عصره وحياته

الفرس والتصوف

يقول عبقري الفكر الإسلامي، العلَّامة الفيلسوف البيروني: «العلم شجرةٌ أصلها بمكةٍ، وثمرها بفارسٍ، وهي كلمةٌ من الكلمات التي تلقي بالأضواء على التاريخ.»

لقد كان فجر البعث القرآني بأم القرى، وعلى قيثارة الوحي، تفتحت مشاعر العرب للهدى، فحملوا كلمات الله إلى آفاق الدنيا، يخرجون الناس من الظلمات إلى النور، ويهدون الإنسانية صراطًا مستقيمًا.

وتسلم الفرس من العرب تراث الوحي غضًا مشرقًا، بكلِّ ما فيه من نورٍ وقوةٍ، وإلهامٍ وحياة.

وتفجَّرت فارس عيونًا، وتفتَّحت آفاقًا، ورَبَتْ فيها الثقافة الإسلامية وتلألأت، وأينع ثمرُها، وآتت أكلها، وانبعثت قواها، مبدعةً وصانعةً، لأكبر نهضةٍ ثقافيةٍ عرفها التاريخ، حتى رأينا عجبًا، وشهدنا إعجازًا، ففي كل قريةٍ، عباقرةٌ كبارٌ، وفي كل أفقٍ، نجومٌ وأقمارٌ، وفي كل مكانٍ أئمةٌ عمالقة، يُبدعون ويبتكرون وينشئون، ومن هنا جاء الخبر المأثور: «لو كان العلم بالثريا، لناله رجلٌ من فارس.»

وأبناء فارس — كما يقول ابن النديم — مشبوبو القلب والعاطفة والخيال، فيهم استجابةٌ فطريةٌ، للمعارف الروحية، والأذواق الوجدانية. ومن ثم وجد التصوف الإسلامي، في أرض فارس أُفُقَهُ ومجالاته، والينابيع التي تمده بالزكاء والنماء، والقلوب التي تتفتح له وتَقْتَاتُ به … وكما يقول المستشرق ماسنيون:١ «أصبحت فارس الملهِمة، المركز الأكبر للتصوف الإسلامي، الذي يوافق فطرتها وملكاتها.»
ويحدثنا الدكتور عبد الوهاب عزَّام عن أثر شعراء فارس في تشكيل الحياة الروحية وتعميقها في الإسلام٢ فيقول: «وبلغ شعراء فارس في هذه السبيل غايةً لم يدركها شعراء أمةٍ أخرى، فأخرجوا المعاني الظاهرة والخفية، والجليلة والدقيقة، في صورٍ شتَّى معجبةٍ مطربةٍ، وقد فُتِحَ عليهم في هذا فتحٌ عظيمٌ، فكان شعرهم فيضًا تضيق به الأبيات والقوافي والصحف والكتب، حتى ليقف القارئ حائرًا، كيف تجلَّت لهم هذه المعاني، وكيف استطاعوا أن يشققوا المعنى الواحد إلى معانٍ شتَّى، ثم يُخرجوا كل واحدٍ منها، في صورٍ شتَّى عجيبةٍ، كأنها أزهار المرج ونباته تزدحم في العين ألوانها وأشكالها، وماؤها واحدٌ، وترابها واحدٌ.» ثم يقول: «… لقد تحول الشعر الفارسي كله، إلى شعرٍ صوفيٍّ، فلا يخلو شاعرٌ فارسيٌّ من نزعةٍ صوفيةٍ تظهر في شعره، لشد ما سيطر شعراء الصوفية على الشعر الفارسي.»

وبقيام الدولة العباسية، انتقل النفوذ السياسي، والثقل المادي، وترف الحضارة ونعيمها وجلالها إلى فارس، فغدت محور الحياة الإسلامية السياسية والعلمية، بل غدت فارس أفقًا عالميًّا تتشابك فيه وتتصارع التيارات الفكرية والقلبية، وتلتقي فيها وجهًا لوجه ثقافات الأمم شرقية وغربية.

ويصف لنا المؤرخ الكبير ياقوت المكتبات العلمية العامة بمدينة مرو، إحدى مدن فارس التي لا تبلغ مرتبة العواصم، فيقول:٣ «يوجد بها عشر خزائن للكتب لم أرَ في الدنيا مثلها، منها خزانتان في الجامع. إحداهما يُقال لها العزيزية، وفيها اثنا عشر ألف مجلدٍ للناس كافةً، وكانت سهلة التناول لمن يريد. ولا يفارق منزلي مائتا مجلَّدٍ، وأكثرها بدون رهنٍ. ثم يقول: وأنساني حُبُّهَا كل بلدٍ، وألهاني عن الصحب والولد، وأكثر فوائد كتبي من تلك الخزائن.»

ويصف الإمام الجويني أرض فارس فيقول: «مطلع السعادة والمبرات، وموضع المراد والخيرات، ومنبع العلماء، ومجتمع الفضلاء، ومرتع العظماء.»

أما ابن خلكان، فيحدثنا في كتابه «وفيات الأعيان» عن فارس حديثًا يحلِّق على أجنحة حبها وتقديرها، حتى يصفها بأنها الجنة التي وُعد بها المتَّقون، فيها متاع الأعين والعقول، أو كما يقول: «إنها أنموذج الجنة بلا مَيْنٍ، فيها ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين، وتزكو به القلوب والعقول.»

وفي جو تلك الحضارة العلمية الشامخة، وفي عنفوان هذا الترف الثقافي والحضاري، كان قلب فارس، يخفق بالتصوف سلوكًا ومعرفةً، وكان أبناء فارس ينظرون إلى التصوف نظرة الإجلال والإكبار والتقديس، ويجدون في مناهجه القلبية والروحية، صدًى لما يضطرب في أعماقهم من أشواقٍ وأذواقٍ، وما يتلألأ في معارفهم من إشراقاتٍ وإلهاماتٍ. بل يرون في التصوف وجه القرآن وعلومه وأنواره، وأسرار هذه العلوم والأنوار، ويرون فيه فوق هذا وذاك، مجالًا ومسرحًا للقلوب المتعلقة بعرش ربها، القلوب التي تقتات بذكره وحبه، وتتلقى من إلهامه وفيضه.

فجر التصوف وضحاه

ومع مكانة التصوف الكبرى في الفكر الإسلامي، وما قدَّمه للحياة الإسلامية في شتَّى مراحلها، من مناهجَ في المعرفة والأخلاق، والسلوك الاجتماعي، وما أفاض على الثقافة الإسلامية من معانٍ مشرقةٍ عاليةٍ، في كلِّ ما يتصل بالروح والقلب، وصلة الإنسان بخالقه، وسيره إلى محبته ورضوانه، وما أبدع في هذا السير من أحوالٍ ومقاماتٍ وأذواقٍ ومشاهداتٍ وإلهاماتٍ، أسهمت في تعميق المعاني القرآنية واتِّساعها وشمولها، كما أسهمت في تكوين تلك الحياة الروحية التي أصبحت من أكبر العناوين المتلألئة في جبين الدعوة الإسلامية، وفي أفق رسالتها العالمية.

مع هذه المكانة الضخمة. لا تزال الأقلام قلقةً مضطربةً، وهي تتناول نشأة التصوف وتدرجه وأثره في التاريخ الإسلامي.

وسرُّ هذا الاضطراب أنَّ كُتب الطبقات الصوفية، لم تضع منهجًا علميًّا لتاريخ الحياة الروحية في الإسلام؛ فقد اعتبرت أئمة الصحابة جميعًا من رجال الطبقات الصوفية، ومن ثمَّ، اعتبرت بداية الإسلام، هي بداية التصوف!

وجاء رجال التاريخ الإسلامي، وجلُّهم من الحنابلة الَّذين خاصموا منهج التصوف في المعرفة والسلوك، فلم تتجه أقلامهم إلى تدوين تلك الحياة الخصبة المثمرة، بل ألقوا عليها سِتَارًا، ولم يرجوا لها وقارًا!

ثم جاء رجال الاستشراق في عصرنا، فبذلوا جهودًا ضخمةً في دراسة التصوف الإسلامي، ورجاله وتراثه.

ولكن هذه الجهود الضخمة، شَابَها وشَوَّهَ من جلالها، عقدةٌ نفسيةٌ، تحملها أقلامهم، وتستقر في أعماق قلوبهم، وتدفعهم دفعًا إلى تصوير التصوف الإسلامي، في أثوابٍ مُسْتَعَارَةٍ من المِلَلِ والنِّحَلِ الروحية، شرقية وغربية، وتدفعهم دفعًا إلى تحميل الكلمات والآراء أكبر مما تُطِيقُ، وأوسع مما تحتمل، ليضفوا على التصوف الإسلامي، صورًا غنوصيةً غامضةً، من صور الغنوص الشرقي، الذي يستهوي رجال الاستشراق، وشعوب رجال الاستشراق.

وتابعهم وجرى في ساحتهم فريقٌ كبيرٌ من كُتَّابنا، بحكم التلمذة لهم حينًا، وبحكم التشدُّق بآراء مفكرين أوروبيين أحيانًا، وبحكم جهلهم بالإسلام والتصوف أولًا وقبل كل شيءٍ.

ولسنا هنا بصدد التأريخ لهذه الحياة، وإنما نحاول أن نرسم خطوطًا لها في نموها وتطورها، تعيننا على تفهم منهج الحلَّاج الروحي، وصِلَة هذا المنهج الحلَّاجي، بالإسلام والتصوف، أو مجانبته لهما.

لقد وجد الروح الصوفي مع الإسلام منذ يومه الأول، وليس معنى هذا، أن الأذواق والمواجيد، القلبية والروحية، والمناهج الصوفية سلوكًا ومعرفةً، كانت واضحةً جليةً، في أيام الإسلام الأولى، وفي حياة أئمة الصحابة رضوان الله عليهم، ففي هذا الزعم إسرافٌ ومجانبةٌ للحقائق.

ولكننا لو تأملنا في آيات القرآن المحكمة، وفي حياة الرسول الطاهرة، وسير صحابته المشرقة، نجد البذور الأولى، للسلوك الصوفي، وللمعرفة الروحية، مبينةً متلألئةً.

وليس التصوف بدعًا في هذا، فكل منهجٍ من مناهج المعرفة في الإسلام انبثق كما انبثق التصوف من روح القرآن، وجوهر رسالته، وبدأ كما بدأ التصوف مع الإسلام، ثم نما وتطور ومشى مع خطو الحياة، وسنة الله.

فإننا مثلًا نستطيع أن نقول مع الفقهاء: إن الفقه نشأ مع الإسلام، وليس معنى هذا القول أن التفريعات الفقهية، والاستنباطات والمصطلحات الفنية، كانت في صدر الإسلام، وفي الكتاب والسنة، وإنما كانت هناك البذور الأولى، والمادة الأولى، التي نمت وتطورت ومَشَتْ مع الحياة.

كان التصوف موجودًا في صدر الإسلام بروحه وهديه، وآدابه وخلقه، وترفعه وزهده، وعباداته وطاعاته، وذكره ومناجاته، كان موجودًا بجوهره لا بمصطلحاته، وقائمًا بكلياته لا بجزئياته.

كان التصوف في صدر الإسلام هو هذا الروح الديني المهيمن المسيطر على حياة المسلمين كافةً، الموجه لحركاتهم وسكناتهم، الصاعد بأعمالهم ونواياهم، إلى خالقهم ومولاهم.

كان هذه الرقابةَ الحيةَ اليقظة التي أقامها كل مسلم في أعماقه، ليراقب ما توسوس به نفسه، وما يَصْطَرِعُ في قلبه، وما يتواثب في نفسه، وما يخفي صدره، وما تطرف به عينه.

كان هذا الترفع الشامخ عن شهوات الدنيا وزخرفها، والإعراض عن بريقها وفتنتها، والزهد في تَرَفِهَا ومظاهرها، والتسامي بكل ما فيها إلى وجه الله، حتى يظفر بحبه ورضاه، وقربه وهداه؛ لأن الدنيا لا تزن عنده جناح بعوضةٍ، ولأن الآخرة خيرٌ وأبقى.

ثم مشت الحياة بالمسلمين، وفتحت عليهم الدنيا، وابتعدت مسامعهم عن نغمات الوحي، وتفرقت قلوبهم عن الميثاق والعهد، وانْحَلَّتِ العزائم، وفَتَرَتِ الهِمم، وتسارع الناس إلى المال والجاه، ولهو الحياة، ونشأت الفتن، واختصموا على المُلك، وتصارعوا وتباغضوا، وتشعبت بهم السبل.

ونشأت تبعًا لذلك، حركاتٌ مضادةٌ، ورسالاتٌ مجاهدةٌ، صمدت في وجه العاصفة. ويحدثنا تاريخ النصف الثاني من القرن الأول للهجرة، عن وعاظٍ ومرشدين، وقفوا على أسوار القرآن، ومعالم السنة، ينذرون الناس ويدعونهم إلى ربهم ودينهم، تميزهم شجاعةٌ نفسيةٌ عاليةٌ، أعانتهم على مواجهة الجبروت والاستبداد الذي بدأت طلائعه في أفق الحياة الإسلامية.

وبجوارهم رأينا طائفةً من الزهاد، الذين وقفوا في وجه فتنة التَّرَفِ والإسراف، وأخذوا يديرون لحونهم وأحاديثهم، حول فضائل النفس، وآداب الحس، وتزكية الجوارح، والزهد في الدنيا، وهوان أمرها، وزوال نعيمها، وضلال شهواتها.

ثم رأينا العباد المتبتلين، الذين انقطعوا إلى طاعة الله، وعبادته وذكره، وأحالوا الكون إلى محاريب للصلاة والمناجاة، ومنابر للتحدث عن نعم الله، وعن عظمته وجلاله، والأنوار التي يفيضها على الساجدين المتطهرين.

ومن هؤلاء وهؤلاء، تكون الرعيل الأول، من الصفوة الربانيين، الذين عُرفوا في التاريخ باسم الصوفية، أو كما يقول ابن خلدون: «اختص المقبلون بأنفاسهم على الله باسم الصوفية.»

ثم ابتدأت تتكون لهذه الطائفة ثقافةٌ إيمانيةٌ، لها لونها وطابعها وخصائصها الفنية.

ثقافةٌ تدور حول ذكر الله وإلهاماته، ومجاهدة النفس، وما ينبثق من هذه المجاهدة، من آداب السلوك، ومقامات السير، ويتوج كل هذا الصلة بالله سبحانه، وما يترقرق حول هذه الصلة، من أذواقٍ ولحونٍ، ومواجيدَ وأشواقٍ، ثم ثمرة هذا كله، وهو المعرفة الباطنية، وما تفيض هذه المعرفة من علومٍ وأنوارٍ.

ومن ثم بدأت الحياة الروحية، تنفصل عن الحياة العامة، وتستقل بمناهجها ومعارفها، وابتدأ الصوفية يصطنعون، كلماتٍ تحدد أذواقهم، وتعبر عن شعورهم، وأخذ أفق هذه الكلمات يتسع لمعانٍ متعددةٍ، وكانت كل كلمةٍ تُضاف إلى التصوف، تفتح أفقًا جديدًا، وتكون نبعًا متدفقًا، وتتناولها ألسنة الصوفية، فتفتقها وتبتدع لها صورًا وألوانًا وأذواقًا.

ثم أخذوا يُكَوِّنُون لهم فلسفةً في الأخلاق، وفي السلوك، وفي العبادة، وأخذوا يجردون الأسباب من قوتها، ويرجعون كل شيء إلى الله سبحانه، فأكسبهم ذلك عزةً خلقيةً، وسعادةً روحيةً، قوامها الرضا بقضاء الله وقدره، واليقين بأن لا سلطانَ لقوة من قوى الأرض على مصائرهم وحياتهم، أو كما يقول إبراهيم بن أدهم: «نحن في لذَّةٍ لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها بالسيف.»

كما أفاضت عليهم الثقة بالله والتوكل عليه، شجاعةً نفسيةً، وقوةً إيمانيةً، لا تسامقها قوةٌ ولا شجاعةٌ، يقول إسحاق بن إبراهيم السرخسي: «سمعت ذا النون المصري، وفي يده الغل، وفي رجليه القيد، وهو يُساق إلى المطبق، والناس في بغداد يبكون حوله، وهو يقول: هذا من مواهب الله تعالى، ومن عطاياه، وكل فعله عذبٌ حسنٌ طيبٌ.»

تلك الشجاعة الصوفية الشامخة التي ستبلغ ذروتها في البطل الشهيد الحلَّاج، حينما صمد للمأساة صمودًا لا يطاوله في التاريخ صمود.

هذه خلاصة سريعة للمعارف الصوفية، في القرن الثاني للهجرة، ثم جاء القرن الثالث، فبدأ معه العصر الذهبي للتصوف، أو عصر النضوج العلمي للحياة الروحية.

تطور المعارف الصوفية في القرن الثالث الهجري

وفي مطلع هذا العصر، أخذت معاني الحب الإلهي، الذي سمعنا جرسه لأول مرةٍ في ألحان رابعة العدوية ومواجيدها، أخذت معاني هذا الحب تتسع، وتتلون بها المقامات والأحوال، وأخذت كلمات الأنس والبسط، والرجاء والخوف، واليقين والمشاهدة، تَشِيعُ وتُؤتي ثمارها، وتدرجت على أجنحة الحب ومعارجه حتى وصلت بالصوفية إلى مقام الفناء، وهو أخطر مقامات التصوف وأبعدها أثرًا في تاريخه.

والفناء هو غاية الصوفية، ففيه يشربون رحيق الحب الأعلى، وينعمون فيه بمتعٍ ولذائذ روحيةٍ تنسيهم دنياهم وأخراهم ووجودهم، وكل شيء سوى المحبوب.

والحب أساس الأحوال الصوفية، وقد اعتُبر — كما يقول السُّهْرَوَرْدِيُّ — أساسًا للأحوال، كالتوبة بالنسبة إلى المقامات، فمن صحت توبته على الكمال، تحقق بسائر المقامات، من الزهد والرضا والتوكل، ومن صحت محبته، تحقق بسائر الأحوال، من الفناء والبقاء والصحو والمحو.٤
ومن الحب تنشأ المعرفة والمشاهدة، ولذة المعرفة والمشاهدة، وفي الحب يتمتع المحب بالجمال المقدس، ويا له من جلالٍ وجمالٍ! ونشوة الحب الكبرى، تسمى سُكْرًا، والسُّكْرُ علامة الصدق في الحب، وهو نشوةٌ روحية لا يمكن تصورها إلا بالتجربة، كما يقول الإمام الغزالي؛ ولذلك قالوا: «من ذاق عرف.»٥

وهذا السكر الروحي، حدقةٌ يرى بها الصوفي، حقيقة الكون، وسر الخلق، يقول معروف الكَرْخِيُّ: «إذا انفتحت عين بصيرة العارف نامت عين بصره، فلا يرى إلَّا الله.»

ونهاية السكر هو الفناء، وفيه يغني المحب عن الموجودات، ويتجه بكليته لمطالعة وجه المحبوب.

والفاني كما يقول الصوفية: لا يحس بما حوله، ولا يحس بنفسه، فقد فنى عما سوى الله، ومن هنا جاء كلام الصوفية الذي لا يفهمه ولا يتذوقه سواهم، حينما يقولون، في نشوة الفناء، ووقدة الحب: «ليس في الوجود إلَّا الله.»

إنها تجربةٌ عليا، تجربةٌ ذاتيةٌ في عالم الروح والسر، تجربة كان أقوى وأجرأ مَنْ تحدث عنها الحلَّاج حينما بلغ الذروة العليا لمقام الفناء، أو مقام الاتحاد، وحينما ابتدع الحلَّاج من هذا المقام معارفَ صوفية، تتحدث عن وحدة الأديان، والنور المحمدي، ووحدة المحب والمحبوب.

ويأتي بعد مقام الفناء، مقام البقاء، ويأتي بعد الوحدة، مقام الجمع، وبعد الجمع، مقام التفرقة.

ومقام الجمع، هو رؤية الحق بلا خلقٍ، وهي حالةٌ وجدانيةٌ، أو حالة دهشةٍ وغيبةٍ، مع فقدان الإحساس بالأشياء وبالنفس.

والمحب هنا يعزل نفسه عن صفاتها، بأن ينظر، وكأنه بمثابة النظر لا الناظر، ويسمع ويعي وكأنه بمثابة السمع والوعي، لا السامع والواعي، ويتكلم وكأنه بمثابة الكلام لا المتكلم.

إنه مقام إشارةٍ، إلى حقٍّ بلا خلقٍ … وحالة الجمع هذه هي الحالة التي قال فيها الصوفية، الكلمات الجريئة التي عُرفت باسم «الشَّطْح» التي هوجم التصوف والصوفية من أجلها، وتُضرب الأمثال بكلمة أبي يزيد البسطامي «سبحاني» وبقول الحلَّاج: «أنا الحق.»

وقد قيل لشيخ الطائفة الجنيد: إنَّ أبا يزيد يسرف في الكلام، فقال: وما بلغكم من إسرافه في كلامه؟ قالوا: سمعناه يقول: سبحاني، سبحاني، أنا ربي الأعلى!

فقال الجنيد: إن الرجل مستهلكٌ في شهود الإجلال، فنطق بما استهلكه لذهوله عن رؤيته إياه، فلم يشهد إلا الحق تعالى، فنعته فنطق به.٦

ويعتبر كبار الصوفية، مرحلة الجمع هذه، أدنى مما يجب أن يكون عليه الكُمَّلُ من المحبين الذين يجب أن يتحققوا بما يسمونه «جمع الجمع» أو «صحو الجمع» أو «الفرق الثاني»!

وهي مرحلة تعقب مرحلة الجمع السابقة، ويجمع الصوفي فيها بين الجمع والفرق معًا؛ لأنه لا بد للعبد منهما، فإن من لا تفرقة له لا عبودية له.

وحالة جمع الجمع هذه، حالة وعيٍّ وصحوٍ وإدراكٍ، مع بقاء المعرفة الصوفية، التي كانت في حالة السكر، فلا يزول عن صاحب المقام إدراك الوحدة، إذا نظر إلى الكثرة، أو إدراك الكثرة إذا نظر إلى الوحدة.

وهذه حالةٌ فيها جمعٌ من وجهٍ، وتفرقةٌ من وجهٍ، فالجمع باعتبار الشعور بالوحدة، والفرق لإدراك الخلق، وصور الكون كما هي.

ومن المتحققين بهذا المقام أبو القاسم الجنيد، ويقول في هذا المعنى:

وتحققتك في السر
فناجاك لساني
فاجتمعنا لمعانٍ
وافترقنا لمعاني
إن يكن غيبك التعـ
ـظيم عن لحظٍ عياني
فلقد صيرك الوجـ
ـد من الأحشاء داني

فالجنيد يجمع لمعانٍ، ويفرق لمعانٍ، وهذا هو جمع الجمع، وحال العارفين الكُمَّل، المحلقين على أجنحة الوجد.

•••

ومقامات التصوف ومعارفه ومناهجه، أفقٌ يتلألأ جمالًا وكمالًا، أفقٌ صاغه الإلهام، وفتق جوانبه الإيمان، وشيد سماواته الحب الإلهي، وما يفيض هذا الحب من مشاهدةٍ يقينيةٍ، وعلومٍ فيضية، ومنحٍ ربانيةٍ.

أفقٌ مترامي الأبعاد، تعجز العقول المادية الأرضية عن ارتياده، واكتشاف أسراره، والاهتداء إلى أنواره.

إنه أفقٌ لأصحاب العقول والأذواق، الذين صفت أرواحهم بالطاعة، ورقت بالمجاهدة، وشفت بالمحبة، وسمت بالاصطفاء، حتى شهدت بالاجتباء ما لا عينٌ رأت، وسمعت ما لا أذنٌ سمعت، ونعمت بما لم تنعم به القلوب التي لم تبرح نطاق الماء والطين.

والقرن الثالث للهجرة، يعتبره الصوفية أكبر وأخطر مرحلةٍ في تاريخ الحياة الروحية.

إنه العصر الذي بلغ فيه التصوف ضحاه، واكتمل نموه، وشيد صرحه، وتدعمت مدارسه.

العصر الذي شهد الأعلام الأئمة الكبار الذين يدين لهم التصوف بخطوطه العريضة المضيئة … العصر الذي عاش فيه الحارث المحاسبي (ت سنة ٢٤٣ﻫ) سيد المحدثين عن دقائق ورقائق المحاسبة والمراقبة، وذو النون المصري (ت ٢٤٥ﻫ) أكبر المتكلمين عن أسرار المقامات والأحوال، وأبو اليزيد البسطامي (ت ٢٦٤ﻫ) بتحليقاته وإلهاماته في مقامي الحب والفناء، وأبو سعيد الخراز (ت ٢٧٧ﻫ) أستاذ مدرسة السلوك القلبي، والخلق المثالي، وسهل بن عبد الله التستري (ت ٢٨٣ﻫ) مربي العارفين القانتين، وشيخ الطائفة وإمامها، أبو القاسم الجنيد (ت سنة ٢٩٧) الحجة الذائق، الواصل في مقام التمكين.

وأخيرًا الشهيد، الحسين بن منصور الحلَّاج، الذي بلغ به التصوف كما يقول ماسنيون أقصى درجاته الفنية، وتحقق فيه الرمز الأعلى للصوفي المحب الفاني.

والحياة الصوفية في القرن الثالث الهجري، بكل ما فيها من عظمةٍ وإشراقٍ، وأسرارٍ في المقامات والأحوال، وبكل ما اشتملت عليه، من محبةٍ وفناءٍ ومشاهدةٍ، وفرقٍ وجمعٍ وفتحٍ، وجهادٍ في سبيل الكمال، واستشرافٍ للمثل الأعلى.

كل هذا نشاهده مبينًا واضحًا مصورًا في حياة الحلَّاج، ونضاله، وصراعه واستشهاده.

بل إن الحلَّاج، ليعرض علينا، آفاقًا قلبيةً، ومعارجَ روحيةً، وألوانًا من الحب الإلهي وإلهاماته، وما فيه من شوقٍ ووجدٍ، وعذابٍ وحُرقةٍ، وتقلبٍ في ملكوت المشاهد والأنوار، لا نراها عند غيره.

لقد انبثق الحب الأعلى، الحب الأعظم، في قلبه ووجدانه، وحسه ودمه وكيانه، فأذهله وحيره، وأفناه عمن سواه، حتى لنراه، في أسواق بغداد بقامته الفارعة، ولونه الأسمر الجميل، وسمته المهيب، ومنطقه الساحر، وهو يهيم على وجهه، وقد صرعه حبه، وهو يصيح: «يا أهل الإسلام. أغيثوني! فليس — أي الله — يتركني لنفسي فأتهنَّى بها! وليس يأخذني من نفسي فأستريح منها، وهذا دلالٌ لا أطيقه …»٧

مولده

في بقعةٍ من بقاع فارس الجميلة العريقة، الغنية بخيرات أرضها، وثمار عقول أبنائها، وفي ضحى العصر الذهبي للتصوف، في مطلع عام ٢٤٤ﻫ/٨٥٨م وُلد الحسين بن منصور الحلَّاج، في بلدة تور في الشمال الشرقي من مدينة البيضاء.٨
وتقدم لنا دائرة المعارف الإسلامية، روايتين متناقضتين عن نسبه، فالرواية الأولى تصعد به إلى أبي أيوب الأنصاري الصحابي الجليل، وبذلك تجعله عربيًّا خالصًا. وتقول الرواية الثانية: إنه حفيدُ مجوسيٍّ من أبناء فارس.٩

والرواية التي تنسبه إلى الأنصار لم تثبت تاريخيًّا، ولم يقل بها مؤرخٌ عربيٌّ، فإجماع رجال التاريخ، على أنه فارسي الأصل، كما هو فارسي المولد.

يقول ابن كثير:١٠ «هو الحسين بن منصور بن محمي الحلَّاج أبو مغيث، ويُقال أبو عبد الله، كان جده مجوسيًّا، اسمه محمي، من أهل فارس من بلدة يُقال لها البيضاء. ونشأ بواسط، ويُقال بِتُسْتَر.»

ويقول المستشرق ماسنيون: إن البقعة التي وُلد فيها كانت من أعظم مناطق النسيج في الإمبراطورية الإسلامية. وإن والده كان من عمال النسيج؛ ولهذا سُمي حلَّاجًا، وهو استنتاجٌ فكريٌّ من ماسنيون لم يُقِمْ عليه من التاريخ شاهدًا أو دليلًا.

أما الرواية التاريخية التي أوردها ابن خلكان في «وفيات الأعيان»، فتروي عن ضمرة بن حنظلة السماك، قال: «دخل الحلَّاج واسط١١ وكان له شغلٌ، فأول حانوتٍ استقبله كان لقطان، فكلفه الحلَّاج السعي في إصلاح شغله، وكان للرجل بيتٌ مملوءٌ قطنًا، فقال له الحسين: اذهب في إصلاح شغلي، فإني أعينك على عملك، فذهب الرجل، فلما رجع رأى كل قطنه محلوجًا، وكان أربعة وعشرين ألفَ رطلٍ، فسُمي من ذلك اليوم حلَّاجًا ولازمته هذه الكنية طوال حياته.»
وقد أورد ابن كثير١٢ أيضًا هذه الرواية، وأضاف إليها روايةً أخرى تقول: إن أهل الأهواز أطلقوا عليه هذه التسمية؛ لأنه كان يكاشفهم بما في قلوبهم فسموه، حلَّاج الأسرار.

وبعد مولد الحلَّاج بقليلٍ، اضطربت أحوال والده المالية، فرحل من بلدة تور إلى مدينة واسط ينشد العمل في ميادينها الاقتصادية الكبيرة.

وكانت واسط، مركزًا من مراكز الإشعاع الفكري والروحي في فارس، أسس بها الأشاعرة مدرستهم الكبرى، وأوجد فيها العلامة أبو علي الجبائي، نشاطًا ثقافيًّا، وتيارًا علميًّا حرًّا، يخضع كل شيءٍ لمنطقه وطرائفه.

كما أقام بها الحنابلة مدرسة للقرَّاء، ومعهدًا للحديث، واتخذوا من مساجدها مقاعد للبحث والدرس، والجدل والحوار.

وفي هذا الجو العلمي الحر الحي، نشأ الحلَّاج، ولفت إليه الأنظار منذ طفولته، بذكائه المتوثب اللماح، وشفا فيه روحه، وتفتح قلبه، وحبه وإقباله على ينابيع العلم والمعرفة، حتى ليحدثنا تاريخه، أنه قرأ القرآن الكريم على أعلام القرَّاء في عصره، وحفظه وجوده، وهو في العاشرة من عمره، وتعمق في فهم معانيه، تعمقًا ليس من طبيعة الطفولة الغضَّة.

كما اشتُهر بالإرادة القوية الموجهة، والرياضات والمجاهدات الروحية الشاقة، والزهد فيما يقبل عليه لِدَاتُه من شئون الحياة، ولهو الطفولة، والاستفراق الكامل في الصلاة والتأمل والتعلق بالدراسات التي تتناول المعرفة الروحية، وما تحتوي عليه هذه المعرفة من أنوارٍ وأسرارٍ.

وأقبل الحلَّاج بكل ما في قلبه من أشواقٍ، وما في روحه من إشراقٍ على علوم عصره من فقهٍ وتوحيدٍ وتفسيرٍ وحديثٍ وحكمةٍ وتصوفٍ. ولكنه كما يقول ماسنيون: «سرعان ما راح يبحث عن المعنى الرمزي الذي يرفع دعاء الروح إلى الله.» كان الحلَّاج يحس في أعماقه دائمًا تلهفًا واشتياقًا إلى معرفةٍ أرق وأدق مما يقرأه في صفحات الكتب، ومما يستمع إليه في دروس العلم والعلماء.

معرفة تدنيه وتقربه من الله، وتمنحه المعراج الذي تصعد عليه روحه إلى هداه.

كان يُحِسُّ أن لروحه عند الصفاء والنقاء، سبحاتٍ ملهماتٍ، تترقرق فيها معانٍ مشرقاتٌ، وأن قلبه عندما يأخذه الوجد الإلهي، والحب الرباني، تتفتح فيه منافذ يُطِلُّ منها على ملكوتٍ رائع الجلال والبهاء، تلتمع في آفاقه حقائق أعلى وأسمى مما يتجادل فيه الناس ويتخاصمون.

وإذن فليعمل الحلَّاج على أن ترتفع روحه بالحب ارتفاعًا يجعلها أهلًا لهذه الحقائق التي يهبها الله لمن ارتضى من عباده، واصطفى من خلقه.

وانقطع الحلَّاج عن دروسه، وأقبل على ملكوت السماء والأرض يقلب وجهه في آفاقهما، ويتأمل أسرارهما، ويقرأ بين سطورهما الخفية أسرارًا وأسرارًا.

وعكف على روحه وقلبه، بالتصفية والمجاهدة، حتى أعطيا كنوزهما، وتفجَّرا معرفةً ونورًا.

ونذر نفسه لربه سبحانه، وأقبل عليه بكل ذاته، وقد اشتعلت أحاسيسه بالوجد، والتهبت عواطفه بالحب، إنه يستهدف ارتباط قلبه بالله، وقرب روحه منه، قربًا يفنى فيه عن كل شيء، ليبقى له بعد ذلك كل شيءٍ.

إنه فناء الخالدين بربهم، وهو فناءٌ وخلودٌ، لا يعرفه إلا الأفق الصوفي.

وأخذ الحلَّاج نفسه بهذا المنهج أخذًا عنيفًا قاسيًا، وألزم نفسه به طوال حياته، حتى غدا طابعه الذي تشكَّل به وجوده المادي والروحي.

ولقد سُئل عن المريد الصادق. فقال: «هو الرامي بقصده إلى الله عزَّ وجلَّ، فلا يعرج حتى يصل.»

وهي كلمةٌ تصور لنا منهج الحلَّاج وهدفه الذي عاش له وبه، لقد رمى بقصده إلى الله سبحانه، وسخَّر كل ملكاته العقلية والروحية لتحقيق هذا الهدف، بل اتجه بكل أذواقه ومعارفه إلى آفاق هذا المعنى.

فكلمة التوحيد، وهي السطر الأول في كتاب الإسلام، لا تكون صدقًا وحقًّا كما يقول الحلَّاج، إلا إذا عشناها وتذوقناها، وفنينا في معناها، حتى كأننا حين ننطقها نسمعها من الله جلَّ جلاله، وحينئذٍ تنبثق في شِغَافِ القلب، وعين الوجدان، ويموج كل شيءٍ بالجلال والنور والمعرفة.

والقرآن الكريم كلام الله فيجب على المؤمن أن يتذوق حقائقه تذوقًا روحيًّا، وأن تتمثل فيه هذه الحقائق تمثُّلًا عمليًّا وإيجابيًّا.

ألم تقل السيدة عائشة — رضوان الله عليها — وهي تصف رسول الله — صلوات الله وسلامه عليه: «كان خلقه القرآن.»

ويمشي الحلَّاج بهذا الفهم خطوات حتى يقول: «إن المؤمن الصادق يصل به الأمر حتى تكون «باسم الله» منه بمنزلة «كن» من الله سبحانه.»

أي إن «باسم الله» إن نطق بها مَن تحقق بحقائق القرآن، وتذوقها وعاش بها تكون «باسم الله» منه؛ لها من القوة والأثر ما لكلمة «كن» من الله سبحانه.

ومن كلمات شبابه التي تصور لنا منهجه قوله: «حقيقة المحبة قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك والاتصاف بأوصافه.»

إنها البذرة التي ستخرج منها فلسفة الحلَّاج في مقام الفناء! ويقول الحلَّاج: «مَن لاحظ الأعمالَ حُجب من المعمول له — الله — ومن لاحظ المعمول له حُجب عن رؤية الأعمال.»

وهذه الصورة المثالية السامية التي تصورها لنا تلك الكلمة، سنجدها بصورٍ أكمل وأسمى في جهاد الحلَّاج وتضحياته.

تلك بعض خواطر الحلَّاج القلبية والروحية، وهو في مطلع شبابه قبل أن يسلك المنهج الصوفي على شيوخه، وقبل أن ينتظم في المدرسة الروحية العالمية، مدرسة التصوف، التي كانت تهيمن على العراق وفارس خلال القرن الثالث الهجري.

شيوخه في الطريق

ولما بلغ الحلَّاج الثامنة عشرة من عمره، اتصل بالإمام الصوفي سهل بن عبد  الله التستري، وتلقى على يديه آداب الطريق ومنهجه.

وأُعجب الحلَّاج بشخصية سهل، وبادله شيخه الإعجاب والتقدير، وتلازما ليل نهار، حتى بلغ الحلَّاج العشرين من عمره، فاعتزم أن يخرج من مدينة واسط الصغيرة إلى العالم الفسيح، فرحل إلى البصرة بعد أن ودَّع شيخه، وترك كما يقول جانبًا من قلبه معه.

وفي البصرة تتلمذ على يد شيخٍ من شيوخ التصوف، هو عمر المكي الذي سوف يكون له أبعد الأثر في حياته، وفي نكبته، ومن يده تلقى الحلَّاج خرقة الصوفية وعاش حياتهم.

ثم تزوج الحلَّاج في البصرة، بأم الحسين بنت أبي يعقوب الأفطع من زعماء البصرة وأهل الصدارة فيها.

واتسم هذا الزواج بالحب والإخلاص وصاحبه التوفيق حتى النهاية، فقد وفت له زوجه في مجده وفي محنته وثبتت إلى جواره، ورُزق منها بثلاثة أبناء.

وكان شيخه المكي في خصومة ملتهبة مع صهره، امتدت آثارها إلى الحلَّاج، فانقطع ما بينهما من مودةٍ، وقامت مكانها خصومةٌ حادةٌ، حتى ضاق صدر الحلَّاج بالبصرة فارتحل إلى مدينة بغداد.

الحلَّاج في بغداد

يقول صاحب «العبر»: «تصوف الحلَّاج، وصحب سهل بن عبد الله، ثم قدم بغداد فصحب الجنيد، والثوري وتعبد وبالغ في العبادة.»

وفي بغداد تتلمذ على أبي القاسم الجنيد، سيد الطائفة، وشيخها الكبير، وتوثقت صلتهما، واشتكى إليه من شيخه المكي فأمره الجنيد بالصبر ومراعاة حقِّ شيخه … ثم أخذ ما بين الجنيد والحلَّاج يفتر، فلكلٍّ منهما شخصيته ومنهجه، وباعدت بينهما أحداثٌ سنعرض لها في الفصول القادمة إن شاء الله.

ويُروى عن الجنيد قوله: «إنني أرى كثيرًا من فضول الكلام فيما يقوله الحسين بن منصور.»

ثم اتصل الحلَّاج برجال مدرسة رسالة القشيري، والتقى بصديق عمره الشبلي كما اتصل بمدارس التصوف وأعلامه اتصالًا لم يطل أجله … فقد أخذ الحلَّاج يكوِّن لنفسه منهجًا ومدرسةً وزعامة، ذات أهدافٍ دينيةٍ ودنيويةٍ معًا … وكانت بغداد عاصمة الدنيا حضارةً وثقافةً، وكانت تقدم للحلَّاج الكثير من المعرفة، ومن الروحية، ومن دوافع الحركة والنشاط والجهاد … وفي بغداد تلاقت الثقافات العالمية، كما تلاقت المذاهب والملل والنحل المختلفة، وتصارعت كل هذه الألوان الفكرية وتلاحقت وصبغت الحياة الإسلامية بصبغتها وطابعها … ورأى الحلَّاج في بغداد الصراع الفكري المشبوب، ورأى في بغداد العصبيات القلبية بين الفرس والترك والعرب، وبين القبائل العربية المختلفة ومثيلاتها. كما رأى ترفًا ماجنًا هلوكًا، ونظامًا فاسدًا ظالمًا، وخلافةً متكبِّرةً متألِّهةً.

وآمن الحلَّاج بأن التصوف هو الذي يستطيع أن يهيمن على هذه المذاهب الفكرية المتعارضة، ويوحدها في منهجه الإيماني، كما يملك القدرة على محو هذه العصبيات الجامحة بروحانيته العالية وما تشعُّ من أخوةٍ، وما تلهم من محبةٍ! وفوق هذا وذاك: إن التصوف يستطيع بطبيعته النقية المترفعة أن يحارب الترف والفساد والتألُّه الذي فرضته الخلافة العباسية على المجتمع الإسلامي.

الحلَّاج والأخوة الروحية

ومن ثمَّ أخذ الحلَّاج يفكر في إيجاد كتلة شعبية تدعو إلى أخوةٍ روحيةٍ في الله، وتستهدف وحدة العالم الإسلامي، والنهوض به خلقيًّا وتعبديًّا حتى يعود إلى منهج الصدر الأول وقوته، وروحانيته وإيمانه.

أخوةٌ روحيةٌ تنبثق منها الوحدة الكاملة في الشعور والمُثُل، والمناهج والغايات.

فالمسلمون قرآنهم واحدٌ، ورسولهم واحدٌ، وعباداتهم قامت على النظام والوحدة، فالصلاة موقوتةٌ بوقتٍ محددٍ، وكمالها في جماعةٍ منتظمةٍ في صفوفٍ متراصَّةٍ، تتجه إلى قبلةٍ واحدةٍ، وتفنى أحاسيسهم في استغراقٍ تعبديٍّ مشتركٍ.

والصيام يبدأ بأذان الفجر، وينتهي بأذان الغروب، كأنه نفيرٌ عامٌّ يحشد الجنود، جنود الروحانية الإسلامية؛ ليدربهم على النظام والقوة، والوحدة الكاملة.

والحج مؤتمر المسلمين الأكبر، تضمهم بقاعٌ مقدَّسةٌ محددةٌ، وشعائرُ مفروضةٌ مشتركةٌ، ويرمون عن يدٍ واحدةً جمراتٍ موجهةٍ إلى رمز عدوهم المشترك.

ومع هذا فقد اختلفوا وتمزقوا، وأعرضوا عن رسالتهم الخلقية، وعباداتهم الربانية.

وأخذت هذه الخواطر تراود الحلَّاج، فتؤرِّق جفونه، وتوقظ أحاسيسه، وتحرِّك قواه، فأخذ يلقي بنفسه في تيار الحياة، ويتصل بالجماهير، ويوثق صلاته بطوائف من الجند والقادة والأمراء والزعماء، اتصالًا، لم يرضَ عنه المتزمتون من شيوخ التصوف، ولم ترضَ عنه الخلافة، ولم ترضَ عنه القوى المختلفة التي تحرك بغداد، وتحكم العراق، وتهيمن بالتالي على العالم الإسلامي.

مجاهداته الروحية

ولكن هذه الصورة التي تمثل لنا الحلَّاج في إهابِ رجل الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي، لم تكن كل حياة الحلَّاج، ولا كل جهاده، ولا يمكن لهذه الصورة أن تمثله تمثيلًا كاملًا.

فالحلَّاج كان يتقلَّب في حياتين، ويعمل في حقلين، وكان يملك القدرة على المزج بينهما، كما يملك الطاقة على النهوض بهما معًا.

كان الحلَّاج خلال معركته الإصلاحية، ودعوته الشعبية، يسلك طريقه الصوفي، ويسلكه في عنفٍ وقوةٍ.

لقد انفصم ما بينه وبين شيوخه في الطريق الصوفي، فلم يتم تدريبه، ولم يكتمل إعداده، ولم تمهد له الأيدي المدربة المبصرة، أيدي المربين الروحانيين طريق الكمال الروحي.

والطريق الصوفي كما يقول المتصوفة، طريقٌ وعرٌ شائكٌ، تمتزج فيه البروق الخادعة، بالأنوار الهادية، والخواطر المضللة بالإلهامات المشرقة وفيه الاستدراج الخفي، والامتحان الربَّاني، وفيه العوائق النفسية، والتيه القلبي، والخداع الذوقي؛ ولهذا اشترط الصوفية جميعًا واتفقوا على أن الشيخ ضرورةٌ في الطريق لا غنى عنه للسالك المريد، إنه كالطبيب للمريض، يعرف المزاج والمرض والدواء، كالمهندس للبناء، إنه النور الذي يرشد، والمربِّي الذي يوجِّه، والدليل المبصر الذي يفرق ويميز بين الخواطر والإلهامات، ويملك القدرة على اختصار الطريق، كما يملك التجربة الواعية التي ترسم لكل سالكٍ ومريدٍ ما يلائمه، وما يتفق مع ذوقه واستعداده وطبيعته.

والشرط الأول في الطريق أن يستسلم المريد لشيخه استسلامًا كاملًا، بلا اعتراضٍ أو توقفٍ، وهي دكتاتورية لا تتفق مع طبيعة الحلَّاج الثائرة، فتمرَّد عليها واختصم بشأنها مع شيخه عمر المكي، وتجادل فيها مع شيخه الجنيد، ولم يرضَ الشيوخ عن هذه الروح الثائرة!

واستقل الحلَّاج بنفسه، وأخذ يسلك الطريق وحده، وأخذ يجاهد نفسه ويدربها ويكلفها أشق ما في التصوف من تكاليف، ويفرض عليها أقسى ما في المنهج الروحي من وسائل التجرد والزهد والعبادة والرياضة.

وابتدع لنفسه طريقًا حلَّاجيًّا استهدف به الكمال القلبي والخلقي، واتصال روحه بربه اتصال حبٍّ وشوقٍ وفناءٍ، اتصالًا سيُعرف في التاريخ باسم «معراج الحلَّاج» وهو معراج يتفرد في تاريخ الحياة الروحية، بخصائصَ وسماتٍ لم تُعرَف لسواه.

وكان الحلَّاج في جهاده الروحي، وفي نضاله الشعبي، سريع التقلُّب والحركة، إن في روحه ثورةً، وفي قلبه أهواء متعددة، وفي وجدانه وأحلامه استشراف وتطلع لآفاق يحسها ويدركها ببصيرته واضحةً حينًا، غامضةً أحيانًا!

إن روحه لم تظفر بعد بأفقها المستقر المبين، وإن قلبه لم يصل بعد إلى مقام الثبات والتمكين، ومن هنا جاء التلون في السلوك الذي اتسمت به حياة الحلَّاج في دورها الأول.

يقول ابن كثير:١٣ … وقد كان الحلَّاج يتلون في ملابسه، فتارةً يلبس لباس الصوفية، وتارةً يتجرد في ملابس زريةٍ، وتارةً يلبس لباس الأجناد، ويعاشر أبناء الأغنياء والملوك والقوَّاد، وقد رآه بعض أصحابه في ثيابٍ رثَّةٍ، وبيده ركوةٌ وعكازٌ وهو سائحٌ، فقال له: ما هذه الحالة يا حلَّاج؟ فأنشأ يقول:
لئن أمسيتُ في ثوبي عديم
لقد بَليا على حرٍّ كريم
فلا يغررك أن أبصرت حالًا
مغيرة عن الحال القديم
فلي نفسٌ ستَتلف أو سترقى
لَعَمرك بي إلى أمرٍ جسيم

كان الحلَّاج يتلمس طريقه إلى أمرٍ عظيمٍ جسيمٍ، طريقه بشقيه الصوفي والإصلاحي، وقد اعتزم في إصرارٍ حاسمٍ، أن يبلغه أو يهلك دونه.

الحلَّاج يستعرض المنهج والرسالة

آمن الحلَّاج — وهو يشق طريقه إلى الله على أجنحةٍ من رياضاته العنيفة الشاقة، وأشواقه القلبية المتقدة — أن هناك صلاتٍ لا تنفصم بين الكمال الروحي الذي ينشده، والإصلاح الإيماني الذي يستهدفه.

إنه ليحس بأن في أعماقه قوًى ضخمة، تفور وتتصارع، وتتهيأ للحركة والوثوب … ويشعر بأن هناك في أبعد عمقٍ من نفسه وقلبه ووجدانه تتفجَّر ينابيع، وتتدفق تياراتٌ وثوراتٌ، يرى بعين خياله وبصيرة أحلامه أنها ستغيِّر وجه الحياة — حياته، وحياة الناس كافةً!

لقد آن للعالم الإسلامي أن يُبعث من جديد، على نورٍ من كتاب الله وحبِّه، وشعاعٍ من حياة الرسول وهديه، وما أروع وأجمل أن تتحقق أحلامُ الحلَّاج! فتشهد الدنيا أمةً قرآنيةً تقوم بعين الله ورعايته، يحكمها ويوجهها أقطاب عُبَّادٌ أتقياءُ أصفياءُ، يحبون الله ويحبهم، ويملئون الكون بمواجيدهم وضراعاتهم، وأنوار إلهاماتهم، ويحملون الناس على الجادة والطريق الذي اصطفاه الله وارتضاه، فلا تفترق السياسة عن الصلاة، ولا الحكم عن الحب، ولا العمل عن العبادة، فتتحول الدنيا من غايةٍ للشهوات والصراع ولهو الشياطين إلى مساجدَ للحبِّ والسلام ونجوى الساجدين العابدين.

إنها أحلام الحلَّاج التي تملأ عليه آفاقه، والتي تعيش في أعماقه، وتبعث الحركة والاضطراب في حياته، تُرى هل هو أهلٌ لها بعد؟ وهل يستطيع النهوض بها، فتتحول الأحلام والأماني إلى حقائقَ حيةٍ، تسعى وتعيش وتخلَّد؟

وهل تستطيع الصوفية، وهل يستطيع المنهج الصوفي أن يقدم له القاعدة الصلبة التي يرتكز عليها، حتى يثب من فوقها؟ لقد جاهد الصوفية أنفسهم في سبيل التصفية والتحلية والتطهر جهادًا خالدًا لم تعرف صحف الجهاد النفسي مثيلًا له من قبل، وفرضوا على أنفسهم مناهجَ في السلوك، وآدابًا في الطريق، وواجباتٍ في العبادات، وأخلاقًا في الحياة، هي أسمى تصورات الكمال التي عرفها هذا الوجود … وامتلأت أيديهم بثورةٍ ضخمةٍ من التجارب العلمية الكاملة التي قاموا بها وحدهم وهم يصعدون معارج الوصول إلى أفق الحب الإلهي، وسموات الإلهام والنجوى … وتركوا للإنسانية زادًا صالحًا من معارفهم وإلهاماتهم وعطرًا زكيًّا من أورادهم وعباداتهم، وسيرًا وصحفًا لهم تشع هدًى، وترسل نورًا، وتهدي طريقًا.

ثم عاش الصوفية بعد ذلك حياتهم داخل أنفسهم أو داخل حلقات دروسهم، وساحات مريديهم، ولم يمدُّوا أعينهم إلى ساحة الحياة الكبرى، وإلى ميادين جهادها الأخرى.

ولقد آمن الحلَّاج بأن المنهج الصوفي بكمالاته في الأخلاق والعبادات والجهاد الروحي، وبمواجيده وأذواقه، ومعارفه في الحب الإلهي، إنما يمثل وجهًا واحدًا من الدعوة الإسلامية، ووجهًا واحدًا من حياة الرسول — صلوات الله وسلامه عليه، إنه يمثل مرحلة الإعداد فحسب! ثم تأتي في أعقابها مرحلة الكمال، مرحلة الجهاد العام لتبليغ لدعوة، وحمل الناس عليها، والدفاع عنها، فلو اكتفى الأنبياء والأولياء والصالحون المصلحون والزعماء بأنفسهم ولم يحملوا ما تلقوا وما تعلموه وآمنوا به إلى الناس، ولم يجاهدوا في سبيله حتى تعلو كلمات الله، وتسود تعاليمه ورسالاته لفسدت الأرض، وامتطاها شياطين الجنِّ والإنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف الأرض غرورًا …

ولقد فسد عصر الحلَّاج فسادًا كبيرًا، وتنابذ الناس واختلفوا، وتفرقت بهم السبل، وأُغرقوا في الشهوات والملذَّات والترف الهلوك … وكانت قمة الفساد قصور الخلفاء والأمراء، فقد غدت مسرحًا لعبث الجواري والإماء، ومرتعًا للمرتشين والمُقامرين والملحدين!

ومع هذا، فها هي بغداد — عاصمة الخلافة — تموج بالنجوم الكبار من أعلام التصوف وأئمته: الجنيد – التستري – المكي – الشبلي – الثوري … وها هو العراق — في كل سهلٍ وجبلٍ وقريةٍ — فيه صوفيةٌ عبادٌ أتقياءُ أصفياءُ، لهم مكانتهم وأقدارهم …!

إن سهل بن عبد الله التستري ليقول: إنه دخل البصرة فوجد بها أربعة آلافٍ من العارفين! البصرة وحدها يعيش بها هذا العدد الضخم من العارفين الواصلين، فكم منهم في بغداد؟ وفي كل مدينة من مدن العراق؟ ومع هذا، فبغداد والعراق قد أصبحتا عَلمًا عالميًّا على التدهور الخلقي، والانحلال الديني، والفساد الاجتماعي. ماذا فعل الصوفية حيال كل هذا؟! ولهم المكانة ولهم الجاه، ولهم الحب والتقدير عند الخاصة، والسلطان الشامخ على العامة.

لقد فكر الحلَّاج في كل هذا وأطال التفكير، فلم يرضَ عنه، ولم يطمئن إليه، وعبَّر عن سخطه بكلماتٍ من لهيبٍ وبرقٍ … إن الله سبحانه — كما يقول الحلَّاج — لم يقبل من الناس عبادتهم إذا اختلَّت سياستهم، وفسدت أخلاقهم، ثم استكانوا للبغي والفساد! وإن الله سبحانه — كما يقول الحلَّاج — لن يقبل من أصحاب الأردية والأكسية دندناتهم وكلماتهم ما لم ينهضوا للحق ويجهروا به، ويقدموا دماءهم في ساحة الاستشهاد والفداء.

وقد آن لرجلٍ من رجال الله أن يرفع صوته، ويؤذن بالدعوة، وإن الحلَّاج ليَهَب نفسه ويرصدها لهذه الغاية الكبرى. وإن كان يمسك نفسه حينًا، ويقلب وجوه الرأى أحيانًا، فليس عن ترددٍ أو ضعفٍ، إنه يريد أن يستوثق من نفسه، وأن يطمئن إلى عُدته، هل كملت رياضاته؟ وهل نضجت مجاهداته؟ وهل خلص له قلبه؟ إن قلبه لينازع عقله فيما يريد، وإن وجدانه ليصاول تفكيره فيما يحب … لقد تعشق بقلبه ووجدانه وروحه المنهج الصوفي، ورصد كل قواه منذ صباه لحب الله وعبادته والجهاد في مرضاته، حتى يصل إلى فناءٍ كاملٍ، تفنى فيه إرادته في إرادة الله، ونوازع بشرية في كمالات عبادته، وأهواء نفسه في لذة أنسه وجلال قربهِ.

وإن هذا الجلال، وهذا الحب، وهذا الفناء ليكاد يسرقه عن نفسه، وعن رسالته حينًا وحينًا، يُخيل إليه أنهما ارتبطا واتَّحدا، وأصبحا شيئًا واحدًا، إنها عاصفةٌ من التفكير المزلزل، المتعدد الألوان والصور، خلص له منها أمر يقيني اطمأن إليه اطمئنانًا لم يجده عند سواه.

إنه في حاجةٍ إلى خلوةٍ كاملةٍ، يعيشها متحنثًا متطهرًا ذاكرًا قانتًا، خلوةٌ تؤهله أو تدنيه من الكمال، وتزوده وتعده للجهاد العنيف الشاق الذي اعتزم القيام به في وجه جميع القوى.

ومن ثم اعتزم الحلَّاج أن يرحل إلى بيت الله المقدس، ليخلوَ بنفسه في أرض الوحي والإلهام، ليزداد قربًا من ربه، وكمالًا في نفسه، وهما عدته ومعراجه إلى هدفه.

الحلَّاج في بيت الله

وفارق الحلَّاج بغداد فجأةً إلى مكة المكرمة، وبعد أن طاف بالبيت العتيق، وامتلأت عيناه بالمشاهد التي شهدت خطو الملائكة وجهاد خاتم النبيين، نذر البقاء عامًا للعمرة في حرم البيت المبارك للتطهر والنسك، والتصفية القلبية والإعداد الروحي.

عاش الحلَّاج في مكة عامًا كاملًا في صمتٍ مطلقٍ، وتأملٍ متصلٍ، وعبادةٍ ونجوى، عاش في الحجر لا يستظل تحت سقفٍ شتاءً ولا صيفًا. عن أبي يعقوب النهرجوري١٤ قال: «دخل الحلَّاج مكةَ أول دخلةٍ وجلس في صحن المسجد سنةً لم يبرح من موضعه إلَّا للطهارة والطواف، ولم يحترز من الشمس ولا من المطر، وكان يُحمَل إليه في كل عشيةٍ كوز ماءٍ، وقرصٌ من أقراصِ مكة، وكان عند الصباح يُرى القرص على رأس الكوز وقد عُضَّ منه ثلاثُ عضَّاتٍ أو أربعةٌ فيحمل من عنده.»

عاش الحلَّاج حياته العجيبة القاسية الشاقة عامًا كاملًا، ما هي خواطره؟ وما هي تأملاته؟ وما هي القوة التي تزود بها في خلوته؟ لقد لزمت كتب التاريخ الصمت حيال هذه الفترة من حياته، إلا أن المستشرق ماسنيون يحاول كعادته أن يلقي الظلال والشبهات، وأن يفسِّر حياة الحلَّاج التفسير الذي يصل به إلى الفكرة التي استقرت عنده، وهي أن الحلَّاج كان يحاول أن ينهج نهجًا مسيحيًّا في تنسكه ودعوته، وأنه كان يتشبه بمريم البتول حينًا، وبالسيد المسيح أحيانًا … يقول ماسنيون: «إن الحلَّاج في مكة كان يتشبه بمريم ابنة عمران، وأنه كان يهيئ نفسه لميلاد كلمة الله فيه.»

إن تأملات الحلَّاج وأحلامه، وخواطره ورياضته بمكة، تصورها لنا أولى كلماته التي نطق بها بعد عامٍ كاملٍ من صمته، لقد خرج الحلَّاج من عزلته فتلقَّاه أتباعه يسألونه عن شأنه، فترجم عن أمره بتلك الجملة القصيرة، المعبرة المصورة لحالته حيث قال: «لو ألقى مما في قلبي ذرة على الجبال لذابت.»

إنه ثائرٌ أو عابدٌ من لونٍ جديدٍ، تلاقت في أثوابه خرقة الصوفية بكسوة الجندية، وامتزجت في قلبه أشواق الحب الإلهي بثورة الإصلاح السياسي، واجتمعت في روحه طهارة العابدين ورقتهم ببطولات المصلحين وصلابتهم، وكانت هذه الأمشاج من الصفات المتناقضة تعلوها صفةٌ ثابتةٌ تعطي الحلَّاج طابعه الدائم.

ذلك هو الوجد الصوفي — الذي كان يأخذه أخذًا عنيفًا ملحًّا، يفنى فيه عن نفسه حينًا، وعن رسالته أحيانًا، ويدفع به زمنًا إلى الخلوة القاسية والهرب من الناس، أو يزج به قسرًا إلى تيار الحياة ومعاركها … ذلك الوجد الصوفي الذي سيبلغ قمته في سنواته الأخيرة، بل ذلك الوجد الذي سيترك بصماته على تاريخ الحلَّاج فيملؤه غموضًا واضطرابًا، ويضفي عليه فتنةً وخيالًا ساحرًا.

تنقلات الحلَّاج في العالم الإسلامي

غادر الحلَّاج مكة إلى الأهواز، ومعركته الباطنية لا تزال مشتعلة، رغم السلام الظاهري الذي اكتسبه من رياضاته وخلوته.

لقد رسم في عزلته خطوطًا، وتزود بقوى، واعتزم أن يدفع بنفسه إلى ساحة الكفاح … خرج داعيًا إلى الله، مبشرًا برسالته، واتجه بدعوته إلى طبقة المثقفين من الكتَّاب ورجال الأعمال، وإلى الجنود والقواد، وجماهير الصوفية … وقَسَّمَ الحلَّاج منهجه إلى خطوطٍ رئيسيةٍ: ناحية دينية صوفية، جوهرها عبادة الله وحبه، حبًّا أساسه الوجد والشوق، حتى يجد الإنسان ربه في أعماق نفسه، وبذلك يصل إلى الكمال الروحي والخلقي، وإصلاح الأداة الحكومية الغارقة في الترف والشهوات والانحراف، حتى يستقيم الميزان الموجه لحياة الناس، ووحدة الأمة الإسلامية التي مزقتها الفلسفات والعصبيات، حتى تستطيع أن تنهض برسالتها، وتتجمع لديها القوة اللازمة لحمايتها.

وكان الحلَّاج في دعوته يتجنب التسميات المميزة بين الفرق الدينية، حتى لا يظن به الجنوح إلى فرقة بذاتها — وهي العقبة الكبرى في وجه كل دعاة الإصلاح — وكانت صيحة الحلَّاج المُدَوِّيَة هي: أن يعود الناس للأساس الأول، إلى الإسلام كما جاء، محجةً بيضاء، وكما طُبق في عهد الرسول توحيدًا صافيًا وعملًا لله خالصًا، وأن يتخلى الناس عن هذه المذاهب التي حجبتهم عن الجواهر، فالمذاهب — كما يقول — إن هي إلَّا وسائطُ يجب اجتيازها إلى روح الإسلامِ … يقول العلامة ابن كثير في البداية والنهاية: «كان الحلَّاجُ في عباراته حلو المنطق، فيه تعبد وتألُّه وسلوك.»

وغضب المتزمتون من رجال التصوف، لاندفاع الحلَّاج في التيار السياسي، وقابل الحلَّاج غضبتهم بأعنف منها، فنبذ خرقة التصوف، ريثما يتكلم بحرية مع أبناء الدنيا كما يقول.

وعظم أمر الحلَّاج في الأهواز، وفُتنت به الجماهير، ونسبت إليه العجائب، وتلونت هذه العجائب بخيال العامة، حتى غدت ضربًا خارقًا لقدرة الإنسان!

وكان الحلَّاج — كما يقول الإصطخري — باهر الشخصية، ساحر الكلمة، رائع السمت، محببًا إلى القلوب. أو كما يقول العلم الحديث: فيه استهواءٌ روحيٌّ للجماهير … ثم وسع الحلَّاج نطاق دعوته، فارتحل إلى خراسان، وفي صحبته عشراتٌ من الحواريين، واستمر — كما يقول ماسنيون١٥ — يدعو ويعظ الجاليات العربية في شرق إيران، ويبث دعوته في المدن، ويقيم على الحدود، ويرابط مع المرابطين في الثغور، وقضى في ذلك خمس سنوات. ثم يعود إلى الأهواز، بعد أن ترك دويًّا يتردد صداه في آفاق خراسان.

ثم يدعوه تلميذه العظيم، الواسع النفوذ حمد القنائي إلى الإقامة ببغداد، فيرحل إليها مع أهله وطائفةٍ كبيرةٍ من مريديه وأتباعه … ويدخل الحلَّاج بغداد بعد أن سبقته شهرته وعجائبه، فيُحْدِث في بغداد هزَّةً، يتردد صداها في البيئات الصوفية والعلمية، ترددها في قصور بغداد العالية وأكواخها الساذجة.

ثم يذهب الحلَّاج إلى مكة للمرة الثانية مع أربعمائة من تلاميذه، ويعاود الاختلاء والرياضة، حتى يتهمه بعض خصومه بأنه يقوم بأعمال السحر وتحضير الجن، لاعتصامه بقمة جبل أبي قبيس وانقطاعه عن الناس. ومن مكة يخرج الحلَّاج في رحلته الكبرى في سبيل الدعوة، يخرج إلى التركستان والهند حيثُ يعتنق الإسلام على يديه خلقٌ عظيمٌ.

واتخذ البحر طريقًا، وصعد في السند من ملتان إلى كشمير، ويمضي في طريقه صاعدًا ناحية الشمال الشرقي حتى طرقان مع القبائل الأهوازية. لقد كان الحلَّاج — كما يقول ماسنيون — يفكر في هداية الإنسانية كلها عبر الأمة الإسلامية.

وعظم أمر الحلَّاج في بلاد ما وراء النهر والهند والصين فكانوا يكاتبونه١٦ من الهند بلقب المغيث، ومن بلاد الترك بالمقيت، ومن خراسان بأبي عبد الله الزاهد، ومن حورستان بالشيخ حلَّاج الأسرار، وسماه أشياعه ببغداد بالمصطلم، وسموه في البصرة المحير، وذهبت الدنيا تردد أحاديثه وقواه السحرية الخارقة، أو كراماته الباهرة.
يقول صاحب «شذرات الذهب»:١٧ وبلغ من شأنه أن كان يُخرج الأطعمة في غير وقتها، والدراهم من الهواء ويسميها دراهم القدرة، وكان يعرف الكيمياء والطب … ونشر الحلَّاج رسائله الكبرى عن السياسة، وواجبات الوزراء، مطالبًا بإقامة حكومةٍ إسلاميةٍ حقًّا. وزارةٍ تحكم بالعدل بين الناس، وخلافة — كما يقول — شاعرة بمسئوليات وظيفتها أمام الله، مما يجعل الله يرضى عن قيام المسلمين بفروض دينهم.١٨

ومن وراء النهر عاد الحلَّاج إلى مكة، يدفعه وجدٌ صوفيٌّ، وحنينٌ غلَّابٌ إلى الخلوة، وإلى رياضاته العنيفة القاسية، في أرض النبوة والإلهام، وليتزود في عزلته الروحية بقوةٍ إيمانيةٍ، قوة تؤهله لمواجهة الحياة في معركةٍ بطوليةٍ حاسمةٍ.

هناك في بغداد عاصمة الخلافة العباسية، حيث الصراع الفكري والديني مشتعل الأوار في البيئات العلمية، وحيث الترف والشهوات والفساد يخنق المجتمع الإسلامي. هنالك كانت معركة الحلَّاج الكبرى التي سوف يقدم روحه قربانًا لها … وإلى بغداد يعود الحلَّاج! ليشعل فيها كل شيءٍ، وليحترق في أتونها.

الحلَّاج في عاصمة الخلافة

وخفق قلب بغداد للنبأ العظيم! لقد جاء الحلَّاج إليها تسبقه عواصفُ مرعدةٌ مذهلةٌ، من الدعاوي العريضة المتناقضة، جاء إليها بعد أن طوف بالأرض، فملأ آفاقها دويًّا، وأسمع آذانها عجبًا.

فقد ترك الحلَّاج في كل بقعةٍ رنَّ فيها خطره ما يختلف فيه الناس، وما يتخاصمون في أمره، فما رأى الناس من قبل رجلًا له سمته وشخصيته وقواه وروحانيته!

رجلًا يتصدى لهداية الناس كافةً، فيطرق أبواب العالم شرقًا وغربًا، مبشرًا وداعيًا إلى الله سبحانه، دعوة أساسها وروحها حب الله، حبًّا تذوب فيه شهوات الدنيا، وينطفئ لهيبها، وتتضاءل فيه أهواؤها وسحرها، فإذ بكل ما فيها قبض الريح، وإذ تاجها ونعيمها وفوزها الأكبر في الاتصال بواجب الوجود ومبدعه، اتصالًا ينير الروح، ويشعل القلب، ويوقظ الحس، فإذا بالإنسان في تجلٍّ عظيمٍ مشرقٍ! قوة ربانية تملك أسرار الكون، كما تملك معارج الصعود، إلى حياة النور والخلود، وتملك فوق هذا وذاك القدرة على تحقيق رسالة الإنسان الكامل، خليفة الله الذي اصطفى منه كليمه، وخليله، وحبيبه.

وفي خلال هذه الدعوة الروحية الربانية لا يفنى الحلَّاج عن دنياه كما فنى غيره من الصوفية، ولم تذهله الإشراقات والمعارج والمحبة الربانية عن حقيقة الحياة الأرضية، بل هو يقرع سمع الدنيا بدعوته الإصلاحية ضد المفسدين في الأرض من الملوك والأمراء، ومن يمشي في مواكبهم من محترفي الدين والدنيا، فيطالب بخلافةٍ مؤمنةٍ، مهتديةٍ تحمل الناس على الصراط المستقيم، وحكومةٍ قرآنيةٍ، تشعر بواجبها حيال الله، شعورها بواجبها حيال الإنسان. وضد المفسدين في الروح والفكر والقلب من علماء الكلام والمنطق والتوحيد، ومحترفي الجدل الديني، والحوار اللفظي، الذين مزقوا دينهم شيعًا، وأحالوه عوجًا، بعد أن كان شرعةً محكمةً، لا تعرف جدلًا ولا حوارًا، وإنما تعرف عملًا وإيمانًا.

وتمتزج شخصية الحلَّاج بجوهر رسالته، فيؤثر كلاهما في الآخر، تأثيرًا هو سر ما يضطرب فيه الناس من أمره، وما يتجادلون حيال سيرته وحقيقة دعوته.

كان الحلَّاج متوهج النفس، مشتعل الحس، جياش القلب، ثائر الوجدان، رهيف العاطفة، يملك قوًى خارقةً، من المغناطيسية الروحية التي تؤثر في كل شيءٍ يتصل به، أو يدنو منه.

وكان فوق هذا واسع الخيال، ساحر البيان، رائع التصوير، صادق الشعور، أخلاه الزهد، وحلاه النسك، وجلاه الحب، أكسبته طاعاته ومجاهداته روحًا مشرقًا مشعًّا متوددًا عطوفًا تتدفق منه تياراتٌ ساحرةٌ محببةٌ، تدنيه من كل قلبٍ، وتمزجه بكل عاطفةٍ.

يقول المستشرق نيكلسون: امتاز الحلَّاج بأنه عاش في صوفيته تمامًا، عاش في كل لفظٍ قاله، وفي كل خاطرٍ مرَّ به، حتى لُقِّبَ بمسيح الإسلام … ويقول العلَّامة الفرنسي ماسنيون إنه حي ما قال، وقال ما حي، وعندما قارن بين محيي الدين والحلَّاج قال: «أنا أعتقد أن ابن عربي معرفته أكبر من روحه، وأن روح الحلَّاج أكبر من معرفته.»

كان الحلَّاج روحًا عظيمًا، بل لعلَّه كان أكبر روح في عالم التصوف. يقول علي بن أنجب الساعي: «لقد بلغ من صفاء روحه أنه كان يستشف الغيب من سترٍ رقيقٍ، ولقد عُزيت إليه نبوءاتٌ صادقةٌ، استرعت أنظار الدنيا.»

وتلك الصفات التي اتسم بها الحلَّاج وطبعت تاريخه وصاغت دعوته، صفاتٌ فيها إغراءٌ، وفيها استهواءٌ، حتى لقد فُتن بسحر الحلَّاج الروحي قومٌ ملئوا الدنيا حوله بالأساطير الملونة المبدعة، ودقوا طبول الدعوة العالية لخوارقه المذهلة، حتى جعلوه عليمًا بالغيب، قادرًا على إحياء الموتى، مسخِّرًا لعناصر الطبيعة وجواهرها … وهي صفاتٌ أيضًا تترك حولها حقدًا غليظًا، وحسدًا مسمومًا، وجحيمًا مشتعلًا بالبغضاء، فتصدى للحلَّاج قومٌ جمعوا كل ما في الدنيا من فجورٍ وفسوقٍ وإلحادٍ ومروقٍ، وقذفوا به وجهه، وسودوا تاريخه، إرضاءً لشهوات صدورهم، وبغضاء نفوسهم.

وبتلك الهالة، وعلى قرع تلك الطبول دخل الحلَّاج بغداد، وكانت بغداد في عصره هي الدنيا كما يقول رجال التاريخ! كان يُحمل إليها خراج الأرض، فتنبض جنباتها بالترف، وما يدفع إليه الترف من شهواتٍ وفجورٍ! وكان يلتقي فيها تراث الفكر العالمي بمواريث الحضارة الإسلامية، فتموج آفاقها بكل لونٍ من ألوان الفكر والمعرفة.

كان فيها الماديون على اختلاف مناهجهم ومللهم، من الفلاسفة العقليين، إلى المتمردين الملحدين، وكان فيها الروحانيون على اختلاف أذواقهم من العباد المتصوفين، إلى المنجمين والمتألهين، والمتصلين بالأرواح والشياطين.

وتحولت مساجد بغداد ومدارسها وندواتها إلى ساحاتٍ للحرب الفكرية، بين فِرَقٍ وألوانٍ ومذاهبَ لا حصرَ لها … وإلى ساحة بغداد، بل إلى ساحات الصراع المشبوب الأوار دلف الحلَّاج، تحيط به حاشيته، وتسبقه دعوته! واهتزت عمائم العلماء في أروقتهم الفكرية، وتطلعت حلقات الصوفية وأرهفت سمعها، وترددت همساتٌ في قصر الخلافة، وتخاطفت الجماهير الأحاديث الملونة عن الرجل المبارك، صانع المعجزة والكرامة!

ومن ثمَّ رأينا التاريخ يحدثنا عن شيوخٍ كبار من البيئات الصوفية والفقهية، وعن أئمةٍ من أساتذة الكلام والتوحيد والفلسفة، وهم يسعون إلى الحلَّاج ويلتمسون لقاءه والتحدث إليه! وفي شهواتهم جدلٌ عنيفٌ، وفي عقولهم تحدٍّ غليظٌ، وفي قلوبهم تلهُّفٌ حارٌّ، يحاول أن يتعمق فهم رسالة الداعية الذي تحيط به الرعود والبروق.

وتعددت الاجتماعات، وتوالت الندوات، وطال الجدل والحوار، والتهبت الكلمات، واختصمت العقول وتفرقت القلوب، وأصبحت الخصومة سافرةً؛ فقد جاء الحلَّاج إلى بغداد يحمل منهجًا ورسالةً، ويندفع إلى عنفٍ في هدفٍ وغايةٍ.

ولم تكن البيئات العلمية في بغداد على استعداد عقلي لأن تسلم للحلَّاج بمنهجه الصوفي، بنسكه ومواجيده وأذواقه، ولم تكن المجتمعات الصوفية في بغداد على استعداد نفسي يؤهلها لأن تسهم مع الحلَّاج في دعوته الإصلاحية، وأهدافه الثورية.

المنهج الحلَّاجي

ومن ثم حفظ لنا تاريخ الحلَّاج — رغم غموضه وتمزقه — مناظراتٍ وجدلياتٍ خاض الحلَّاج غمارها ضد مفكري عصره وعلمائه ومتصوفيه، كما حفظ لنا تراثًا حلَّاجيًّا يشكِّل منهجًا فكريًّا متكاملًا متناسقًا، له طابعه العلمي، وخصائصه الروحية!

وهذا المنهج الحلَّاجي الثقافي يتَّسم في كلِّ جزئيةٍ من جزئياته بذلك الوجد الصوفي، والحب الإلهي، الذي استأثر بعقل الحلَّاج وقلبه وروحه، استئثارًا ملحٍّا عنيفًا.

الحلَّاج وعلماء الكلام

وعلى ضوء هذا المنهج نستطيع أن نتفهم محاولات الحلَّاج مع علماء الكلام، في الأمر والإرادة والمشيئة الإلهية، وفي أفعال العباد وتعلُّقها بالقضاء والقدر.

فالحلَّاج يعتمد على التجربة الصوفية المباشرة، لحلِّ مسألة الصلة بين اللطف الإلهي والقضاء والقدر … تلك المشكلة التي ترجع إلى النزاع بين الخير الذي يأمر به الله — الأمر — وبين الشر الذي يتنبأ بوقوعه — الإرادة — ويرضى الحلَّاج بهذا النزاع بدلًا من أن يخفيه، فهو يعلم ألا حيلة للعلم في الوصول إلى الماهية الإلهية، بل إن الحب هو الطريق إليها؛ إذ ليست المعرفة الفكرية للقضاء الإلهي هي التي تقربنا من الله، بل إنما هو خضوع القلب للأمر الإلهي في كل لحظةٍ؛ لأن الأمر غير مخلوقٍ، بينما الإرادة مخلوقةٌ …

وهكذا يضع الحلَّاج حدًّا لنقاش متكلمي عصره حول هاتين الكلمتين — الأمر عين الجمع، والإرادة عين العلم — فكل قلبٍ إذن يشغله السعي وراء الجزاء عن حرمة الأمر، إن هو إلا مرتزقٌ، وليس بخادم حق الله.

وقد تبنت السالمية هذه التفرقة ونمَّتها، مستشهدةً على ذلك بموضوع طاسين الأزل للحلَّاج، فلقد كان أمرُ الله في دعوته إبليس لأن يسجد لآدم أمرًا شكليًّا، ولم تكن تلك إرادته، وإلَّا لسجد إبليس! لأن كل ما يريده الله واقعٌ لا محالة … ذلك هو موضوع البلاء الذي لا مفرَّ منه للإنسان كي يكون قديسًا.١٩

ولهذا يوصي الحلَّاج المريد بأن يكون مع الحق بحكم ما أوجب، ويقول: «من لم يؤمن بالقدر فقد كفر، ومن أحال المعاصي إلى الله فقد فجرَ.»

وأسماء الله سبحانه عند الحلَّاج من حيث الإدراك أسماءٌ، ومن حيث الحقُّ حقيقةٌ، وكان يقول: «لا يجوز لمن يريد غير الله، أو يذكر غير الله، أن يقول عرفت الله. ومن عبد الله لنفسه فإنما يعبد نفسه، ومن استصحب كل نسكٍ في الدنيا والآخرة وهو جاهلٌ لا يقرب من الله أبدًا.»

والصلاة عند الحلَّاج هي المعراج الذي يصل النفس مباشرةً بالله. وقراءة القرآن عنده إنما تكون بإحساسٍ ومشاهدةٍ، فكأن الله سبحانه يتلو على لسان القارئ، أو كأن القارئ يستمع إلى الله سبحانه.

ومن هنا نشأت حالات الوجد العظمى، التي عُرف بها الحلَّاج عند السماع … والكون عند الحلَّاج ماديٌّ وروحيٌّ كالإنسان. والعبادة تخلق وعيًا كونيًّا.

والإيمان عنده: قولٌ وتصديقٌ وعملٌ. والولي هو الدليل الحي على الله … وبذلك وضع الحلَّاج أول مذهبٍ كلاميٍّ فلسفيٍّ للصوفية، مما سنعرض له عرضًا شاملًا في الفصول القادمة إن شاء الله … وعن الحلَّاج تلقت المدرسة — السالمية — فلسفتها الكلامية التي تراها عالية الصوت في تفسير السلمي.

الحلَّاج وتفسير القرآن

والمنهج الحلَّاجي الذي ذكرناه يتجلَّى بصورةٍ متلألئةٍ في تفسيره للقرآن وتفهمه لآيه … وللحلَّاج تفسيراتٌ تناولت آيات الذكر الحكيم جملةً وتفصيلًا، وهي تفسيراتٌ أصابها ما أصاب تاريخ الحلَّاج كله، من تمزيقٍ وتبديدٍ.

وبقيت من هذه التفسيرات لمعٌ ترشد إلى المنهج، وتومئ للفكرة. وأبو عبد الرحمن السلمي يدور في تفسيره الصوفي حول نظرات الحلَّاج في التفسير. كما حفظ لنا العلامة روزبهان البقلي في تفسيره «عرائس البيان» شذراتٍ من تفسير الحلَّاج نقتبس منها نماذجَ لهذا اللون من التفسير والتفكير.

يقول الحلَّاج في تفسيره لقوله تعالى: أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ: «العبد مبتلًى بالأمر والنهي، ولله في قلبه أسرارٌ تخطر دائمًا، فكلما خطر خاطرٌ عرضه على الكتاب فهو طاعة الله، فإن وجد له شفاءً وإلا عرضه على السنة، وهي طاعة الرسول، فإن وجد له شفاءً وإلا عرضه على سير السلف الصالحين، وهو طاعة أولي الأمر.»

ويقول في تفسير قوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى حينما سأل الأرواحَ في عالم الذر «… لا يعلم أحدٌ من الملائكة المقربين لماذا أظهر الحقُ الخلقَ؟ وكيف الابتداء والانتهاء؟ إذ الألسن ما نطقت، والأعين ما أبصرت، والأذن ما سمعت. كيف أجاب مَن هو عن الحقائق غائبٌ، وإليه آيبٌ. في قوله «ألست بربكم» …؟ فهو المخاطِب والمجيب … قالوا: بلى؟ القائل عنكم سواكم، والمجيب عنكم غيركم، فسقطتم أنتم، أو بقي مَن لا يزل، كما لم يزل.»

ويقول في تفسير قوله تعالى: إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ: «نفوس المؤمنين غاليةٌ، لا تُباع ولا تُشترَى، ولا تُذلُّ، فلا يملكها سواه.»

ويقول في تفسير قوله تعالى: فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ: «الحق: هو المقصود بالعبادات، المصعود إليه بالطاعات، لا يشهد بغيره، ولا يُدرك بسواه.» قال أبو عبد الرحمن السلمي: «سُئل الحسين بن منصور: من هو الحق الذي تشيرون إليه؟ قال: معل الأنام، ولا يعتل.»

وفي تفسير قوله تعالى: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً: «المحنة لخواص أوليائه، والفتنة لعامة الناس.» ثم يقول: «أبدى الله الأكوان كلها بقوله: «كن» إهانةً لها وتصغيرًا، ليعرف الخلق إهانتها، فلا يركنوا إليها، ويرجعون إلى مبدئها ومنشئها، فاشتغل الخلق بزينة الكون فتركهم معه، واختار من خواصه خصوصًا أعتقهم من رقِّ الكون، فأحياهم به فلم يجعل للعلل عليهم سبيلًا، ولا للآثار فيهم طريقًا.»

ويقول في تفسير قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ: «ما فارق الأكوان الحق وما قارنها، كيف يفارقها وهو موجدها وحافظها؟! وكيف يُقارن الحدث بالقدم؟! قوام الكل، وهو بائنٌ عن الكل.»

وفي تفسير قوله تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ قال: «هو معهم علمًا وحكمًا، لا نفسًا وذاتًا.»

وقال في تفسير قوله تعالى: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ: «أحسن الصور: صورةٌ أُعتقت من ذل «كُنْ» … وتولى الحق تصويرها بيده، ونفخ فيها من روحه، وألبسها شواهد البعث، وجلالها بالتعليم، وأسجدَ لها الملائكة المقربين، وأسكنها في مجاورته، وزيَّن باطنها بالمعرفة، وظاهرها بفنون الخدمة، وخلق آدم على صورته — أي صورته التي صوَّره عليها — فأحسن صورته.»

ويقول في تفسير قوله تعالى: فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ: «ما اختزن من خلقه الذي لم يجر القلم به، ولم يشعر الملائكة بذلك. وما أظهر الله للخلق من صفاته، وأراهم من صنعته، وأبدى لهم من علمه في جنب ما اختزن عنهم، كذرةٍ في جميع الدنيا والآخرة! ولو أظهر الله تعالى من حقائق ما اختزن لذاب الخلق عن آخرهم فضلًا عن حملها …»

والحلَّاج يرى أن في القرآن علم كل شيءٍ، وعلم القرآن في الأحرف التي في أوائل السور. ويقول: إن كل هذه العلوم القرآنية قد أحاط بها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. وهي للعارفين بحكم الميراث المحمدي، وهي سر الحكمة والجلال الذي يشرق في أقوال العارفين من الصوفية …

١  شخصيات قلقة في الإسلام.
٢  التصوف وفريد الدين العطار، ص٤٢.
٣  معجم البلدان، ص٣٥.
٤  عوارف المعارف، ص٣٥٠.
٥  إحياء علوم الدين، ج٤، ص٢٦٩.
٦  شطحات الصوفية، ص٦٨.
٧  محاضرات الأدباء، ج١، ص٢٣٠.
٨  البيضاء: مدينة مشهورة بفارس، وهي أكبر مدينة في كورة إصطخر، وسُميت البيضاء؛ لأن لها — كما يقول ياقوت في معجمه — قلعة تبين من بعيد ويُرى بياضها. وكانت معسكرًا للجند الإسلامي، ومن أبنائها التاريخيين العلَّامة النحوي سيبويه.
٩  الجزء الأول من المجلد الثامن، ص١٧.
١٠  البداية والنهاية، ج١١، ص١٣٢.
١١  واسط: مدينة بناها الحجاج الثقفي تقع بين البصرة والكوفة، معجم البلدان، ج٤، ص٨٨١.
١٢  البداية والنهاية، ج١١، ص١٣٣.
١٣  البداية والنهاية، ص١٣٤، ج١١.
١٤  ص٢٦ و٢٧ أخبار الحلَّاج، لعلي بن أنجب الساعي.
١٥  شخصيات قلقة في الإسلام.
١٦  البداية والنهاية لابن كثير.
١٧  ج٢، ص٢٥٤.
١٨  شخصيات قلقة في الإسلام.
١٩  مقدمة الطواسين، لماسنيون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١