الاستعانة الأساسية ﺑ «سليم حسن»، مع التدخُّل بالاستعانة بترجمة «جاردنر» في بعض المواضع لما قد نجِده غيرَ واضحٍ أو مفهوم لتيسيره على القارئ، كذلك سنستعين بترجمة «هنري برستد» لذاتِ الغرَض في أحيانٍ أخرى، ولِلمُدقِّق أن يراجع وراءنا.

يقول الحكيم «إبيور»:

حقًّا فإن (… تالف)، وملأى بالعصابات، ويذهب الرجل ليحرث ومعه درعه …، وحامل القوس أصبح مستعدًّا، والمجرمون في كل مكان.

حقًّا إن النيل في وقت الفيضان، ولكن لا أحد يحرث من أجله …

حقًّا لقد أصبح المُعوِزون يمتلكون — الآن — أشياءَ جميلة، ومن كان يرقَع نعليه أصبحَ صاحبَ ثروة.

حقًّا إن القلب لثائر، والوباء قد أنبث في كل الأراضي، والدم صار في كل مكان، ولفائف المومياوات تتكلم.

«حقًّا لقد أصبح الحزن يملأ أصحاب الأصل الرفيع، أمَّا الفقراء فقد امتلئوا سرورًا»، وأضحت كل قريةٍ تقول: دعونا نقصي العتاة من بيننا.

حقًّا لقد أصبَحَت «الأرض تدورُ كعجلةِ صانع الفخار، وصار اللصُّ صاحب ثروة …»

حقًّا لقد تحول النهر دمًا فهل يشرب الإنسان منه؟

حقًّا إن (… تالف) والعمد والجدران قد التهمتهما النيران … «حقًّا إن حجرة الملك لا تزال باقية وتقف ثابتة …»

حقًّا لقد «أصبَحَت التماسيح مُتخمةً بما تقنِصه بعد» أن ذهب إليها الناس عن طيبِ خاطر …

حقًّا لقد أصبح ابنُ الأصل التليد مجهولًا، وأصبح ابن زوجته ابن خادمته …

«ونزل أقوام من الخارج إلى أرض مصر …»

حقًّا إن الذهب والفضة والياقوت والكرنيليان والبرونز والمرمر (… تالف). «تحلَّى جيد الجواري، والنبيلات مُشرَّدات في الشوارع، وربَّات الخدور. يقلن: ليت عندنا شيئًا نأكله.»

حقًّا فإن (… تالف) أعضاء النبيلات في حالةٍ يُرثى لها إذ «يرتدين الخِرَق المُمزَّقة …»

«حقًّا إن صناديق الأبانوس تتكسَّر وخشب سسنم الثمين يُقطع لصنعِ الأَسِرَّة …»

حقًّا إن «ألفنتن» و«طيبة» لا تُؤدِّيان الضرائب بسبب الحروب الداخلية … فما فائدةُ وجودِ خِزانةٍ للدولة بدون دخل؟ … هذا ماؤنا وهذه سعادتنا ولكن ما العمل؟ وكل شيءٍ ينحدر إلى دمار.

حقًّا إن الأموات أصبحوا كالأحياء … «وأصبح لا يُميز بين ابن رفيع الأصل وبين من لا أب له»، والجلَبة لم تكن بهذه الشدة في سِني الجلَبة، ولا نهاية للضوضاء …

حقًّا لقد «أصبح أولاد الأمراء يُضرب بهم عَرض الحائط»، وأطفال الشهوة يُلقَون على قارعة الطريق، وأصبح الإله خنوم يئنُّ تعبًا …

حقًّا هؤلاء الذين يرتدون الكتان الراقي أصبحوا يُضربون، واللاتي لم يسبق أن شاهدَهن نورُ النهار قد خَرجن، واللاتي كُن على أَسِرَّة أزواجهن بَتنَ ينَمنَ على مضاجعَ مُقضَّة، وأصبَحَت السيدات يتألمن كالإماء …

حقًّا لقد أصبَحتِ الخادمات يُوجِّهن ألسنتهن حيث شئن، وعندما تتكلم السيدات فإنهن يُبدين الملَل …

حقًّا لقد أصبح الولاة بائسِين جياعًا.

حقًّا لقد أصبح الأحمق يقول: لو عرفتُ أين الإله قدمتُ له القرابين! حقًّا إن «قلوب الماشية تبكي والقُطعان تندب حال البلاد.»

«حقًّا لقد عمَّت الوقاحة كل الناس.»

حقًا «لقد دُمِّر ما كان بالأمس مرئيًّا …»

«حقًّا لقد أصبح القوم يأكلون الحشائش ويشربون الماء … وأصبَحتِ القاذورات تُختطَف من أفواه الخنازير … وجُرِّد الملأ من الملابس والعطر والزيت.»

حقًّا لقد «ذُبح الموظَّفون الرسميون وسُلِبَت منهم سجلاتهم، ودُمِّرَت دفاترُ كاتب الضرائب، وأصبَحَت غِلالُ مصر مشاعًا.»

«حقًّا لقد وُضِعَت قوانين الحكم في الساحات، وأخذ العوام يدُوسونها بالأقدام في الطرقات والفقراء يُمزِّقونها في الأزقَّة.»

«حقًّا لقد وصل الفقير إلى مرتبة الآلهة التسع … وازدَحمَت قاعات المحاكم العليا بالغوغاء، وأَخذَ الفقراء يروحون ويجيئون في البيوت العظيمة.»

حقًّا لقد أصبح أولاد ولاة الأقاليم يُلقَون في الشوارع.

«انظر، إن النار قد اشتعَل لهيبُها عاليًا ضد أعداء البلاد.»

انظر، لقد حدثت أمورٌ لم تحدُث من عهدٍ بعيد فقد «اختَطفَ الفقراء الملك.»

«انظر، إن الذي دُفن كصقرٍ يرقُد الآن على نعشٍ وما أخفاه الهرم بات خاويًا …»

انظر، إن الناس يظهرون العداء لليورايس (ثعبان التاج الملكي (المؤلف)) حلمي الدرع، الذي جعل الأرضيِّين في سلام …

انظر، إن الأرض ملأى بالعصابات … والثاوين في المقابر أُلقُوا على قارعة الطريق، ومن لم يكن بمقدوره الحصول على كَفنٍ أصبح يملك ثروة … ومن لم يملك حجرة صار يمتلك فناءً مُسوَّرًا.

انظر، إن كبار القُضاة قد طُردوا ليهيموا في الأرض …

انظر، إن النبيلات يرقُدن على الفراش الخشِن … ومن لم يكن ينامُ على مصطبةٍ حجرية بات يمتلك سريرًا …

انظر، إن الرجل الغني يُمضي ليلة عطشان، ومن كان يتلقَّى فضلاتِه أصبح يمتلك الجِعَة الفاخرة.

انظر، إن اولئك الذين كانوا يملكون الملابس الكتانية أصبحوا في خرقٍ بالية، ومن كان لا ينسج لنفسه يلبس الكتَّان الراقي …

انظر، إن الذي ما كان يستطيع صُنع قاربٍ لنفسه أصبح يمتلك سفينةً بينما صاحبها ينظر إليها بعد أن سُلبَت منه …

انظر، إن من كان يجهل الضرب على العود أصبح يملك الهارب البديع، ومن كان لا يُغنِّي له أحد بات تُغنِّيه آلهة الطرب …

انظر، إن من كان ينام بلا امرأةٍ لفقره أصبح يجد الأميرات.

انظر، إن الفقير أصبح يمتلك ثروة تجلب له مديح العظماء.

انظر، إن من كانوا يملكون خَوِي وِفاضُهم …

انظر، إن الأصلع الذي لا يعرف الزيت أصبح يمتلك أواني العطور الذكية.

انظر، إن التي كانت تُشاهِد وجهها في الماء أصبحت تملك مرآة.

انظر، إن أبناء البلاط في ملابسَ مُمزَّقة وماشيتهم منهوبة.

«انظر، إلى القصَّابين يذبحون الماشية للفقراء.»

انظر، إن «القصَّابين يذبحون الإوز ويُقدِّمونه للآلهة على أنه ثيران (؟!).»

«انظر، إن من كانوا ينامون على أَسِرَّة ينامون اليوم على الأرض، وذاك الذي كان ينام في الأوساخ يتدثَّر في سرير.»

انظر، إن من كان لا يمتلك أتباعًا أصبَح صاحبَ عبيد، ومن كان من السادة أصبح يُنفِّذ الأوامر. إن الفقراء يستيقظون وهم لا يخشَون نُور النهار، «وإنها لخيامٌ صنعوها مثل المُتوحِّشِين.»

«انظر، أين هو لِيُحاسب الناس؟ … إنه يطفئ اللهيب، يُقال عنه راعي كل الناس، ولا يحمل في قلبه شرًّا، وحينما تكون خِرافه قليلة العدد، فإنه يَصرِف يومه في جمعها إلى بعضها وقلوبُها محمومة … فأين هو اليوم؟ هل هو بالمصادفة نائم؟ إن بأسه لا يُرى (تلفيات شديدة).»

إن القيادة معك والفطنة وأسباب العدالة، لكنك نشَرتَ الفوضى في البلاد مع الفتن، الغوغاء يُحدثون الضوضاء. بينما تُتلى عليك الأكاذيب والبلاد كالقش المُلتهِب … ليتكَ تذوَّقتَ بعضَ هذه المصائبِ بنفسِك … (بعد ذلك تلفيات لا تسمح بتكوينِ فكرةٍ صحيحة أو جملةٍ مفيدة).٥

وتأسيسًا على تلك المعاني، اعتمدنا بردية لايدن كوثيقةٍ دالَّة على الثورة، التي بدأت عمليًّا وفعليًّا بانتشار الكُفر بالآلهة الرسمية للدولة، حتى صار الرجل الأحمق يقول: إذا عرفتُ أين الإله قدمتُ له القرابين، و«الأحمق» هنا تترجم أيضًا «المنفعل، ما هو ضد الرزانة والتصرُّف الكيِّس عمومًا». وبينما كان القصَّابون مشغولين بذبح الثيران للجوعى، كانوا يُقدِّمون للآلهة الإوز على أنه ثيران، وسخرية من آلهة لا تُميِّز في توزيع الأرزاق. ثم الأحداث التي تلت ذلك لإقصاء العُتاة وتدمير مباني القضاء الظالم وسجلاتها، ونهبِ ثرواتِ مقابر الأغنياء والملوك، وبدا أن كل شيءٍ ينقلب رأسًا على عقب؛ فالأرض «تدور حول نفسها كعجلة صانع الفخَّار»، والشطر الثاني من البيت يشرح مباشرة «وصار اللص صاحب ثروة». وتمكَّن الثوار من القبض على الملك الدي لم تُوضِّح البردية مصيره، وهو معلومٌ على أية حال، وانفَلتَت الجماهير من عِقالها لتُدمِّر بدونِ تمييز حتى صار نهر النيل بلون الدم لكثرة القتلى وما كانت تلتهمه التماسيح. مع إشاراتٍ نادرة ويتيمة لتسلُّل أغرابٍ للدلتا؛ بحيث بدا الحدث هامشيًّا بجوار الأحداث الأخرى الجِسام، وهو التسلُّل الذي تم القضاء عليه مع استقرارِ مُلك أسرة أهناسيا الإقليمية إبَّان العصر المُتوسِّط الأول، حتى يقول أحد ملوكها «خيتي» لولده «مري كارع»: «لا تزعج نفسك بالآسيوي التعِس، إن هو إلا آسيوي.» ثم تابع حكام الأسرة الحادية عشرة تطهير البلاد منهم، وعندما يأتي زمن الأسرة الثامنة عشرة لا نجد أي ذكرٍ لوجودٍ آسيوي على أرضِ مصر إلا العمالة الرخيصة الوافدة باستمرار. وإن كان المعلوم أن ذلك التسلل قد تكرَّر لكن في شكلِ غزوٍ كبير للهكسوس جاء بعد سقوط الدولة الوُسطى، ولعل إشارة «إبيور» إلى أن الفقراء إبَّان الثورة، قد أقاموا لأنفسهم خيامًا في الشوارع مثل المُتوحِّشِين، إشارةٌ ساطعة تقطع بأن هؤلاء كانوا ثوارًا مصريِّين يأتون تصرفاتٍ تُشبِه المُتوحِّشِين، وهي الوصف المصري للبدو، أمَّا أن تذكر البردية الإله رع والإله خنوم، ولا ذكر إطلاقًا للإله آمون، فذلك في رأينا يُشير إلى وجوبِ نسبةِ البردية للعصر المُتوسِّط الأول وليس إلى العصر المُتوسِّط الثاني كما يريد فليكوفسكي؛ حيث لم يكن آمون قد ظهر بعدُ؛ لأنه لم يظهر إلا مع الملك آمنمحات الأول في الأسرة الثانية عشرة من الدولة الوُسطى.

هذا ما كان عن بردية لايدن ودلالاتها، فماذا عن تلك الدلالات عند «فليكوفسكي»؟ مع الانتقاء، وملء الثغرات من عنده، لا يجد المرء نفسه إلا أمام حدثٍ كونيٍّ عظيم «الأرض تدور حول نفسها، المدن دُمِّرت، الكل خراب، سنوات الضجيج»، هذا مع المقاطع التوراتية مع كل مقطعٍ مُقتطَع من البردية، مع كلام من لون «إن تلك الهزَّات كانت متتابعة الحدوث مرةً بعد أخرى، حتى تحوَّلَت البلاد إلى أنقاض، وانهار نظام الدولة فجأة وأصبحت الحياة لا تُطاق، فيقول إبيور: آهٍ لو تتوقَّف الأرض عن الضجيج، إن بردية إبيور تحتوي على دلالةٍ على حدوثِ كارثةٍ أرضية مصحوبة بزلزال.»

ولا يفوت المُدقِّق هنا أن تصدير هذه الفصول بعنوان «أرض مصر في جيشان» أو «في ضجيج»، عَمدٌ واضح لتزييف الدلالات في البردية؛ حيث عمَد إلى الكلمة المصرية «هرو» التي تعني عددًا من المعاني مثل «النهار وكل ما يتصف بالوضوح مثل الركض، الثورة، أصوات الشغْب والجدَل والصُّراخ، الزمجرة، نفثات الغضب، الصراع»، ليأخذ منها فقط معنى زمجرة الأرض القاصرة على جيَشَان الزلازل. وغنيٌّ عن البيانِ هنا، أن أسلوب المصري القديم في التدوين، له سماتٌ خاصة، وتعبيراتٌ خاصة، ويقصد إلى دلالاتٍ يجب الاعتياد عليها مرتبطة ببلاغيَّات العبارة وتراكيبها، وهو اعتيادٌ من لزوم ما يلزم للفهم السليم لتلك الدلالات؛ فمثلًا عندما كان المصري القديم يقول «الأرض» نفهم فورًا أنه يقصد مصر تحديدًا دونَ العالم أجمع، وعندما يقول «الناس» يقصد الشعب المصري وحده دون الناس، حتى إنه في البرديات المُتأخِّرة وفي عصور الانحطاط كان المصري يُبدي أَسَفه لأن الأجانب قد أصبحوا من الناس،٦ لكنه يفصل عن دلالات «الأرض» و«الناس» معنى «الحكومة»، بحيث لا تدخل المؤسسة السياسية ضمن تلك الدلالات، فالكلمة الدالة عليها تصبح «برعو» أي السور أو البيت العظيم، المأخوذ منها كلمة «فرعون»، والأَمرُ هنا يُشبِه استخدام تعبير «الباب العالي» للإشارة للسلطان أو مَقَر الحكم العثماني؛ لذلك فإن «إبيور» عندما يتمنى أن تكف الأرض عن الضجيج، يعني تمامًا أمنيةَ توقفِ أرضِ مصر عن الثورة وناسِها عن تدمير البلاد.

و«فليكوفسكي» الذي يريد تحقيق المطابقة التامة بين أحداث البردية وأحداث التوراة، لا يَعمِد إلى التأويل، لكنه يركن إلى قدرته على استخدام الأدوات الفنية في الصياغة والتوصيل، فيمزج كلامه بكلام التوراة بكلام البردية، ويتداخل الكل وسَط شوقٍ متأجج يضع فيه القارئ الذي إن التفت إلى الأمر في البداية، فلن يستمر منتبهًا له وسَط زحمة الأحداث وتسارُعها. وعندما يُدرك «فليكوفسكي» التوقيت المناسب الذي يحتمل أن يكون القارئ قد بات فيه مستسلمًا له، يدخل مباشرةً بكل ثقله ليُمرِّر ما قد لا يتفق إطلاقًا مع فروضه، ويربط بين ما لا يمكن توافُقه بين البردية والتوراة؛ فبينما كان الحديث عن الدم في النهر لضحايا الثورة، وتماسيح النيل، يصبح حديثًا عن تحويل مجرى النهر دمًا، دون الإشارة إلى ثورةٍ أو تماسيح، ويأتي بالنص «هذه مياهنا وهذه سعادتنا فماذا نفعل؟» لتشير دون أيِّ وجهٍ لتشابُه مع نصِّ التوراة «مات السمك الذي في النهر وأَنتنَ النهر.» ولَمَّا لا يجد بالبردية نصًّا واحدًا يُشير إلى ضربة البرد لا يجد بأسًا من الاستشهاد بنصوصٍ تُشير لنتائج الثورة الوخيمة، كإهمال شئون الفِلاحة والري من قَبيل «لا فاكهة ولا محاصيل موجودة» كما يجعله أيضًا دلالةً على ضربة الجراد الذي لا يُوجد لها أي ذكر بالبردية، لكنه يجد صيدًا ثمينًا في النيران التي أَشعَلها الثوار في المباني الحكومية ليُطابقها مع التوراة «وجَرَت نارٌ على أرض مصر»، لكن الفاضح في الأمر أنه لا يُزيِّف الدلالاتِ فقط، بل يبلغ حد التزوير التدخُّل في بِنية النصِّ عندما يُضيف من عنده داخل علاماتِ تنصيصٍ تنُص على اقتباسِ نصٍّ من البردية «والنار التي أَهلكَت الأرض لم تنشرها أيدٍ بشرية لكنها سَقطَت من السماء.»

وأحيانًا يُحمِّل الألفاظ فوق طاقتها، كما في تعقيبه على نص البردية «أحقَّا اختفى ما كان بالأمس مرئيًّا»، رغم أن المصري لم يزل حتى اليوم يستخدم كلمة «بالأمس» للدلالة على وقائعَ وأحداثٍ مرَّت عليها أجيال. أمَّا انتحاب الماشية على أحوال البلاد، وهو تعبيرٌ شائع في الكتابات المصرية، فيتحوَّل بقُدرة قادرٍ ليلتقي مع قول التوراة: «يد الله تكون على مواشيهم التي في الحقل، على الخيل والحَمير «والجِمال» والبقر والغنم … سيفتك بها طاعون.» والمثير أن مصر لم تعرف في تاريخها القديم ولا نقوشه ولا ألفاظه ما يُشير إلى معرفتها بالجَمَل، أمَّا الأكثر إثارة فهو أن فليكوفسكي قد فاته أن المصريِّين لم يعرفوا الحِصان والعجلة التي تجرُّها الخيل إطلاقًا وبالقطع، قبل قُدومهما مع الهكسوس الغُزاة. وحسَب نظريته هو، فإن بني إسرائيل خرجوا من مصر قبلَ دخولِ الهكسوس إليها؟!

ولأن التوراة تتحدث عن ضربة البرد، ولا برد في البردية، فإن «فليكوفسكي» يتقصَّى حتى يجد معلومةً يتيمة في كتابٍ وضعه «أرتبانوس» عن أحداثٍ غير معلومة المصدر، نقلها عن «إيسابيوس» يحكي فيها عن صقيعٍ وزلازلَ أثناءَ ليلةِ البلاء الأخير «حتى إن أولئك الذين فرُّوا من بيوتهم خوفًا من الزلزال قَتلَهم البرد.» والمعلوم أن «إيسابيوس» راويةٌ مرتبط بروايات التوراة في كثيرٍ من تخريجاته، أمَّا الكتاب الأصلي الذي وضعه «أرتبانوس» ونقل عنه «إيسابيوس» فهو كتابٌ مجهول، ولم تُكتشَف منه نسخةٌ واحدة اليوم!

وكان معنى أن يُسقِط «فليكوفسكي» من اعتباراته الإشاراتِ الكثيفةَ والواضحة والمُتكرِّرة إلى الثورة الطاحنة، أن يلحق الشك عمله بكامله، ولأنه أذكى من ذلك، فقد خصَّص فصلًا بعنوان «البكر أو المختار» ليُفرغ فيه المحتوى الثوري ودلالته، ليصب في دلالاتٍ أخرى تُوافق التوراة. ولأنه من جانبٍ آخر لم يجد في التوراة ذاتِها ما يُشير إلى تلك الثورة الشعبية الطبقية، فقد جعل من فصله متاهةً للقارئ بعبقريةٍ يُحسَد عليها، مهَّد له بفصل «الليلة الأخيرة»، وأَلحَقه بملاطٍ لاصق جيد التماسُك في فصل «تمرُّد وفرار»؛ بحيث أَصبَحَت كلُّ نصوص البردية التي تتحدَّث عما لِحق الأغنياء والفُقراء من تحوُّلات، وما آل إليه أبناء النبلاء من مصيرٍ بالقتل أو التشرُّد، إنما حديثٌ واضح عن الضربة الأخيرة في الليلة الأخيرة؛ حيث سَفكَ رب التوراة دم المصريِّين في تلك الليلة، ولم يعُد قانعًا بقمله وذبابه وبعوضه وجراده وضفادعه، فنزل تقتيلًا لكل بكرٍ في كلِّ بيت، إنسان أو بهيمة، مع الأخذ بالحُسبان أن تلك الضربة لم تلحق أيًّا من بني إسرائيل أو مواشيهم، بعد أن ميَّزوا بيوتهم للرب الذي هبط يتخبط كرهًا وفظاظة، والتاثت رُوحُه برائحة الدماء سُعارًا، وذلك بأن قام بنو إسرائيل يرشُّون دماء الحيوانات على أبواب بيوتهم كعلاماتٍ للربِّ الهائج، كي يظن أنه قد سَفكَ دم أهلها فيَعبُر عنها.٧ ويؤكِّد الرجلُ نظره في مقتلِ المُختارِين من مصر بنص البردية «انهار المسكن في لحظة»، بحيث إن الزلزال قتل سكان المنازل الفخمة، والبيت الملكي تحديدًا (رغم نص البردية على سلامتِه)، لكن السؤال المشروع هنا هو: كيف أمكن لزلزالٍ بهذه الشدة أن ينتقي انتقاءَين مُتميزَين: الأول: أن يصيب المصريِّين ولا يصيب الإسرائيليِّين (ولا يمكن في هذه الحال قَبول حُجة أن الإسرائيليِّين كانوا يسكنون بعيدًا عن المصريِّين في مصر، وإلا ما ميزوا بيوتهم بالدم، وما تيسر لنسائهم استعارة ذهب المصريات الساكنات معهن ونزيلات بيوتهن لسلبه ليلة الخروج حسبَ نصيحةِ موسى لهن وحسبَ نص التوراة).٨ أمَّا الانتقاء الثاني غير المفهوم، فهو «كيف أمكن لزلزالٍ أن ينتقي أغنياء مصر ويُميِّز أُمراءها ويصيبهم دون الفقراء؟» إن الكارثة الوحيدة والوباء الوحيد الذي يمكن أن يَفرِز هذا الفرز هو ثورةٌ طبقية واعية، وهو ما يُفسِّر لنا بقاء المعابد الضخمة والأهرام وغيرها من آثارٍ سَبقَ بناؤها العصر الذي نحن بصدده، ولم يُشِر إليه «فليكوفسكي» إزاءَ زِلزاله العظيم.

ويُلاحِظ القارئ هنا كاتبنا — وهو بسبيل التغلُّب على العقبة الكأداء بالبردية، وما تحمله من أحداثٍ تشير إلى ثورة الجماهير المصرية ضد طغيان النبلاء والملك — يروح ويجئ قبل إلقاء ما في جعبته فيقلِب أكثر من حقيقةٍ رأسًا على عقب؛ فهو يُحوِّل الحديث عن السجن الذي حطَّمه الثوار لإطلاق المُعتقلِين، إلى حديثٍ آخر يقول: «لقد حَرَّك مشهدُ أبناءِ الأُمراء المَسحوقِين على أرض الشوارع الصخرية المظلمة (لا تُوجد في مصر شوارعُ صخرية بالمناسبة)، والجرحى والموتى بين الأنقاض، حرَّكَ لوعةَ وأسى الشاهد المصري، ولم يَرَ أحد ما حدَث في أقبية السجن، تلك الأقبية التي حُفِرَت تحت الأرض وأُغلِقَت أبوابها على السجناء (الرجل هنا يُصوِّر لنا مصر كما لو كانت أوروبا العصور الوسطى)، ولم يَرَ أحدٌ العذاب الذي تَعرَّضوا له حين انهارت تلك الأقبية فوق رءوسهم ودَفنَتهم أحياءً تحت الأرض»، وكل ذلك جاء فيما يرى في العبارة اليتيمة، التي بحثنا عنها عبثًا، وتقول «السجن حُطام.» وأبدًا لم نجدها.

أمَّا كُفرُ الناس بالآلهة الرسمية وتطاوُلهم عليها، فهو ما يشير إلى قول التوراة «وأصنع أحكامًا بكل آلهة المصريِّين.» ونبش قبور الموتى الأثرياء أصبح عنده «ولم تكن الأرض أكثرَ رحمةً بجثث الموتى في قبورهم؛ فالمقابر لفَظَت موتاها وتمزَّقَت الأكفان.» أمَّا الدليل فمن الهجادا التي كُتبَت بعد ذلك بما يصل إلى ألفَي عام.

كلُّ هذا وورطةُ الأحداث الثورية قائمة، لكن الآن قد خفَّت حدَّتها في ذهن القارئ، ويَسهُل عندئذٍ أن يسوق تخريجه الضعيف المُتكلَّف والمُبتسَر، في كونِ إصرارِ البرديةِ على تعرُّض أبناء الأمراء والحُكَّام فقط للقتل والتشريد، هو موافقةً تامة للتوراة، التي قرَّرَت قتل الرب لأبكار المصريِّين. والأبكار في تفسيره ليست سوى أبناء النخبة والطبقة البكر المُصطَفاة، ولأنه لا يمكن — عقلًا — قبول أن يكون يهوه قد أمضى ليلته يمارس نزوته الشاذة في قتل أطفال الأغنياء، فلم يَبقَ أمام «فليكوفسكي» سوى مزج فكرة الثورة — التي يعترف بها بسرعة وبألفاظٍ غير حاسمة — بإرادة الرب «يهوه»، وينتهي إلى أن ربه انتقم من المصريِّين بقتل المختارِين المُميَّزِين من النبلاء والمُترفِين. ثم يُردف فورًا بما يُشعِر القارئ بمدى موضوعيته ونزاهته فيقول: «وبرغم أن البردية المهترئة «لم تحتوِ على أيِّ ذكرٍ للإسرائيليِّين صراحةً أو تلميحًا، ولم تُشِر إلى أيٍّ من قادتهم (؟!).» فإن ثلاثًا من الحقائق ظَهرَت بوضوح تام كنتيجة للكارثة، أو مجموعة الكوارث المتتالية، وهي: تمرُّد السكان، فِرار البؤساء والمساكين المسخَّرِين للعبودية، واختفاء الملك في ظروفٍ غامضة. وبالرغم من التطابُق الوصفي للكوارث بين ما ذَكرَته البردية، وما سَردَته أحداث الكتاب المقدَّس، فإنني إن حاولتُ أن أستخرج من البردية أكثر من الحقائق، فقد أُعرِّض نفسي للريَب والظنون، بمحاولةِ استغلال الحالة السيئة التي وجدتُ عليها البردية، لإثبات نتائجَ مسبقةٍ بتضمينها ما لم تتضمنه. لكن الإشارة للكارثة، والجماهير التي تمرَّدَت وفرَّت ليست غامضة، ومعناها واضحٌ وليس فيها أي مجالٍ للبسٍ أو غموض … «وهي زلازل متتابعة» صَاحبَت ظواهرَ طبيعيةً أخرى اجتاحت أرض مصر، «صاحَبَها أكثر من بلاءٍ» سبَّب هلاك الإنسان والحيوان والنبات، وإتلاف كل مصادر المياه.»

والرجل هنا، وهو يلبس ثوب العالم النزيه والأمين، يقوم بأكثرَ من تلفيق، وأكثرَ من تزوير لدلالات الوثيقة، فإذا كان السكان قد تمرَّدوا فهذه حقيقة، وأن يكون المعتقلون قد فرُّوا من الحبس فهي حقيقةٌ أخرى، لكنها لا تُشير بالمرة إلى فِرارِ بني إسرائيل من عبوديةِ مصر إلى فلسطين، أمَّا ما يُسمِّيه اختفاء الملك في ظروفٍ غامضة، فهو إشارةٌ ذات تخابُثٍ واضح على عقل القارئ، وتذهب به فورًا إلى فكرة الغرق في البحر.

أمَّا أن يطابق بين النص البردي «انظروا، إن النار قد اشتعل لهيبها عاليًا ضد أعداء البلاد، وترجمها هو «أمام أعداء البلاد»، وبين نص التوراة «وكان الرب يسير أمامهم نهارًا في عمودِ سحابٍ لِيَهديَهم في الطريق، وليلًا في عمود نارٍ ليضيء لهم.» فهو افتئاتٌ واضح على اللفظة المصرية التي تُفيد معنى «مقابل» والتي ترجمها «سليم حسن» بمعنى «ضد»، والتي تحمل ضمنيًّا معنى أن لهيب الثورة كان إشارةً للبدو بتجاوُز حدودِ مصر وهي في حالتها المُتردِّية، وهو ما تُوضِّحه البردية دون لبسٍ في قولها — حسب ترجمته هو — «ماذا حدث؟ لقد علم الآسيويون بحال البلاد.»

وعن قول «إبيور» في النص الفليكوفسكي: «إن ذلك لم يحدث لأيِّ فرعونَ آخر قط.» فهو ليس إشارةً لغرق جلالته إنما لخطف الفُقراء لجلالته، وربما محاكمة جلالته، وربما إعدام جلالته.

إننا نُقرِّر مع التاريخ التقليدي، الذي لم يعجب «فليكوفسكي»، والذي لم يذكر بني إسرائيل بالمرة إلا في نصِّ مرنبتاح المعروف، «أن البدو الذين تسلَّلوا إلى البلاد إثر الثورة، في العصر المتوسِّط كانوا شيئًا يختلف تمامًا عن غزو الهكسوس الذي دخل بجحافله في العصر المتوسط الثاني»، وأن الغزو الأول كان تسلُّلًا غيرَ ذي بال و«لا تُزعج به نفسك، إن هو إلا آسيوي.» وأن أصحاب الغزو الأول أَطلَق عليهم اللسان المصري «العاموحريشع» أي البدو فوق الرمال، أمَّا الغزو الثاني فكان باللسان المصري «حقاو-خاسوت» التي نُطِقَت عند «مانيتون» «هكسوس»، ولم يخلط التاريخ في وثائقه بينهما ولا مرةً واحدة.

(٥-٢) تزييف دلالات حجر العريش

«من سيهتم حقًّا بالبحث وراء رجلٍ بهذا القَدْر من الاجتراء؟ أو من سيشُك أصلًا في قرائنَ تركَّب بعضها فوق ذهنِ قارئٍ أسلم قياده لِمُفكرٍ يبدو بهذا القَدْر من النزاهة؟ وعليه من سيهتم مع الصدمة النفسية الوجدانية بالبحث والاهتمام؟ أو من سيجد نفعًا يُرجى بمراجعةِ نصوصٍ قديمة بعد الصدمة العقلية لكلِّ ما تعارَفَ عليه التاريخ والمؤرخون؟ أو من سيجد في ذاته بواعثَ تدفعُه للسعي وراء نصٍّ لا تجد له ذكرًا في أغلب المُصنَّفات التي تناوَلت مصر القديمة؟ وربما كان على الباحث المُصِر على التأكُّد أن يذهب بنفسه إلى متحف الإسماعيلية ليستفسر عن «حجر العريش» ومصيره، وعن ترجمته الصادقة، وله وعدٌ مني أنه سيعود بعد ذلك يائسًا من كل شيء، بعد كَمِّ اللامبالاة والاستهانة والاستخفاف التي سيلقاها مِن مؤسَّساتنا العتيدة.»

فما هو حجر العريش؟

لقد حكى لنا «فليكوفسكي» قصة العثور عليه بكثير من الصدق، ثم حكى لنا القصة المُدوَّنة عليه بما هو أكثر من الإفك، فحمَّل النص فوق ما يحتمل،وأنطقَه بدلالات لم يقصد إليها ولا خَطرَت ببال الرجل الذي قضى ينقره بالإزميل زمنًا؛ فالنص عند «فليكوفسكي» يحكي بلسانٍ مبين عن بلوى عظيمة تعرَّضَت لها مصر القديمة، من عواصف، وجيَشانٍ للأرض، ودمار، مما حدا بالفرعون المدعو «توم» والذي أكَّد كونه كان ملكًا أن اسمه قد جاء مُدوَّنًا على حجر العريش في خرطوشٍ ملكي، إلى جمع جيوشه، ووعد جنوده في ظل الظلام الذي حل بالبلاد، أنهم سيَرَون النور من جديد بقوله: «سنرى أبانا رع حر أختي في منطقة باخيت المضيئة»، و«رع» هو إله الشمس المصري كما هو معلوم، هذا بينما الملك قد أَضمَر غرضًا آخر، فقد «ذهب صاحب الجلالة لمحاربة أبوبي وزمرته.» لكن النتيجة كانت وخيمةً على الفرعون وجنده، لأنه «حين قاتل جلالة الملك رع حرماكيس (نظرًا للتضارب بين حر أختي، وبين حرماكيس، يضع فليكوفسكي هنا علامة استفهام وعلامة تعجب)؛ حيث قاتل إله الشر بالقرب من البحر مكان الدوامة، فإن إله الشر لم يتغلب على جلالته، «ولكن جلالته هو الذي اندفع إلى دوَّاماتِ البحر».»

«وإذا كانت المنطقة المضيئة اسمها «باخيت» فإن «فليكوفسكي» بعد صفحتَين، وبعد مرورِ كثيرٍ من الأسماء الغريبة الكفيلة بنسيان الاسم الأصلي، يعود لذاتِ النص ولكن الكلمة تصبح هذه المرة «بي خاروتي»، وذلك كي تلتقي مع كلمة «بي هحيروث» العبرية، التي تشير للموقع الذي توقَّف فيه الإسرائيليون قبل عبور البحر مباشرةً والمترجمة في التوراة العربية إلى «فم الحيروث»، ولأن «باخيت» بعيدةٌ فيلولوجيًّا عن «بي هحيروث» فإنه يضع بينهما متوسطًا مُزوَّرًا لم يَرِد بحجر العريش هو «بي-خاروتي».»

ونستمر مع «فليكوفسكي»: «خرج ابن الفرعون صاحب السمو جب ليبحث عن أبيه، وقد أخبره شهود العيان بكلِّ ما حدَث لرع في بات نيبيس … والصراع الذي خاضه الملك توم.» ولا شك أن المُدقِّق سيتوه هنا وهو يُحاوِل معرفةَ اسمِ ذاك الذي خاض الصراع وغرق في دوَّامات البحر، هل هو ملك باسم «رع» أم باسم «توم». لكنه يُعلِّمنا بعد ذلك أن أبناء «أبوبي» قد غَزَوا البلاد ليُحطِّموها، وسلبوا الابن «جب» عرشه، بينما اعتزل هو في مسكنٍ ناءٍ، ربما كان منفًى اختياريًّا أو إجباريًّا.

وبينما أهمل «فليكوفسكي» الاسم «رع» تمامًا كما لو كان غيرَ موجود، فقد ركز على «توم»؛ لأنه الاسم الذي سيلتقي مع الاسم الوارد في التوراة، للمدينة التي استُعبد الإسرائيليون في بنائها لفرعون الخروج، واسمها «فيثوم»، ويمكن نطقها «فيتوم» و«بي توم»، وفي هذه الحالة يصبح معناها «منزل توم». ولا ينسى أن يربط ببراعة، بين إشارة «مانيتون» المؤرخ المصري العظيم — الذي سبق أن هاجمه وسَفَّه آراءه وتاريخه لكنه احتاجه الآن — إلى فرعون الخروج باسم «توتيماوس»، ويرى أن الاسم يحوي في تركيبه شقًّا هو «توم».

لكن أي مُهتمٍّ بالتاريخ الديني لمصر القديمة، سيعرف كم كان «فليكوفسكي» مُلفقًا؟ وكم كان بارعًا؟ لأن القصة المنقوشة على حجر العريش ليست سوى ترديدٍ لأسطورةٍ دينية قديمة، اعتقد فيها المصري منذ فجر التاريخ، وأن الأسطورة قد صِيغت في أسلوب التعاويذ السحرية، التي يتم ترديدها في زمنٍ محدَّد، لدرءِ خطرٍ عظيم سيلحق بإله الشمس المصري، وبالتالي بمصر جميعًا. وكان إله الشمس ذاك يحمل الاسم المركَّب «رع أنوم» أو «آتوم رع». ومنذ استقرار الإنسان في الوادي، أدرك أهمية الشمس في تجفيف التربة والمستنقعات، وفي نضوج النباتات، لذلك حَظِيَت بأهميةٍ بلغت بالشمس سَمْت السيادة بين الآلهة، وبحيث أصبَحَت الرب الرسمي للدولة. وقد ارتَبطَت الشمس بعناصرَ أخرى لازمةٍ لحياة الإنسان والنبات، هي حسب أهميتها: الهواء، والرطوبة أو الندى، والتربة أو الأرض، والسماء التي هي مَقَر «رع آتوم». وفي واحدةٍ من الصياغات الدينية لمدينة «أون» المقدَّسة، نجد إله الشمس يخلُق من ذاته بالاستمناء — إيغالًا في توحيده وحتى لا تكون له شريكة — إلهًا ذكرًا هو «شو» إله الهواء، وإلهةً أنثى هي «تفنوت» إلهة الندى أو الرطوبة. ويتزوج «شو» و«تفنوت» ليُنجبا إله الأرض «جب» الذي يُحتسب وفق تلك الصياغة حفيدًا لرع آتوم، وابنًا ﻟ «شو» و«تفنوت»، بينما في صياغةٍ أخرى يأتي «جب» كأبٍ لإله الشمس «رع».

ولأن أَهمَّ وسيلةِ نقل للمصريِّين هي الإبحار في النيل، فقد تصوَّروا أن هناك نيلًا آخر في السماء، هو الذي يؤدِّي إلى سقوط الأمطار أحيانًا.٩ وأن دورة الشمس اليومية تتم بإبحار «رع» في النيل السماوي، في مركبٍ أَسمَوه «مركب الشمس»، تجوب به السماء من الشرق إلى الغرب نهارًا، لتنتقل إلى زورقٍ آخر مع الغروب لتعبُر به سماءً سفلى أثناء الليل من الغرب إلى الشرق، وهكذا دوالَيك. أمَّا تلك اللحظة التي يتم فيها الانتقال فكانت أخطر اللحظات إطلاقًا؛ حيث كانت غالبًا ما تدور حربٌ هائلة ودموية يظهر أَثرُها في لون الغسق الناري وفي لون الشفق؛ فالرحلة الإلهية لم تكن تتِمُّ دومًا في بهاءٍ وسلام؛ لأن هناك إلهًا للشر هو الأفعى الضخمة الأفعوانية «أبوفيس» وجنوده، يكمُن في لحظة الظلام لِيُداهم زورق الشمس ويبتلع إله النور، لذلك كان يحرس الإله في مركبه بحارةٌ وجنود وحاشية، تخوض معاركَ شرسةً ضد إله الظلام والشر «أبوفيس»١٠ حتى لا تسمح له بابتلاع الشمس الذي يعني خراب الزرع والضرع، وتُحوِّل البلاد إلى باديةٍ جرداء، لذلك ألحق المصريون باسم «أبوفيس» العلامة الهيروغليفية الدالة على الصحراء والجدب، وهي ذات العلامة المستخدمة لكلِّ ما يمُت للصحراء والشر والجفاف والظلام بِصِلة.

ومن هنا لا بُد من وجودِ جيوش الخير بصحبة «آتوم رع» لقهر التنين «أبوفيس» وجنوده، وهو اعتقادٌ مَردُّه إلى اعتقادٍ آخرَ شاع في أقطار الشرق القديم — ولم يزل — وهو أن كسوف الشمس أو خسوف القمر، ناجمٌ عن ابتلاع ثعبانٍ ضخم أو شيطان أو مجموعة من الجن للجِرم السماوي. وما زال الأهلون في قرانا يخرجون بالطبول والعصي والسيوف في جماعاتٍ منظمة تُمثِّل جنود الخير تُهلل وتُكبِّر لمساعدة الجِرم عند ظهور حالة الخسوف، لتخويف الثعبان ليُطلِق الجِرم السماوي. ومن هذا اعتقَد المصري القديم في تعرُّض «آتوم رع» أحيانًا، بل وفي أي وقت، للالتهام أثناء إبحاره في دوَّامات النيل السماوي؛ لذلك وضعوا تلك الترتيلة السحرية المُعوذة لمساعدة إله الشمس على الهروب من «أبوفيس» والإبحار السريع في مياه السموات العظيمة؛ حيث لا يتمكن «أبوفيس» من اللحاق به أمام جحافلِ جيش الخير التي تُعطِّله دومًا عن غايته الشرِّيرة. وقد صِيغت ترتيلة «فشل التنين» عدة صياغاتٍ متواترة في نقوشٍ متعددة في مواضعَ مختلفة بالوادي، وليس على حجر العريش وحده، وتُستخدم التعويذة خاصة عند الغروب حيث تختفي الشمس في الظلام وتكون أكثر تعرُّضًا للابتلاع، وربما لا تعود للظهور في اليوم التالي. وإن الشمس كان دوامها النهاري يتناقص في فصل الشتاء (هو فصل الجدب) إلا لأنها كانت تخوض حربًا مَريرة مع جيشها كل ليلة ضد الشيطان «أبوفيس»، الذي لا يستقوي إلا في فصول الجدب الباردة.

ومَطلَع النص مُعنون ﺑ «فاتحة قهر أبوفيس عدوِّ رع وعدو الملك أون نفر (اصطلاح ملكي يشير لأي فرعون بمعنى له الحياة)، له الحياة والفلاح والصحة … كتاب معرفة الخلق لرع وقهر «أبوفيس»، الكلام الذي يتلى»، ثم يبدأ المقطع الأول بترديدِ عظمة أتوم رع باعتبار الخالق «قال إله الجميع بعد أن جاء إلى الوجود … (هنا حديث طويل عن خلقه للآلهة من أبنائه وأحفاده ومنهم «جب رب الأرض» … «أمرتُهم بإبادةِ أعدائي بواسطة السحر» الفعَّال لحديثهم، وأخرجُت هؤلاء الذين جاءوا إلى الوجود من جسمي أن تُصَب عليه لعنة … «ينتصر رع عليك … هكذا تكون في مركبك»، ستعبر السماءَين في سلام … إلخ.»١١ وهكذا يُهمِل «فليكوفسكي» اسم «رع» تمامًا من النص، ويفصل عنه «أتوم»، ويحذف الهمزة ليصبح «توم» حتى يلتقي باسم الموضع التوراتي «بي توم». ثم تصبح المعركة ضد ظلام الكسوف، معركة الفرعون «توم» مع الملك الهكسوسي «أبوب» عند موضعِ عبورِ بني إسرائيل الميامين «بي حيروث». ويتحول إسراع «أتوم رع» بالهرب من أبوفيس (حيث كانت مهمته الهرب دومًا والحفاظ على ذاته بينما يحارب جنوده عنه ليهرب) إلى الماء السماوي؛ يتحول إلى فرعون يندفع مع جيشه إلى دوَّامات البحر (وعليه نفهم أنه غرق رغم أن القصة ليس فيها أي غرق). وبكل براعةٍ يُطابِق بين اسم التنين «أبوفيس» وبين اسم الملك الهكسوسي «أبوب» مع استثمارِ عدمِ معرفة القارئ غير المُتخصِّص لمعنى «خرطوش»، فيشير إلى أن وجود اسم «توم» محفورًا على خرطوش يشير إلى كونه كان ملكًا لأنها الصيغة المصرية المتبعة لكتابةِ أسماء الملوك. بينما المعلوم لدى أي مُهتمٍّ بالمصريات أن الخرطوش كان لتدوين أسماء الآلهة، في المقام الأول، ثم لتدوين أسماء الملوك المُؤلَّهين، أو الحاكمِين بحق النسل الالهي في المقام الثاني؛ لذلك كان طبيعيًّا أن ينقش سم «رع آتوم» داخل خرطوش. أمَّا اسمُ حالةِ ما بين النور والظلام شبه المضيئة بين ذهاب النهار الذي أظلم، وبين قدوم ظلمة الليل، فيتحول من التسمية «باخيت» التي تدُل على الخوف من الظلام وما قد يَحيق برب الشمس، ولم يزل يقولها المصري إلى اليوم تخويفًا «بخ»، تتحول إلى «بي حيروث» التوراتية.

ثم إن «فليكوفسكي» يضع علامة استفهام وعلامة تعجُّب من تلقيب «رع» مرة بلقب «حر أختي» ومرةً بلقب «حرماكيس»، وهو ما يشير إلى أنه يوحي لقارئه، أنه قد لمس خطأً في النص ربما يرجع لجهلٍ من كاتبه. لكن معنا ربما انصرف الذهن الأن إلى جهل في «فليكوفسكي» ذاته. لكن الرجل حتى الآن أثبت براعةً تجعلنا ننأى به عن صفة الجهل، لكنها لا تنأى به عن العَمْد إلى التزوير؛ لأن «حر أختي» هو اسم الشمس أو لقبها في حالة الشروق، أمَّا «حرماكيس» فهو عندما تكون في حالة الغروب ويُمثِّلها حينئذ أبو الهول، واللقب الحوري لإله الشمس «رع آتوم» يُشبِّه الشمس بالحر أو «حور» الصقر. إنها تطير كالصقر، إضافةً لما يحمله لفظ «حر» من معنى الحرارة.

و«فليكوفسكي» وهو يقوم بهذه التلفيقة الكبرى، يعمد إلى ترجمة «نتر» ومرادفاتها بالقصة إلى ملك، وهي إن صلحت للدلالتَين إله وملك، فإنها تُستعمل عادة للإشارة للآلهة، أمَّا «جب» إله الأرض، وحفيد «رع آتوم» فيصبح عند «فليكوفسكي» الأمير الملكي الذي فقد عرشه بعد غرق أبيه بمعجزة البحر الملفوق بالعصا السحرية، ولأن حجر العريش فيما يبدو كان تسجيلًا لحالةٍ هامة من حالات الكسوف، فقد قام جب بالدور المطلوب منه حسب نص التعويذة والذي من أجله وُجد أصلًا هو وأشقاؤه من آلهة؛ فخَلْقُهم كان بغرض حماية «رع آتوم» من «أبوفيس».

لكن من المهم هنا أن نُسجِّل للعالم البارع «فليكوفسكي» سقطةً لا تليق به؛ فالسرد هنا جميعه يتناول «حربًا خاضها الفرعون — حسبما يقول — ضد الملك الهكسوسي «أبوفيس»، إذن لم تكن مطاردة ضد الإسرائيليِّين» — حتى لو أخذنا بتزويره — وحتى يلتقي النص مع الزمن الذي حدَّده لدخول الهكسوس، وهو ذات الوقت الذي خرج فيه بنو إسرائيل، «فلا بُد أن يكون الملك الهكسوسي ليس «أبوفيس»، إنما يجب أن يكون «سالاتيس» أول ملوك الهكسوس على مصر؛ لأن «أبوفيس» الأول وليس الثاني أو «أبوب الأول» هو الملك الرابع من ملوك الهكسوس الفعليِّين على مصر، وليس ملك الغزو، ولو ذهبنا إلى كونه ربما كان «أبوفيس» أو «أبوب الثاني»، فإن ذلك يعني أن تلك الحرب قد حَدثَت في آخر عصر الهكسوس، وهو ما يبعُد أربعةَ قرون عن عصر خروج بني إسرائيل حسب تاريخه هو وتزمينه للأحداث.»

الحقيقة أن الرجل رغم براعته، ورغم أنه أَمتعَنا فعلًا بأكبرِ عمليةِ تزويرٍ وتلفيق، فإنه كبا حتى الآن لأكثر من كبوة، أمَّا هذه فكانت سقطةً شديدة.

(٥-٣) تزييف دلالاتِ بردية الأرميتاج

اكتَشفَ بردية الأرميتاج المصرولوجي «جولنشيف»، وقام بترجمتها ودرسها وتحقيقها وتحليلها كلٌّ من «بيت وبرستد وإرمان وجن وجاردنر»، وهي محفوظةٌ الآن بمتحف «ليننجراد»، وتحوي نبوءات الكاهن المُرتل «نفررحو». وتدَّعي البردية أنها أُلقِيَت في حضرة الفرعون «سنفرو» أحد أوائل ملوك الأسرة الرابعة من الدولة القديمة. وفي رأينا أنه قد دَخلَها على حالتها التي وَصلَتنا أكثر من خدعة: الأولى في كونها تحكي عن أحداثٍ تخص عصرًا، وكُتبت في عصرٍ آخر ونُسبت إليه، وقد ذهبنا في كتاب «أوزيريس …» «أنها كُتبت في عصر الثورة في العصر المتوسط الأول في نهاية الدولة القديمة، وأُعطيت قيمةً تقليدية — حيث القديم يكتسي القداسة والتبجيل — بنسبتها إلى عصرٍ مُوغل في القدم، عصر «سنفرو» قبل عصر الثورة بقرونٍ طوال.»

«أمَّا الخدعة الثانية فهي في نسبتها لِعصرٍ موغل في القِدم قبل الأحداث التي تُروِّج لها بالفعل، مما يُكسِبها قدرةً أعظم على التنبُّؤ.»

والخدعة الثالثة التي ربما جازت على كثيرٍ من الباحثين، فهي أنها استُثمِرت مرةً ثالثة في عصرٍ يخالف العصرَين السابقَين: عصر «سنفرو» وعصر الثورة، بأن أُضيف إلى متنها الأصلي نصًّا إضافيًّا أُلحق بآخرها، وهو النص الذي — بعد سَردِ أحداث الصراع الاجتماعي، وتسلُّل الآسيويِّين إلى البلاد — يضيف نبوءةً بملكٍ منقذ يأتي ويُخلِّص البلاد من كبوتها، أشارت إليه باسمه المختصر «آميني». وذهب المؤرخون إلى أنه هو «آمنمحات الأول» مؤسِّس الأسرة الثانية عشرة من الدولة الوسطى، مما حدا بهم إلى تزمينها «بإثبات تاريخها في عصر ذلك الفرعون، وأنها كُتبت في عهده ثم نُسبت إلى أيام «سنفرو»، كي تتحول إلى لونٍ من ألوان الدعاية لآمنمحات كملكٍ عادلٍ مُنقذ»، وهو ما نُوافق عليه تمامًا. لكنا سقنا في المقابل عددًا من القرائن التي تُشير إلى أن «الجزء الأخير الذي يتنبأ بالملك المنقذ «آميني» هو فقط الذي تصح نسبته لعصر «آمنمحات»»، وأن هذا الجزء قد أُضيف بالفعل أيامه أو قبل صعوده سُدَّة العرش بزمنٍ يسير، وكان معلومًا باليقين للكاتب الذي أضاف تلك النبوءة أن «آمنمحات» لا بد سيُصبح ملكًا للبلاد. أمَّا بقية متن الوثيقة فكان بالفعل يسبق عصر «آمنمحات» بزمان، «وأن ذلك الأصل قد تم تدوينه زمن الثورة، وبالتحديد أيام فوضى العصر المتوسط الأول»، وهكذا أصبحت الوثيقة تبدو بكاملها كرؤيةٍ تنبؤيةٍ بقدوم «آمنمحات».

أمَّا السر في عدم اليقين من التأريخ الصادق لزمن الأحداث الواردة بها، أنها لم تُدوَّن بالفعل على النسخة التي وَصلَتنا إلا في عهد الدولة الحديثة، من قِبل كاتبٍ عاش في القرن ١٥٠٠ق.م؛ حيث ظهرت له أهمية النص الأصلي الذي بدا موشكًا على التلف، فقَرَّر نسخه والاحتفاظ به، ولمَّا لم يجد برديةً خالية عنده قام بنسخها على ظهرِ برديةٍ كان يستخدمها لإجراءِ حساباتِه الخاصة، وبذلك وصلتنا نبوءة «نفررحو» بالصدفة البحتة، بما تحويه من غموضٍ ومن أغلاطٍ كثيرة حَدثَت نتيجة النسخ عن نصٍّ قديم يختلف أسلوبه عن أسلوبِ عصر الناسخ.

وترجع أهمية الوثيقة لكونها — في رأينا — «دُوِّنَت لأول مرة في عصر الثورة بالعصر المتوسط الأول»، لكنها بعكس «إبيور» الذي ركَّز اهتمامه على أحداث الثورة، فإنها «ركَّزَت اهتمامها على تسلُّل الآسيويِّين للبلاد»، فألقت الضوء على ما أهمله «إبيور» وساقه في شذراتٍ لا تُعطي تفصيلًا عن ذلك التسلُّل بشكلٍ واف، وهنا يجدر بنا أن نضيف أنه ليست فقط مؤخرة البردية هي التي أُضيفت إليها في عهد «آمنمحات»، بل إن بالمدخل شواهدَ واضحة على كونها بدورِها تمت إضافتها في عهد «آمنمحات».

الوثيقة تبدأ بالملك «سنفرو» جالسًا وسط حاشيته: «وقال لهم جلالته: يا إخوتي لقد أمرتُ بطلبكم لتبحثوا لي … عن أي شخصٍ يتحدث بكلامٍ جميل وألفاظٍ منتقاة، عندما أسمعها أجد فيها تسلية، عندئذٍ سجدوا … وقالوا … يُوجد مُرتلٌ عظيم للإلهة باست يا أيها الملك، اسمه نفررحو، وهو «رجلٌ شعبي قوي الساعد» وكاتبٌ حاذق الأنامل … فقال جلالته: اذهبوا وأئتوني به … فقال المُرتِّل نفررحو: هل تريد كلماتي عما حدث أو ما سيحدث يا مولاي الملك؟ فقال جلالته: لا، مما سيحدث؛ لأن الحاضر قد أتى إلى الوجود يمر بنا، ثم «مد يده إلى صندوقِ مواد الكتابة، وأخذ قلمًا وقرطاسًا ومدادًا وكتب: كتابة ما تحدَّث به الرائي نفررحو». ابن مقاطعة عين شمس، حينما كان يُفكِّر فيما سيحدث في الأرض، ويُفكِّر في حالة الشرق حينما أتى الآسيويون بقوتهم» (ولنلحظ أن نفررحو من عين شمس بالدلتا، مما يجعله أقرب إلى معايشة أحداث التسلُّل البدوي بل وكان في مركز هذا التسلُّل في بوبسطة معبد الربة القطة باستت). ويقول نص كلام «نفررحو»:

فؤادي، لطالما تألمت من أجل تلك الأرض التي نشأت فيها.
وقد أصبح الصمت نقيصة.
وثَمَّةَ أمورٌ يتحدث القوم عنها …
وقد ولى زمان الرجل الكفء …
فمن أين تبدأ؟ …
لا تُراعِ فؤادي؛
فالأمر واضح أمامك «وعليك أن تُقاومه».
لقد أصبح حكام البلاد يأتون أمورًا ما كان ينبغي حدوثها،
«وخرِبَت الأرض» وليس من يأسى عليها.
… يتحدث الجميع عن الحب … لكن الخير اختفى.
تناقصَت الأرض لكن الموظفِين تزايدوا.
جفَّت الأرض لكن «الضرائب تضخَّمَت».
قلَّت المحاصيل لكن المكيال اتسع،
«واقتحم القبليون أرض مصر»،
وما من مُدافعٍ ليسمع أو يجيب.
تباعَد «رع» عن الناس وأصبح الكليل صاحب سلاح،
«وصار القوم يُبجِّلون من كان يُبجِّلهم …»
لكن سيأتي ملك من الجنوب اسمه آميني،
ابن سيدة من تاستي،
طفل خن نخن،
سوف يتسلم التاج الأبيض،
ويلبس التاج الأحمر،
والناس في زمنه سيكونون سعداء،
إن ابن أحدهم (أو ابن الإنسان)،١٢
سيُخلَّد اسمه إلى أبد الآبدين.١٣
أمَّا «الذين تآمروا على الشر ودبَّروا الفتنة»،
فقد أخرسوا أفواههم خوفًا منه،
والآسيويون سيُقتلون بسيفه،
واللوبيِّين سيُحرَقون بلهيبه،
«والثوار سيستسلمون لنصائحه»،
والعصاة لبطشه.
«سيخضع المتمرِّدون» للصل الذي على جبينه،
وسيقوم أسوار الحاكم،
حتى لا يتمكن الآسيويون من غزوِ مصر،
وسيستجدون الماء حسب طريقتهم المعروفة،
حتى تَرِدَه أنعامُهم،
وستعود العدالة إلى مكانها،
ويُنفي الظلم من الأرض،
فليبتهج من سيراها،
ومن سيكون من نصيبه التعاون مع ذلك الآتي.١٤
هذا، وكنا قد ذهبنا في كتابنا «أوزيريس …» إلى أن تولى «آمنمحات الأول» عرش مصر، يوحي أن تلك الولاية كانت قمةَ أغراضِ العمل الثوري، استنادًا إلى شواهد أهمها:
  • أن «آمنمحات» لم يكن من سلالة ملكية، ولا حتى من أبناء النبلاء، بل كان رجلًا من سواد الشعب، وإن كان طيب المنبت، أثبت صلاحياتٍ عسكرية وحربية أَوصلَته إلى وزارة الحرب، ويعلمنا «سليم حسن» مستفيدًا من «جاردنر» أن تعبير «ابن أحدهم» أو «ابن الإنسان» تعبيرٌ متواتر يشير إلى شخص من نسلٍ غير ملكي أو نبيل، وإن كان ابن أسرةٍ طيبة.١٥
    ويقول «جيمس برستد» صراحة: «إن آمنمحات قد اغتصب الملك قهرًا.»١٦ ويذهب معه آخرون إلى أنه كان وزيرًا قويًّا في عهد «منتوحتب الرابع» آخر ملوك الأسرة الحادية عشرة، واستطاع — أثناء وزارته — أن يُركِّز بيدَيه سلطاتٍ كبيرة، يُشرِف إشرافًا فعليًّا على شئون الدولة، وانتهز وفاةَ مليكِه فوثَب على العرش.١٧ هذا ناهيك عن الاتفاق شبه الكامل على أنه هو ذاته «أمنحتب سحتب أب رع» رئيس الجند في عهد «منتوحتب الرابع»، وأنه استغل رياسة الجند للإطاحة بمليكه والقضاء على شأفة أُسرته. وقد أكد «برستد» وهو مصرولوجيٌّ ثقة أنه هو ذاته «آمنمحات سحتب أب رع» صاحبُ آخرِ حملةٍ مشهورة تم تجريدها لتطهير البلاد تمامًا من بقايا الآسيويِّين، وذلك قبل قيام الأسرة الثانية عشرة بزعامته بزمانٍ يسير.١٨
  • والشاهد الثاني هو أن قائد الجند «أمن محات» ينتمي باسمه الذي يعني «آمن في الطبيعة» إلى إله كان مغمورًا حتى ذلك الحين هو «آمن»، مما يُشير إلى اتباعه عقيدةً تُخالف عقيدة سادته، المناتحة التابعين للإله «منتو» إله أرمنت، وهو أمرٌ غريب مع وزير في حكومةٍ فرعونية، ومنذ تولي «آمنمحات» الحكم يرتفع شأن «آمن» حتى يصبح أهم الآلهة على الإطلاق حتى نهاية العصور الفرعونية.

    والخطير في رأينا هو أن «آمون أو آمن» كان في العقيدة الشعبية هو «… روح أوزيريس»١٩ ذلك الإله الذي احتسبناه أُدلوجة الثورة.
  • والشاهد الثالث هو أن «آمنمحات» اعتُبر في نظَر رجال الفكر المصري القديم — كما عند «نفررحو» — المُخلِّص المنتظر، إضافةً إلى كونه الرجل الذي وجَّه همَّه إلى كسر شوكة النبلاء الدين بقُوا من العصور القديمة.٢٠
    وقد أسَّسنا على ذلك تكهنًا مفاده أن آمنمحات كان رجل الشعب المنتظَر، وربما كانت القيادات الشعبية وراء الترويج له كما في إضافة النبوءة به لأشعار «نفررحو»، مع تمهيد السبيل له بكل الوسائل للوصول إلى الحكم. ولعل في نص البردية ما يشير إلى حميمية العلاقة بين «آمنمحات» والثوار، فإن الآسيويِّين سيقتلون بسيفه «واللوبييون سيُحرقون بلهيبه»، و«العصاة ببطشه»، لكن «الثوار سيستلمون لنصائحه». وقد استطاع آمنمحات بالفعل أن يجعل من عصره أزهى عصور الدولة الوسطى، ولكن «أندريه إيمار» و«جانين إبوايه» يذهبان إلى تأكيدِ أنه قد مالَ آخر أيامه إلى عقدِ لونٍ من المصالحة مع النبلاء الأقوياء … الذين بدءوا يستعيدون نفوذهم بعد سكون الأحوال، بحيث ارتضى السماح لهم باستعادةِ قسطٍ من النفوذِ القديمِ مقابِلَ طاعته.٢١

وهنا عثرنا على نصوصٍ تشير إلى مؤامرة قد دُبرت في الخفاء لاغتيال الملك، وبلغت حدًّا بعيدًا حيث دخل عليه الجناة غرفة نومه، وهجموا على شخصه الملكي بالسيوف، مما اضطَره للدفاع عن نفسه بنفسه حتى هُرع الحراس لمساعدته، وقد احتسبنا تلك المحاولة قد جاءت من جانب القيادات الثورية إزاء سياسته الجديدة مع النبلاء؛ بحيث استدعى تصفيته جسديًّا. ويدل حديث «آمنمحات» عقب محاولة اغتياله على ذلك المعنى؛ فهو يأسف لخيانة حلفائه الذين وثِق بهم، ويقول:

لقد أحسنتُ إلى اليتيم،
وأطعمتُ المساكين،
وتحدثتُ مع الوضيع كمحادثتي مع الأمير،
لكنَّ كلَّ مَن أكل خيري،
قام ضدي.٢٢
والمعنى الواضح أنه كان حليفًا لطبقةٍ محددة، يصفها باليتم والمسكنة والوضاعة، مؤكدًا أن هؤلاء الحلفاء هم من حاولوا اغتياله، وإن كان «برستد» يؤكِّد أن المتآمرِين كانوا من رجال حاشيته،٢٣ فإن ذلك يدعم مذهبنا؛ لأنه من الطبيعي أن تكون حاشيته متشكلة ممن مهَّدوا له السبيل إلى العرش، ومن هنا نفهم لماذا قام بتصفيتهم جميعًا بعد ذلك.

كما أن في بردية «نفررحو» معانيَ كثيرةً تؤيد ما ذهبنا إليه، ونسوقها هنا كأدلةٍ جديدة لم نُدرِجها بكتابنا المذكور؛ فالمعتاد أن يسبق اسم فرعون ويتبعه عددٌ غفير من ألقاب التشريف والسيادة والتفخيم إلى حدٍّ مبالَغ فيه، ويثير عجبًا شديدًا بين الباحثِين، وهو الأمر الذي تخلو منه هذه البردية تمامًا، وهو أمر خارج على المألوف بالمرة. ناهيك عن كون الملك يخاطب حاشيته بالنداء: «إخوتي» ويتوجه بالحديث لأحد رعيته بالقول: «يا صاحبي»، وبدلًا من أن يأمر بإحضار الكاتب الملكي، يقوم هو بهذا الدور ليُسجِّل ما يقول واحدٌ من بين أصغر رعاياه. وهي مشاهدُ لا يمكنك أن تجدها قبل أو بعد تلك الوثيقة النادرة، في تراثِ مصر القديمة. أمَّا أن يطلب صاحب الجلالة مُرتلًا يؤنسه فيخبره رجاله لزيادة سعادته وإدخال السرور على قلبه أن مثل ذلك الرجل موجود، وأنه ليس رجلًا عاديًّا، ويُبشِّرونه بوصف الرجل المطلوب بالوصف «رجلٌ شعبي قوي الساعد»! فهو أمر في غنًى عن التعليق.

والآن ماذا قدَّم لنا «فليكوفسكي» بشأن بردية الأرميتاج!

بعكس الجميع فإن كلمة «أميني» تشير عنده إلى «أمنحتب الأول» ابن الملك «أحمس» ملك التحرير، ويُعد «آمنحتب الأول» ثاني ملوك الأسرة الثامنة عشرة. والاسم هنا بدوره ملصق من مَقطعَين «آمن + حتب»، ولأنه يريد من كلمة «آميني» أن تُشير إلى مُحرِّر مصر من الهكسوس؛ لأنها لا تلتقي مع المحرر «أحمس»، فلتلتقِ مع ولده، ولأن «آميني» من «تاستي» بالنوبة، فلا بد أن يكون أسود اللون وهو لون «آمنحتب الأول»، لكنه أيضًا لون «آمنمحات» وأغلب حكام مصر من ملوك طيبة. «ميني» إذن يحتمل أن تشير «لآمنمحات» حتى يتزامن التاريخ مع زمن التوراة، ولأن الفاصل بين الرجلين «آمنمحات الأول» و«آمنحتب الأول» يصل إلى قرون، إلا أن أخطر ما يدحض «فليكوفسكي» تمامًا، هو نص البردية الذي يصف «آميني» بأنه ابن أحدهم؛ أي ليس سليلَ بيتٍ ملكي فهو ملكٌ ابن ملك من ذات الأسرة الحاكمة، بينما الملك «آمنحتب الأول» هو ابن الملك «أحمس» بن الملك «سقننرع» … إلخ، أمَّا «آمنمحات» فرجلٌ من عامة الشعب، وهكذا لا ينطبق الوصف على الملك الذي اختاره «فليكوفسكي» ليتزامن مع تاريخه، وقصد به أن يطابق «آميني» مع «آمنحتب الأول» ليستطيع أن يجعل من بردية الأرميتاج برمتها شهادةً على أحداث الخروج ودخول الهكسوس.

أمَّا الدحض الثاني لهذا السند لإعادة كتابة التاريخ حسب التزمين الفليكوفسكي، فهو ما جاء، في نص البردية: «… الآسيويون سيُقتلون بسيفه … وسيقوم أسوار الحاكم حتى لا يتمكن الآسيويون من غزو مصر.» والمعلوم أن سور الحاكم الذي كان يُشار إليه بالتعبير «حائط الحكم التي أُقيمت لصد الآسيويِّين والقضاء على عابري الرمال» قد بُنِيَت في عهدِ ملوكِ الأسرة الثانية عشرة٢٤ أسرة «آمنمحات» وقبل زمن «آمنحتب الأول» بستة قرونٍ كاملة.
وبمزيد من البحث والتدقيق، نجد في وثائق الأدب المصري، وفي قصة «سنوحي» تحديدًا، وهي قصةٌ أدبيةٌ مشهورة، دليلًا قاطعًا على أن «حائط الحاكم» قد أُقيم زمن «آمنمحات الأول»، أو أنه كان موجودًا في آخر أيام هذا الملك، وبعد القضاءِ التامِّ على أيِّ آثر ﻟ «العامو حريشع» بمصر؛ فيحكي «سنوحي» بعد أن بلغه نبأ محاولة اغتيال الملك «آمنمحات الأول»، ودون أسبابٍ واضحة لم تزل شاغلةً لِلمُهتمِّين من الباحثِين، يشعُر المحارب «سنوحي» بالذعر الشديد، ونظن السبب واضحًا مع رؤيتنا التي قدَّمناها، وموقف سنوحي يُشير إلى كونه كان أحدَ القيادات الشعبية المتآمرة على الملك، بل وكان شريكًا مخطِّطًا على الأقل؛ لذلك نجد سنوحي يهرب فورًا إلى آسيا بعد أن غافَل حراس «حائط الحاكم» أو بالنص في قوله: «وأعطيتُ الطريق لقدَمي — وهو يشبه تعبيرنا: أسلمتُ قدَمي للريح — ولمَّا اقتربت حائط الحاكم المقامة لرد الآسيويِّين والقضاء على عابري الرمال، قَعدَتُ القُرفصاءَ تحت أجمةٍ خشبية، خشيةَ أن يراني حُراس الأسوار أثناء تأديتهم لخدمتهم اليومية».٢٥

فالحائط قد أُقيم إذن في عهد «آمنمحات»، وقبل «آمنحتب» بستة قرون، وبه تسقط حُجة «فليكوفسكي» المؤسَّسة على بردية «نفررحو» لإعادة صياغة تاريخ العالم، مع زيادة يقين القارئ الآن، أن غزو الهكسوس كان أمرًا يختلف تمامًا، ومتأخرًا تمامًا، بالنسبة للتسلُّل الآسيوي الأول في العصر المتوسط الأول، وأن غزو الهكسوس كان حدثًا، وغزو أولئك الذين انتهزوا فرصة الثورة للتسلل كان حدثًا آخر، وهو من أَطلَق عليهم المصريون «العاموحريشع».

(٥-٤) تزييف دلالات نبوءة الخزاف

في عملية التأريخ التي قام بها العلماء لتاريخ مصر القديمة، كان ثَمَّةَ خطأ بالفعل، لكنه ليس من نوع الخطأ الذي يسقط بموجبه ستة قرونٍ كاملة من التاريخ كما يريد «فليكوفسكي»، إنه خطأ لا يُسقط شيئًا إنما يؤدي إلى التباسٍ في حسابات سني الملوك والأسر، ومدى دقة ضبطها مع توقيتٍ مُحدَّد في عامٍ بذاته. وللتوضيح نقول: إن الخطأ لم يكن ناتجَ نقصٍ أو تشويه للمستند التاريخي، لكنه كان عيبًا في التقويم المصري ذاته؛ إذ إنه في زمنٍ بالغ القدم، كان المصريون قد وضعوا حساباتهم الفلكية التي بموجبها وضعوا ما نسميه اصطلاحًا في علم المصريات بالنسبة المدنية التي تحتوي على ٣٦٠ يومًا، لكن السنة الفلكية تزيد ربع يوم أو مع زيادة طفيفة عن هذا الربع. لذلك فإن بدء العام الجديد في السنة الخامسة من التقويم المصري كان يزيد يومًا كاملًا إذا قارنَّاه بالنسبة الفلكية، وعندما نُسقط تلك الزيادة — كما نفعل اليوم فيما نسميه بالسنة الكبيسة — فإننا سنجد فارقًا في حسابات السنة المصرية القديمة، بشهرٍ زائد كل ١٢٠ سنة عن السنة الفلكية. ومع تراكم هذا الشهر كل ١٢٠ سنة يبدأ التناقُص بالظهور، مع أناسٍ يعملون في مواسمَ للزرع ومواسمَ للحصاد، وهو ما عبَّرَت عنه بردية عصر الرعامسة التي تقول: «إن الشتاء يأتي في الصيف، والشهور تنعكس، والساعات تضطرب …» ويبدو أن المصريِّين لم يُحاولوا تلافي الخطأ لما يحوطه من قُدسيةٍ تحريمية تقليدية، حتى جاء «بطليموس الثالث» عام ٢٣٧ق.م ليصدر مرسومًا بإدخالِ يومٍ إضافي للسنة، حتى يمنع أعياد مصر الوطنية من المجيء في غير مناسباتها الزراعية، وحتى لا يأتي الشتاء في الصيف لكن٢٦ «فليكوفسكي» لا يجد مانعًا من الإتيان بنص البردية «ويعود موسم الشتاء إلى موقعه الصحيح من العام، وتستعيد الشمس مجراهًا الطبيعي» ليوحي أن الشمس كانت قد خَرجَت عن مدارها نتيجة الخلل الكوني الذي أصاب كوكبَ الأرض وسببَ كوارث الخروج.

ثُم يستمر «وتهدأ الرياح بعد أن كانت الشمس محجوبة بسبب العاصفة.» بعد أن يكون قد مزج بين نص البردية المنسوبة لعصر الرعامسة بالأسرة التاسعة عشرة، وبين مرسوم كانوب المكتوب بثلاثِ لغاتٍ منها اليونانية، والذي أمر به «بطليموس الثالث» عام ٢٣٧ق.م. وبعد ذلك يُسرِّب فصلًا تحت عنوان «استفسارات» يقول فيه «لا تُوجد معلوماتٌ قاطعة عن أي غزوٍ آسيوي «عامو» أو «آمو» حدث في العصر المتوسط الأول الذي يقع بين الدولة القديمة والدولة الوسطى.» حتى لا يكون ثَمَّةَ إمكانٌ لغزوٍ سوى غزو الهكسوس الذي حدث بعد الأسرة الثانية عشرة، وهي مخالفةٌ صريحة لكل ما تعارَفَ عليه علم المصريات بكشوفٍ أركيولوجية واضحةٍ غيرِ مُلتبِسة. وهذا التغافُل عن تلك الحقيقة كان عموده العظيم الذي أسَّس عليه بُنيانَ إعادةِ صياغة التاريخ، وبحيث انتهى إلى عدمِ صحةِ أو جوازِ نسبةِ بردية لايدن وبردية الأرميتاج إلى ما قبل الأسرة الثانية عشرة؛ ومن ثَمَّ تكون كلُّ روايتهما والأحداث التي وَردَت بهما تتفق تمامًا مع لحظة دخول الهكسوس ولحظة خروج الإسرائيليِّين، تلك اللحظة التي صاحَبَتها كوارثُ فلكيةٌ نادرة، أَشرفَ على تنظيمها، ورتَّب الإخلال بنظام الكون خلالها، الرب «يهوه» بذاته، من أجلِ عيونِ شعبه الذي فضَّله على العالَمِين! في معزوفة فليكوفسكي النادرة.

لكن الثابت تاريخيًّا أن مصر كانت تتعرَّض دومًا وبشكلٍ شبهِ دوريٍّ للغزوات الرعوية، والتسلُّل إلى البلاد، وخاصة مع أيِّ لحظة ضعفٍ أو خللٍ في المركزية، وهو ما تشهد به الوثائق التاريخية، نضرب منه أمثلةً سريعة؛ ففي عهد «بيومي الأول» بالدولة القديمة «عصر بناة الأهرام» يحكي قائد الجيوش: «وحين أراد جلالته أن يُوقع العقوبة على الآسيويِّين والساكنِين على الرمال، جمع جلالته جيشًا من عشرات الألوف … وأرسلني جلالته على رأس ذلك الجيش … عاد هذا الجيش في سلام … بعد أن حمل معه جيوشًا كثيرةَ العدد كأسرى.»٢٧
وهناك تسلُّل آخر قُوبل بردعٍ سريع في الأسرة الحادية عشرة، أو بالأحرى في بدايتها، في عهد «منتوحتب الأول» الذي سجَّل نصًّا يقول إنه «استولى على الأرض كلها، وأقدم على ذبحِ آسيوي دجاتي.»٢٨ كما علمنا بطرد «آمنمحات» لطرد بقايا العامو حريشع عندما كان قائدًا على جيوش «منتوحتب الرابع»، ثم تبعه ابنه «سنوسرت الثالث» الذي طاردَهم إلى مواطنهم خارج الحدود المصرية، وهو ما تُسجِّله لوحة نسمونت «ارتحل الملك بنفسه للقضاء على الآسيويِّين ووصل إلى إقليم سكمم» وهو منطقة «ششم» السامرية الجبلية بشمال فلسطين،٢٩ وهو أمرٌ ما كان ممكن التحقُّق لو كان أولئك الآسيويِّين هم الهكسوس الذين احتلوا المنطقة كلها بما فيها فلسطين ومصر. وأمَّا الملك «خيتي» فيُسجِّل قبل ذلك بزمان، في العصر المتوسط الأول «عامو التعساء إن سوء الطالع يحل حيث يحلُّون … إنهم يقومون بالمعارك منذ عهد حورس (يعني منذ فجر التاريخ)، ومع ذلك فإنهم لا ينتصرون مطلقًا، وهم كذلك لا يغلبون.»٣٠ ثُم يُوجِّه النصح لولده «مري كارع» قائلًا: «الآسيوي التعس لا تُزعِج نفسك به، إن هو إلا آسيوي.»٣١ وهي بالطبع صورةٌ لا تلتقي أبدًا مع الهكسوس المحتلِّين أصحاب الإمبراطورية.

(٥-٥) تزييف دلالات مقياس سمنة

فيما وراء الجندل الثاني في أقصى الجنوب، وفي وقتٍ ما من التاريخ المصري القديم، أرسى المصريون حدودهم الجنوبية عند قلعتَين منيعتَين تُواجه كلٌّ منهما الأخرى على القمم الصخرية على ضفَّتَي النيل، واحدة اسمها «قمة» والأخرى اسمها «سمنة»، ومن هناك نحو الجنوب، ومع بدء الصخور، تبدأ أرض «كوش» بلاد الزنج، وعلى الصخور المُقام عليها قلعة سمنة حفروا مقياسًا لمياه النيل، ليتمكنوا من التنبُّؤ بالفيضان المرتفع أو المنخفض، قياسًا على الأثر الذي يتركه ماء الأعوام الماضية من أَثَر، دون حاجةٍ لفرعون حلوم، كما قصَّت علينا التوراة. وبناءً على ملاحظة «ليبسوس» لآثار المياه التي تركها على المقياس، بما يُسجِّل ارتفاعًا يزيد عن اثنَين وعشرين قدمًا على القياسات المعاصرة، يُقدِّم «فليكوفسكي» وثيقته السادسة الدالة على الكارثة، حيث يزعم أن ذلك يعني هبوطًا في التكوين الصخري وطبقات الأرض في مصر آنذاك بمقدار اثنَين وعشرين قدمًا؛ لأنه لو كانت الأرض هي الثابتة، وأن التغُّير حدث في كمية الماء المتدفِّق بالنيل، فذلك لا شك يعني أن عددًا من المعابد والمساكن في السنوات الأسبق كان من المفروض أن تغطَّي بالمياه بانتظامٍ كلَّ عام زمن الفيضان.

ولا مُشاحَّة أن الرجل هنا يمتلك قدرةَ التقاطٍ عظيمة، وصبرًا على التفتيش وراء كلِّ ما يدعم مذهبه، لكنه ربما لم يلتفت إلى النتائجِ التي تترتب على هبوطِ صخور المقياس، والتي لا بُد أن تؤدي إلى هبوط المقياس بدوره بذات القَدْر؛ حيث إنه تم تسجيله حفرًا في شكل خطوطٍ عرضية على خطٍّ رأسي على الجرف الصخري عند «سمنة».

وحُجته هنا كما هو واضح واهيةٌ تمامًا، لكنه على أيةِ حالٍ يسوقها ضمن مجموعةِ قرائنَ مُتضافرة، بحيث لا يظهر هذا الضعف إلا عند انهيارِ القرائنِ الأخرى، أمَّا ما نعرفه نحن أبناء هذا الوادي يقينًا بالمعايشة والمعاينة، وفي طفولتنا قبل بناء السد العالي، أن الفيضان كان يأتي في بعض المواسم مرتفعًا إلى حدٍّ نتحول فيه جميعًا إلى طوارئ من لونٍ خاص بمصر، طوارئ الريف المصري الذي يتحرك أبناؤه فورًا، وكلٌّ يعرف دوره تمامًا دون تنظيمٍ رسمي، للرَّدم حول القرى لحماية البيوت المُتطرِّفة، التي ستتعرض — بحكم الدراية — خلال أسابيعَ للغرق الكامل. وكان الماء يرتفع إلى حدود هائلة، ولم يكن ذلك ليبهرنا نحن أبناء النيل كما أبهر الروسي/البولندي «فليكوفسكي»؛ حيث كنا مُعتادِين — في غير فصل الفيضان — على التطلُّع من فوق أسطح منازلنا، على الأطراف العليا البعيدة لأشرعة المراكب النيلية تحتنا، وكنا مُعتادِين أيضًا — في فصل الفيضان — على الصعود إلى أسطُحِ تلك المراكب واللعِب فوقها عندما ترسو عند أبوابِ بيوتنا، أمَّا المساعدة في حمل «قُفَف» الأتربة والأحجار للبالغِين وهم يقيمون الردم حول البيوت المتطرفة، فكانت مجالًا لسعادة طفولتنا وهذرها ومرحها؛ كانت لونًا من اللهو الدوري الجميل الذي — لا شك — لا يعرف «فليكوفسكي» طعمه، ولا علاقته بحميمية أبناء هذا الوادي وبعضهم، وبينهم وبين نيلهم الذي كأن يتجرأ عليهم إلى حدِّ التدمير، لكنهم كانوا دومًا أسعد الناس به، وأشد مَن في الكون فرحًا بجبروت فيضانه. أمَّا أجدادنا فكانوا يحكُون لنا في طفولتنا عن ارتفاعٍ أشدَّ قسوةً للماء لم نحظَ نحن بمعايشته، وكان يحدث قبل إقامةِ سدِّ أسوان الذي يبعُد عن السد العالي إلى الشمال بمقدار سبعة كيلومترات. وكان الأجداد يُشيرون إلى مواقعِ بيوتنا ويقولون: ما كان ممكنًا أن تُقام هذه البيوت هنا قبل إقامة سدِّ أسوان؛ حيث كان الماء يُغطِّي هذه الأرض وقت الفيضان. أمَّا أهل بعض المناطق وخاصة في وسط الدلتا فقد أقاموا قراهم بكاملها فوق ردمٍ مرتفع، جعل لتلك القرى الآن لونًا غريبًا لكنه بديع، وعلى الردم أقام الأهلون السلالم الحجرية التي كانت تسمح للفلاحات بحمل أواني الطهو والملابس لغسلها أمام أبواب البيوت مباشرةً في مياه النيل وقتَ فيضانه، بدلًا من جهدِ حَملها الطويل أيام التحاريقِ الصيفية إلى مجرى النهر البعيد.

(٥-٦) تزييف دلالاتِ نقشِ حتشبسوت الحجري

يسوق «فليكوفسكي» نَصَّ هذا النقش كالآتي: «إن مقَر «ربَّة كيس» قد تحوَّل إلى أنقاض، وابتَلعَت الأرض حرمها المقدَّس، ولعب الأطفال فوق معبدها، وقد أزلتُ عنه ما تراكم وأعدتُ بناءه، واستعدتُ ما كان أنقاضًا، وأكملتُ ما كان قد تُرك بلا بناء، فقد كان هناك آمو في وسط الدلتا، وفي حواريس، وكانوا هم من دمرت قبائلهم كل المباني القديمة، وقد حكموا البلاد غير مؤمنين بالإله رع.»

وعندما يُورِد «فليكوفسكي» ذلك النص مباشرة، بعد حديثه عن مقياس سمنة الذي يقع أقصى الجنوب ودون أن يُحدِّد أين يقع المعبد المهدم، معتمدًا على أنه مكانٌ يُسمَّى «كيس». حيث إن المعبد كان معبد «ربة كيس»، إنما يقوم بتزييفٍ آخر يذهب بالقارئ إلى مكانٍ اسمه «كيس» قرب «سمنة» جنوبي أسوان. وهنا لا شك سيُراود القارئ وهو يبني تصوُّراته أن الهكسوس قد حكموا مصر بكاملها حتى وصلوا حدودها الجنوبية قرب «سمنة»، حتى يلائم ذلك أربعة قرونٍ حكموا فيها مصر. ولن يكون مستساغًا أن يحكموا أربعة قرونٍ دون احتلال لكل شبر فيها، لكن الحقيقة أن الهكسوس لم يصلوا إلى أَبعدَ من «أشمون» الحالية في أَبعدِ التقديرات، بل ربما لم يصلوها إطلاقًا، إنما رضُوا من حكامها بالجزية التي ستسمح لهم بالمرور شمالًا إزاء إغلاقهم للحدود الشمالية على البحر المتوسط والشرقية بسيناء. كما أن التعبير «ربة كيس» فيه تلاعُبٌ واضح؛ لأنه في أصله الصادق «مقر الربة كيس» وليس «مقر ربة كيس»، والنص عبارةٌ عن نقشٍ أَمرَت بكتابته الملكة حتشبسوت على واجهةِ معبدٍ إقليمي، يُوعِز لنا «فليكوفسكي» أنه كان في سيناء لِيتيسَّر له الزعم بهبوطه تحت الأرض أثناء الكارثة. رغم المعلوم أن المعبد المذكور في منطقة إسطبل عنتر الحالية بمصر القديمة (أحد أحياء جنوب القاهرة الحالية)، وهو الذي أَطلَق عليه اليونان اسم «سيبيوس أرتميدس»، ويبدو أن معبد الإلهة «كيس» أهمل زمنًا أتاح للرمال أن تتراكم عليه «أزلت ما تراكَم عليه»، وهي ظاهرةٌ نعرفها في بلادنا. أمَّا التعبير الوحيد الذي استَندَ إليه صاحبنا في انخفاض الأرض المتزلزلة بفعل رب التوراة وقت الكارثة، وهو تعبيرٌ مجازي واضح يُشير إلى تراكُم الرمل على المعبد، يقول: «ابتلَعتِ الأرض حرمها المقدَّس.» وليس هناك أيةُ إشارةٍ لانخفاض الأرض وإلا أشارت «حتشبسوت» للأمر بوضوح. أمَّا كوننا نذهب إلى عدم تجاوُز الهكسوس لسيناء وشرقي الدلتا، فهو واضحٌ في قول حتشبسوت: «كان الآسيويون في «حواريس في شمال البلاد»، وكانت من بينهم حشودٌ تقوم بهدم ما سبق تشييده، كانوا يحكمون بغيرِ مشورةِ رع.»٣٢ ولعل القول بحشود تَهدِم ما سبق بناؤه لا تحتاج معها إلى الزلزال الفليكوفسكي.
وقبل أن ننتقل إلى القسم الثاني من نظرية «فليكوفسكي» نجدنا بحاجةٍ إلى الإجابة عن تساؤلاتٍ مشروعة إزاء ما قدَّمه حتى الآن، فإذا كان بنو إسرائيل في مصرَ منذ زمنٍ طويل سبق نهاية الأسرة الثانية عشرة حين خرجوا ودخل الهكسوس، فهل لم يُوجد في مصر شخصٌ واحد أمكنه أن يُسجِّل لنا ولو إشارة عن بني إسرائيل باسم إسرائيل أو باسم أيِّ فردٍ من إعلامهم؟ وإذا كان الهكسوس قد حكموا مصر أربعةَ قرونٍ متصلة فهل لم يُوجد بينهم من يعرف الكتابة ليُسجِّل لنا شيئًا واضحًا عن إمبراطوريةٍ عربية عظمى قامت على الجهل والبربرية؟ أولم يُوجد مصري في عهدهم يُدوِّن لنا خلال أربعةِ قرونٍ شيئًا عنهم؟ إن عدم وجود مثل تلك المدونات إطلاقًا،٣٣ كفيلٌ وحده بهدمِ كلِّ ما ذهب إليه «فليكوفسكي»، لكن وقفتنا معه كانت أمرًا لازمًا إزاءَ براعتِه القُصوى التي تُحسب له، والتي كانت تكفُل له أن يُهمل أي قارئٍ مثل تلك التساؤلات.

(٦) تزوير التاريخ

أقام «فليكوفسكي» رؤيته في جنس الهكسوس وموطنهم على إشارةٍ عابرة للمؤرخ المصري «مانيتون»، والتي ساقها «مانيتون» في صيغة عدم اليقين بقوله: «والبعض قالوا: إنهم كانوا عربًا.» لكن «فليكوفسكي» يُهمِل تمامًا إشارة «مانيتون» التأكيدية في كون الملوك الستة الأوائل من الهكسوس، أصحاب الأسرة الخامسة عشرة — فيما يزعم — كانوا فينيقيِّين بالتأكيد.٣٤ وهو ما أخذ به بعض المُؤرخِين، وإن ذهب الأكثرية إلى قدومهم من مناطقِ بحرِ قزوين.
والمعلوم أيضًا أن العامل الأخطر والذي ساهَم بقَدْرٍ فاعل في غزوهم لمصر، ليس فقط حالة التفكُّك والفوضى التي صاحبَت العصر المتوسط الثاني، بل أيضًا تفوُّقهم العسكري الذي تمثل في أمرَين غاية في الدلالة: الأول هو اكتشافهم لمعدن الحديد وتصنيعه؛ بحيث امتلكوا أسلحةً مصنوعة من الحديد، أمَّا الأمر الثاني فهو أنهم كانوا السابقين إلى ترويض حيوانٍ لم يكن معروفًا في منطقة الشرق الأدنى أصلًا هو الحِصان، بل واختراع العجلات التي يجرُّها ذلك الحصان واستخدامها في النقل، وكأداةٍ حربية متطورة للغاية، تُعادِل دبابات اليوم وطائراته. والثابت تاريخيًّا وحفريًّا أن منطقتنا لم تعرف الحِصان بالمرة قبل قدوم الهكسوس إليها، وإن جاءت إشاراتٌ إليه من نصوص الرافدَين المسمارية، من عهد سلالة أور الثالثة (٢١١٢–٢٠٠٤ق.م) باسم «أنشوكرا» أي «حمار الجبل» أو «حمار البلد الأجنبي»، ولم يُعرف في الرافدَين إلا مع الغزو الكاسي لها٣٥ حوالي عام ١٦٠٠ق.م، ولنلحظ أن غزو الهكسوس لمصر جاء حسب التاريخ المعروف حوالي عام ١٦٨٠ق.م.

وقد ظهر سلاح العجلات التي يجرُّها الحصان لأول مرة في مصر، بعد اكتسابها تلك المعرفة من الهكسوس، وإبَّان حروب التحرير، وكان أول ظهورٍ للحِصان والعجلة الحربية في حروب أحمس ضد الهكسوس مع بداية الأسرة الثامنة عشرة، وكان سلاحًا ابتدائيًّا، بحيث إن كبير ضباط الفرعون «أحمس»، والمعروف بدوره باسم «أحمس بن أبانا»، الذي عرفناه مُدوِّنًا لقصة حصار المصريِّين لحواريس عاصمة الهكسوس، كان يسير على قدمَيه إلى جوارِ عجلة الفرعون، فإلى هذا الوقت كان المصريون يستخدمون السفن كوسيلةِ نقلٍ رئيسية، وكترسانةٍ عسكرية متحركة، وهو ما وضَح في قصة التحرير، حيث ««أبحر» المصريون لقتال الهكسوس.» ولأول مرة تظهر رتبةُ قائد سلاح العجلاتِ مع نهاية عصر الأسرة الثامنة عشرة، وتحديدًا في عصر «آمنحتب الثالث» الذي أصدر قرارًا — لأول مرة — بتعيين حميه «يويا» قائدًا لسلاح العجلات، بلقب «وكيل الملك في سلاح العجلات».

وهذا الأمر وحده كفيلٌ بهدمِ السند الأساسي لفروض «فليكوفسكي»، إضافةً لفقدان الكتاب المقدَّس صفتَه كمعيارٍ تام السلامة للتزمين؛ حيث إن الكتاب المقدَّس يشير إلى العجلات كسلاحٍ معلوم، وكوسيلةِ انتقالٍ اعتيادية عند دخول «يوسف» إلى مصر. والمفترض — حسب نظرية فليكوفسكي — أن هذا الدخول قد حدَث منذ زمنِ سبقِ الأسرة الثانية عشرة، وجاء ذلك في عدةِ نصوصٍ توراتية، مثلما جاء في تصرُّف الفرعون بعد إدراكه لقيمةِ يوسفَ التنبُّؤية «وأركبه في «مركبته» الثانية، ونادَوا أمامه: اركعوا، وجعله على كلِّ أرضِ مصر» (تكوين، ٤١: ٤٣)، ثُم جاء عند وصول يعقوبَ إلى مصرَ «شدَّ يوسف «مركبته» وصعِد لاستقبالِ يعقوبَ أبيه» (تكوين، ٤٦: ٤٩)، ثم عند موت يعقوب وخروج يوسف ليَدفِن أباه في أرضِ كنعان «فصعِد يوسف لِيدفِن أباه وصعِد معه «مركباتٌ وفرسان»، فكان الجيش كثيرًا جدًّا» (تكوين، ٥: ٧–٩)، وغير ذلك كثير من النصوص التي تؤكد وجود العجلات كشيءٍ اعتيادي في مصر عند دخول الإسرائيليِّين إليها، وهو بالوثائق سيكون أمرًا باطلًا تمامًا، إذا احتسبناهم قد دخلوا مصر قبل الهكسوس كما ذهب «فليكوفسكي»؛ لأن العجلات لم تُعرف في مصر إلا مع مقدم الهكسوس إليها، بل ظلَّت العجلات بعد طردهم زمانًا شيئًا ابتدائيًّا، لم يكتمل ليمكن أن يكون نواةً لسلاحٍ مستقل بالجيش، إلا بعد ذلك بأكثرَ من قرنَين من الزمان، وهو الفارق بين زمن «يويا» أو وكيل الملك لسلاح العجلات، وبين زمن «أحمس» مُحرِّر مصر من الهكسوس ومُؤسِّس الأسرة الثامنة عشرة.

وعليه لا يمكن أن يكون الإسرائيليون قد دخلوا مصر في زمنٍ سابق لزمن الهكسوس، بل المُرجَّح أن يكونوا، قد دخلوها زمن الهكسوس وكحُلفاءَ لهم، وقد سبق لنا أن اجتهدنا في تحديد المنطقة التي قَدِم منها الهكسوس إلى المنطقة، ونشرناه في كتابنا «النبي إبراهيم والتاريخ المجهول»،٣٦ وسجَّلنا مجموعةً من القرائن كافية، تُشير إلى أنهم يعودون بأصولهم إلى المنطقة الكاسية شمالي بلاد الشام والرافدَين، في أراضي «أرمينيا» جنوبَ بحرِ قزوين، وتحديدًا حول بُحيرة «قان» ومن هذه المنطقة قدِمَت موجاتٌ ذاتِ كثافةٍ عالية في شكلِ موجاتٍ متتابعة، وكان أكبر هذه الهجرات وأخطرها الموجة الكاسية التي دوَّنَت أخبارَها نصوص الرافدَين بعد أن هبط الكاسيون في غزوٍ كاسحٍ على دولةِ بابل الأولى حوالي ١٦٠٠ق.م، وقد ذهَبنا إلى أنه ضمن تلك الموجات جاءت موجة الهكسوس التي تُعَد جناحًا من أجنحة الهجرة الكاسية اتجه إلى مصر حوالي ١٦٨٠ق.م.
وقد سبق أن علِمْنا أن «يوسفيوس» فصَّل كلمة هكسوس إلى مَقطعَين: «هك» بمعنى ملك و«سوس» بمعنى راعي؛ أي ملوك الرعاة، وفي كتابنا «النبي إبراهيم …» رفَضنا ذلك التخريج؛ لأن كلمة «هكسوس» إذا احتسبناها كلمةً واحدة لا تَتركَّب من شقَّين فسوف تكون واضحةً بذاتها ولا تحتاج إلى تخريجاتٍ وتقسيمات، و«برستد» يذهب إلى أن الهكسوس آراميون،٣٧ وقد رأينا — بالأدلة — أن الآراميِّين من أرمينيا الكاسية، ومع حذف التصريف الاسمي في آخر كلمة هكسوس (حرف السين الأخير) لا تحتاج التسمية إلى إثارة إشكاليات؛ حيث تصبح «الكاسو» أو «الكاسي»، وهو ما يلتقي مع مذهبنا في كونهم فرعًا أصليًّا للهكسوس، أمَّا موسوعةُ تاريخِ العالم فتقول في حديثها عن أحداث تاريخ الرافدَين عام ١٦٠٠ق.م، قولها:
«عام ١٦٠٠ق.م، غزا الكاشيون بابل … حكموها لمدة ٤٥٠ عامًا، أصبح الحِصان معروفًا في مصر وغرب آسيا.»٣٨ ومع ذلك لم تربط الموسوعة ولو بالإشارة بين الغزو الكاسي للرافدَين، وبين الغزو الهكسوسي لمصر، وبين الآراميِّين وأرمينيا.
ولعل أهم ما يُبطِل تقسيمَ كلمةِ هكسوس إلى مَقطعَين «هك»، «سوس»، أنه لا يُوجد في اللغة المصرية القديمة لفظةٌ بنطق «سوس» أو ما تُفيده معناها، على وجه الإطلاق،٣٩ وهو ما يُبطل أيضًا أي تخريجٍ يقسم الكلمة إلى مقاطع، ولا تبقى سوى «ﻫ-كاسي-س» أي الكاسيِّين. لكن «فليكوفسكي» كافح كفاحًا مُستميتًا ليجد بالكتاب المقدَّس أيَّ إشارةٍ تتوافق مع معنى المقطعَين «الملوك الرعاة» حسب التخريج الخاطئ، وهو ما يُشير إلى تكلُّفٍ وتلفيق واضح العَمد، فيلجأ إلى سفر المزامير المتأخر بقرونٍ طويلة عن زمن الخروج، ليجد فيه النص «قد أنزل عليهم الرب أشدَّ غضبِه وعقابه سخطًا وزجرًا وضيقًا، «جيش ملائكة أشرار»» (٤٨: ٤٩)، ثُم يُعقِّب متغابيًا فيما يبدو «فما الذي يعنيه ملائكة الشر؟» بينما هو يعلم جيدًا تواتُر «ملائكة الشر» بالكتاب المقدَّس، واصطلاح ملاك الشر يشير إلى الملك الموكَّل من قبل «يهوه» مع جنوده لإنزال الدمار بأعداء إسرائيل، وهر اصطلاحٌ اعتيادي تمامًا لدى العارف بالكتاب المقدَّس، ثم يقوم «فليكوفسكي» بتفسير الاصطلاح «ملائكة أشرار» بحيث يلتقي مع «ملوك رعاة» بقوله إن الناسخ القديم للكتاب المقدَّس باللغة العبرية القديمة قد أضاف حرف ألف لكلمة «شرر» لتتحول عن معناها الأصلي «رعاة» إلى «أشرار»، بينما الشق الأول «ملائكة» يلتقي مع كلمة «ملوك» بلا فرقٍ يُذكر؛ وعليه فالأصل في المقدَّس القديم، كان «جيش ملوك رعاة»، وليس «جيش ملائكة أشرار»، والواضح أن الرجل قد بذل جهدًا لا طائل من ورائه، حيث لا تعني كلمة هكسوس بالمرة «ملوك الرعاة»، لعدم وجود كلمة «سوس» بمعنى «رعاة» ولا بأي معنًى أخر ولا حتى بلفظها ضمن معجم ألفاظ المصرية القديمة؛ لأن الأصل في اللسان المصري كان «حقاوكاسوه» والتي ببساطة — لدينا — «الحكام الكاسيِّين» أو «الكاشيِّين».

ولو كان «فليكوفسكي» قد اقتصر على تزييف دلالات النصوص لهان الخطب، لكنه — كما رأينا في أكثر من موضع — عمَد إلى تزييف النصوص ذاتها، ومن ذلك التزوير ما فعله مع «بردية ساليه»، وهي عبارة عن تمرينٍ مدرسي كتبه التلميذ «بيتاعور» كتدريب على النسخ، وإن نسخها يعود إلى الأسرة التاسعة عشرة، بعد طرد الهكسوس بمئات السنين، والأصل المفقود. لكن المصرولوجيِّين استخرجوا من ملابساتها أنها كانت تحكي قصةً شعبية متواترة، من ألوانِ قصصِ الفخر الوطني وأشعار البطولة القومية، والقصة تتناول بدايةَ حروب التحرير، وتحديدًا بدايةَ ما يمكن تسميته بالنزاع بين «سقننرع» الملك المصري الطيبي، وبين «أبوب» الملك الهكسوسي، وتبدأ البردية بوصفِ حال الفاقة والبؤس، وكيف بعث «أبوب» رسالة تحدٍّ ﻟ «سقننرع» في طيبة مع رسول، تقول: «أَخلِ البركة الواقعة شرقي المدينة من أفراس النهر؛ لأنها تحول بيننا وبين النوم ليلًا، ولأن ضوضاءها تملأ آذان سكان حواريس.»

ورغم أن «فليكوفسكي» يرى في تلك الرسالة كثيرًا من الازدراء والاحتقار من قبل «أبوب» للحكام المصريِّين الذين يحكمون في طيبة «الأقصر»، فإن آخرين ذهبوا إلى أن الرسالة لونًا من «جر الشكل»، والاستفزاز، وهو استفزازٌ لا معنى له لو كانت الأمور مستقرةً للهكسوس في الجنوب؛ لذلك ذهب آخرون إلى أنها نوعٌ من الألغاز القديمة التي كان الملوك يخاطبون بعضهم البعض بها، وأن الأمر يُشير إلى لونٍ من الضجيج الثوري بدأ يتعالى في طيبة، وأن الأمر «أزعج» «أبوب» مما دفعه لإرسال تلك الرسالة المُتحدِّية، التي تكاد تقول: إن المشاعر الوطنية التي ظَهرَت في الجنوب تقُض مضاجعنا وعليك أيها الحاكم إخمادها فورًا.

ثم يأتي «فليكوفسكي» بما يوحي أنه نصٌّ يقول: «وظل أميرُ المدينة الجنوبية صامتًا، ثم بكى لوقتٍ طويل ولم يَدرِ بما يجيب على رسالة الملك أبوفيس.» ومن ثَمَّ «قُبض على الأمير المصري، وساقه رسول الملك أبوب الثاني إلى حواريس.» ونهاية البردية مفقود (والتعقيب الأخير لفليكوفسكي)، أمَّا الغريب فعلًا فهو أن بردية «ساليه» تقطع عند مشاورة الملك «سقننرع» لحاشيته وجنوده بشأن الرسالة، وأن الاستكمال جاء من عند فليكوفسكي في حديثه عن القبض على «سقننرع» وأخذه إلى حواريس، وهنا الأمر الخطير في عملٍ مُلفَّق كالذي بين أيدينا، والذي حاز شُهرةً عالمية لا تُضارَع، وربما عمد «فليكوفسكي» إلى عدم ذكر ظروف كتابة البردية، حتى لا يتساءل القارئ: كيف يمكن لمدرسةٍ وطنية في ظل حكومةٍ إمبراطورية تفاخَر العالم آنذاك، أن يتناول موضوعًا شعبيًّا يحكي كيف تم إهانةُ ملكٍ تاريخيٍّ يفخر به المصريون، وكيف سِيقَ أسيرًا لعاصمة الهكسوس. بينما الثابت من وصف «إليوت سميث» ومن واقع الجراح التي وُجِدَت في مومياء الملك «سقننرع»، أن الرجل مات بعد ضرباتٍ نافذة بالخناجر والبُلَط. وكان ممكنًا القول مع «فليكوفسكي» إن الملك المصري أُخذ إلى حواريس أسيرًا، ولو بافتراءٍ على وثيقةٍ لم تقُله، وإنه أُعدم هناك، لولا أن جثمانه كان محفوظًا بوادي الملوك في طيبةَ عاصمة الجنوب، والتي انطَلقَت منها عزمات التحرير، وهو ما يُشير إلى موت الرجل في معركةٍ شرسة، وقع فيها شهيدًا وسَط جنوده، الذين حملوا جثمانه من ساحة المعركة إلى مرقده الأخير في مقر حكمه (طيبة – الأقصر). ولن نفهم سِرَّ كلِّ هذا التسفية من شأنِ قُوَّاد التحرير المصريِّين إلا في ضوء تزمين التاريخ الفليكوفسكي، الذي يصُب في النهاية كل البطولة والنجدة والشهامة والمروءة في يد بني إسرائيل الكرام؛ حيث يتزامن الخروج الإسرائيلي مع الدخول الهكسوسي، ويتزامن الملك الإسرائيلي «شاول» مع زمن تحرير مصر من الهكسوس، الذي قام به «شاول» ورجاله بعدما ثبت له أنه إزاء جبروتِ إمبراطوريةٍ عربية، وبنص «فليكوفسكي»: «إن الإسرائيليِّين كانوا هم الشعب الوحيد الذي قام وقاتل ودخل حروبًا وبإصرارٍ شديد، كي يظلُّوا مستقلِّين وغيرَ خاضعِين لسيطرة العماليق … «لقد كان زمنًا بطوليًّا لإسرائيل انفَردَت به دون سائر الأُمم، في الوقت الذي لم تقم فيه أيةُ ثورةٍ أو أيُّ تمردٍ من أيِّ نوعٍ كان، لا في مصر ولا في غيرها»، ضد العماليق، في تلك الإمبراطورية الواسعة، خلال القرون التي حكموا فيها تلك البلاد».

ونفهم من ذلك أن الإمبراطورية العربية المتبربرة حَكمَت جزيرة العرب ومصر وجزر البحر المتوسط وبلاد الشام بما فيها فلسطين، تغلَّب على سطوتها حفنةٌ من الآبقِين الخارجِين من مصر هاربِين؛ بحيث كانوا الشعب الوحيد في المنطقة الذي امتلك كرامةً قومية دعَته للمحافظة على استقلاله في بقعةٍ صغيرة بفلسطين، ضِمن الإمبراطورية العربية العُظمى. وهو مُبرِّرٌ واهٍ تمامًا لتفسيرِ قيام حكم القضاة اليهود لأربعةِ قرونٍ في فلسطين في ظل إمبراطوريةٍ عاتية وهمجية كالتي صوَّرها لنا «فليكوفسكي» ذاته حيث قد تم سحبُ زمنِ الهكسوس ليتزامن مع عصر «شاول» مع عصر تحرير مصر؛ لأن «شاول» — في رأيه — هو الذي قاد ألوف الإسرائيليِّين إلى حواريس، وضرب عليها الحصار وهزمها شرَّ هزيمة، وشتَّت العماليقَ الهكسوس الذين انسحبوا إلى شاروهين. وتَركَ الأرض المُحرَّرة لأصحابها المصريِّين (منتهى العدل! ومنتهى المروءة)، دون أن يُفكِّر في الاستيلاء على تلك الأرض، ولو من باب انتقامٍ واجب من عبودية بني إسرائيل بمصر قرونًا، ولم يُحاول بقواته العُظمى التي هَزمَت أعظم الإمبراطوريات في زمانها أن يحتل مصر، كان همه الأوحد الانتقام من عماليق؛ لأنهم آذَوا الإسرائيليِّين عند الخروج، منذ أربعةِ قرونٍ مضت، وظل الإسرائيليون يحتفظون بذلك الحقد حتى انتقموا بتدميرِ حواريس وتشتيت الهكسوس العماليق. هذا رغم «جيَشان» الكتاب المقدَّس بحقدٍ على مصر والمصريِّين، وكل ما كانت تملكه تلك الأَسفار هو استنزالُ اللعناتِ المرتجاةِ من رب العالمين على رءوس المصريِّين؛ لذلك من حقنا أن نُبدِي الدهشة والعجب من امتلاك إسرائيل تلك القوةَ الهائلة التي تهزم الهكسوس المحتلِّين أصحاب إمبراطورية الاحتلال الاستيطاني، ولا تنتقم من المصريِّين، في وقتٍ كانت فيه مصر أمام تلك القُدرات الإسرائيلية مجرَّد ثمرةٍ ناضجة تقع دونَ جهدٍ يُذكر في يد «شاول» وجيوشه الجرَّارة.

ومن جهةٍ أخرى، فإن مزاعم «فليكوفسكي» لا بد تفترض — ضمنًا — أن بني إسرائيل قد قضَوا تمامًا على كل أعدائهم الصغار مقارنةً بالعماليق، وهو الأمر الذي يحتاج توضيحًا، لكن ليس قبل أن نقف مع النص المصري الذي علِم منه «فليكوفسكي» بقصة التحرير على يدِ «شاول»، وهو المُدوَّن في مقبرة الضابط «أحمس بن أبانا»، إضافةً إلى نصٍّ آخر استَشهَد به هو حكاية العرَّاف «بلعام» بالتوراة.

ولنبدأ بنصِّ التوراة، الذي يحكي لونًا فجًّا من الخرافة، عن كيف استدعى «بالاق» ملك الموآبيِّين العرَّاف «بلعام» المدياني، لِيصُب له اللعنات على بني إسرائيل ليُبيدهم، «فأجاب بلعام وقال لعبيد بالاق: ولو أعطاني ملء بيته فضة، ولا ذهبًا، لا أقدر أن أتجاوَزَ قول الرب … فأتى الله إلى بلعام ليلًا وقال له: أتى الرجل ليدعُوَك فقم اذهب معهم … فقام بلعام صباحًا وشد على أتانه (حماره) وانطلق مع رؤساء موآب، فحمى غضب الله لأنه مُنطلِقٌ معهم (؟!) ووقف ملاك الرب في الطريق ليقاومه وهو راكب على أتانه وغلامُه معه، فأَبصرتِ الأتان ملاك الرب واقفًا في الطريق وسيفُه مسلول في يده (؟) فمالتِ الأتان عن الطريق … فحمي غضب بلعام وضرب الأتانَ بالقضيب، ففتح الرب فم الأتان فقالت لبلعام: ماذا صنعتُ بك كي تضربني؟ … فقال بلعام للأتان: لأنك ازدريتِ بي، لو كان في يدي سيف لكنتُ قتلتُكِ الآن، … ثُمَّ كشف الرب عن عينَي بلعام فأبصر ملاكَ الرب واقفًا في الطريق وسيفُه مسلولٌ في يده، فخَرَّ ساجدًا على وجهه … إلخ» (العدد، ٢٢: ١٩–٣١).

والمعتاد على قراءة ذلك الكتاب المقدَّس (؟!) لن يجد أية غرابةٍ في تناقُض الرب إذ يأمُر بلعام بالذهاب مع عبيدِ بالاق وعندما يفعل يحمَى غضب الرب عليه، ولن يعجب من حمارٍ يتحدث مع صاحبه حديثًا وديًّا فيُعاتبه، وصاحبه يلومه؛ لأن القارئ لن يجد صفحةً بالكتاب تخلو من تلك العجائب، لكن المهم أن «بلعام» بدلًا من أن يلعن بني إسرائيل مدحهم وأعطاهم بركاته، وتنبأ بأن ملك إسرائيل سيتسامى على ملك «أجاج»، وأن آخرة عماليق إلى هلاك (انظر سفر العدد، ٢٤: ٣٠–٧). وهنا يقفز «فليكوفسكي» ليُمسِك «أجاج» بكلتا يدَيه مناديًا: فلتشهدوا أن هذا هو «أبوب الثاني» ملك الهكسوس، ولا بُد بالتالي أن يكون الهكسوس هم العماليق، وأن هلاك العماليق قد جاء على يد بني إسرائيل، حسبما تنبَّأ بلعام، وذلك في الحملة التي قادها أول ملكٍ لأول مملكةٍ يتم فيها توحيدُ شراذمِ إسرائيل.

ولإثبات صدق «بلعام والحمار والرب»، يكتشف «فليكوفسكي» الدليل على ما حدث في مقبرة الضابط المصري «أحمس بن أبانا»، ولنقرأ كيف صاغ «فليكوفسكي» ذلك النقش الهام، الذي يقول فيه الضابط: «تابعتُ الملك سيرًا على أقدامي حين ركب عجلَته الحربية في طريقه إلى خارج الولاية، «وكانوا هم يُحاصرون» مدينة حواريس.» والإشارة «كانوا هم» لا تعني سوى أن قومًا آخرِين هم أصحاب الفضل الحقيقي في التحرير، ««كانوا هم» يحاربون من جهة قناة المياه حواريس … «استولَوا هم» على حواريس … «هم حاصروا» شاروهين.» الرجل بهذا الشكل مُحِقٌّ تمامًا، لكن عندما نقرأ النص الأصلي سنكتشف إلى أيِّ حدٍّ بلغت بالرجل الجرأةُ والقدرة على التزوير.

يقول الضابط «أحمس بن أبانا» في النص الصادق: «تبعتُ الملك على قدمي عندما كان يركب عجلَته الحربية. إنه حاصر مدينة حواريس.» ولنقف هنا مع أمرَين: الأول زمن الفعل في النص الصادق «حاصر» وزمنه في النص المزور «يُحاصرون»، والذي ضبطه مع تزويرٍ آخر، وبدلًا من الصيغة المصرية للفعل الماضي «إنه حاصر» تحَوَّلَت «إنه» في صيغة الإشارة المُفخَّمة للغائب «الملك»» إلى «كانوا هم»، ولأن استكمال العبارة جميعًا في صيغة الماضي ستصبح غير ملتئمة «كانوا هم حاصر مدينة حواريس»، فكان لا بد من تزوير الكلمتَين لتتحول العبارة «مِن إنه حاصر» إلى «كانوا هم يُحاصرون».

ولنقرأ النص كاملًا: «تبعت الملك سيرًا على قدمي عندما كان يركب عجلته الحربية. إنه حاصر مدينة حواريس، وقد أظهرتُ شجاعة وأنا أحارب على قدمي أمام جلالته، ثم عُينتُ في سفينة تُسمَّى مشرق منف، وحاربتُ في قناة مياه بازدكو في حواريس، ثم حاربتُ ملتحمًا يدًا بيد واستوليتُ على أحد الأسرى، ولمَّا بلغ ذلك المسامع الملكية مَنحَني الملك ذهب الشجاعة، ثم تجدَّد القتال مرةً أخرى في ذلك المكان، وحاربتُ ثانيةً هناك يدًا بيد، وحصلتُ على أسرى آخرِين، ومنحني الملك ذهب الشجاعة ثانية.»

وأثناء انشغال الملك «أحمس» في محاربة الهكسوس، حَدثَت قلاقل في جنوبي البلاد، على بُعد ما يزيد عن ألف كيلومتر عند «الكاب»، فسارَع الملك مع بعض جنود، وبضمنهم الضابط «أحمس»، الذي يروي تلك الواقعة أيضًا، ويقول: «لقد حاربتُ في مصر جنوبي مدينة الكاب، واستوليتُ على أسيرٍ حي حملتُه معي على صفحة الماء، ولما بلغ هذا الأمر المسامع الملكية، منحني «هو» الذهب بالمعيار المزدوج.» والسؤال الآن: هل كانت «هو» المفخَّمة هنا — بدورها — تشير إلى الإسرائيليِّين فهي تترجم حرفيًّا «منحوني»، وأنهم ذهبوا إلى أسوان على بعد ما يزيد عن خمسمائة كليومتر في العمق المصري مع «أحمس» الملك للقضاء على قلاقلِ منطقة النوبة، ومنحوا الضابط «أحمس» الأنواط الذهبية المزدوجة لشجاعته؟

وذات الأمر يُكرِّره في قصة انسحاب الهكسوس من حواريس إلى شاروهين بفلسطين؛ حيث حاصرها الملك ثلاثَ سنواتٍ حتى استسلمت ورحَلوا عنها بموجبِ اتفاقيةٍ أُبرمَت بهذا الخصوص، «لقد حاصر شاروهين ثلاث سنواتٍ ثم استولى عليها، وأسرتُ هناك رجلَا وامرأتَين.» لكن النص هنا لا يحمل اسم الإشارة المعتاد، بل الفعل «حاصر» فقط، مما يشير إلى الملك كقائدٍ لجيش الحصار، وهي إشارةٌ لمفردٍ مُتضمَّن داخل الفعل الماضي بالتقدير، ولا يُشير إلى جيوش يمكن أن تكون عند «فليكوفسكي» جيوشَ أجدادِه الأفاضل، وهنا لا يجد فليكوفسكي ما يُناسب النص بالتوراة، فيلجأ إلى أسطورةٍ مُتداوَلة بين بني جلدته تحكي عن القوة البدنية الخارقة في أساطيرَ مُنوَّعة عن «يوآب» قائد جند «داود» الذي خلَف «شاول». وضمَّنها أسطورةً تقول إنه اخترق بمفرده أسوارَ مدينةِ عماليق؛ وعليه فإن «فليكوفسكي» يعلم أن «يوآب» هو صاحب الفضل الحقيقي في هزيمةِ ألوفِ المحاربين العماليق بمفرده، وأنه وَفْق العادة الكريمة لبني إسرائيل، قد تركها هديةً لأحمس المصري، رغم أنها تقع داخلَ أرض فلسطين ذاتها، وفي عمقها، وجزء من مملكة إسرائيل؟!

وتبقى هنا عدةُ مسائل، تثيرها استفسارات بدهية، إزاء كلِّ ما قدَّم «فليكوفسكي»، لإثبات سقوطِ ستةِ قرونٍ كاملة من التاريخ المصري وتاريخ العالم بالتالي، وإزاء ركونه الكامل إلى مصداقيةٍ مطلقة تتسم بها نصوص التوراة، وهو غرضٌ آخر يتضمن في ثنايا الغرض الأول، من أجل تحقيقِ عدةِ أهدافٍ «أهمُّها إيجادُ موطئِ قدمٍ لبني إسرائيل في تاريخِ المنطقة، وإثباتُ البراءة الكاملة والطهارة المُطلَقة لهذا الشعب من كلِّ ما التبَس بتاريخه من اتهامات، مع تأكيد العلاقات الحميمة بين بني إسرائيل والمصريِّين إزاء العرب منذ التاريخ القديم، والتي أهدرها المصريون من جانبٍ واحد»، مع إعادةِ تأسيسِ تاريخ العالم يتزامن مع الأساس المتين بالكتاب الإسرائيلي المقدَّس، وبحيث يكون العمل في مجمله تنظيرًا تاريخيًّا للقومية الصهيونية.

وهذه المسائل التي تَنتُج عن استفسارات، يمكن تحديدها في العناصر التالية:
  • إزاء المصداقية الكاملة التي يريد «فليكوفسكي» إثباتها لنصوص المقدَّس الإسرائيلي، والتي عمَد وهو بسبيل ذلك الإثبات إلى الانتقاء من وثائق التاريخ القديم ما يراه أهلًا لتحقيقِ غرضه، مع تزويرِ دلالاتِ تلك الوثائق، وإزاءَ حدَثِ الخروج العظيم الذي انبنَت عليه الكرامة القومية الإسرائيلية، وعليه أسَّس «فليكوفسكي» العلم كله. أقول: إذا كان الأمر كذلك فلا ريب أن الدهشة تأخذ المُدقِّق مع استفسارٍ بسيط تمامًا يتساءل: لماذا لم تَذكُر النصوص المقدَّسة بالكتاب المقدَّس اسم ذلك الفرعون الذي سامَ شعبَ الربِّ هذا العذاب التاريخي المُتكرِّر دومًا رغم كلِّ تلك الدقة في سَردِ المعجزات، ورغم خطورة الحدَث وأهميتِه واحتسابِه حجرَ الأساس في التاريخ الإسرائيلي؟

  • ثم إذا كانت الكوارث التي أنزلها «يهوه» بالمصريِّين ليست من باب الأساطير، إنما تسجيلٌ لوقائعَ حدثَت بالفعل، وكان حدثُ انشقاق البحر هو قمةَ تلك الأحداث الكونية، وبعدها دخل بنو إسرائيل أرض الميعاد، فإن المُدقِّق في التوراة سيجد أن هناك أحداثًا أخرى تمَّت في فلسطين بعد الخروج، تدخُل في عِداد المُبالَغات الأسطورية وتهويلاتها، وغَضَّ «فليكوفسكي» الطرف عنها تمامًا؛ لأن الكارثة التي يتحدث عنها كانت قد انتهت، فهذا مثلًا «يشوع بن نون» الذي خلف «موسى» على قيادة الإسرائيليِّين، وعند عبور نهر الأردن البعيد عن أحداثِ كارثةِ الخروج مكانًا وزمانًا، تحدُث له نفس المعجزة «ولمَّا ارتحل الشعب من خيامهم لكي يعبُروا الأردن» والكهنة حاملو تابوت العهد (هو تابوت ينام فيه الرب ليحملوه معهم) أمام الشعب، فعند إتيان حاملي التابوت إلى الأردن، وانغماس أرجل الكهنة حاملِي التابوت في ضفَّة المياه، والأردن ممتلئ إلى جميع شطوطِه كلَّ أيام الحصاد، وَقفَت المياه المنحدرة من فوق وقامت ندًا واحدًا بعيدًا جدًّا … والمنحدرة إلى بحر العربة بحر الملح انقَطعَت تمامًا، وعبَر الشعب مقابل أريحا، فوقَف الكهنة حاملو تابوتِ عهد الرب على اليابسة في وسط الأردن راسخِين، وجميع إسرائيل عابرون على اليابسة، حتى انتهى جميع الشعب من عبور الأردن (سفر يشوع، ٣: ١٤–١٧). وبعد ذلك بخمسةِ قرون يأتي الرب ليقابل النبي «إيليا التشبي»، «فقال أخرج وأقف على الجبل أمام الرب، وإذا بالرب عابر وريحٌ عظيمة وشديدة قد «شقَّت الجبال وكَسرَت الصخور» أمام الرب» (ملوك أول، ١٩: ١١)، فهل كانت تلك كارثةً أخرى، وخاصة أن «إيليا» قام بمعجزة فلْقِ الأردن هو بدوره «فأخذ إيليا رداءه ولفَّه وضَربَ الماء فانفلَق إلى هنا وهناك فعبَر كلاهما في اليابس» (ملوك الثاني، ٢: ٨). وبعدها ظل رداء «إيليا» بيد اليشع يقوم بالوظيفة التي كانت تقوم بها عصى «موسى»، «فأخذ رداء إيليا الذي سقط عنه وضرب الماء وقال أين هو الرب إله إيليا؟ ثم ضرب الماء أيضًا فانفلَق إلى هنا وهناك فعبَر اليشع» (ملوك الثاني، ٣: ١٤)، ومثل تلك الروايات تغُص به كلُّ صفحاتِ الكتاب المقدَّس من بَدئه إلى مُنتهاه.

  • أمَّا الاستفسار الأهم، فهو إذا كان الإسرائيليون مع أول ملوكهم «شاول» قد امتلكوا تلك القوة الحربية العظمى بأُلوفِ العربات ومئاتِ الألوف من الجنود المُدرَّبِين، بحيث تمكَّنوا بها من استئصالِ شأفة الهكسوس العرب وتحرير مصر والقضاء على الإمبراطورية العظمى، فإن ذلك يعني وجود نظامٍ إسرائيلي مركزي متماسك وقوي، بينما المُطالِع للكتاب المقدَّس لن يجد لأيِّ من الفَرضَين أيَّ تحقيق بالمرة، انظر معي قارئي الكتابَ المقدَّس حيث يُوزِّع أسباط إسرائيل وقبائلها بأسمائهم على خريطة المدن الفلسطينية حيث كان لها سكانُها الأصليون.

    «وأمَّا اليبوسيون الساكنون في أورشليم «فلم يقدر بنو يهوذا على طردهم»، فسكن اليبوسيون مع بني يهوذا في أورشليم إلى اليوم» (يشوع، ١٥: ٦٣).

    و«كذلك سبط إفرايم لم يستطيعوا أن يطردوا الكنعانيِّين» الساكنِين في جازر، «فسكن الكنعانيون وسط إفرايم إلى اليوم» (يشوع، ١٦: ١٠).

    وكذلك أبناء منسي أخي إفرايم ««ولم يقدر بنو منسي أن يملكوا هذه المدن» فعزم الكنعانيون على السكن في تلك الأرض» (يشوع، ١٧: ١٢).

    كذلك سبط أشير لم يستطع الاستيلاء لا على «صيدون العظيمة»، ولا على «المدينة المحصَّنة صورة» (يشوع، ١٩: ٢٨-٢٩).

    «وكان الرب مع يهوذا فملَك الجبل «ولكن لم يطرُد سكان الوادي لأن لهم مركباتٍ من حديد»» (قضاة، ١: ١٩).

    كذلك «زبولون لم يطرد سكان قطرون ولا سكان نهلون فسكن الكنعانيون في وسطه» (قضاة، ١: ٣٣).

    ««وحصر الأموريون بني دآن في الجبل» … فعزم الأموريون على السكن في جبل حارس في إيلون وفي شعلبيم» (قضاة، ١: ٣٥).

    والأمثلة غير ذلك كثيرةٌ يمكن للقارئ الرجوع إليها بالكتاب المقدَّس. وتُشير بوضوحٍ إلى أمرَين هامَّين: الأول أن الإسرائيليِّين الخارجِين من مصر ظلوا على انقسامهم قبائلَ وبطونًا وأفخاذًا، والثاني هو أنهم رغم البشاعة التي استخدموها في حروبهم ضد سكان الأرض، فإن هؤلاء ظلُّوا في أماكنهم ولم يتمكن بنو إسرائيل رغم المجازر الهائلة التي ارتكبوها — وسنأتي على ذكرها — أن يُزحزِحوا هؤلاء من بلادهم، فسكن الإسرائيليون بينهم.

    أمَّا الفرض الثاني، وهو قيامُ كيانٍ متماسك، فمن الواضح أنه لم يتحقَّق طوال الزمن الممتد من الخروج إلى زمن «شاول»، وفي رواية المقدَّس التوراتي تفاصيلُ تؤكِّد أن بني إسرائيل لم ينعموا بالاستقرار طولَ ذلك الزمنِ الذي امتد حوالي أربعةِ قرونٍ كاملة، وإليك نماذجَ من تلك الروايات التي وَردَت في سفر القضاة: «فعَمِل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب ونسُوا إلههم وعبدوا البعليم والسواري، فحمِي غضبُ الرب على إسرائيل فباعَهم بيد كوشان رشعتايم ملك أرام النهرَين، فعبَد بنو إسرائيل كوشان رشعتايم ثماني سنين» (٣: ٧-٨)، وعاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عينَي الرب … فشدَّد الرب عجلون ملك موآب … وضرب إسرائيل، فعبَد بنو إسرائيل عجلون ملك موآب ثماني عشرة سنة (٣: ١٢–١٤)، وعاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عينَي الرب … فباعهم بيد يابين ملك كنعان … فصرخ بنو إسرائيل إلى الرب لأنه كان له تسعمائةِ مركبةٍ من حديد، وهو ضايَقَ بني إسرائيل بشدةٍ عشرين سنة (٤: ١–٣)، وعمِل بنو إسرائيل الشر في عينَي الرب فدفعهم الرب ليد مديان سبع سنين … بسبب المديانيِّين عمِل بنو إسرائيل لأنفسهم الكهوف التي في الجبال … وإذا زرع إسرائيل كان يصعد المديانيون العمالقة وبنو المشرق … ويجيئون كالجراد في الكثرة وليس لهم ولجِمالهم عدَد، ودخلوا الأرض لكي يُخربوها، فذُلَّ إسرائيل جدًّا من قبل المديانيِّين، وصرخ بنو إسرائيل للرب (٦: ١–٦)، وعاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عينَي الرب، وعبدوا البعليم والعشتاروت وآلهة أرام وآلهة صيدون وآلهة موآب وآلهة بني عمون وآلهة الفلسطينيِّين، وتركوا الرب ولم يعبُدوه، فحمِي غضبُ الرب جدًّا على إسرائيل وباعَهم بيد بني الفلسطينيِّين ويد بني عمون فحطَّموا ورضَّضوا إسرائيل … ثماني عشرة سنة … فصرخ بنو إسرائيل إلى الرب قائلِين أخطأنا إليك (١٠: ٦–١٠)، ثم عاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عينَي الرب فدفَعهم إلى يد الفلسطينيِّين وانكسر إسرائيل وهربوا كلُّ واحد إلى خيمته، وكانت الضربة عظيمةً جدًّا، وسقط من بني إسرائيل ثلاثون ألف رجل، وأُخذ تابوت الله» (صموئيل أول، ٤: ١٠-١١) وبعدها اجتمع الأسباط وطلبوا من الكاهن القاضي «صموئيل» أن يجعل لهم ملكًا فاختار «شاول»، الذي نجح في استرداد التابوت من الفلسطينيِّين، في غَزوِ ما أسماه الكتاب المقدَّس مدينة عماليق، والتي افترض «فليكوفسكي» أنها كانت حواريس عاصمة إمبراطورية الهكسوس العربية، تلك الإمبراطورية التي كانت تحكم على منطقة حوض المتوسط الشرقي، بينما كان داخلها كل تلك الممالك وتلك الحروب، والتي لم يأتِ لها «فليكوفسكي» على ذِكر. إن معنى وجودِ ممالكَ متعددة في المنطقة، وحروبٍ إقليمية متتالية، بينها حروبُ شعبٍ مثل بقية تلك الشعوب بالمنطقة والمعروف باسم العمالقة، يهدم الفرض الأساسي في كتابه حول تلك المملكة العُظمى المسيطرة خلال عصر القضاة المليء بالأحداث.

  • ومسألةٌ أخرى ما زالت تطلب المناقشة، وتتأسس على مدى مصداقية الصفات البربرية التي نسبها «فليكوفسكي» للهكسوس العرب حسب فروضه، وفي هذه الحال لن يكون أمامنا مقياس للفضائل ومعيار للنبل سوى الشعب المقابل؛ الشعب التقي الورع الذي فدى الإنسانية جمعًا، وقضى على شر الهكسوس، وظلمته الإنسانية جمعاء؛ شعب إسرائيل، ولا شك أنه لا تُوجد شهادةٌ للإسرائيليِّين أفضل من كتابهم المقدَّس.

    تقول شريعة الكتاب المقدس العطرة والسمحاء لشعبها أثناء رحلة التيه، قبل دخول فلسطين: «أَحرِقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار (عدد، ٣١: ١٠)، اقتلوا كلَّ ذكرٍ من الأطفال وكلَّ امرأة (عدد، ٣١: ١٧)، أَحرِقوا حتى بنيهم وبناتهم بالنار (تثنية، ١٢: ٣١)، فضربًا تضرب سكان المدينة بحد السيف وتحرقها بكل ما فيها مع بهائمها … وكل أمتعتها كاملةً للرب إلهك (تثنية، ١٣: ١٥-١٦) وأمَّا مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا فلا تَستبقِ منها نسمةً ما» (تثنية، ١٠: ١٠–١٦).

    ولن تجد سفرًا واحدًا يخلو من صورة «يهوه» وهو ينفث أوامره المتكررة بالحرق والذبح وتقطيع الأوصال، رجال أو نساء أو حتى الأطفال بل والبهائم أيضًا، وعندما كانت تحدُث أيُّ مخالفةٍ لتلك الأوامر، حين يطمع الإسرائيليون في الإبقاء على بعض النساء كسبايَا، أو على المتاع والبهائم كغنائم، فإن الرب كان يصُب نقمته على الإسرائيليِّين أنفسهم. والأمثلة كثيرة بالكتاب نستشهد منها بمثال واحد فقط اختصارًا للأمر، «وكلم الرب موسى قائلًا: أنتقم نقمةً لبني إسرائيل من المديانيِّين … فكلم موسى الشعب قائلًا: جردوا منكم رجالًا للجند فيكونون على مديان ليجعلوا نقمة الرب على مديان، ألفًا واحدًا من كل سبطٍ من جميع أسباط إسرائيل ترسلون الحرب … فتجنَّدوا على مديان كما أمر الرب وقتَلوا كل ذكر … وسبى بنو إسرائيل نساءَ مديان وأطفالَهم ونهَبوا جميعَ بهائمهم وجميعَ مواشيهم وكل أملاكهم، وأحرقوا جميعَ مدنهم بمساكنهم وجميعَ حصونهم بالنار … فخرج موسى … لاستقبالهم … فسخط موسى … وقال لهم موسى: «هل أبقيتم كلَّ أنثى حية … فالآن اقتلوا كل ذكرٍ من الأطفال وكلَّ امرأة» (عدد، ٣١: ١–١٧). فلماذا تجاوز «فليكوفسكي» عن هذه المُدوَّنات التي لا شك كانت مصداقَ كلِّ كلمةٍ استشهد بها من قبلُ «واعتبرها تقول ما تعنيه فعلًا؟» بينما حمَل على الهكسوس تلك الحملة القاسية بعد أن احتسبهم عربًا من العمالقة، بينما في مصر ذاتها لا تُوجد شهادةٌ قديمة واحدة على قسوة الهكسوس بشكلٍ يقترب من تلك البشاعة في شرائع الحرب التوراتية؟ اللهم إلا في نص «حتشبسوت»، وما جاء في حديث «مانيتون» في القرن الثالث قبل الميلاد.

    هذا ما كان عن تزوير التاريخ لصالح التنظير التاريخي للقومية الإسرائيلية، ويبقى أن نُعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، ونكشِف عن هوية الهكسوس بوضوحٍ وعلاقتهم بالعرب وبالمصريِّين وببني إسرائيل، وموقعهم الصحيح من التاريخ القديم! وهذا وعدٌ نعمل حاليًا – وربما لبعض الوقت — من أجل الوفاء به.٤٠
١  إيمانويل فليكوفسكي، عصور في فوضى، عن ترجمةٍ مخطوطة قام بها الطبيب د. رفعت السيد.
«ملحوظة: بعد طبع كتابنا هذا طبعةً أُولى تمكَّن المترجم رفعت السيد من العثور على دارِ نشرٍ تقبل نشر مخطوطته، وصدر فعلًا عن دار سينا بالقاهرة سنة ١٩٥٥م.»
٢  انظر مثلًا: د. صابر طعيمة، التاريخ اليهودي العام (في مجلدَين فاخرَين ومُذهبَين)، دار الجيل، بيروت، ط٢، ١٩٨٣م.
٣  جاردنر «ألن هنري»، مصر الفراعنة، ترجمة نجيب ميخائيل الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط٢، ١٩٨٧م، القاهرة، ص١٣٠-١٣١.
٤  سيد محمود القمني، المركز المصري لبحوث الحضارة، القاهرة، ٢٠٠٠م.
٥  أُدرجت تلك البردية في متحف لايدن تحت اسم ورقم Leyden Papyrus No. 344 وقد اعتمدنا هنا ترجمة د. سليم حسن، الأدب المصري القديم، كتاب اليوم، ١٩٩٠م، ج١، ص٣١٠–٣٣٢.
٦  جون ولسن، مصر، ضمن كتاب «ما قبل الفلسفة» بالمشاركة مع آخرين، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، مكتبة دار الحياة، بغداد، د.ت، ص٤٥-٤٦.
٧  انظر: سفر الخروج، الإصحاح الثاني عشر.
٨  انظر: سفر الخروج، الإصحاح ٣: ١٨–٢٢.
٩  جون ولسن، ضمن مجموعة كتاب: «ما قبل الفلسفة» … سبق ذكره، ص٦٣.
١٠  المصدر السابق، ص٦٣.
١١  بريتشارد «جيمس»، نصوص الشرق الأدنى القديم المتعلقة بالعهد القديم، ترجمة وتعليق: د. عبد الحميد زايد، نشر هيئة الآثار المصرية، القاهرة، ١٩٨٧م، ص٤١–٤٣.
١٢  هذا التعبير يعني ما يعنيه ذات التعبير في الدارجة المصرية الآن «ابن ناس»، وهو تعبير لا يشترط الأصل الثري بقَدْر ما يقصد الأصل والمنبت الطيب.
١٣  عبد العزيز صالح، الشرق الأدنى القديم، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، القاهرة، ١٩٦٧م، ج١، ص٣٦٥.
١٤  استندنا هنا إلى ترجمة د. سليم حسن، سبق ذكره، ج١، من ص٣٣٣: ٣٣٩، والتعديلات التي ادخلناها على الترجمة هنا مستندة إلى:
  • Gardiner, the jornal of Ehgption Archaeology, voll, pp. 100ff.
  • Gunn, vol X II, 1926, pp. 250ff.
١٥  سليم حسن، سبق ذكره، ج١، ص٣٣٨.
١٦  جيمس هنري برستد، كتاب تاريخ مصر منذ أقدم العصور إلى الفتح الفارسي، ترجمة د. حسن كمال، وزارة المعارف المصرية، ط١، القاهرة، ١٩٧٩م، ص٩.
١٧  محمد العزب موسى، أول ثورة على الاقطاع، دار الهلال، القاهرة، ١٩٦٦م، ص٩٩.
١٨  برستد، كتاب تاريخ … سبق ذكره، ص٩.
١٩  أدولف إرمان، ديانة مصر القديمة، ترجمة د. محمد عبد المنعم أبو بكر، ود. محمد أنور شكري، نشر مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، د.ت. ص١٠٩.
٢٠  العزب، سبق ذكره، ص٩٩.
٢١  إيمار وإبوايه، الشرق واليونان القديم، ترجمة فريد داغر وفؤاد أبو ريحان، دار عويدات، بيروت، ١٩٦٤م، مج١، ص٦٣.
٢٢  برستد، كتاب تاريخ … ص١٦٦.
٢٣  نفسه، ص١١.
٢٤  العزب، سبق ذكره، ص١٧-١٨.
٢٥  بريتشارد، سبق ذكره، ص٨٥-٨٦.
٢٦  جاردنر «ألن هنري»، مصر الفراعنة، سبق ذكره، ص٨٢–٨٤.
٢٧  المصدر السابق، ص١١٤-١١٥.
٢٨  نفسه، ص١٤٢.
٢٩  نفسه، ص١٥٣.
٣٠  نفسه، ص٥٤.
٣١  ولسن، سبق ذكره، ص١٥٢.
٣٢  انظر على سبيل المثال فقط جاردنر، سبق ذكره، ص١١٢.
٣٣  حقيقة هناك مدونات كأسماء الفراعنة الهكسوس وخراطيشهم.
٣٤  د. لويس عوض، مقدمة في فقه اللغة العربية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٨٠م، ص١٠.
٣٥  طه باقر، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدَين، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد ١٩٨٦م، ج١، ص٤٥٦.
٣٦  سيد محمود القمني، النبي إبراهيم والتاريخ المجهول، القاهرة ١٩٩٠م. (بعد انتهاء بحثنا في كتاب النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة، قمنا بإجراء تعديلاتٍ هامة فيما ذهبنا إليه بكتاب: النبي إبراهيم، يُرجى الرجوع إليها).
٣٧  برستد، كتاب تاريخ مصر … سبق ذكره، ص١٤١.
٣٨  وليم لانجر وسبعة عشر عالمًا، موسوعة تاريخ العالم، ترجمة د. مصطفى زيادة مع سبعة مترجمين، مكتبة النهضة المصرية، د.ت، ص٥٦.
٣٩  العزب، سبق ذكره، ص٤٥.
٤٠  انتهينا من العمل وتم نشره كما سَبقَت الإشارة بالمركز المصري في ١٩٩٩م، كتاب «النبي موسى …»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠