محاكمات الحلَّاج

رأى الحلَّاج أن دعوته قد تعرضت للخطر، وأن منهجه الإصلاحي أصبح في مهب العاصفة، وأن الساعة الحاسمة تقترب من القمة.

لقد تغير عليه قلب الخليفة، وتجرأ خصومه في القصر وخارجه، وأعلنوها بغضاءَ سافرةً، وبدأت نذر العاصفة تطرق عليه الأبواب.

كما أدرك في جلاءٍ مبينٍ، أن أساليبه السلمية التي استُهدف بها تحقيق رسالته، عن طريق القصر وصداقات القصر، أصبحت لا تُحقق هدفًا، ولا تملك أملًا.

فأخذ يحرك أتباعه من الوزراء وقادة الجيش، ليتخذوا موقفًا إيجابيًّا في مقاومة فساد الحكم وانحرافه عن رسالة الإيمان والدين.

كما أخذت رسائله تتوالى على أنصاره من العلماء والأدباء، يعدهم ويعبئهم للمعركة السافرة، وعادت اتصالاته بالجماهير تتسع وتقوى، يحرك وجدانهم، ويثير مشاعرهم، ويلهب فيهم روح المقاومة ضد ما يتعرضون له من استغلالٍ، وما يلقون من هوانٍ.

يقول المستشرق ماسنيون:١ «ولقد قامت في ذلك الحين بين العلماء رغبةٌ عامةٌ في إصلاح الأداة الإدارية، وطالبوا بإقامة خلافةٍ إسلاميةٍ حقًّا، ووزارةٍ تحكم بالعدل بين الناس، خصوصًا في مسائل الخراج والضرائب — ضد مفاسد عمال الخراج الشيعة من خصوم الحكم الوراثي — وخلافةٍ شاعرةٍ بمسئوليات وظيفتها أمام الله، مما يجعل الله يرضى عن قيام المسلمين بفروض دينهم — من صلاةٍ وحجٍّ وصيامٍ — وكان الأمل معقودًا على الحلَّاج في العمل بهذا السبيل، في الوقت الذي توقع فيه الحلَّاج، قرب مصادرة حريته من جانب أعدائه وأصدقائه.»

ودخل الحلَّاج المعركة، وحمل عبئها ومسئوليتها، وكانت طلقته الأولى في القمة، في مجلس وزراء الخليفة.

وابتدأ الصراع بين الوزراء الحلَّاجيين، وخصومهم من الوزراء، صراعًا سافرًا مريرًا.

واستطاع أنصار الحلَّاج في الوزارة، أن يصدروا أول بيانٍ تاريخيٍّ منهجيٍّ في العالم الإسلامي، لميزانية الدولة الإسلامية، على أسسٍ اشتراكيةٍ، هذا البيان الذي يقول عنه المستشرق ماسنيون: «إنه صار مشهورًا بحقٍّ.»٢

واستطاع هذا البيان، أن يعيد تنظيم سياسة الدولة المالية، وأن يخفف من قسوة الضرائب، وأن يتجه بفائض المال إلى الخدمات العامة، بدلًا من إنفاقه على الخليفة وحاشيته!

وغضب الوزير حامد بن العباسي خصم الحلَّاج الأكبر، فقام بحركةٍ مضادةٍ فأغرى الخليفة باحتكار المخزون من القمح والمضاربة فيه!

يقول ماسنيون:٣ «فأجاب الوزير ابن عيسى صديق الحلَّاج على هذا الإجراء، بإثارة فتنةٍ شعبيةٍ، وفيها أطلق نصر القشوري حبل العمل للحنابلة — أصدقاء الحلَّاج — فقامت نقابات العمال في بغداد والبصرة والكوفة والموصل، وهاجمت المحتكرين والمخازن وفتحت السجون.»

(١) المحاكمة الأولى

واهتز عرش الخلافة، واهتزت أرائك الوزراء غير الحلَّاجين، فأدرك الوزير حامد أن الخطر أصبح من الضخامة، بحيث لا يُقاوم إلا بالإقدام على مخاطرةٍ حاسمةٍ … هي القبض على الحلَّاج نفسه ومحاكمته، وهو أمرٌ لا يستطيعه إلا الخليفة، ولكن الخليفة جبن وتردد، رغم إلحاح الوزير عليه، وتبصيره بالخطر المحدق به.

فلجأ حامد إلى السلاح الديني الشرعي، فاتصل بأحد أعضاء محكمة القضاء الكبرى ببغداد، وهو الفقيه الظاهري محمد بن داود، وكان شاعرًا هلوكًا يبغض الحلَّاج ويمقت التصوف، فأغراه بالمال، ومنَّاه بالآمال، وحرَّضه باسم الخلافة والخليفة.

واستغل محمد بن داود مركزه الشرعي، فرفع أمر الحلَّاج إلى المحكمة العليا طالبًا محاكمته، والحكم بقتله، بدعوى الشعوذة وادعاء الألوهية!

وجنَّد الوزير حامد الشهود ليوم المحاكمة، فأعد رجلًا من غمار الصوفية، لقنه أن يقول إنه سمع الحلَّاج يتحدث في درسه الصوفي بمسجد المنصور قائلًا: أنا الحق!

وجاء برجلٍ آخر من العامة ليشهد بأنه من أتباع الحلَّاج، وبأن الحلَّاج إله! وأنه يحيي الموتى!

وحضر الحلَّاج المحاكمة في دار القضاء العالي، وواجه الشهود. يقول المؤرخ ابن كثير:٤ «وأنكر الحلَّاج ما نُسب إليه، وقال: أعوذ بالله أن أدعي الربوبية، أو النبوة، وإنما أنا رجلٌ أعبد الله، وأُكثر له الصوم والصلاة وفعل الخير، ولا أعرف غير ذلك، وجعل لا يزيد على الشهادتين والتوحيد، ويكثر أن يقول: سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوءًا وظلمت نفسي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.»

وهنا انتصر للحلَّاج القاضي الشافعي ابن سُريح قائلًا: «إن مثل هذا لا يدخل في القضاء، والأدلة غير ثابتةٍ، والدليل لا يوجد.»

وبهذا الاعتراض فشلت المحاكمة، وضاعت المؤامرة، ولكن الوزير حامد، أسرع فأصدر أمرًا بتشكيل هيئة قضاء أخرى برياسة القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، وعضوية القاضي أبو جعفر بن البهلول وجماعة من الفقهاء.

وأُعيد الاتهام وجاءوا بالحلَّاج وتوالى الاتهام: هل أنت إله؟! هل تحيي الموتى؟! هل تخدمك الجن؟! هل تصنع ما تحب عن طريق المعجزات؟! كما يقول الشهود.

وأنكر الحلَّاج ما نُسب إليه بشدةٍ، وسخر من شهوده بقوةٍ، وقال: أنا عبدُ الله، أؤمن به وبرسله، وأدعو إلى الحق، وأنشد الخير للمسلمين، ولا أُقِرُّ الظلم، ولا أعرف هؤلاء الشهود، ولا أقول غير هذا وأعوذ بالله من الدعوى.

وتعالت صيحات الجماهير الغاضبة خارج دار القضاء، ووجد القضاة أنفسهم بين شقي الرحى.

فعادوا إلى الوزير حامد ليبلغوه بأنهم لم يجدوا ما يوجب قتل الحلَّاج، ولا عقابه، وأنه لا يجوز قبول ادِّعاءٍ إلَّا بدليلٍ أو إقرارٍ!

وفشلت القضية من جديدٍ، وثار حامد وأسرع إلى الخليفة ينشد تأييده، فقد زادت هذه المحاكمات من مكانة الحلَّاج ونفوذه.

ولكن الخليفة كان أكثر حرصًا من وزيره، أو أكثر جبنًا وخوفًا، وكان دائمًا يتردد في حمل مسئولية دم الحلَّاج، فأمر حامد بأن يسلمه إلى علي بن عيسى عالم بغداد وخصم الحلَّاج ليناظره، عسى أن تفلت من فم الحلَّاج كلمةٌ فيؤخذ بها!

وعُقد مجلس المناظرة، وحشد للمجلس خصوم الحلَّاج من كلِّ لونٍ ونِحْلةٍ.

يقول الخطيب البغدادي في تاريخه: «فلما حضر الحلَّاج مجلس المناظرة، خاطبه علي بن عيسى خطابًا فيه غلظةٌ، فقال له الحلَّاج: قف حيث انتهيت، ولا تزد عليه شيئًا، وتأدَّب وإلَّا قلبت عليك الأرض، فتهيب علي بن عيسى من مناظرته، وطلب من الخليفة أن يعفيه من مناظرته فأعفاه.»٥

وطارت شهرة الحلَّاج، وصفقت بغداد إعجابًا ببطلها ووليها، وأسرع الوزير حامد إلى الخليفة يناشده العون، ويطلب إبقاءً على ماء وجهه، وحرصًا على مكانة الخليفة، أن يصدر أمره السامي بسجن الحلَّاج! أو على الأقل بتحديد إقامته، مع سجن الخَطِرِينَ من تلامذته، وإبقاء القضية معلقةً، ليبقى الاتهام دائمًا محلقًا فوق الحلَّاج وأنصاره!

واستجاب الخليفة، وقُبض على بعض أنصار الحلَّاج، وأخذ الحلَّاج نفسه يتنقل بين السجن حينًا، وبين مصادرة حريته وتحديد إقامته أحيانًا، طوال ثمانية أعوامٍ كاملةٍ، وكان سجنه بدار الخلافة، وكان تحديد إقامته بمنزل صديقه وتلميذه نصر القشوري حاجب الخليفة. لقد استهدفت الخلافة بهذا الحكم العجيب أن يكون الحلَّاج تحت سمعها وبصرها، لتأمن وثبته، وتتقي ثورته، وتحد من اتصالاته وتنقلاته.

ومن ثم بدأت مرحلةٌ حاسمةٌ، من أخطر مراحل حياة الحلَّاج وأجلِّها، مرحلةٌ خصبةٌ، أشد ما تكون الخصوبة، حيةٌ أقوى ما تكون الحياة.

مرحلة جهادٍ مريرٍ لتحقيق رسالته في الإصلاح، تحت ضغط ظروفٍ قاسيةٍ مرهقةٍ، وجهادٍ أعلى وأشق، ليبلغ كماله الروحي، ولتحترق بشريته في لهب وجده المقدس، وحبه الأسمى، ليظفر بجوهرة الخلود الكبرى، جوهرة الحياة، التي ترتبط بالله، فتقوم به، وتتلقى عنه، وتقتات بذكره، وتظفر بأنسه، وتنعم بإلهامه، وتفني إرادتها في إرادته، ثم تحلق بمعراج وجْدِها، حتى تراه سبحانه بوجدانها، وتشاهده بقلبها، نورًا، هو نور السموات والأرض وما بينهما، وما تحت الثرى، سبحانه هو الأول والآخر، والظاهر والباطن.

مرحلةٌ أخذ الحلَّاج يضع فيها أخلد كتبه وأبقاها، وفي طليعتها كتاب «طاسين الأزل» الذي أنقذه من الفناء الذي صبته الخلافة العباسية على تراثه، صديقُه الوفي، ابن عطاء سنة ٣٠٩ﻫ، في اللحظات الأخيرة.

كما أخذ يدنو رويدًا رويدًا من هدفه الروحي، هدف التضحية والاستشهاد؛ ليكون جديرًا — كما يقول — برسالته، وكفئًا لحبه.

وأخذت شخصية الحلَّاج ونفوذه يلعبان دورهما، فأصبح المكان الذي حُدد لإقامته بدار نصر القشوري مكانًا فسيحًا رحبًا، مزودًا بكلِّ شيءٍ.

لقد امتد إليه سحره كما يقول صاحب «تاريخ بغداد»: «فأصبح بيتًا ناعمًا، كلُّ من فيه يؤمن بالحلَّاج ويحبه، ويلبي طلباته، موسعًا عليه، مأذونًا لمن يدخل عليه.»٦
وغدا سجنه بدار السلطان مدرسةً ومنتدًى، يقول ابن كثير: «واستطاع الحلَّاج وهو بسجنه في دار السلطان أن يستغوي جماعةً من غلمان السلطان، وموَّه عليهم واستمالهم بضروبٍ من حيله، حتى صاروا يحمونه، ويدفعون عنه، ويرفهونه، ويدخلون عليه من شاء.»٧

بل لقد اتسعت حياة الحلَّاج رغم السجن وتحديد الإقامة، فأصبح يغشى مجلس الخليفة، يعظه وينذره، ويذهب نهارًا إلى جامع المنصور، يلقي دروسه، ويشرح منهجه، وفي الليل يواصل تهجده وتضرعه، في المكان الحبيب إلى قلبه، بين القبور، عند قبر الإمام أحمد بن حنبل.

ثم يعود بعد هذا كله إلى سجنه بدار السلطان حينًا، وإلى المقر الذي حُدد له بدار نصر القشوري أحيانًا، ليواصل مقابلاته واتصالاته بالوزراء والقادة والأمراء، يحدثهم ويجادلهم في فنون الحكم والسياسة.

كما يتصل أيضًا ويقابل العلماء والصوفية والأدباء، يحدثهم ويعلمهم أسرار الحب، ومنازل القرب، ومقامات التصوف.

جاء في روضة المريدين لابن يزد إنيار: «سُئل الحلَّاج وهو في سجنه عن التصوف، فقال: طوامس وروامس اللاهوتية! فقال السائل: أفصحْ في هذا المعنى. فقال: لا عبارة عنه. فقلتُ: لمَ أظهرته؟ فقال: يعلمه من يعلمه، ويجهله من يجهله. فقلت: أسألك بالله إلا فهمتني، فأنشأ يقول:

لا تُعرِّض بنا فهذا بنانٌ
قد خضبناه بدم العشَّاق»

وسُئل عن الصوفي فقال: «من أشار إليه فهو متصوفٌ، ومن أشار عنه فهو صوفيٌّ.»

وقال في مرةٍ أخرى عن الصوفي: «إنه وحداني الذات، لا يقبل أحدًا ولا يقبله أحدٌ.»

وقال: «معنى الخلق العظيم، ألا يؤثر فيه جفاء الخلق بعد مطالعة الحق.»

وقال: «إذا استوى الحق على سر عبدٍ، ملك الأسرار، فيعاينها ويخبر عنها.»

وقال: «من أسكرته أنوار التوحيد حُجب عن عبادة التجريد.»

وقال: «من خاف من شيءٍ سوى الله، أو رجا سواه، أغلق عليه أبواب كل شيءٍ، وسلط عليه المخافة، وحُجب بسبعين حجابًا، أيسرها الشك.»

وقال: «لا يجوز لمن يرى غير الله أن يدعي أنه يعرفه.»٨

وزاره الشبلي في سجنه، فوجده جالسًا يخط في التراب، فجلس بين يديه حتى ضجر، فرفع الحلَّاج طرفه إلى السماء، وقال: «إلهي لكلِّ حقٍّ حقيقةٌ، ولكلِّ خلقٍ طريقةٌ، ولكلِّ عهدٍ وثيقةٌ، ثم قال: «يا شبلي من أخذه مولاه عن نفسه، ثم أوصله إلى بساط أنسه، كيف تراه؟»

فقال الشبلي: وكيف ذاك؟

فقال الحلَّاج: يأخذه عن نفسه، ثم يرده على قلبه، فهو عن نفسه مأخوذٌ، وعلى قلبه مردودٌ، فأخذه عن نفسه تعذيبٌ، ورده إلى قلبه تقريبٌ، طوبى لنفسٍ كانت له طائعةً، وشموس الحقيقة في قلوبها طالعة! ثم أنشد:٩
طلعت شمس من أحبك ليلًا
فاستضاءت فما لها من غروبٍ
إن شمس النهار تغرب بالليـ
ـل وشمس القلوب ليس تغيب»

واستمرت هذه الحياة ثماني سنواتٍ، استطاع الحلَّاج خلالها رغم سجنه ورغم مصادرة حريته، أن يوجه الأحداث في بغداد، ويحرك تاريخها.

لقد استطاع طوال هذه السنوات أن يواجه الحرب في كل ميدانٍ، وأن يحمي صديقه نصر القشوري، وأن يبقيه في القصر وفي الحكم أيضًا.

كما استطاع أن يدخل في الوزارة دائمًا صديقه ابن عيسى، وأن يدفع بالقنائيين أحبابه وتلاميذه وحزبه، إلى الصدارة حينًا، وإلى كراسي الوزارة أحيانًا.

كما استطاع الحلَّاج، أن يُبعد خصمه الأكبر حامد عن الصدارة، وعن الوزارة، رغم صلاته الكبرى بالخليفة، ورغم نفوذه الضخم في الدوائر الأرستقراطية، ولدى الشيعة، وعمال الخراج، ورجال المال.

وبجانب هذا وذاك كان الحزب العسكري يهادن الحلَّاج ولا يبارزه الخصومة، بل كان في أكثر من موقفٍ يصادقه، ويمد يده إليه.

(٢) المحاكمة الكبرى

وفي نهاية عام ٣٠٨ﻫ عاد مؤنس التركي — كبير القواد العسكريين — إلى بغداد، بعد أن أنقذ دولة العباسيين في مصر من الفاطميين في المغرب.

ويصور لنا المستشرق ماسنيون تلك الحقبة الحاسمة من التاريخ، وأثرها في قضية الحلَّاج وحياته، تلك الحقبة التي انقلبت فيها السياسة العسكرية العامة فجأةً، فأنجبت مسائل صغيرة من الصراع السياسي، نتائج خطيرة، بعيدة المدى في التاريخ.

يقول ماسنيون: استفاد حامد من عودة مؤنس كبير القواد إلى بغداد، كما استفاد من الأحداث نفسها.

فبعد أن أنقذ مؤنس مصر من الفاطميين، كان عليه أن يحمي إيران ضد تهديد الديلميين، الذين دخلوا الري بفضل واليها — الفارسي — أخ صعلوك مساعد مؤنس سابقًا، وكان دائمًا في حماية نصر وابن عيسى — أصدقاء الحلَّاج.

فعرض حامد على مؤنس ضرورة القضاء على أخ صعلوك، ولما كان هذا أميرًا سامانيًّا، فلا بد من مجانبة الوزير الساماني، وهو — البلعمي — وهو شافعي من أنصار الحلَّاج.١٠

ومثل هذا القلب في الاتجاه السياسي يقتضي التشديد في زيادة الضرائب، ولن يوافق الخليفة على هذا، إلا إذا تخلَّى عن ثقته بابن عيسى ونصر القشوري.

فلكي يقضي حامد على كليهما، ويبلغ غرضه، قرر استئناف النظر في قضية الحلَّاج صديقهما.

وبفضل مؤازرة كبير القواد مؤنس، وبفضل رجلٍ آخر هو أبو بكر بن مجاهد، شيخ الحفاظ، وله كلمةٌ مسموعةٌ في بغداد، ومن خصوم الحلَّاج الأَلِدَّاء.

بهؤلاء الأنصار الأقوياء، نجح حامد في مؤامرته، واستطاع إقناع الخليفة بمؤازرته.١١

وصدرت أوامر الخليفة تترى، وبمقتضى هذه الأوامر مُنع ابن عيسى من النظر في قضية الحلَّاج، ومُنع نصر القشوري من حراسته.

ثم مُنحت كل هذه الاختصاصات إلى حامد، الخصم الألد الخصام، الذي عاد إلى الوزارة ليستأنف سياسته المالية القاسية، وليعيد إلى المسرح محاكمة الحلَّاج.

ورددت محافل بغداد أن الحلَّاج في طريقه إلى المحاكمة الفاصلة.

وثارت جماهير بغداد، وتزعم الثورة صديق الحلَّاج الأمين ابن عطاء، كبير علماء الحنابلة وزعيمهم.

يقول ماسنيون: «وهتف الثوار ضد الوزير حامد بن العباس في شوارع بغداد، من أجل الاحتجاج ضد سياسته المالية، ومن أجل إنقاذ الحلَّاج معًا.»

وجاءت الفرصة الذهبية لحامد، فمُنح من الخليفة تفويضًا كاملًا بقمع الثورة، وبمحاكمة الحلَّاج والقضاء عليه.

ودُبر أمر الحلَّاج بليلٍ، وصدرت الأوامر حاسمةً بسجن الحلَّاج سجنًا حقيقيًّا قاسيًا، وتكبيله بالأغلال والقيود.

يقول السلمي: سمعت عبد الواحد بن علي يقول: سمعت فارسًا البغدادي يقول: لما حُبس الحلَّاج، قُيد من كعبه إلى ركبته بثلاثة عشر قيدًا، وكان يصلي مع ذلك كل يومٍ وليلةٍ ألف ركعةٍ.١٢
وأُعد للقضية شهودها، كما صُنعت وثيقة الاتهام فيها، وكانت كما يلي:
  • (١)

    مراسلاته السرية مع القرامطة.

  • (٢)

    اعتقاد أتباعه بألوهيته.

  • (٣)

    قوله: أنا الحق …

يقول ماسنيون:١٣ «ولعل بغداد كانت في ذلك الحين أكبر عاصمةٍ في العالم المتمدين … وهناك جرت المحاكمة، على منصةٍ مرتفعةٍ، كما حدث بالنسبة لجان دارك في قضية الحب الإلهي.

جرت في الإطار الفخم الذي يمثله قصر الخليفة العباسي، من سنة ٣٠٨ﻫ / ٩٢١م إلى سنة ٣٠٩ﻫ / ٩٢٢م.

وجيء بالحلَّاج أمام هذه المنصة الفخمة العالية، وفي يديه ورجليه ثلاثة عشر قيدًا، وانتشر الجند في كل مكانٍ بالسلاح، وقُبض على أنصار الحلَّاج بالجملة، وابتدأت حملاتٌ متتابعةٌ قاسيةٌ لإرهاب الجماهير في بغداد.

واحتشد في ساحة الجلسة خصوم الحلَّاج جميعًا، من كلِّ لونٍ ومذهبٍ.»

(٢-١) قتلُ ابن عطاء!

وبدأت المحاكمة بأعجب حادثٍ في تاريخ القضاء، بدأت بإعدام زعيمٍ دينيٍّ، لم تُعقَد المحكمة لمحاكمته، ولم يُوَجَّه إليه اتهامٌ، ذلك هو زعيم علماء الحنابلة، أبو العباس بن عطاء.

لقد أراد الوزير حامد أن يبث في ساحة القضاء الخوف، وأن يشيع فيها الرعب، وأنه يمنع كلمة الحق بضربةٍ عنيفةٍ، فيها نذيرٌ وإرهابٌ ووعيدٌ، وشاء الله سبحانه أن يكون ابن عطاء هو كبش الفداء.

يقول الحافظ الخطيب البغدادي:١٤ «أنبأنا إسماعيل بن أحمد الحيري، أنبأنا أبو عبد الرحمن الشبلي، قال: سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: «كان الوزير حامد بن العباس، حين أُحضر الحسين بن منصور، أمره أن يكتب اعتقاده! فكتب اعتقاده، فعرضه الوزير على الفقهاء ببغداد، فأنكروا ذلك.»١٥

فقيل للوزير: إن أبا العباس بن عطاء يصوب قوله، فأمر أن يعرض ذلك على أبي العباس بن عطاء فعُرض عليه، فقال: هذا اعتقادٌ صحيحٌ، وأنا أعتقد هذا الاعتقاد، ومن لا يعتقد هذا فهو بلا اعتقادٍ.

فأمر الوزير بإحضاره فأُحضر، وأُدخل عليه، فجلس في صدر المجلس، فغاظ الوزير ذلك.

ثم أخرج ذلك الخط، فقال: هذا خطك؟ فقال: نعم، فقال: تصوب مثل هذا الاعتقاد؟

فقال: ما لك ولهذا؟ عليك بما نُصبت له من أخذ أموال الناس، وظلمهم وقتلهم، ما لك وبكلام هؤلاء السادة.

فقال الوزير: فَكَّيْه! فضُرِبَ فَكَّاه! فقال أبو العباس: اللهم إنك سلطت هذا عليَّ عقوبةً لدخولي عليه!

فقال الوزير: خُفَّه يا غلام، فنزع خفَّه، فقال: دماغه، فما زال يضرب رأسه حتى سال الدم من منخريه.

ثم قال: الحبس، فقيل يتشوش العامة لذلك، فحُمل إلى منزله.

فقال أبو العباس: اللهم اقتله أخبث قتلةٍ، واقطع يديه ورجليه! فمات أبو العباس بعد ذلك بسبعة أيامٍ.

وقُتل الوزير حامد بن العباس، أفظع قتلة وأوحشها — بعد قتل الحلَّاج — بعد أن قُطعت يداه ورجلاه، وأُحرق داره، وكانوا يقولون: أدركته دعوة أبي العباس بن عطاء.»١٦

(٢-٢) شهود القضية

وفي هذا الجو النفسي الرهيب جيء بالشهود، وكان الشاهد الأول هو السمري، وكان في ماضيه من أتباع الحلَّاج ثم انشق عليه.

يقول صاحب «تاريخ بغداد»:١٧ وأحضر حامدٌ السمريَّ صاحبَ الحلَّاج، وسأله عن أشياء من أمر الحلَّاج، وقال له حدثني بما شاهدته منه.

فقال له: إن رأى الوزير أن يعفيني فعل! فأعلمه أنه لا يعفيه، وعاد وسأله عمَّا شاهده، فعاود استعفاءه، وألح عليه في السؤال، فلما تردد القول بينهما قال: أعلم أني إن حدثتك كذبتني، ولم آمن مكروهًا يلحقني، فوعده أن لا يلحقه مكروهٌ، فقال: كنت معه بفارس، فخرجنا نريد إصطخر في زمنٍ شاتٍ، فلما صرنا في بعض الطريق، أعلمته بأني قد اشتهيت خيارًا، فقال لي: في هذا المكان! وفي مثل هذا الوقت من الزمان؟ فقلت: هو شيءٌ عرض لي.

ولما كان بعد ساعاتٍ، قال لي: أنت على تلك الشهوة؟ فقلت: نعم.

قال: وسرنا إلى سفح جبل ثلجٍ، فأدخل يده فيه، وأخرج إليَّ منه خيارةً خضراء ودفعها إليَّ!

فقال له حامد: فأكلتها؟ قال: نعم. فقال له: كذبت يا ابن مائة ألف زانيةٍ، في مائة ألف زانيةٍ، أوجعوا فكَّيه؟! فأسرع الغلمان إليه، فامتثلوا ما أمرهم به، وهو يصيح: أليس من هذا خِفنا؟!

ثم أمر به فأُقيم من المجلس، وأقبل حامد يتحدث عن قومٍ من أصحاب النيرنجات، كانوا يعدون بإخراج التين وما يجري مجراه من الفواكه، فإذا حصل ذلك في يد الإنسان، وأراد أن يأكله صار بعرًا.

وهكذا ضُرب الشاهد وكُذِّب، كما ضُرب الفقيه العالم وكُذِّب من قبل.

وأصبح حامد الغاضب الثائر هو المحكمة كلها، لا يتكلم سواه، ولا يحكم غيره، إنه وحده الذي يملك دماء الناس وأعراضهم وكرامتهم!

وإذا كان السمري لم يؤدِ الشهادة كما يجب، وكما اتفق من قبل، فإن ابنته ألين عريكةً، وقلبها يهفو إلى كلِّ إغراءٍ ماديٍّ … وحامد ملءُ يديه الآمال والإغراء.

وجيء بابنة السمري.

يقول زنجي — أكبر رواة المحاكمة، وقد حضرها بنفسه وعاش أحداثها:١٨ «وحضرت بنت السمري، فسألها حامد عن الحلَّاج، فذكرت أن أباها السمري حملها إليه، لتخدمه وهو يسكن دار الخليفة، وأنها لما دخلت عليه، وهب لها أشياء كثيرةً، عددت أصنافها، منها رَيْطةٌ خضراء.

وقال لها: قد زوجتك من ابني سليمان، وهو أعز ولدي عليَّ، وهو مقيم بنيسابور.

وليس يخلو أن يقع بين المرأة وزوجها خلافٌ، أو تنكر منه حالًا من الأحوال، وقد أوصيته بك، فمتى جرى شيءٍ تنكريه من جهته، فصومي يومك، واصعدي آخر النهار إلى السطح وقومي على الرماد واجعلي فطرك عليه، وعلى ملح جريشٍ، واستقبلي بوجهك، واذكري لي ما أنكرتيه منه، فإني أسمع وأرى.

قالت: وكنت ليلةً نائمةً في السطح، وابنة الحلَّاج معي في دار السلطان، وهو معنا.

فلما كان في الليل أحسست به وقد غشيني، فانتبهت مذعورةً منكرةً لما كان منه، فقال: إنما جئتك لأوقظك للصلاة، ولما أصبحنا نزلت إلى الدار ومعي بنته، ونزل هو، فلما صار على الدرجة، بحيث يرانا ونراه، قالت بنته: اسجدي له. فقلت لها: أويسجد أحدٌ لغير الله؟ وسمع كلامي لها، فقال: نعم إلهٌ في السماء، وإلهٌ في الأرض.

قالت: ودعاني إليه، وأدخل يده في كمه، وأخرجها مملوءةً مسكًا، فدفعه إليَّ، وفعل هذا مراتٍ، ثم قال لي: اجعلي هذا في طيبك، فإن المرأة إذا حصلت عند الرجل احتاجت إلى الطيب.

قالت: ثم دعاني وهو جالسٌ في بيت البواري، فقال: ارفعي جانب البارية وخذي من تحته ما تريدين، وأومأ إلى زاوية البيت فجئت إليها ورفعت البارية، فوجدت الدنانير تحتها مفروشةً ملء البيت، فبهرني ما رأيت من ذلك.»

قال زنجي: «وأقامت هذه المرأة معتقلةً في دار حامد إلى أن قُتِل الحلَّاج.»

واستطاع الحلَّاج في بساطةٍ أن يزيف هذه الشهادة، ولم تستطع ابنة السمري أن تقدم دليلًا واحدًا على صدقها، وهزَّ القضاةُ رءوسهم، رغم تهديد حامد لهم، وقالوا: لا نصدر حكمًا بناءً على أقوال امرأة، لا تملك دليلًا.

وأخذ الوزير حامد يُحضِر الحلَّاجَ كل يومٍ إلى المحكمة، مكبلًا بالقيد، محاطًا بالجند، ويبدأ الجدل والحوار، ويحاول حامد أن يجد في كلام الحلَّاج منفذًا أو سقطةً — كما يقول ابن كثير — فأعجزه ذلك.

وتتابعت الأيام، وتوالت الشهور، وشاهدٌ يأتي وشاهدٌ يذهب، والحلَّاج كالجبل الأشم، تتساقط على أقدامه اتهامات المبغضين، ويذوب أمام بيانه وإيمانه جدل المجادلين؛ بل لقد استطاع الحلَّاج في محنته أن يكتسب كل يومٍ أنصارًا أقوياء، وعلماء أجلَّاء.

(٢-٣) بطولة ابن عفيف

وقصة محمد بن عفيف مع الحلَّاج تقدم لنا صورةً مشرقةً من انتصارات الحلَّاج الروحية العجيبة؛ فقد أرسله إليه الخليفة في سجنه ليجادله، وكان ابن عفيف كما يقول — ماسنيون — أشعريًّا متطرفًا، وعالمًا لا يثبت لجدله أحدٌ من الناس.

يقول ابن عفيف: إنه دخل على الحلَّاج فرأى نورًا يتلألأ على جبينه، ووجد اطمئنانًا يشيع الأمن والسلام في كل شيءٍ يحيط به، حتى لقد خُيِّل إليه أن غرفة الحلَّاج في سجنه قطعةٌ من الجنة. ورأى عالمًا على كلامه إشعاعٌ ليس من علم الأرض، فقبَّل يد الحلَّاج ورأسه، وهتف: لم أرَ في حياتي عالمًا ربانيًّا سوى هذا الشهيد، وأبى أن يفارق حجرة السجن، وطلب أن يبقى معه؛ ليقاسمه ما يلقى، وعجزت سياط الجلادين عن إقناعه.

يقول ابن كثير: «فحُمل بالقوة إلى حجرةٍ أخرى، وعُلِّق من قدميه إلى السقف.»

وانصب على ابنِ عفيف جانبٌ ضخمٌ من الهول الذي ذاقه الحلَّاج، وكان يقول: حسبي أن أشارك عبدًا ربانيًّا في عذابه، وظل معه في سجنه يقاسمه الألم والعذاب، حتى يوم مصرعه الرهيب.

(٢-٤) عجائب الحلَّاج في سجنه

وبينما هذه المهزلة الرسمية تجري، وبينما قلب بغداد يخفق لها، وأذن العراق تستمع إليها.

أخذت أحداث أخرى تجري في سجن الحلَّاج، أحداثٌ شقت طريقها إلى قلب بغداد، فألهته حتى عن المحاكمة، ونفذت إلى أذن العراق، فأطربته وأذهلته، وطارت باسم الحلَّاج في الخافقين.

تلك الأحداث التي ألقى الناس إليها بأسماعهم هي عجائب الحلَّاج وسحره إن شئت، وكراماته وآياته إن أحببت.

آياتٌ سجلها التاريخ، ومن العجيب حقًّا أنها سُجلت بأقلام خصومه، لقد أذهلتهم حتى لم يستطيعوا حجبها أو محوها من ذاكرة التاريخ، كما استطاعوا أن يحجبوا وأن يمحوا الكثير من سيرة الحلَّاج وتراثه وأيامه.

يقول أحمد بن فاتك:١٩ «لما حُبس الحلَّاج ببغداد كنت معه، فأول ليلةٍ جاء السجان وقت العتمة، فقيده ووضع في عنقه سلسلةً، وأدخله بيتًا ضيقًا، فقال له الحسين: لمَ فعلت بي هذا؟ قال: كذا أُمرت. فقال له الحلَّاج: الآن آمنت مني؟ قال: نعم، فتحرك الحلَّاج فتناثر الحديد عنه كالعجين، وأشار بيده إلى الحائط فانفتح فيه بابٌ، فرأى السجان فضاءً واسعًا، فعجب من ذلك، ثم مد الشيخ يده، وقال: الآن افعل ما أُمرت به، فأعاده كما فعل أول مرةٍ، فلما أصبح أخبر السجان الخليفة المقتدر بذلك فتعجب، وتعجب الناس.»
ويقول محمد بن عفيف:٢٠ «لما رجعت من مكة ودخلت بغداد، أردت أن ألقى الحسين بن منصور، وكان محبوسًا قد مُنع الناس عنه، فاستعنت معارفي وكلَّموا السجان، وأدخلني عليه، فدخلت السجن والسجان معي، فرأيت دارًا حسنةً، ورأيت في الدار مجلسًا حسنًا، وفرشًا حسنًا، وشابًّا قائمًا كالخادم، فقلت له: أين الشيخ؟ فقال: مشغولٌ بشغلٍ. فقلت: ما يفعل الشيخ إذا كان جالسًا ها هنا؟ قال: ترى هذا الباب، هو إلى حبس اللصوص والعيارين، يدخل عليهم ويعظهم فيتوبون. فقلت: من أين طعامه؟ فقال: تَحْضُرُه كلَّ يومٍ مائدةٌ عليها ألوان الطعام، فينظر إليها ساعةً، ثم ينقرها بإصبعه، فتُرفَع ولا يأكل، فإذا الحلَّاج قد خرج إلينا، فرأيته حسن الوجه، لطيف الهيئة، عليه الهيبة والوقار.
فإذا هو سلَّم علي وقال: من أين الفتى؟ قلت: من شيراز، فسألني عن مشايخها فأخبرته، وسألني عن مشايخ بغداد فأخبرته، فقال: قل لأبي العباس احتفظ بتلك الرقاع،٢١ ثم قال: كيف دخلت؟ فأخبرته … فدخل أمير الجيش يرتعد، فقال له: ما لك؟ قال: سُعي بي إلى أمير المؤمنين بأني أخذت رشوةً، وخليت أميرًا من الأمراء، وجعلت مكانه رجلًا من العامة، وها أنا ذا أُحمل لتُضرب عنقي! فقال: امضِ لا بأس عليك، فذهب الرجل، وقام الشيخ إلى صحن الدار، وجثا على ركبتيه، ورفع يديه، وأشار بمسبحته إلى السماء، وقال: يا رب، ثم طأطأ رأسه حتى وضع خده على الأرض، وبكى حتى ابتلت الأرض من دموعه، وصار كالمغشي عليه.

وبينما هو على تلك الحال، دخل أمير الجيش، فقال: عُفِيَ عنِّي. قال ابن خفيف: وكان الحلَّاج جالسًا في طرف الصُّفة، وفي آخر الصُّفة منشفةٌ، وكان طول الصُّفة خمس أذرعٍ، فمد يده وأخذ المنشفة، فلا أدري أطالت يده، أم جاء المنديل إليه، فمسح وجهه بها، فقلت: هذا من ذاك.»

ويقول زنجي — أكبر رواة محاكمة الحلَّاج، وصديق الوزير حامد:٢٢ «كنت يومًا وأبي بين يدي حامد، ثم نهض من مجلسه وخرجنا إلى دار العامة، وجلسنا في رواقها، وحضر هارون بن عمران الجهبذ فجلس بين يدي أبي ولم يحادثه، فهو في ذاك إذ جاء غلام حامد الذي كان موكلًا بالحلَّاج، وأومأ إلى هارون بن عمران أن اخرج إليه، فنهض من المجلس مسرعًا، ونحن لا ندري ما السبب. فغاب عنَّا قليلًا، ثم عاد وهو متغير اللون جدًّا، فأنكر أبي ما رآه منه، وسأله عنه، فقال: دعاني الغلام الموكل بالحلَّاج، فخرجت إليه، فأعلمني أنه دخل إليه ومعه الطبق الذي رسم أن يقدمه إليه في كل يومٍ، فوجده ملأ البيت من سقفه إلى أرضه، وملأ جوانبه، فهاله ما رأى من ذلك، ورمى بالطبق من يده، وخرج من البيت مسرعًا، وإن الغلام ارتعد وانتفض وحمَّ! وبقي هارون يتعجب من ذلك.»
ويقول الخطيب البغدادي:٢٣ «وبلغ حامدًا من بعض أصحاب الحلَّاج أنه ذكر أنه دخل عليه إلى الموضع الذي هو فيه، فخاطبه بما أراده، فأنكر ذلك كل الإنكار.

وتقدم بمسألة الحجاب والبوابين، وقد كان رسم أن لا يدخل إليه أحدٌ، وضرب بعض البوابين، فحلفوا بالأيمان المغلظة أنهم ما أدخلوا أحدًا من أصحاب الحلَّاج إليه، ولا اجتاز بهم، وتقدَّم يتفقَّد السطوح، وجوانب الحيطان، فتفقدوا ذلك أجمع، ولم يوجد له أثرٌ ولا خللٌ. فسأل الحلَّاجَ عن دخول من دخل إليه، فقال: من القدرة نزل، ومن الموضع الذي نزل إليَّ منه خرج!»

(٢-٥) اتجاهات هادفة في قضية الحلَّاج

رأى حامد أن قضية الحلَّاج قد تحولت إلى مظاهرةٍ سياسيةٍ ودينيةٍ كبرى، مظاهرةٍ أصبح بطلها الوحيد هو الحلَّاج، وأن المحاكمة قد تحولت أو كادت إلى ما يشبه التكريم الرائع لبطلٍ وليٍّ، جُنَّت الجماهير بحبه وتقديره، وسبح خيال هذه الجماهير يجري مبهور الأنفاس، خلف بطولته وكراماته.

وامتد سحر الحلَّاج إلى أكبر رأسٍ بين الحنابلة — ابن عطاء — وإلى أرفع رأسٍ بين المعتزلة — ابن عفيف — فلم يكتفوا بتأييد الحلَّاج، بل قدموا أرواحهم فداءً له.

وإذن فيجب أن يحدث انقلابٌ سريعٌ هادفٌ في سير القضية، فلم تعُد التهم السابقة تكفي لإدانة الحلَّاج، وتحطيمه وتشويه مكانته وقداسته.

ودُبِّر الأمر بليلٍ، ومن ثم قامت حملاتٌ بوليسيةٌ ضخمةٌ للإرهاب العام، حملاتٌ تفاجئ كل بيتٍ من بيوت أنصار الحلَّاج وأعوانه، بدعوى البحث عن كتبه وآثاره.

ودبَّت حياةٌ جديدةٌ في القضية، وتهيأ المسرح للمرحلة الحاسمة.

يقول الخطيب البغدادي:٢٤ «جدَّ حامد في طلب أصحاب الحلَّاج، وأذكى العيون عليهم وفتش منازلهم، وحصل في يده منهم: حيدرة، والسمري، ومحمد بن علي القنائي، والمعروف بأبي المغيث الهاشمي. واستتر المعروف بابن حماد وكُبس منزله، وأُخذت منه دفاتر كثيرةٌ، وكذلك من منزل محمد بن علي القنائي، في ورقٍ صينيٍّ، وبعضها مكتوبٌ بماء الذهب، مبطنةٌ بالديباج والحرير، مجلدةٌ بالأديم الجيد.»

ثم يقول: «وكان في الكتب الموجودة عجائبُ من مكاتباته أصحابه النافذين إلى النواحي، وتوصيتهم بما يدعون الناس إليه وما يأمرهم به، من نقلهم من حالٍ إلى حالٍ، ومرتبةٍ إلى مرتبةٍ، حتى يبلغوا الغاية القصوى، وأن يخاطبوا كلَّ قومٍ على حسب عقولهم وأفهامهم، وعلى استجابتهم وانقيادهم، وجواباتٌ لقومٍ كاتبوه بألفاظٍ مرموزةٍ، لا يعرفها إلا من كتبها ومن كُتبت إليه، ومدارجُ فيها ما يجري هذا المجرى، وفي بعضها سورةٌ فيها اسم الله تعالى، مكتوبٌ على تعويجٍ، وفي داخل ذلك التعويج مكتوبٌ «عليٌّ عليه السلام»، كتابة لا يقف عليها إلا من تأملها.»

وإذن فقد أخذت الاتهامات الجديدة تتجه اتجاهًا سياسيًّا غامضًا.

والغموض هنا عن قصدٍ، وعن عمدٍ، حتى يسبح الخيال ما شاء في الاتهام، ويوجهه إلى كل هدفٍ وأفقٍ.

فالحلَّاج في هذا الاتهام الجديد له أصحابٌ وأتباعٌ، أنفذهم إلى كل ناحيةٍ من أنحاء العالم الإسلامي، ودرَّبهم وزودهم بما يدعون الناس إليه!

والدعوة الحلَّاجيَّة منظمةٌ تنظيمًا سياسيًّا وروحيًّا بارعًا، ومن أدلة هذا التنظيم الروحي أن الحلَّاج يباشر قلوب أتباعه بالتربية والإلهام، ثم ينقلهم في الطريق الروحي الصاعد من حالٍ إلى أخرى، ومن مرتبةٍ إلى مرتبةٍ، حتى يبلغوا الغاية القصوى من الكمال، أو من الفناء، أو من الاتحاد والحلول!

ومن أدلة التنظيم السياسي الهادف أن الحلَّاج قد أمر أتباعه أن يستعملوا الحكمة في دعوتهم السياسية فيخاطبوا كل قومٍ على حسب عقولهم وأفهامهم، وعلى قدر استجابتهم وانقيادهم.

وخطابات هؤلاء الدعاة مرموزةٌ، لا يعرفها إلا من كتبها أو من كُتبت إليه.

وكلمة علي — عليه السلام — هنا تصلح لاتهام الحلَّاج بمناصرة الشيعة، أو بتأييد القرامطة، أو بالتهمتين معًا.

أما الدليل الحاسم الناطق على هذا الاتهام العريض فلا حاجة إليه؛ لأن الخطابات قد كُتبت بالرمز، والرمز لا يفهمه ولا يفقهه إلا من كتبه أو من أُرسل إليه، وهذا أعجب اتهامٍ عرفه التاريخ!

فإذا استقام هذا الاتهام العجيب في نظر حامد وأعوانه فليمضِ الاتهام إلى وجهةٍ أخرى … إلى النيل من قداسة الحلَّاج الدينية، ومكانته الروحية.

يقول الخطيب البغدادي وهو يواصل الحديث عن القضية:٢٥ «وحضرتُ مجلس حامد — الرواية على لسان زنجي وهو أحد شهود المحاكمة — وقد أُحضر سفط خياذر لطيفٌ، حُمل من دار محمد بن علي القنائي — أكبر ظني — فتقدم بفتحه ففُتح، فإذا فيه قِدَرٌ وقوارير فيها شيءٌ يشبه لون الزئبق، وكِسَر خبزٍ جافةٌ، وكان السمري حاضرًا جالسًا بالقرب من أبي، فعجب أبي من تلك القدر، وتصييرها في سفطٍ مختومٍ، ومن تلك القوارير — وعندنا أنها أدهانٌ — ومن كِسَر الخبز.

وسأل حامد السمري عن ذلك، فدافعه عن الجواب، واستعفاه منه، وألح عليه في السؤال، فعرَّفه أن تلك القدر رجيع الحلَّاج! وأنه يستشفي به، وأن الذي في القوارير بوله، فعرف حامد مقاله، فعجب منه من كان في المجلس!

واتصل القول في الطعن على الحلَّاج … وأقبل أبي يعيد ذكر تلك الكسر ويتعجب منها، ومن احتفاظهم بها، حتى غاظ السمري ذلك، فقال له: هو ذا، أسمع ما تقول، وأرى تعجبك من هذه الكسر، وهي بين يديك، فكُلْ منها ما شئت، ثم انظر كيف يكون قلبك للحلاج بعد أكلك ما تأكله منها، فتهيب أبي أن يأكلها، وتخوف أن يكون فيها سمٌّ.

وأحضر حامدٌ الحلَّاجَ وسأله عما كان في السفط، وعن احتفاظ أصحابه برجيعه وبوله! فذكر أنه شيءٌ ما علم به ولا عرفه.»

(٢-٦) الكلمة القاتلة!

وعجزت هذه الاتهامات أيضًا عن تحقيق الغرض منها، وشعر القضاة رغم التعليمات الصادرة إليهم بعجزهم عن إصدار حكم الإدانة القاتل؛ فعيون العلماء والفقهاء والصوفية ترقبهم، وصيحات الجماهير الغاضبة تخترق آذانهم، وفي أعماق قلوبهم يضج ضميرهم ويتمرد!

والوزير حامد وعصبته من وراء هذا كله، يمزقهم الغضب المرعد المجنون، ويقتلهم الحقد الأسود المرير، وقصر الخليفة يرقب المأساة، وقد تمزق أحزابًا وشيعًا.

فالخليفة ومعه كبير قواده وجمهرة وزرائه، يساندون حامد وعصبته من وراء ستارٍ، بقوةٍ وإصرارٍ، وأم الخليفة، وحاجبه نصر القشوري، والوزير ابن عيسى يساندون الحلَّاج جهرةً، ويرفعون الصوت عاليًا بالدفاع عنه.

وكادت القضية أن تُحدث انهيارًا في الحكم العباسي، وتحفز الحنابلة والصوفية والشيعة وأنصار الحلَّاج للتمرد والانقضاض على الخلافة العاجزة الممزقة.

وصدرت الأوامر حاسمةً من القصر، إلى حامد وإلى القضاة، وانتاب جوَّ المحكمة قلقٌ وتوترٌ، وحوَّم حولها تهديدٌ ووعيدٌ، وتمشى في ساحتها ريحٌ عاصفٌ، يوشك أن يكون برقًا ورعدًا.

وانقلب جوُّ المحكمة إلى ما يشبه جوَّ محاكم التفتيش التاريخية، ويواصل الخطيب البغدادي روايته على لسان — زنجي — فيقول:٢٦ «وكان يخرج إلى حامد في كلِّ يومٍ دفاتر مما حُمل من دور أصحاب الحلَّاج، ويجعل بين يديه، فيدفعها إلى أبي، ويتقدم إليه بأن يقرأها عليه، فكان يفعل ذلك دائمًا.

فقرأ عليه في بعض الأيام من كتب الحلَّاج، والقاضي أبو عمر حاضرٌ، والقاضي أبو الحسين بن الأشناني، كتابًا حكى فيه أن الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه، أفرد في داره بيتًا لا يلحقه شيءٌ من النجاسة، ولا يدخله أحدٌ، ومنع من تطرقه.

فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله طوافه حول البيت الحرام، فإذا انقضى ذلك، وقضى من المناسك ما يقضي بمكة مثله، جمع ثلاثين يتيمًا وعمل لهم ما يمكنه من الطعام، وأحضرهم إلى ذلك البيت، وقدم إليهم الطعام، وتولى خدمتهم بنفسه، فإذا فرغوا من أكلهم وغسل أيديهم، وكسا كل واحدٍ منهم قميصًا، ودفع إليه سبع دراهم أو ثلاثةً — الشك مني — فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج!

فلما قرأ أبي هذا الفصل التفت أبو عمر القاضي إلى الحلَّاج، وقال له: من أين لك هذا؟ قال: من كتاب الإخلاص للحسن البصري، فقال له أبو عمر: كذبت يا حلال الدم … قد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن البصري بمكة، وليس فيه شيءٌ مما ذكرته؟!

فلما قال أبو عمر يا حلال الدم، قال له حامد: اكتب بهذا، فتشاغل أبو عمر بخطاب الحلَّاج، فأقبل حامد يطالبه بالكتابة بما قاله، وهو يدافع ويتشاغل إلى أن مد حامد الدواة من بين يديه إلى أبي عمر، ودعا بدرجٍ فدفعه إليه، وألح عليه حامد بالمطالبة بالكتابة إلحاحًا لم يمكنه معه المخالفة! فكتب بإحلال دمه، وكتب بعض من حضر المجلس.

ولما تبين الحلَّاج الصورة قال: ظهري حَمِي، ودمي حرامٌ، وما يحل لكم أن تتأوَّلوا عليَّ، واعتقادي الإسلام، ومذهبي السنة، وتفضيل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وطلحة والزبير، وسعد وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي عبيدة الجراح، ولي كتبٌ في السنة موجودةٌ في الوارقين، فالله الله في دمي!

ولم يزل يردد هذا القول، والقوم يكتبون خطوطهم، إلى أن استكملوا ما احتاجوا إليه، ونهضوا عن المجلس، ورُدَّ الحلَّاج إلى موضعه الذي كان فيه.

ورفع حامد ذلك المحضر إلى والدي، وتقدم إليه أن يكتب إلى المقتدر بالله — الخليفة — بخبر المجلس، وما جرى فيه، وينفذ الجواب عنها، فكتب الرقعتين، وأنفذ الفتوى إلى المقتدر بالله.»

وبذلك تمت مهزلةٌ داميةٌ من أعجب مهازل التاريخ، بل من أبشع مآسيه!

مهزلةٌ اشترك فيها الخليفة، وكبير قواده مؤنس، وكبير وزرائه حامد، ومن ورائهم حشدٌ ضخمٌ من المنافقين والمرتشين والمحتكرين، ومحترفي السياسة المنتفعين، الذين يسبحون مع التيار المنتصر!

اشتركوا جميعًا في قتلٍ سافرٍ، وليخنقوا صوت الحق، الصوت الرهيب الذي ارتفع في أفقهم السياسي، ليهدد مكانتهم ونفوذهم واستقلالهم.

مهزلةٌ سياسيةٌ لبست ثوب الدين، وعجز حتى هذا الثوب عن أن يستر المهزلة، فجاء الثوب ممزقًا مهلهلًا.

يقول الإصطخري: ولم يُعرَف للحسن البصري كتابٌ باسم الإخلاص، ومع هذا وضعت الرواية على لسان الحلَّاج اسم هذا الكتاب، ووضعت على لسان القاضي أنه قرأه بمكة!

ثم عجزت الرواية المصنوعة نفسها عن أن تُلبس الحكم ثوبًا شرعيًّا، فالقاضي يقول وهو غاضبٌ كلمةً لا يقصد معناها، ولا يريد حقيقتها، والوزير يتلقف الكلمة في إصرارٍ عجيبٍ، ثم يرغم القاضي إرغامًا عليها، وعلى توقيع الحكم باسمها.

يقول المستشرق ماسنيون:٢٧ «هنالك استطاع حامد أن يتآمر مع القاضي المالكي أبي عمر الحماوي — وهو معروفٌ بتملقه للقائمين بالأمر — على الحكم الذي سيصدر بإعدام الحلَّاج وأسبابه! وذلك بالاحتجاج بمذهب الحلَّاج بالاستغناء عن الحج، ليشبه أمره بأمر القرامطة الثائرين، الذين أرادوا هدم الكعبة!

ومن عجبٍ أن الحلَّاج حج ثلاث مراتٍ، وقد رفض القاضي الحنفي ابن بهلول الموافقة على حكم ابن عمر، ولكن مساعده — الأشناني — قبل مساعدة ابن عمر في هذا الاتجاه.

ولم يحضر الجلسة أحدٌ من الشافعية، وقد وجد عبد الله بن مكرم — رئيس الشهود المحترفين — عددًا وافرًا منهم وافقوا على الحكم، بلغ فيما يُقال ٨٤، وذلك بإضافة فقهاء وقراء إلى أعضاء المحكمة، وكان جزاء ابن مكرم ظفره بمنصب القضاء بطريقةٍ شَرَفيةٍ، أي لا يمارس القضاء فعلًا.»

(٢-٧) الحلَّاج ينذر الخليفة

أدرك الحلَّاج أن المؤامرة قد بلغت نهايتها، وأنه في طريقه إلى الاستشهاد، الاستشهاد الذي طالما حنَّ إليه وتنبَّأ به.

كما أدرك الهدف من هذا الحشد من الاتهامات الدينية، التي تصوره دجالًا مشعوذًا تارةً، وملحدًا مارقًا تارةً أخرى، إنها تستهدف أول ما تستهدف أن تزلزل في قلوب الجماهير تلك القدسية الدينية التي تنطوي عليها قلوبهم للحلاج، وأن تُظهر الخلافة وأنصارها بمظهر الدفاع عن العقيدة الإسلامية وحمايتها.

وبين تهاويل هذه الاتهامات وضجيجها تختنق وتختفي صيحات الحلَّاج في الإصلاح السياسي والاجتماعي، وتذوب وتتوارى حملاته على الفساد والمفسدين، والمنحلين والمحتكرين.

فإذا انطفأ ذلك البريق الساحر، الذي يترقرق حول الحلَّاج، وتمزقت تلك الهالة المضيئة التي تحيط بكلماته وحياته، وتقطعت الخيوط الروحية التي تربطه بوجدان الشعب وضميره، وحِيل بين البطل وردائه، والولي وشعاعه؛ حينئذٍ تستطيع الخلافة أن تضرب ضربتها الانتقامية الكبرى، وأن تخضب وجه الأرض، بدمٍ مهدرٍ ضائعٍ، لا يثور من أجله محبٌّ، ولا يغضب له منتفمٌ!

أدرك الحلَّاج هذا كله وقدره، بل وصوره لنا في مشاهد حيةٍ، تكاد لصدقها تكون نبوءةً مبصرةً.

لم يجزع الحلَّاج ولم يضطرب، لقد أدرك بذوقه وبوجدانه — منذ أمدٍ بعيدٍ — أنه في طريقه إلى الاستشهاد، ولكنه اعتزم أن يمضي قدمًا في منهجه ورسالته، وأن يقول كلماته الأخيرة للخليفة نفسه.

وطلب الحلَّاج مقابلة الخليفة، والخليفة دائمًا كان يخاف الحلَّاج ويرهبه، وكان يحرص الحرص كله على أن يبدو أمام الجماهير بريئًا من عذابه ودمه.

وأذن الخليفة بمقابلة الحلَّاج، كما أذن أيضًا للوزير حامد بأن يشهد هذه المقابلة، بناءً على طلبه وإلحاحه.

وحُمل الحلَّاج مقيدًا إلى الخليفة، فدخل مرفوع الرأس، مشرق الوجه، وألقى بتحية الإسلام، ثم أخذ يحذِّر الخليفة وينذره، ويطالبه بإصلاح الأداة الحكومية؛ حتى يرضى الله عنه، وبإبعاد المفسدين في الأرض، وبتطبيق الشريعة روحًا ونصًّا؛ حتى تتحقق رسالة القرآن.

ثم انتقل الحلَّاج بالحديث إلى قضيته، وموقف الخليفة منها، فحذَّره الغرور بالخلافة، والاعتزاز بالملك؛ لأن من اعتز بغير الله ذلَّ، أفهمه أنه آلةٌ يحركها القدر الإلهي … ثم قال:٢٨ «من أطاع الله أطاعه كل شيءٍ، ثم حاكمٌ ومحكومٌ عليه، وواسطةٌ هي السبب في إيصال الحكم بالمحكوم عليه، فإن كان ثَمَّ جورٌ أو عدلٌ نُسب إلى الواسطة في الظاهر، والرب يتحاشى عن أن يوصف بذلك.

وإنما أنت واسطةٌ، تنفذ أحكام الرب ومشيئته، فيمن يشاء من عباده، بما شاء، كما شاء.

وأنا عبدٌ من عبيد الله، مستسلمٌ لقضاء الله، صابرٌ لحكم الله، راضٍ بقضاء الله، فافعل ما حُركتَ له، واعمل بما استُعملت فيه، وكن بعد ذلك شديد الحذر، فيما تأتي به وتذر، وانظر في عواقب أمرك، وتأمل ما تأتيه بثاقب فهمك، وصافي فكرك، فإن رأيت الصلاح فيما قام في نفسك فأمضِ حكم عدلك.

وإني لا أعترض عليك ولا ألومك في فعلك، ولكني أقول كما قال الخليل: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ

ثم خرج الحلَّاج كما دخل، مرفوع الرأس، مشرق الوجه، مطمئن القلب، لقد أدى واجبه كاملًا، وإنه لفي طريقه إلى القمة، القمة الشاهقة، قمة الاستشهاد في رداءٍ من البطولة السامقة، بل في إشراقةٍ متلألئةٍ من المحبة المضحية.

(٢-٨) الخليفة يعتمد الحكم

وخيَّم على القصر صمتٌ مطبِقٌ، حزينٌ مرتعدٌ، لقد جاءت الساعة الحاسمة، وقلب الخليفة الذي طالما انتظر هذه اللحظة وتمناها، إنه ليخفق اليوم خفقاتٍ أقرب إلى الرعب منها إلى البهجة والنصر.

إن بغداد لترتعد غضبًا لوليِّها، وإن رِعدة الغضب لتوشك أن تنفجر، وإن في انفجارها لما يرعب الخليفة، ويمزق وجدانه، ويحرق قلبه.

يقول ماسنيون: «وأُصيب الخليفة بالحمَّى في اليومين التاليين للحكم على الحلَّاج، وفي هذا الجو العاصف بذل نصر أمير البلاط ووالدة الخليفة سعيهما لدى الخليفة، فبدل حكم الإعدام.»

ويقول الخطيب البغدادي مصوِّرًا لهذه الفترة الحرجة٢٩ — على لسان زنجي: «وأبطأ الجواب يومين، فغلظ ذلك على حامد، ولحقه ندمٌ على ما كتب به، وتخوف أن يكون قد وقع غير موقعه. ولم يجد بدًّا من نصرة ما عمله، فكتب بخط والدي رقعةً إلى المقتدر بالله في اليوم الثالث، يقتضي فيها ما تضمنته الأولى، ويقول: إن ما جرى في المجلس قد شاع وانتشر، ومتى لم يتبعه قتل الحلَّاج افتتن الناس به، ولم يختلف عليه اثنان، ويستأذن في ذلك، وأنفذ الرقعة إلى مفلح، وسأله إيصالها، وتنجيز الجواب عنها، وإنفاذه إليه.»
ويقول ماسنيون:٣٠ «هنالك لوَّح حامد أمام الخليفة بشبح ثورةٍ اجتماعيةٍ حلَّاجيةٍ، وراح يسعى للاتفاق مع كبير القواد مؤنس على الخلاص من الحلَّاج وأصدقائه.»

وتدخل مؤنس بنفوذه العسكري الكبير لدى الخليفة، وتحت إلحاحه المتواصل وقع الخليفة في تردد أمر الإعدام، ملقيًا بتبعة دمه على القضاء.

يقول البغدادي:٣١ «فعاد الجواب من المقتدر بالله — إلى حامد — بأن القضاة إذا كانوا قد أفتوا بقتله، وأباحوا دمه، فلتُحضر محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة، وليتقدم إليه بتسليمه وضربه ألف سوطٍ، فإن تلف تحت الضرب، وإلَّا ضُرب عنقه.

فسُرَّ حامد بهذا الجواب، وزال ما كان عليه من الاضطراب، وأحضر محمد بن عبد الصمد، وأقرأه إياه، وتقدم إليه بتسلم الحلَّاج، فامتنع من ذلك، وذكر أنه يتخوف أن يُنتزع منه، فأعلمه حامد أنه سيبعث معه غلمانه، حتى يصيروا به إلى مجلس الشرطة في الجانب الغربي.

ووقع الاتفاق على أن يحضر بعد عشاء الآخرة، ومعه جماعةٌ من أصحابه، وقومٌ على بغالٍ مؤكفةٍ، يجرون مجرى الساسة — ويلبس الحلَّاج مثلهم ويدخل في غمارهم — حتى لا يُنتزع، وأوصاه بأن يضربه ألف سوطٍ، فإن تلف حزَّ رأسه واحتفظ به، وأحرق جثته، وقال له حامد: إن قال لك أُجري لك الفرات ذهبًا وفضةً، فلا تقبل منه، ولا ترفع الضرب عنه.

فلما كان بعد عشاء الآخرة، وافى محمد بن عبد الصمد إلى حامد، ومعه رجاله والبغال المؤكفة، فتقدم إلى غلمانه بالركوب معه، حتى يصل إلى مجلس الشرطة، وتقدم إلى الغلام الموكَّل به بإخراجه من الموضع الذي هو فيه، وتسليمه إلى أصحاب محمد بن عبد الصمد.

وأُخرج الحلَّاج وأُركب بعض تلك البغال، واختلط بجملة الساسة، وركب غلمان حامد معه حتى أوصلوه إلى الجسر ثم انصرفوا، وبات هناك محمد بن عبد الصمد ورجاله.»

(٢-٩) ليلة المصرع!

عن إبراهيم بن شيبان قال:٣٢ «دخلت على ابن سريج القاضي يوم أفتوا في قتل الحلَّاج، فقلت: يا أبا العباس، ما تقول في فتوى هؤلاء في قتل هذا الرجل؟ قال: لعلهم نسوا قول الله تعالى: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ
ويقول الواسطي:٣٣ «قلت لابن سريج: ما تقول في الحلَّاج؟ قال: أما أنا أراه حافظًا للقرآن، عالمًا به، ماهرًا في الفقه، عالمًا بالحديث والأخبار والسنة، صائمًا الدهر، قائمًا الليل يعظ ويبكي.»

وهكذا كان الحلَّاج، حتى في ليلة الهول، ليلة المصرع، لقد أعرض عن الدوي الذي أحدثه النبأ العظيم، وأقبل على ربه يناجيه بمواجيد قلبه، وألحان حبه.

يقول ابنه أحمد:٣٤ «فلما كانت الليلة التي أُخرج في صبيحتها والدي من الحبس — للقتل — قام فصلى ركعتين، فلما فرغ من صلاته لم يزل يقول: مكرٌ، مكرٌ، إلى أن مضى من الليل أكثره، ثم سكت طويلًا، ثم قال: حقٌّ، حقٌّ، ثم قام قائمًا وتغطى بإزارٍ، وائتزر بمئزرٍ، ومد يديه نحو القبلة، وأخذ في المناجاة.

وكان خادمه أحمد بن فاتك حاضرًا، فحفظنا بعضها، فكان من مناجاته: نحن بشواهدك نلوذ، وبسنا عزتك نستضيء، لتبدي ما شئت من شأنك ومشيئتك، وأنت الذي في السماء إلهٌ، وفي الأرض إلهٌ.

يا مدهِّر الدهور، ومصوِّر الصور، يا من ذلت لك الجواهر، وسجدت لك الأعراض، وانعقدت بأمره الأجسام، وتصورت عنده الأحكام.

يا من تجلى لما شاء، كيف شاء، مثل التجلي في المشيئة، لأحسن صورةٍ، والصورة هي الروح الناطقة، التي أفردته بالعلم والبيان والقدرة.

ثم أوعزت إلى شاهدك لما أردتَ بدايتي، وأظهرتني، عند عقيب كراتي، وأبديت حقائق علومي ومعجزاتي، صاعدًا في معارج إلى عروش أزلياتي، عند القول من برياتي.

إني أحتضر، وأُقتل، وأُصلب، وأحترق، وأُحمل على السافيات.٣٥

ثم أنشأ يقول:

أَنْعى إليك نفوسًا طاح شاهدُها
فيما وراء الحيثِ أو في شاهد القِدَم
أَنْعى إليك قلوبًا طال ما هطلت
سحائب الوحي فيها أبْحُر الحكم
أَنْعى إليك لسان الحق مذ زمنٍ
أودى وتذكاره في الوهم كالعدم
أَنْعى إليك بيانًا تستكين له
أقوال كل فصيحٍ مِقوَلٍ فَهِمِ
أَنْعى إليك إشارات العقول معًا
لم يبق منهن إلا دارِسُ الرِّمَمِ
أَنعى وحُبِّك أخلاقًا لِطائفةٍ
كانت مطاياهم من مَكْمَدِ الكَظم
مضى الجميع فلا عينٌ ولا أثرٌ
مُضِيَّ عادٍ وفُقدانَ الأُلى إِرَمِ
وخلَّفوا مَعشرًا يحذون لُبسَتَهم
أعمى من البُهْمِ بل أعمى من النعَمِ»
وعن إبراهيم بن فاتك قال:٣٦ «دخلت على الحلَّاج في الليلة الأخيرة وهو في الصلاة، مبتدئًا بقراءة سورة البقرة، فصلى ركعاتٍ حتى غلبني النوم، فلما انتبهت سمعته يقرأ سورة — حم عسق — فعلمت أنه يريد الختم، فختم القرآن في ركعةٍ واحدةٍ، ثم قرأ في الثانية ما قرأ، ثم ضحك إليَّ وقال: ألا ترى أني أصلي لرضائه، من ظن أنه يرضيه بالخدمة فقد جعل لرضاه ثمنًا!»
ويقول الرزاز:٣٧ «كان أخي خادمًا للحسين بن منصور، فسمعته يقول: لما كانت الليلة التي وعد من الغد بقتله، قلت: يا سيدي أوصني، فقال لي: عليك بنفسك، إن لم تشغلها شغلتك.

ثم أنشأ يقول:

عجبت منك ومني
يا منية المتمني
أدنيتني منك حتى
ظننت أنك أني
وغبت في الوجد حتى
أفنيتني بك عني

ثم أخذ يترنم ويرقص، وهو في حالةٍ من النشوة العارمة، والوجد العنيف، جعلت ابن خفيف يعتقد أن جدران سجنه كانت أيضًا تترنم بقوله:

لي حبيبٌ حبه وسط الحشا
لو يشا يمشي على خدي مشى
روحه روحي، وروحي روحه
إن يشا شئت، وإن شئت يشا»

(٢-١٠) مصرع الشهيد

وجاء يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي القعدة، سنة تسع وثلاثمائة، فشهدت بغداد أكبر حشدٍ عرفه تاريخها!

اجتمع هذا الحشد العظيم على ضفاف دجلة، راجف القلب، دامع العين، كظيم الغيظ، وتركزت نظراته على الحلَّاج، الذي وقف في أغلاله وقيوده، مشرق الوجه، عاليَ الرأس، شامخًا جليلًا، وقد أحاطت به صفوف الجند، وطوقته زبانية العذاب، وارتفعت إلى السماء قوائم خشبيةٌ غليظةٌ جللت بالسواد، هي الآلة التي أُعدت لجلده وعذابه وصلبه.

قال الياقوتي: «سمعت الحلَّاج عندما تقدم للصلب يقول: يا معين الفناء عَلَيَّ أعني على الفناء.»

ويقول القاضي أبو العلاء الواسطي: «لما جيء بالحسين بن منصور الحلَّاج ليقتل، أخذ يتبختر في قيده، وهو ينشد:

طلبت المستقَر بكل أرضٍ
فلم أرَ لي بأرضٍ مستقرًا
فنلت من الزمان ونال مني
وكان مناله حلوًا ومرًّا
وعن إبراهيم بن فاتك قال:٣٨ «لما أُتي بالحسين بن منصور ليُصلب، رأى الخشبة والمسامير، فضحك كثيرًا حتى دمعت عيناه، ثم التفت إلى القوم، فرأى الشبلي بينهم، فقال له: يا أبا بكرٍ، هل معك سجادتك؟ فقال: بلى يا شيخ، قال: افرشها لي، ففرشها، فصلى الحسين بن منصور عليها ركعتين، وكنت قريبًا منه، فقرأ في الأولى فاتحة الكتاب، ثم قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ الآية، وقرأ في الثانية فاتحة الكتاب، ثم قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ الآية، فلما سلَّم ذكر أشياء لم أحفظها، وكان مما حفظته قوله:
اللهم إنك المتجلي٣٩ عن كل جهةٍ، المتخلي عن كل جهةٍ، بحق قِدمك على حدثي، وحق حدثي تحت ملابس قِدمك، أن ترزقني شكر هذه النعمة، التي أنعمت بها عليَّ، حيث غيبت أغياري عما كشفت لي من مطالع وجهك، وحرَّمت على غيري ما أبحت لي من النظر في مكنونات سرك.

هؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي! تعصبًا لدينك، وتقربًا إليك، فاغفر لهم، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي، لما فعلوا ما فعلوا، ولو سترت عني ما سترت عنهم، لما ابتُليتُ بما ابتُليت، فلك الحمد فيما تفعل، ولك الحمد فيما تريد!

ثم سكت وناجى سرًّا، فتقدم أبو الحارث السياف، فلطمه لطمةً هشمت أنفه، وسال الدم على شيبه!

فصاح الشبلي ومزَّق ثوبه، وغُشي على أبي الحسن الواسطي، وعلى جماعةٍ من الصوفية المشهورين، وكادت الفتنة تهيج، ففعل أصحاب الحرس ما فعلوا!

ثم تقدم صاحب الشرطة، فشده إلى آلة الصلب، ثم أمر الجلاد بأن يضربه ألف سوطٍ، فأخذ يضربه وهو صامتٌ لا يتأوه، ولا يضطرب، ولا يستعفي، وإنما يقول: أحدٌ أحدٌ، حتى بلغ ستمائة سوطٍ، فقال لصاحب الشرطة: ادنُ مني فإن عندي نصيحة تعدل عند الخليفة فتح قسطنطينية، فقال له: قد قيل لي عنك أنك تقول هذا وأمثاله، وليس لي أن أرفع الضرب عنك، فسكت حتى ضُرب ألف سوطٍ!

فلما أتم الجلاد ما كُلف به، أخذ الحلَّاج يتواجد ويتبختر في مشيته، وفي قدميه ثلاثة عشر قيدًا، ثم راح وهو في ثملٍ روحيٍّ عميقٍ ينشد:

نديمي غير منسوبٍ
إلى شيءٍ من الحيف
دعاني ثم حياني
فعل الضيف بالضيف
فلما دارت الكأس
دعا بالنطع والسيف
كذا من يشرب الراح
مع النثرين٤٠ في الصيف٤١

ثم قال: يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ

بتر يداه

ثم تقدم الجلاد مشهرًا سيفه، ومن حوله حملة الرماح والدروع، فقطع يده اليمنى، ثم يده اليسرى، ولم يجزع الحلَّاج ولم يتأوه، ولم تفارق الابتسامة شفتيه، ولم يفتر لسانه عن ذكر الله ومناجاته!

لقد اعتصم الحلَّاج بشيءٍ أعظم من كل ما يدب على وجه الأرض، من عدوانٍ وبغيٍ، اعتصم بإيمانه، ولاذ بحبه، ولجأ إلى ربه، فغاب عن نفسه، وعن حسه، سما إلى الأفق الأعلى، فعاش في نشوة المشاهدة، ونعيم القرب، فأنساه ما يرى وما يتذوق هول ما يلقى من آلامٍ وعذابٍ!

ولما أخذ وجهه في الاصفرار لكثرة ما نزف من دمه، شال بذراعه على وجهه٤٢ فخضَّبه بالدم حتى يخفي اصفراره، وقال مبتسمًا: ركعتان في العشق لا يصح وضوؤهما إلا بالدم!

ثم أنشد مترنمًا:

وحرمة الود الذي لم يكن
يطمع في إفساده الدهرُ
ما نالني عند هجوم البلا
بأسٌ ولا مسَّني الضرُّ
ما قُدَّ لي عضوٌ ولا مفصلٌ
إلا وفيه لكم ذكرُ٤٣

وتطاير هذا النشيد الحار المؤمن إلى الجماهير المحتشدة، فارتفع الزئير المرعد من أفواه الرجال، وأُغمي على كثيرٍ من النساء، وماجت الصفوف بالتهديد السافر، والغضب المتوهِّج.

وأسرع الجند إلى سياطهم وجرابهم، وازداد الموقف توترًا في ساحة الصلب! بينما طافت نُذر الثورة في أزقة بغداد وشوارعها.

وزاد الحقد والغضب بحامد وعصبته، فأخذوا يتصيدون بعض أعوانهم من صفوف الصوفية والفقهاء، ليدفعوا بهم حول منصة الصلب ليرموا الحلَّاج بالسباب، ويتهموه بالمروق، علَّ هذا الاتهام يخفف من إيمان الجمهور به، وغضبته له.

يقول ابن كثير:٤٤ «وجاء أبو الحسن البلخي عند الخشبة، وقال — للحلاج: الحمد لله الذي أمكن منك يا عدو الله؟ كيف رأيت بوس الناس في يديك، وقولهم لك يا سيدي ويا مولاي وأنت راضٍ بذلك.»
ويقول ماسنيون:٤٥ «وأخذ الجند يحضرون بعض أفرادٍ من الصوفية لينالوا من الحلَّاج، ثم يقول: وأتى الجند بالشبلي، وقد وضعوا منديله في عنقه، وهم يسحبونه إلى الحسين بن منصور ليلعنه! فتأبى من ذلك وقال: اتركوني، فقالوا: ما نتركك حتى تلعنه، أو ترسل إليه رسولًا بذلك!

والتفت الشبلي يمينًا وشمالًا فرأى فاطمة الأموية، فقال لها: ادني مني، فدنت، فقال لها: اذهبي إلى الحسين بن منصور فقولي له: إن الله قد ائتمنك على سرٍّ من أسراره فأذعته، فأذاقك طعم الحديد، واحفظي ما يقول لكِ، ثم اسأليه عن التصوف، وما هو؟

ومضت فاطمةُ إلى الحلَّاج، فقالت: أنا رسولة أبي بكر الشبلي، فابتسم الحلَّاج، ثم قال: هاتي ما معك.

فقالت له: إنه يقول لك: إن الله قد ائتمنك على سرٍّ من أسراره فأذعته، فأذاقك طعم الحديد، فأنشأ يقول:

تجاسرتُ فكاشفتـ
ـك لما غلب الصبرُ
وما أحسن في مثلـ
ـك أن يُنتهك السترُ
وإن عنَّفني الناس
ففي وجهك لي عذرُ
كأن البدر محتاجٌ
إلى وجهك يا بدر

ثم قال اذهبي إلى أبي بكرٍ فقولي له: يا شبلي والله ما أذعت له سرًّا.

فقالت فاطمةُ: فما حقيقة التصوف، فقال: أهون مرقاةٍ فيه ما ترين. قالت: فما أعلاه؟ قال: ليس لكِ إليه سبيلٌ، ولكن سترين غدًا ما يجري، فإن في الغيب ما شهدته وغاب عنكِ … ثم قال: والله ما فرقت بين نعمةٍ وبلوى ساعةً قط.

فجاءت فاطمةٌ إلى الشبلي، فأعادت عليه ذلك، فصاح الشبلي: يا معشر الناس، الجواب الأول لكم، والثاني لي؟»

عذاب الحلَّاج!

ثم قام الحراس فشدوا وثاقه إلى آلة الصلب، وأخذوا يتفننون في إيلامه وعذابه بألسنتهم وسياطهم.

ومضى يومٌ، وغربت الشمس، وجاءت الليلة الأولى من ليالي العذاب، فباتها الحلَّاج على صورةٍ لم تُعرف لغيره في التاريخ.

باتها مقيدًا مصلوبًا مقطوع اليدين، تنزف جراحه دمًا؟! وبات جمهور البغداديين حوله، على الضفة الغربية لدجلة، يرقب المأساة، ويشهد الفاجعة، ويتتبع بعواطف متضاربةٍ، مشاهد مسرحيةٍ حيةٍ داميةٍ.

يشهد صراعًا عجبًا فذًّا تدور رحاه حول رجلٍ أعزل، ينازل وحده، في بطولةٍ متحديةٍ، صابرةٍ شامخةٍ، القوى الحاكمة في العراق، وهي أعظم قوى الأرض في عصرها!

وكان منظرًا مسرحيًّا، لم تشهد مسارح الدنيا مثيلًا له من قبل، مئات المشاعل تضيء شواطئ دجلة، وتكشف آفاقها، وتغمر مياهها بالألوان والظلال.

وهنا وهناك قامت حلقاتٌ وأروقةٌ للذاكرين من الصوفية، وللمجادلين من المعتزلة، وللمتناظرين من الحنابلة، وللمتعصبين من الشيعة، يديرون حديث القلب والعقل حول المشهد العظيم، الذي هزَّ بغداد وأطار النوم من جفونها.

وعن أيمانهم، وعن شمائلهم، شتيتٌ من الأجناس والطوائف، المتعددة الأهواء والثقافات، والميول والاتجاهات.

ويمشي بين صفوف هؤلاء وهؤلاء تلاميذ الحلَّاج وأحبابه، يتحدثون عن إيمانه ورسالته، وكراماته وعجائبه، ويشتط الخيال بفريقٍ منهم، فيذهب بهم بعيدًا بعيدًا، ليضفي على الحلَّاج قداساتٍ أكثر مما تطيق البشرية، وأعلى مما تستطيع الإنسانية!

وتتلقف آذان الجماهير، هذه الأحاديث البارعة الملونة، فتخفق قلوبهم، للشهيد المعذب المصلوب، وتثور عواطفهم، للقطب المضطهد المظلوم!

وداخل هذا الإطار الكبير بألوانه وظلاله، يقف الحلَّاج مشدودًا بوثاقه على مصلبه الدامي، مترنمًا بألحانه، محلقًا في نشوةٍ قلبيةٍ أكبر من آلامه، وفي ثملٍ روحيٍّ أعظم من عذابه.

إنه في عالمه العلوي الروحي المضيء، بعيدًا بعيدًا، عن الأرض وما يُدبَّر فيها، وما يصب عليها!

إن صمود الحلَّاج على مصلبه، لزاد من الخلود — كما يقول الشبلي — أعلى مما يفهم من لم يذق مذاقه ويحيا حبه!

قطع قدماه!

وجاء صباح اليوم الثاني، فتضاعف — كما يقول ابن كثير — عددُ البغداديين حول مصلبه، واجتمع من العامة عددٌ لا يُحصى.٤٦

وبدأ العذاب من جديد في يومه الثاني، فقُطعت رجله اليمنى، ثم اليسرى، ومع قطرات الدم، ارتفعت السياط، تمزق ما بقي من هذا الأديم الصابر الصامد!

يقول الخطيب البغدادي:٤٧ «سمعت فارسًا يقول: قُطعت أعضاء الحلَّاج، عضوًا عضوًا وما تغير لونه، وما فتر لسانه عن ذكر الله.»
وعن ابن فاتك قال:٤٨ «لما قُطعت رجلا الحلَّاج قال: إلهي أصبحت في دار الرغائب، انظر إلى العجائب، إلهي إنك تتودد إلى من يؤذيك، فكيف لا تتودد إلى مَن يؤذى فيك!»

ثم أنشد:

اقتلوني يا ثقاتي
إن في قتلي حياتي
ومماتي في حياتي
وحياتي في مماتي
إن عندي محو ذاتي
من أجلِّ المكرمات
وبقائي في صفاتي
من قبيح السيئات
فاقتلوني واحرقوني
بعظامي الفانيات
ثم مروا برفاتي
في القبور الدارسات
تجدوا سرَّ حبيبي
في طوايا الباقيات٤٩

ثم تتابعت مشاهد العذاب، من جلدٍ وصفعٍ وركلٍ وسبابٍ، والحلَّاج على مصلبه، ممزق الجسد، تتساقط قطرات الدماء من سائر جسده، وهو في نشوةٍ روحيةٍ، بل في ثملٍ روحيٍّ أعلى وأسمى وأقوى من كل ما صُبَّ عليه من هولٍ وعذابٍ!

إنه في تسابيحه ومواجيده ومناجاته، غير ملتفتٍ إلى ما بُتر منه، وما يحيط به!

لقد تفتحت له أبواب السماء، وأحاطت به هالاتٌ من النور، وفي سمعه ألحانٌ من الأفق المضيء، وترنيماتٌ من أوتارٍ خفيةٍ، يوقِّع على موسيقاها ابتهالاته الخالدة.

إذا ذكرتك كاد الشوق يقلقني
وغفلتي عنك أحزانٌ وأوجاع
وصار كلي قلوبًا فيك داعيةً
للسقم فيها وللآلام إسراع٥٠

•••

يا لائمي في هواه كم تلوم فلو
عرفت منه الذي عنيت لم تلم
للناس حجٌّ ولي حجٌّ إلى سكني
تُهدى الأضاحي وأُهدي مُهجتي ودمي٥١

•••

لا تلمني فاللوم مني بعيد
وأجر سيدي فإني وحيد
من أراد الكتاب هذا خطابي
فاقرءوا واعلموا بأني شهيد٥٢

ثم تتابعت مشاهد، تجلت فيها أسمى ما في النفوس الإنسانية من مثالياتٍ، وأحط ما في الغرائز البشرية من صفاتٍ.

فقد أقام حامد وصحبه حول مصلب الحلَّاج أعوانًا لهم، يملئون الدنيا سبابًا وصياحًا هاتفين: اقتلوا الحلَّاج الزنديق، وفي أعناقنا دمه!

ثم أخذ الجند يجمعون الفقهاء والصوفية ليرجموا الحلَّاج، وهو في موقف الهول والعذاب، فامتنع فريقٌ كبيرٌ عن هذا الإثم، صبروا وصابروا، واحتملوا الجلد والسجن، ولم تقترف أيديهم السوء!

ثم جيء بالشبلي، تلميذ الحلَّاج وصديقه وصفيه، جيء به ليرجم الحلَّاج، وأقسموا على قتله إن لم يفعل!

وأذن له الحلَّاج وطالبه أن يفعل صونًا لدمه، فرماه بوردةٍ … ثم بكى وصاح: «إن استشهاد الحلَّاج درةٌ من الجمال المحرم، إنه زاد خلودٍ، لا يظفر به إلا الأبطال، وليس بزادٍ يوزع على الجميع.»

يقول ماسنيون:٥٣ «وفي وسط هذا كله، الحلَّاج نفسه مصلوبًا خارجًا عن طوره، مُظهِرًا للجميع من فوق مقصلته، وهو في حالةٍ من الوجد تجاوز ببدنه حد الموت، شخصيةَ المسيح الخالدة، كما وصفها القرآن، وكأنه الصورة المعبرة المتجلية فيها روح الله: وما قتلوه وما صلبوه.»

ومضى اليوم الثاني، وجاءت الليلة الثانية، على الشهيد الصامد، لهولٍ لم يصمد له أحدٌ من قبل!

ومضى الليل ثقيلًا بطيئًا، ورفرف الموت على الساحة الكبرى، وأخذت ظلال المشاعل ترسم أطيافًا حزينةً باكيةً.

والمصلوب المعذب في نشوته ومناجاته وضراعاته، التي ترسم في عالم الروح، صرخاتٍ تهزُّ عالم النور.

عالم الروح والنور، الذي سعى إلى الحلَّاج ليؤنسه في لحظاته الأخيرة، تلك اللحظات التي صورها لنا الحلَّاج على مصلبه في آخر قصائده …

قصيدة المصلب٥٤

وفيها يروي قصته كاملةً، بذلك النغم المأثور عن الصوفية، في حالات الشطح والسبح الروحي.

فيحدثنا عن فنائه في الله، ذلك الفناء الذي أورثه البقاء به سبحانه، ومن بقي بالله عاش في عالم المشاهدة، وتفتحت عين روحه، لتطل على الوجود.

ثم يقول: إنه الباز الأشهب في عالم الروح، وهو مقامٌ أعلى وأسمى من القطبانية، وإنه شربه من مقام الصديقية، وهو مقامٌ لا يعلوه إلا مقام النبوة، وإنه غدا ربانيًّا يعيش تحت العرش، وإنه قد حطم ببرهانه جبال الأكاذيب التي أحاطت به.

وإنه الذي شاع ذكره في الملأ الأعلى، وإنه خاض بحر الهوى قويًّا كحوت يونس، وأخرج أروع جواهره.

ولكنه لم يجد في عصره من يفهم قيمة هذه الجواهر، فأصبح كمن يبيع الجوهر للفحامين! وكالذي يوقد الشموع في قاعات العميان! وكالذي يضع السر في أكمام عريانٍ.

ثم يعرض علينا في إطارٍ فخمٍ حوادث مصرعه، وكيف احتشد الأقطاب والأولياء جميعًا، وفي مقدمتهم الخضر لمؤانسته وتحيته، وأن السيف خاطبه وناجاه، ولو أراد لامتنع السيف عنه، ولو شاء لهدم بغداد على البغاة، ولكن الخضر والأقطاب طالبوه بأن يموت شهيدًا كما مات ابن عفان، وأن لا يخلع أبدًا الخلافة الباطنية، كما لم يخلع ابن عفان الخلافة الظاهرية.

ذلك تصوير الحلَّاج لموقفه ولمصرعه، وذلك نشيده يوم الهول، وليلة الموت!

عجائب يوم المصرع

يقول ابن خفيف:٥٥ «تقدمت إليه في الليلة التي صُلب فيها، فلما رأيته على خشبته بحالته، توليت وأنا مفكرٌ في أمره! فإذا به يناديني: أن أقبل، فأقبلت إليه، فقال لي: عاملناه بالحقيقة، فعمل بنا ما ترى!»

ومضى الليل الطويل بهوله، وجاء اليوم الثالث بعذابه، ومع الفجر طافت جموع الشعب ببغداد، تُحطِّم وتدمِّر، وتطالب بإنقاذ الحلَّاج، أو بإنقاذ ما تبقى منه!

وارتعد الخليفة وجبن، وأسرع إليه حاجبه نصر القشوري، ووالدته — شغب — ينذرانه عاقبة المأساة الحلَّاجية، ويناشدانه باسم الدين والإنسانية، العفو عن الجسد الممزَّق، والبطل المصلوب، الذي توشك الدماء السائلة منه أن تدفع ببغداد إلى ثورةٍ مدمرةٍ تطيح بكلِّ شيءٍ.

وخضع المقتدر للرجاء، أو خضع للخوف، فاعتزم العفو، وبلغ مسمع حامد ما يدور في القصر، فأسرع إلى الخليفة يناشده أن يتم ضربته الكبرى، منذرًا بأن العفو في هذه الساعة الحاسمة قد يلهب بغداد أكثر مما يلهبها القتل!

ثم صاح حامد: اقتله يا أمير المؤمنين، وفي عنقي دمه، اقتله وإن حدثت الثورة التي يتنبأ بها نصر فاقتلني، اقتله قبل أن تثور العاصفة!

وبين التردد والعزم، صدر الأمر الأخير من فم الخليفة: اقطعوا رأس الحلَّاج، وأحرقوا جسده!

يقول ماسنيون:٥٦ «وبينما كان الثائرون يحرقون بعض الدكاكين، وقد أبطأ أمر الخليفة المعتاد بالإجهاز عليه، كان حامد يستحث المقتدر على الموافقة على الأمر بالإعدام، قائلًا: إن أصابك شيءٌ فاقتلني.»
ويقول ابن كثير:٥٧ «فلما كان اليوم الثالث، تقدم حامد إلى الخشبة، فتلا أمر الخليفة، ثم قرأ فتوى الفقهاء، بأن في قتل الحلَّاج صلاحَ أمر المسلمين! ثم أمر الجلاد بقطع رأسه والإجهاز عليه.»
ويقول الحلواني:٥٨ «قدم الحلَّاج للقتل وهو يضحك، فقلت: يا سيدي ما هذا الحال؟ فقال: دلال الجمال الجالب إليه أهل الوصال.»
ويقول عيسى القصار:٥٩ «آخر كلمةٍ تكلم بها الحلَّاج عند قتله وصلبه أنه قال: حسب الواجد، إفراد الواحد له، فما سمع بهذه الكلمة أحدٌ من المشايخ، إلا رقَّ له واستحسن هذا الكلام.»
ويقول ابن خفيف:٦٠ «ثم ضُرب عنقه، فبقي جسده ساعتين من النهار قائمًا، ورأسه بين رجليه، وهو يتكلم بكلامٍ لا يُفهم، فكان آخر كلامه، أحدٌ، أحدٌ. فتقدمت إليه، فإذا بالدم يخرج منه ويكتب على الأرض: الله، الله، في أحد وثلاثين موضعًا، ثم أُحرق بالنار!»
ويقول العلامة المناوي:٦١ «ولما وقع دمه على الأرض، كتب: الله، الله، إشارةً لتوحيده، وإنما لم يكتب دم الحسين بن علي — رضي الله عنهما — ذلك؛ لأنه لا يحتاج لتبرئةٍ بخلاف الحلَّاج.»
ويقول ابن الجوزي:٦٢ «ولم يبقَ ببغداد إلا من شهد قتله، والتفت إلى الناس وهو على الجذع — قبل قتله — وقال: من حضر بطلت شهادته، ومن غاب قبلت شهادته، وناداه بعض الصوفية وهو مصلوبٌ: من طلق الدنيا كانت الآخرة حليلته.»
ويروي ابن أنجب الساعي عن الشيرازي، أنه قال:٦٣ «لما صُلب الحلَّاج بقي ثلاثة أيامٍ لم يمت، فأنزلوه وفتشوه، فوجدوا معه ورقةً مكتوبةً بخطه، وفيها آية الكرسي، وبعدها هذا الدعاء: اللهم ألقِ في قلبي رضاك، واقطع رجائي عمن سواك، وأعني باسمك الأعظم، وأغنني بالحلال عن الحرام، وأعطني ما لا ينبغي لأحدٍ غيري «بحم عسق»، وأمتني شهيدًا «بكهيعص».»

ثم لُف جسده في باريةٍ، وصُبَّ عليه النفط وأُحرق، وحمل رماده على رأس منارةٍ لتنسفه الريح، في السادس والعشرين من ذي القعدة، سنة تسع وثلاثمائة ﻫ / ٢٦ مارس ٩٢٢م.

ونُصب رأسه يومين على الجسر ببغداد، ثم طِيف به في خراسان، ثم أخذته أم الخليفة المقتدر، فحنطته وعطرته، وأبقته في خزانتها عامًا كاملًا.

مشاهد روحية

ويروي ماسنيون:٦٤ «أن الشبلي رأى الحلَّاج في المنام بعد قتله، فقال له: ما فعل الله بكَ؟ قال: أنزلني وأكرمني، قال: في أي محلٍ؟ قال: قد غفر لكلتا الطائفتين، المشفقين عليَّ، والمعادين لي، فأما من أشفق عليَّ فلأنه عرفني، فأشفق علي لله، وأما من عاداني، فلأنه لم يعرفني، فعاداني لله أيضًا، فهما معذورون!»
وتروي المخطوطات الصوفية:٦٥ «أن أخته ظلت تبكي عليه أمدًا، ثم نامت ذات ليلةٍ، فرأت في المنام أخاها حسينًا، وهو يقول لها: يا أختي إلى كم تبكين عليَّ؟! فقالت له: كيف لا أبكي وقد جرى عليك الذي جرى؟! فقال لها: يا أختي لما قطعوا يدي ورجلي كان قلبي مشغولًا بالمحبة، فلم أدرِ إلا هي طيبةٌ! فلما صلبوني كنت مشاهدًا ربي، فلم أدرِ ما فعلوا بي! فلما أحرقوني نزلت عليَّ ملائكة ربي من السماء، صباح الوجوه، فاختطفوني إلى تحت العرش، وإذا بالنداء من العلي الأعلى: يا حسين، رحم الله من عرف قدره، وكتم سره، وحفظ أمره، فقلت: أردت التعجيل إلى رؤيتك، فقال: تملأ بالنظر، فإني لا أحتجب عنك.

يا أختي إذا كنت في رياضٍ وبساتين، وأثمارٍ وأنهارٍ، هل يطلب أحدٌ بدل ذلك العمار هذا الخراب؟ قالت: لا، قال: كذلك أرى.»

بين محيي الدين والحلَّاج

ويحدثنا العلامة المناوي عن مشهدٍ روحيٍّ بين الحلَّاج والشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي.

فقد سأل محيي الدين الحلَّاجَ في عالم الروح، قائلًا: لماذا تركت بيتك يخرب؟!

فتبسم الحلَّاج وقال: «لما استطالت عليه أيدي الأكوان، حين أخليته، وخلفت هارون في قومي، استضعفوه لغيبتي، فأجمعوا على تخريبه، فلما هدموا من قواعده ما هدموا، وكنت قد فنيت، رددت إليه بعد الفناء، فأشرفت عليه، وقد حلَّت به المثولات، فأنِفتْه نفسي، وقلت: لا أعمر بيتًا تحكمت فيه الأكوان، فانقبضت عن دخوله، فقيل: مات الحلَّاج! والحلَّاج ما مات، ولكن البيت خرب، والساكن ارتحل.»٦٦

وهو مشهدٌ روحيٌّ، يلقي بالأضواء على حياة الحلَّاج، وعلى أسرار مصرعه.

فمحيي الدين يعاتب الحلَّاج، على أنه قد كشف من الأسرار الروحية ما مكَّن خصومه من دمه، كما يعاتبه أيضًا على أنه استسلم لمصرعه، ولم يحاول النجاة منه.

والحلَّاج في إجابته يروي قصته كاملةً، فهو يتحدث عن سيره في الطريق المضيء إلى الله، ورحلته الروحية على أجنحة الحب والوجد، من الأكوان إلى المكوِّن سبحانه. لقد حاول في تجربةٍ روحيةٍ فذةٍ، أن يصل إلى مرتبة الفناء الكامل.

الفناء عن نفسه، وعن كونه، ليبقى في عالم النور والمشاهدة، وليظفر بمقام الإنسان الرباني، الذي يكون الله جلَّ جلاله هو سمعه وبصره، ويده ولسانه، وحركاته وسكناته.

وبذلك يذوق مذاقًا من القرب، أو مذاقًا من الحب، يفني بشريته، فيحقق بهذا الفناء وثبةً بالإنسان إلى أعلى أفقٍ يتطلع إليه، أفق القرب، إلى أبعد حدود القرب، بين العبد والرب، والحلَّاج هو أجرأ وأقوى من حاول هذه التجربة في عالم التصوف.

ثم يقول الحلَّاج: «إنه في جهاده الروحي، لم يستطع أن يتخلص تمامًا من جسده، ومن العلاقات التي للكون على هذا الجسد!»

فرحل بروحه إلى الله، وترك العقل أو بقيةً منه، ليخلفه في تدبير هذا الجسد، كما رحل موسى عليه السلام إلى الله، وترك هارون في قومه ليخلفه فيهم.

وهنا تحكمت الأكوان في جسده، لغيبته عنه، واستضعفوا خليفته، فأدى ذلك إلى تقويضه.

ولما كان الحلَّاج قد فنى عن نفسه، وبقي بربه، رد بحكم البقاء بعد الفناء إلى البيت — الجسد — فلما وجد أن الأكوان قد تحكمت فيه، وحلَّت به المثولات، أَنِفته نفسه، ومن ثمَّ زهد هذه الحياة، فزهدته الحياة، فكان العذاب، وكان القتل أبشع ما يكون القتل.

وانقبض الحلَّاج عن دخول البيت، وقيل مات الحلَّاج! وما مات الحلَّاج! ولكن البيت خرب! والساكن ارتحل! ارتحل إلى البقاء والخلود.

(٢-١١) في أعقاب المصرع

وفي أعقاب المصرع انطلق خيال بغداد، ليضفي على البطل الشهيد نسيجًا أسطوريًّا من أنسجة القداسة والخلود.

وإن لم يتسق هذا النسيج الموشَّى مع الحقيقة، فإنه ليرشد ويومئ إلى صورٍ من الحب والإجلال خفق بها قلب بغداد، وهي تبكي بطلها الشهيد.

يقول ابن خلكان:٦٧ «وجعل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يومًا!»

واتفق أن دجلة زادت في تلك السنة زيادةً وافرةً، فادعى أصحابه أن ذلك بسبب إلقاء رماده فيها.

ويقول ابن كثير:٦٨ «وادعى بعض أصحابه أنه لم يُقتَل! وإنما ألقى شبهه على عدوٍ له!»

ثم أخذ تلاميذ الحلَّاج يكوِّنون في الخفاء جماعاتٍ روحيةً حلاجيةً، تتدارس تعاليمه، وتحافظ على تراثه، وتحاول جاهدةً أن تبقي ذكراه حيةً ناميةً في ضمير التاريخ، متحديةً في ثباتٍ، وفي فدائيةٍ الخلافة العباسية، بكل ما لها من سلطانٍ ساحقٍ، ونفوذٍ لا يقاوم.

١  شخصيات قلقة في الإسلام، للدكتور عبد الرحمن بدوي، ص٧١.
٢  شخصيات قلقة في الإسلام، ص٧٥.
٣  شخصيات قلقة في الإسلام، ص٧٥.
٤  البداية والنهاية، ج١١، ص١٤٠.
٥  تاريخ بغداد، ج٨، ص١٣٤.
٦  تاريخ بغداد، ج٨، ص١٢٤.
٧  البداية والنهاية، ج١١.
٨  الكواكب الدرية للمناوي، ج٢، ص٢٦.
٩  المحاكمات الكبرى.
١٠  يقول الأستاذ أحمد أمين في كتابه «ظهر الإسلام»، ج٢، ص٧٠: «وكانت الدولة في أيامه مقسمةً إلى ثلاثٍ: فالدواوين والكتابة في يد الفرس، والخلافة والقضاء في يد العرب، والجندية والعسكرية بيد الترك، وهذه السلطات الثلاث تتعارض وتتآمر، وكلُّ فرقةٍ تدس لغيرها الدسائس.»
١١  شخصيات قلقة في الإسلام.
١٢  تاريخ بغداد، ج٨، ص١٣١.
١٣  شخصيات قلقة في الإسلام، ص٧٥.
١٤  تاريخ بغداد، ج٨، ص١٢٨.
١٥  لم يبين لنا كتابٌ من كتب التاريخ هذا الاعتقاد، ولم يذكر لنا التاريخ مَن هم هؤلاء الفقهاء، إنه الغموض الهادف الذي فرضه العباسيون على الحلَّاج وتاريخه.
١٦  يقول العلامة ابن كثير في البداية والنهاية، ج١١، ص١٤٤، في ترجمته لابن عطاء وهو يتحدث عن عباداته: «وكان أبو العباس يقرأ في كل يومٍ ختمة، فإذا كان شهر رمضان قرأ كل يومٍ وليلةٍ ثلاثَ ختماتٍ، وكان له ختمةٌ يتدبرها ويتدبر معاني القرآن فيها، فمكث فيها سبع عشرة سنة، ومات ولم يختمها.»
١٧  تاريخ بغداد، ج٨، ص١٣٦.
١٨  تاريخ بغداد، ج٨، ص١٣٤-١٣٥.
١٩  أخبار الحلَّاج، طبع باريس، ص٩٠.
٢٠  أخبار الحلَّاج، طبع باريس، ص١٠١-١٠٢، وكتابه بداية حال الحلَّاج ونهايته لابن باكويه، وسيرة ابن عفيف.
٢١  صحفٌ فيها كلماتٌ للحلاج، ويرى ماسنيون أنها كتاب طاسين الأزل.
٢٢  تاريخ بغداد، ج٨، ص١٣٧-١٣٨.
٢٣  تاريخ بغداد، ج٨، ص١٣٩.
٢٤  تاريخ بغداد، ج٨، ص١٣٥.
٢٥  تاريخ بغداد، ج٨، ص١٣٦-١٣٧.
٢٦  تاريخ بغداد، ج٨، ص١٣٨.
٢٧  شخصيات قلقة في الإسلام، للدكتور عبد الرحمن بدوي، ص٧٧.
٢٨  من مخطوطات الحلَّاج نشر ماسنيون، باريس.
٢٩  تاريخ بغداد، ج٨، ص١٤٠.
٣٠  شخصيات قلقة، ص٧٧.
٣١  تاريخ بغداد، ج٨، ص١٤١-١٤٢.
٣٢  أخبار الحلَّاج، طبع باريس.
٣٣  أخبار الحلَّاج، طبع باريس.
٣٤  البداية والنهاية، لابن كثير، ج١١، ص١٤١-١٤٢.
٣٥  الرياح.
٣٦  أخبار الحلَّاج.
٣٧  أخبار الحلَّاج.
٣٨  أخبار الحلَّاج، طبع القاهرة، ص١٠-١١.
٣٩  المتجلي والمتخلي: المنزه عن الجهة والمكان، سبحانه وتعالى.
٤٠  النثرين: هو زهرة أنف الأسد، وقد أخطأ الرواة فكتبوها التنين.
٤١  ديوان الحلَّاج.
٤٢  منشوراتٌ صوفيةٌ لماسنيون.
٤٣  ديوان الحلَّاج.
٤٤  البداية والنهاية، ج١١.
٤٥  منشوراتٌ صوفيةٌ.
٤٦  البداية والنهاية، ج١١.
٤٧  تاريخ بغداد، ج٨.
٤٨  أخبار الحلَّاج، ص٥٦.
٤٩  ديوان الحلَّاج، طبع باريس.
٥٠  ديوان الحلَّاج، ص٧٢، طبع باريس.
٥١  ديوان الحلَّاج، ص٨٥، طبع باريس.
٥٢  ديوان الحلَّاج، ص٥١، طبع باريس.
٥٣  شخصيات قلقة، ص٨٢.
٥٤  نُشرت هذه القصيدة لأول مرةٍ بسوريا، ثم نشرها ماسنيون في ديوان الحلَّاج في طبعته الثانية عام ١٩٥٥، وسننشرها في موضعها من هذا الكتاب.
٥٥  منشوراتٌ صوفيةٌ، طبع باريس.
٥٦  شخصيات قلقة، ص٧٧.
٥٧  البداية والنهاية، ج١١.
٥٨  الكواكب الدرية، للمناوي، ج٢.
٥٩  اللمع، للسراج الطوسي.
٦٠  أخبار الحلَّاج، طبع باريس.
٦١  الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية، للمناوي، ج٢، ص٢٥.
٦٢  مرآة الزمان، للسبط ابن الجوزي.
٦٣  أخبار الحلَّاج، طبع باريس، ص٢٤.
٦٤  شخصيات قلقة في الإسلام، ص٧٧-٧٨.
٦٥  مخطوطاتٌ صوفيةٌ، نشر ماسنيون، باريس.
٦٦  الكواكب الدرية، ج٢.
٦٧  وفيات الأعيان، ج١، ص٤٠٧.
٦٨  البداية والنهاية، ج١١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١