الحلَّاج والحب الإلهي

مفتاح شخصية الحلَّاج هو حبه الإلهي، فهو سمته وطابعه، وهو الذي شكَّل ملامحه الروحية، وكوَّن معارفه الذوقية، وهو معراجه الذي صعد عليه، مستهدفًا الوصول إلى شيءٍ يدق على التعبير، ويسمو على التصور والتصوير، إلى الفناء في المحبوب الأسمى، فناءٌ يمنحه الخلود والبقاء، ويضفي عليه بهاء الرجل الإلهي.

عاش الحلَّاج بالحب وللحب، فهو قوته الروحي، وغذاؤه القلبي، وهو ملهب أشواقه، ومبدع مواجيده، ومطلق ألحانه، وهو أفقه الفسيح المتلألئ، الذي تترقرق فيه الأنوار، وتتجلى فيه الأسرار.

والحب هو التصوف، والتصوف هو الحب، ولقد حاول رجال المنهج الصوفي قديمًا وحديثًا أن يعرفوا التصوف، فابتدعوا وابتكروا كلماتٍ مضيئةً، تعبر عن الأخلاق، وعن الزهد، وعن التسامي، وعن العبادة، ولكنها عندي جميعًا إنما تعبر تعبيرًا جزئيًّا لا يصور المنهج الصوفي، ولا يحيط به.

فالتصوف في جوهره هو الصلة الدائمة اليقظة الحية بالله، هو محاولةٌ تجريبيةٌ لعودة الإنسان، بكل جزئيةٍ في كيانه الروحي، إلى مبدعه ومولاه.

هو إيقاظ عين القلب، لتتفتح بكل طاقاتها التي أودعها الله فيها، لتكون مبصرةً في عالم المشاهدة، فترى الله في كل شيءٍ، ومع كل شيءٍ، وقبل كل شيءٍ.

والصوفي في تجربته الكبرى مسافرٌ في ملكوت السماء والأرض، يسلك طريقًا روحيًّا تتوالى فيه وتتابع الأحوال والمقامات، بإلهاماتها وأذواقها ومعارفها، حتى يصل من المقام الأول، مقام التوبة، إلى المقام الأعلى، مقام الفناء بالله والبقاء به، ليغدو ربانيًّا سمعه بالله، وبصره بالله، وكل ما يصدر عنه، وينبثق منه، ويتحرك فيه، إنما هو لله وبالله.

وبراقه الصاعد، ومعراجه ودليله وهاديه في طريقه، هو حبه لربه، ذلك الحب الذي يحرق فيه كل ما هو ترابيٌّ، ليبقى كل ما هو روحيٌّ ربانيٌّ.

ذلك الحب الذي يغسل قلبه من الدنيا، ويطلق كنوز روحه العليا، ويمنحه مذاقات الأنس والقرب، وما إلى الأنس والقرب من هبات التجربة الصوفية وعطاياها.

ذلك الحب هو عنوان التصوف، وهو البذرة الأم، التي نمت منها أغصانه، وانبثق زهره، وأينع ثمره.

وقد جعل الصوفية من هذا الحب فلسفةً تحيط بكل شيءٍ في الكون، وتمتد أجنحتها إلى كل أفقٍ في الحياة.

فلسفةٌ تمسح من وجه الكون الكبير قناعه المادي، لتحيل الكون جميعه إلى أرواحٍ حساسةٍ عابدةٍ مسبحةٍ؛ لأنها بالحب خُلقت، وبالحب قامت، وبالحب تسبح وتهتف.

ثم تمشي إلى الأخلاق الإنسانية، فتنفخ فيها من روح الله، وتسمو بها إلى هداه ورضاه.

يقول جلال الدين الرومي، شاعر التصوف الفارسي: «الحب دواء كبريائنا وغرورنا بأنفسنا، وهو الطبيب لضعفنا كله، ومن استعار الحبُّ ثوبَه، برئ أصالة من كل إثرته.»١

وعلى قدر محبة الصوفي لربه، تكون محبته لعباده ولكونه، بكل ما فيه، وبكل ما ينطوي عليه.

والحب الإلهي يضفي على الكون الجمال المطلق: الله نور السموات والأرض، ويضفي على أحداث الحياة الرضا، فكل شيءٍ جميلٍ؛ لأنه من قضاء الله، ومن إرادته، وقضاء الحبيب حبيبٌ.

والحب كما يقول الصوفية: «هو سكر المشاهدة، وشجاعة الباذل، وإيمان الولي، والأصل الأصيل للتحقق الخلقي، والإدراك الروحي، هو نبذ النفس وتضحيتها، والتخلي عن كل مملوكٍ من مالٍ أو جاهٍ، أو إرادةٍ أو حياةٍ، وعن كل ما يضنُّ به الناس، لوجه المحبوب، دون تفكيرٍ في جزاءٍ.»٢

والحب الإلهي هو المصدر الحقيقي الذي استمدت منه الموجودات وجودها، وهو سبيل المعرفة العليا، فإذا فنيت النفس عن أوصافها بالحب، انكشفت لها الأسرار، ورفعت عنها الأستار.

يقول المستشرق جولد زيهر:٣ «فمحبة الله هي إذن خلاصة ما انتهى إليه هذا المجهود المركَّز الذي بذلته أرواح الصوفيين، لكي يفنى خيال الوجود الشخصي في حقيقة الكائن الإلهي، الشاملة لكل شيءٍ، وقد أنتجت هذه الفكرة في كافة لغات الأمم الإسلامية الراقية أدبًا شعريًّا يعد في مرتبة الدرر الفريدة في الأدب العالمي، وهذه الفكرة العامة كانت أساسًا فلسفيًّا كافيًا لأن يدعم حياة النسك والتصوف.»

والحب الإلهي ليس شرعةً عامةً للناس جميعًا، إنما هو هبة الله للصفوة المختارة، التي سبق له منها الحسنى.

قيل لمعروف الكرخي: «أخبرنا عن المحبة أي شيءٍ هي؟ قال: يا أخي ليس المحبة من تعليم الناس، المحبة من تعليم الحبيب.»٤
ويقول أبو يزيد البسطامي: «توهمت أني أذكره وأعرفه وأحبه وأطلبه، فلما انتهيت رأيت ذكره سبق ذكري، ومعرفته سبقت معرفتي، ومحبته أقدم من محبتي، وطلبه لي أولًا حتى طلبته.»٥
ويقول الإمام الغزالي:٦ «إن لله تعالى شرابًا يسقيه في الليل قلوب أحبائه، فإذا شربوا طارت قلوبهم في الملكوت الأعلى، حبًّا لله تعالى، وشوقًا إليه.»
وسُئل أبو سعيد الخراز عن المحبة، فقال: «طوبى لمن شرب كأسًا من محبته، وذاق نعيمًا من مناجاة الجليل وقربه، بما وجد من اللذات بحبه، فمُلئ قلبه حبًّا، وطار بالله طربًا، وهام به اشتياقًا، فيا له من رامقٍ، أسف بربه، كلف دنفٍ، ليس له سكنٌ غيره، ولا مألوفٌ سواه!»٧

ويقول أبو القاسم الجنيد: «سألني السري السقطي يومًا عن المحبة؟ فقلت: هي الموافقة، وقال قومٌ: الإيثار، فأخذ السري جلدة ذراعه ومدها فلم تمتد! ثم قال: وعزته تعالى لو قلت: إن هذه الجلدة يبست على هذا العظم من محبته لصدقت، ثم غُشي عليه.»

ويقول جلال الدين الرومي عن الحب: «هو الكحل الذي تكتحل به عين القلب فينجلي بصرها.»٨

والحب في منطق الصوفية هو أسمى العبادات وأزكاها، وهو معراج المعرفة، وبراق القرب، يقول فريد الدين العطار: «ما لم أتجه بقلبي إليك أعد صلاتي غير جديرةٍ بأن تعد صلاةً.»

ويقول الشبلي: «لأن تحس أنك واحدٌ مع الله خيرٌ من عبادة الناس جميعًا، من بدء الدنيا إلى غايتها.»

والحب الإلهي في التصوف الإسلامي يدين للحلاج دينًا كبيرًا، فقد ترك في المحبة وما يتصل بها، ويدور حولها ثروةً خصبةً حيةً غدت مادة الصوفية في هذا المنهج، ودستورهم المتلألئ في هذا الأفق.

بل يرى ماسنيون: أن الحلَّاج هو الشخصية الكاملة التي تمثل أصدق تمثيلٍ أسمى ما وصل إليه الحب الإلهي في التصوف الإسلامي.

ويقول نيكلسون:٩ «لقد نمت على يد الحلَّاج أكبر حركة تطورٍ في تاريخ التصوف، فهو المبتكر الأول للمصطلحات الصوفية، التي وسعت آفاق التصوف، وهو الذي جعل من الحب الإلهي فلسفةً كاملةً، ومنهجًا متماسكًا، وأن كل من جاء بعده إنما كان ينسج ويقلد.»
ويقول الأستاذ عبد الحكيم حسان، متحدثًا عن نمو التصوف وتطوره، من الزهد إلى المحبة:١٠ «أما حين انتهى أمر الحب الإلهي إلى الحلَّاج، فإنه اتخذ شكلًا قويًّا لما رتب عليه الحلَّاج من مذاهب صوفيةٍ كثيرةٍ؛ فقد تكلم صراحةً في اتحاد المحب بالمحبوب، اتحادًا يزيل صفة البشرية عن المحب، باستبداله بصفاته صفات الله عزَّ وجلَّ، وصحب هذا كلامٌ في اللاهوت والناسوت لأول مرةٍ في تاريخ التصوف.

كما استتبع كلامه في الحب الإلهي كلامًا آخر في — النور المحمدي — لأن من أحب الله فقد أحب حبيبه محمدًا، وانتهى به كلامه في الحب إلى القول بوحدة الأديان.

وهكذا ترك الحلَّاج في الحب الإلهي وما يتصل به ثروةً ضخمةً من بين منظومٍ ومنثورٍ.»

ويقول المستشرق بروان: «كان ظهور الحلَّاج إيذانًا ببدء مرحلةٍ جديدةٍ في التصوف الإسلامي، نثره وشعره على السواء، خاصةً في الحب الإلهي.»

ولا جدال في أن أخلد صفحات الحب الإلهي في التصوف الإسلامي هي الصفحات التي كتبها الحلَّاج نثرًا ونظمًا، كتبها بذوب قلبه، وبقطرات روحه، وبأشد حرقةٍ ووجدٍ، عُرفا عن محبٍّ أفنى وجوده وكيانه وروحه في محبوبه الأسمى.

يقول الحلَّاج: «حقيقة المحبة، قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك والاتصال بأوصافه.»

لقد استهدف الحلَّاج بحبه الفناء الكامل، ليخرج من بشرية صفاته، إلى بهاء التحلي بأوصاف القدس الأعلى.

استهدف الارتفاع بالبشرية إلى مرتبة الحقيقة الربانية، التي يكمن وراء سترها المقدس سر الوجود، وسر الخلق.

فالخلق أصلًا برز من عالم الغيب بالحب، وخُلق بالحب، وتشكلت حقائقه وصفاته بالحب، ومن هنا أصبح الحب هو سرُّ الكون.

وبهذا الحب وحده يمكن الإنسان أن يتصل بالحقيقة العليا، وبالمعرفة العليا، وأخيرًا يمكنه به أن يحقق في ذاته الإنسان الكامل، الإنسان الذي يتخلى عن تُرَابِيَّتِه، ليتحلى ببهاء الرجل الرباني، الذي يعيش في فيضٍ من نور ربه وحبه.

يقول الحلَّاج: «كان الله قبل أن يخلق خلقه، يتحدث إلى نفسه في أحديته، حديثًا حمديًّا، وهو يتأمل روعة ماهيته، وتأمله لذاته في بساطةٍ هو الحب.

والحب في ماهيته هو ماهية الماهية، وهو فوق كل تشكلٍ بأشكال الصفات، وهكذا يحب الله ذاته في انفراده بحمد ذاته، ويتجلى في الحب.

وعن هذا التجلي الأول للحب، في المطلق الإلهي، ظهرت صفاته وأسماؤه.

فبالحب تجلى لنفسه في نفسه، فلما أحب أن يرى ذلك الحب بعيدًا عن الغيرية والثنوية في صورةٍ ظاهرةٍ، أخرج من العدم صورةً لها جميع صفاته وأسمائه، فكانت هذه الصورة الإلهية آدم الذي تجلى الحق فيه.»١١

وهذا ارتفاعٌ بالإنسان والإنسانية، تنبثق منه فلسفةٌ إيمانيةٌ ربانيةٌ، هي الفلسفة التي شكلت أبدع وأضوأ جوانب الحياة الروحية في تاريخ التصوف الإسلامي.

ومن هنا كانت نظرية الحلَّاج، التي اعتنقها الصوفية جميعًا، تلك النظرية التي جعلت الحب، والحب وحده هو المعراج الموصل لمعرفة الله.

يقول الحلَّاج: «لا سبيل إلى معرفة الله بالعلم، بل إن الحب هو الطريق إليها،؛ إذ ليست المعرفة الفكرية للقضاء الإلهي هي التي تقربنا من الله، بل إنما هو خضوع القلب للأمر الإلهي في كل لحظةٍ.»

ومن هنا يقول الحلَّاج: «ما من أحدٍ يعبد الله بفعلٍ يكون أحب إلى الله من حبه تعالى.»

وقد عبد الحلَّاج ربه سبحانه بهذا الحب، عبادةً حارةً مضيئةً أحاطت بحياته، وبثت فيها مذاقاتٍ وإلهاماتٍ، وعرضت على عين قلبه صورًا من التجليات والمشاهدات، جعلته في شوقه ووجده يحس إحساسًا روحيًّا بأنه مع من يحب، بل يحس إحساسًا لا شعوريًّا في حيرته وذهوله، أن بشريته قد احترقت وفنيت في هذا المحبوب الأسمى.

يقول ماسنيون:١٢ «وليس هناك من متصوفٍ أكثر عشرةً مع الله، يتصل في حديثه معه — أنا وأنت ونحن — دون إشارةٍ إلى رموز الحب البشري من الحلَّاج.»

ثم يقول: «وليس هناك من شعرٍ صوفيٍّ أشد حرارةً، وأكثر بعدًا عن المادة من شعر الحلَّاج.»

يقول الحلَّاج:١٣
تباركت مشيئتك يا ربي وسيدي
تباركت مشيئتك يا قصدي ومرادي
يا ذات وجودي وغاية رغبتي
يا حديثي وإيماني ورمزي
يا كل كلي يا سمعي ويا بصري
يا جميعي وعنصري وأجزائي

لقد فنى الحلَّاج عن كلِّ شيءٍ، وأعرض عن كلِّ شيءٍ، واستغرقه حبه لربه، استغراقًا جعله يحس بأن هذا الحب قد ملأ وجوده وقلبه وروحه.

إنه ليحب بكل ذرةٍ من ذرات جسده، وبكل طاقةٍ من طاقات روحه، حتى لم يعد كيانه كله إلا حبًّا وتجليًّا لمولاه وحبيبه.

حويتُ بكلِّي كلَّ حبك يا قدسي
تكاشفني حتى كأنك نفسي
أقلب قلبي في سواك فلا أرى
سوى وحشتي منه ومنك به أنسي
فهل أنا في حب الحياة مجمعٌ
من الأنس فاقبضني إليك من الحبس١٤
ثم يقول:١٥
مكانك من قلبي هو القلب كله
فليس لخلقٍ في مكانك موضع
وحطتك روحي بين جلدي وأعظمي
فكيف تراني إن فقدتك أصنع
ثم يهتف في ضراعةٍ باكيةٍ:١٦
يا موضع الناظر من ناظري
ويا مكان السر من خاطري
يا جملة الكل التي كلها
أحب من بعضي ومن سائري
تراك ترثي للذي قلبه
معلقٌ في مخلبي طائر
مدلهٌ حيران مستوحشٌ
يهرب من قفرٍ إلى آخر
يسري وما يدري وأسراره
تسري كلمح البارق الثائر
كسرعة الوهم لمن وهمه
على دقيق الغامض الغابر
في لج بحر الفكر تجري به
لطائف من قدرة القادر

والحلَّاج لا يكتم حبه، فأطيب الحب وأعذبه ما سار الحديث به، وتناقلته الرواة.

الحب ما دام مكتومًا على خطرٍ
وغاية الأمن أن تدنو من الحذر
وأطيب الحب ما تمَّ الحديث به
كالنار لم تؤتِ نفعًا وهي في الحجر
من بعد ما حضر الأحباب واجتمع الـ
أعداء واختط اسمي صاحبُ الخبرِ
أرجو لنفسي بُرءًا من محبتكم
إذا تبرأت من سمعي ومن بصري١٧

وهو قلقٌ في حبه، تتقاذفه أمواج الوجد والشوق، إلى محيطاتٍ ليس لها شطٌّ.

ما زلت أطفو في بحار الهوى
يرفعني الموج وأنحطُّ
فتارةً يرفعني مَوجُها
وتارةً أهوى وأنغطُّ
حتى إذا صيرني في الهوى
إلى مكانٍ ما له شطُّ
ناديت يا من لم أبُح باسمه
ولم أخنه في الهوى قطُّ
تقيك نفسي السوء من حاكمٍ
ما كان هذا بيننا شرطُ١٨

والحلَّاج في حبه يخاطب محبوبه الأسمى مواجهةً، يقول ماسنيون: «إن أسلوب الحلَّاج في الحب أسلوبٌ مجردٌ من المظاهر المادية، فهو لا يستعمل الطريقة الرمزية — ليلى، لبنى — التي تتخذ شكلًا من أشكال الحب الدنيوي.»

سكنت قلبي وفيه منك أسرارُ
فليهنئك الدار بل فليهنئك الجارُ
ما فيه غيرك من سرٍّ علمتُ به
فانظر بعينك هل في الدار ديارُ
وليلة الهجران طالت وإن قصرت
فمؤنسي أملي فيها وتذكارُ
إني لراضٍ بما يرضيك من تلفي
يا قاتلي ولما تختار أختارُ١٩

ثم يوغل الحلَّاج في حبه، وفي قربه، وفي طاعته، وفي أنسه بربه، حتى يكون الله سبحانه بصره وسمعه، ويده وبدنه، فيهتف في نشوة وجده، وحرقة فنائه:

لبيك لبيك يا سِرِّي ونجوائي
لبيك لبيك يا قصدي ومَعنائي
أدعوك بل أنت تدعوني إليك فهل
ناديتُ إياك أم ناجيت إيَّائي
يا عينَ عينِ وَجودي يا مدى هِمَمي
يا منطقي وعباراتي وإعيائي
يا كلَّ كلِّي ويا سمعي ويا بصري
يا جملتي وتباعيضي وأجزائي
يا من به عَلِقتْ روحي فلقد تَلِفتْ
وجدًا فصِرتُ رهينًا تحت أهوائي
أبكي على شجني من فرقتي وطني
طَوعًا ويسعدني بالنوح أعدائي
أدنو فيبعدني خوفي فيُقلِقني
شوقٌ تمكَّن في مكنون أحشائي
فكيف أصنع في حبٍّ كَلِفتُ به
مولايَ قد ملَّ من سُقمي أطبائي
قالوا تداوَ به منه فقلت لهم
يا قوم هل يتداوى الداءُ بالدائي
حبِّي لمولاي أضناني وأسقمني
فكيف أشكو إلى مولاي مولائي
إني لأرمُقُه والقلب يعرفه
فما يترجم عنه غير إيمائي
يا ويح روحي من روحي فوا أسفي
عليَّ مني فإني أصل بلوائي
كأنني غَرِقٌ تبدو أنامله
تغوُّثًا وهو في بحرٍ من الماء
وليس يعلم ما لاقيت من أحدٍ
إلا الذي حلَّ مني في سويدائي
يا غاية المسئول والمأمول يا سكني
يا عيش روحي يا ديني ودنيائي
قل لي فديتك يا سمعي ويا بصري
لماذا اللجاجة في بعدي وإقصائي
إن كنت بالغيب عن عيني محتجبًا
فالقلب يرعاك في الإبعاد والنائي٢٠

ويمشي خطواتٍ على لهيب وجده المقدس، معتزًّا فخورًا بتحليقاته التي عجزت عنها أجنحة المحبين من قبل.

لقد وسم الحب قلبه بميسم الشوق العنيف الجبار، حتى غاب عن شهود ذاته، لقد استغرقته أنوارٌ لا يرى معها سواها:

وخضت في لجِّ بحرٍ فكري
أمرُّ فيه كمرِّ سهم
وطار قلبي بريش شوق
مركبٍ في جناح عزمي
إلى الذي إن سُئلت عنه
رمزت رمزًا ولم أسمي
حتى إذا جزت كل حدٍّ
في فلوات الدنو أهمي
نظرت إذ ذاك في سجال
فما تجاوزت حد رسمي
فجئت مستسلمًا إليه
حد قيادي بكف سلْمي
قد وسم منه الحب قلبي
بميسم الشوق أي وسم
وغاب عني شهود ذاتي
بالقرب حتى نسيت اسمي٢١

وحُب الحلَّاج هو كل آماله وأحلامه، هو دينه ودنياه، إنه حبُّ قلبٍ أبصر فعشق فاحترق.

كانت لقلبيَ أهواءٌ مفرقةٌ
فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي
فصار يحسدني من كنت أحسده
وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي
ما لامني فيك أحبابي وأعدائي
إلا لغفلتهم عن عظم بلوائي
تركت للناس دنياهم ودينهم
شغلًا بحبك يا ديني ودنيائي
أشعلت في كبدي نارين واحدة
بين الضلوع وأخرى بين أحشائي

ثم يقول مترنمًا:

ولا هممت من شرب الماء من عطشٍ
إلا رأيت خيالًا منك في الماء
النار أبرد من ثلجٍ على كبدي
والسيف ألين من هجران مولائي٢٢

ومن مناجاته:

غبت وما غبت عن ضميري
وصرتَ فرجتي وسروري
وانفصل الفصل بافتراق
فصار في غيبتي حضوري
فأنت في سرِّ غيب همي
أخفى من الوهم في ضميري
تؤنسني بالنهار حقًّا
وأنت عند الدجى سميري٢٣

ومن ألحانه:

لي حبيبٌ حبه وسط الحشا
لو يشا يمشي على قلبي مشا
روحه روحي وروحي روحه
إن يشا شئت وإن شئت يشا٢٤

ومن ترنيماته:

مُزجتْ روحك في روحي
كما تمزج الخمرة بالماء الزلال
فإذا مسَّك شيءٌ مسَّني
فإذا أنت أنا في كلِّ حال٢٥

ومن مواجيده:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته
وإذا أبصرته أبصرتنا٢٦

وفي لحظات يقظته الروحية يشرح لنا في أدق عبارةٍ، وأبين منطقٍ، حقائق كلماته، في سبحات نشوته، واحتراقات وجده، ولحظات فنائه عن ذاته.

إنها كلماتٌ من استغراقات المشاهدة، لا تقصد لذاتها، وإنما تعبر في لحظات التجلي عن فناء صفاتها في لهيب وجدها، فلا ترى في الكون إلا هو سبحانه.

عجبت منك ومني
يا منية المتمني
أدنيتني منك حتى
ظننت أنك أني
وغبت في الوجد حتى
أفنيتني بك عني
يا نعمتي في حياتي
وراحتي بعد دفني
ما لي بغيرك أنس
من حيث خوفي وأمني٢٧

ومنهج الحلَّاج في الحب هو العذاب لا اللذة، هو التضحية، التضحية الكاملة بالنفس، وهذه التضحية هي أسمى درجات الحب؛ لأنها أكبر الآيات على صدق المحب في حبه.

يقول نيكلسون:٢٨ «أما الحلَّاج فيرى أن محبة الله لعباده ورحمته بهم فوق كل شيءٍ، وأن أساس المحبة التضحية، وأن المحب يجب أن يشقى من أجل محبوبه، من غير أن يسأل عن الأسباب، وأن الواجب على أولياء الله أن يتوجهوا إلى الله وحده، ويتحققوا بمعنى العبودية الكاملة، ويطيعوا أمره مهما كلفهم ذلك من عنتٍ وشقاءٍ.»
ويقول الحلَّاج:٢٩ «المحبة لذةٌ، والحق لا يتلذذ به؛ لأن مواضع الحقيقة دهشٌ وحيرةٌ!»

ثم يقول: «محبة العبد لله تعظيمٌ يحل الأسرار، فلا يستجيز تعظيم سواه، ومحبة الله للعبد هو أن يبليه فلا يصلح لغيره!»

١  الصوفية في الإسلام، لنيكلسون، ترجمة شريبة، ص١٠٨.
٢  نفس المصدر السابق، ص١٠٤.
٣  العقيدة والشريعة في الإسلام، ص١٥٦.
٤  قوت القلوب، للمكي، ج٣، ص١٠٠.
٥  الرسالة القشيرية، ص١٨٩.
٦  إحياء علوم الدين، باب المحبة.
٧  اللمع، لأبي نصر السراج الطوسي، طبع القاهرة.
٨  المثنوي، لجلال الدين، طبع مهران.
٩  في التصوف الإسلامي وتاريخه.
١٠  التصوف في الشعر العربي، ص٢٩٢.
١١  طاسين الأزل.
١٢  مقدمة الطواسين، طبع باريس.
١٣  الصوفية في الإسلام، ص١٥٠.
١٤  ديوان الحلَّاج، المقطوعة رقم٣٠.
١٥  ديوان الحلَّاج، المقطوعة رقم ٣.
١٦  ديوان الحلَّاج، المقطوعة رقم ٣.
١٧  ديوان الحلَّاج، مقطوعة ٢٤.
١٨  ديوان الحلَّاج، مقطوعة ٣٤.
١٩  ديوان الحلَّاج، مقطوعة ٢٣.
٢٠  ديوان الحلَّاج، المقطوعة رقم١.
٢١  ديوان الحلَّاج، ص٥٧، طبع باريس.
٢٢  ديوان الحلَّاج، طبع باريس.
٢٣  ديوان الحلَّاج، ص٦١.
٢٤  ديوان الحلَّاج، ص٦٩.
٢٥  الطواسين، ص١٣٤.
٢٦  المصدر السابق.
٢٧  ديوان الحلَّاج، ص٣٠.
٢٨  الصوفية في الإسلام، ص١٣٦.
٢٩  نفس المصدر، ص١١٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١