الفصل الحادي عشر

في تهذيب الإنسان لنفسه وما في ذلك من السهولة والصعوبة

قال كبن: لكل إنسان نوعان من التهذيب؛ الواحد يأخذه عن غيره، والآخر يعطيه لنفسه، والثاني أفضلهما.

وقال يوحنا هنتر: من تُوهِن المصاعب عزمه لا يفلح، ومن يتغلب عليها ينجح.

وقال رو الشاعر ما معناه: إنَّ الحكماء وأولي العزم يغلبون المصاعب، وأمَّا الحمقى والبلداء فيعتريهم الرعب حالما ينظرون المشقة والخطر، وهم يخلقون المصاعب.

***

قال السر ولتر سكوت: إنَّ أفضل معارف الإنسان ما اكتسبه بنفسه. وكان من عادة السر بنيامين برُودي أنْ يعجب بهذا الكلام، ويفتخر بأنه لم يدرس على أستاذ، وذلك يصدق على كلِّ الذين امتازوا في العلوم والفنون؛ لأن الإنسان لا يتعلم في المدارس إلَّا المبادئ، فإن علوم المدارس باب يدخله التلميذ، ومنه يستطرق باجتهاده إلى حياض المعارف، ومن بلغ هذه الحياض بجده فهو الخليق بورودها، ومن اقتيد إليها اقتيادًا كان استقاؤه منها كرهًا، ومن حصَّل علومه بجده كانت علومه ملكًا له. وقوى العقل تقوى باستعمالها حتى إذا حل الإنسان قضية بنفسه، تأهل لحل قضية أخرى وصار العلم فيه ملكة، وأفضل ما في الإنسان اجتهاده لنفسه، فإذا انتسخ منه هذا الاجتهاد لم تنفعه الكتب ولا المعلمون، ولا الدروس، ولا شيء غيرها.

وأفضل المعلمين أقربهم إلى الإقرار بأهمية التهذيب الذاتي، وأميلهم إلى إنهاض همة التلميذ؛ لكي يقرع باب جَدِّه بجدِّه، فتراهم على الدوام يدرِّبون تلاميذهم إلى اجتناء ثمار المعرفة بيدهم، وبذلك يرفعون شأن التعليم، ويحولونه من قواعد غثَّة ضيقة المبحث يراد طبعها في عقول التلامذة إلى أصول سامية المطلب، تنير عقل التلميذ وتدعوه إلى البحث والتنقير، وعلى هذا الأسلوب جرى الدكتور أرنلد الذي كان يعلم تلامذته أنْ يعولوا على نفوسهم ويمارسوا قواهم، ولم يكن عمله إلَّا تدريبهم وتشجيعهم وإنهاض همتهم، ومن قوله: إذا كان شيء يروق للنظر على وجه هذه الأرض، فيكون بركة الله على القوى الطبيعية المثقفة بالحق والغيرة. ويُروَى أنه لما كان في لَلْهام كان يعلِّم ولدًا غير نجيب فوبخه بصرامة، فالتفت الولد إليه، وقال له علامَ توبخني يا مولاي؟ أؤكد لك أنني باذل كل جهدي. فأثَّر فيه هذا الكلام تأثيرًا عميقًا، حتى قال بعد زمن طويل إنني لم أنس ذلك المنظر، وتلك الكلمات التي أثَّرت فيَّ تأثيرا لا يمحى بكرور الأيام.

ويظهر من الأمثلة المتقدمة في هذا الكتاب عن الناس الذين ارتقوا من الدرجات السفلى وامتازوا في العلوم والفنون، أنَّ العمل باليدين لا ينافي تهذيب العقل، بل يساعده ويقوي الجسم على احتماله، والعمل للجسد كالعلم للعقل، وأفضل الناس من له عمل في أوقات الراحة، وراحة في أوقات العمل، وكثيرون من الذين هم في غنًى عن العمل، يعكفون على عمل وإن لغير الربح، أو لمجرد التسلية مثل الذين يتولعون بالصيد وركوب الخيل، وقد جرت العادة الآن في مدارس أوروبا أنْ تُقام أماكن فسيحة لتمرين الطلبة على أنواع مختلفة من اللعب، والقصد من ذلك ترويض أعضائهم وتقويتها وتمرينها على الرشاقة، وفائدته أعظم من أنْ توصف. حُكي أنَّ ديوك ولنتون نظر مرة إلى ساحة لعب، رأى الأولاد يتمرنون على الألعاب، فقال: في هذه الساحة فزت بواقعة وطرلو. يريد أنه تمرن على اللعب صغيرًا، فقوي جسدًا وعقلًا حتى فاز على بونابرت في واقعة وطرلو الشهيرة.

قال دانيال ملثس لابنه وهو في المدرسة العالية: أودُّ جدًّا أنْ أراك مجتهدًا وناجحًا في كل دروسك التي توسع دائرة عقلك، ولكني أرغب أيضًا في أنْ أراك ناجحًا في اللعب وحركة الأعضاء؛ لأن كل معرفة سواء كانت طبيعية أو صناعية تلذ للعقل وتهذبه. ومثل ذلك ما قاله جرمي تيلر وهو: «تجنَّب الكسل والبطالة، ولا تستعفِ من عملٍ مهما كان شاقًّا؛ لأنه إذا كان العقل بطَّالًا والجسد في راحة وجدت الشرور إليه سبيلًا، وما من رجل بطَّال قوي البنية قدر على مقاومتها، ولا عمل أفضل من الأعمال الجسدية لمقاومة الشر.» هذا فضلًا عن أنَّ النجاح يتوقف على صحة الجسد أكثر مما يُظَن؛ لأنه ما من أحد يقدر على مزاولة أعماله إذا كان مريضًا أو منحرف المزاج. وقد تصيب طلبة العلوم شرور كثيرة من جري عدم الرياضية الجسدية، منها الضجر واليأس والخمول، واحتقار الحياة، والاستنكاف من السير في كلِّ سبيل مطروق، وتسمَّى هذه الصفة في إنكلترا بيرنزم (نسبة إلى اللورد بيرن)، وفي جرمانيا ورْتَرِم (نسبة إلى ورتر المشهور في خرافات الغوطبين بكاره الحياة)، وقد بيَّن الدكتور كنن أنَّ هذا الداء سارٍ في شبان أميركا بقوله: إنَّ كثيرين من شبابنا يتربون في مدارس اليأس، والعلاج الوحيد لهذا الداء العضال الرياضة الجسدية.

ثم إنَّ من الناس من يميل طبعًا إلى معاطاة الأعمال والحرف، وإنْ لم يكن مفتقرًا إليها، وإذا أخذت هذه القوة مفعولها تمكَّن منه هذا الميل عن صغر، حتى صار ملكة وأدَّى إلى نتائج معتبرة جدًّا، يُحكَى أنَّ السر إسحاق نيوتن المخلد الذكر لما كان في المدرسة، لم يكن نجيبًا كغيره من التلامذة، كان مكبًّا على استعمال القدوم والمنشار والمطرقة، حتى لم يُسمَع من مخدعه غير صوت هذه الآلات، وكان يقضي كلَّ الفرص وهو يعمل المطاحن الهوائية الصغيرة والمركبات والآلات المختلفة، ولما تقدَّم في السن صار يتسلَّى بعمل الموائد الصغيرة، ويهديها إلى أصدقائه. وسميتُن ووط وستفنسن كان كلُّ منهم حاذقًا في صغره بعمل الآلات، ولولا ذلك ما ارتقوا إلى ما ارتقوا إليه بعدئذٍ على ما يُظَن. وهكذا كان حال كلِّ المخترعين والمكتشفين المتقدم ذكرهم فيما مضى من هذا الكتاب، فإنهم كانوا كلهم مشهورين في صباهم بصناعة اليد، والذين ارتقوا من بين الفَعَلة وانتظموا في سلك العلماء، وجدوا نتيجة تمرنهم على أعمالهم الأولى في أعمالهم الأخيرة. قال إليهوبَرت: إنه وجد العمل الجسدي الشاق ضروريًّا لمداومة أشغاله العقلية. وكثيرًا ما كان يترك التدريس في المدرسة ويرتدي بمئزره الجلدي، ويذهب إلى مسبك الحديد ليعمل في حرفته الأولى؛ أي الحدادة لأجل استرداد صحته الجسديَّة والعقليَّة.

وإذا تربَّى الشبان على استعمال الأدوات استفادوا صناعة، وتعلموا استعمال أياديهم، واعتادوا على الأعمال الصحيَّة، وتربَّت فيهم ملكة محبة العمل، وكره البطالة، وانغرست فيهم سجية المواظبة. ونرى هذه الصفات متغلبة على الذين يمارسون الأعمال اليديَّة أكثر مما على غيرهم، ولا سبب لذلك إلَّا ما ذكر. وما من ضرر على الفعلة والصناع سوى أنهم يرتبطون بأعمالهم إلى درجة تجعلهم يهملون قواهم العقلية. فالموسرون يأنفون من الأعمال ويربون في الجهالة، والمعسرون يقتصرون على أعمالهم ولا يتخطونها إلَّا ما ندر فيبقون في جهلهم، إلَّا أنه يمكن اجتناب هذين الشرين باتحاد الأعمال الجسدية بالأشغال العقلية، أو باتحاد الترويض الجسدي بالتثقيف العقلي، وكثيرون قد سلكوا هذا السبيل في أوروبا وأميركا ونجحوا نجاحًا عظيمًا.

ونجاح طلبة العلم مثل المتفرغين للطب والفقه واللاهوت، يتوقف بنوع خاص على صحتهم الجسدية، ولقد أجاد بعض الإنكليز؛ إذ قال: «إنَّ شهرة كثيرين من رجالنا العظام هي عقلية وجسدية معًا.» فالقاضي والحاكم يحتاج كلٌّ منهما إلى رئة صحيحة كما يحتاج إلى عقل ثاقب؛ لشدة العلاقة بين الدم والدماغ، وما من أمر يتعرض له رجال السياسة مثل ضيق الصدر؛ لأنهم يقيمون في المجالس المزدحمة الفاسدة الهواء يتلون الخطب والمباحث المتوقفة تلاوتها على أعضاء الصوت والصدر، وقد يتعبون في ذلك أكثر مما يتعبون بأشق الأعمال، فعلى رَجُل السياسة أنْ يكون ذا قوة جسدية تضاهي قوته العقلية وتزيد عليها. وقد تمَّ هذا الشرط في بروَم، ولندهرست، وكمبل، وبيل، وكرهم، وبلمرستون وغيرهم من رحاب الصدور.

يُروَى أنَّ السر ولتر سكوت لما كان في مدرسة أدنبرج الكلية كان من أحذق الناس في الصيد وركوب الخيل، ثم لما أكبَّ بعدئذٍ على الإنشاء لم يترك هذين الأمرين، بل انتهز كلَّ فرصة لصيد الأرانب، فتمكن من مداومة أشغاله العقلية كما تقدَّم عنه، والأستاذ ولسن كان ماهرًا بالمصارعة، كما كان ماهرًا بالنظم والنثر، وبرنس الشاعر كان مشهورًا في صغره بالمصارعة، وبعض المشهورين في علم اللاهوت اشتُهروا في صغرهم بقوتهم الجسدية، مثل إسحاق برو، وأندراس فُلَّر، وآدم كلَرْك وغيرهم.

وإذا كان ترويض الجسد ضروريًّا لطلبة العلم، فكم بالأولى ترويض العقل وتقويته على الانصباب على أشغاله، وسبيل المعرفة مفتوح لكل من أراد السير فيه، بشرط أنْ يبذل جده واجتهاده، وليس فيه صعوبةٌ لا يمكن للإنسان الحازم أنْ يتغلب عليها. قال تشترتن: إنَّ الله خلق الإنسان بذراعين تصلان إلى كلِّ ما تمدان إليه. والاجتهاد أس النجاح في العلم وفي العمل، وقد قيل في المثل: «طرِّق الحديد ما دام حاميًا.» ولكن ذلك لا يكفي، بل يجب تطريقه حتى يَحْمَى، وإذا التفتنا إلى ما يستفيده المجتهدون المواظبون من تهذيبهم لذواتهم بانتهازهم كل فرصة وكل دقيقة مما يضيعه غيرهم سدًى انذهلنا من ذلك كل الانذهال، فإن فرغسون تعلم علم الهيئة وهو مرتد بجلود الغنم على رءوس التلال، وستون تعلم الرياضيات وهو يعمل في البستان، ودرو درس الفلسفة وهو يعمل في السكافة، وملر تعلم الجيولوجيا وهو يعمل في المقالع.

رأينا فيما مضى أنَّ السر يشوع رينلدز كان يركن إلى فعل الاجتهاد كل الإركان، وقال: إنَّ كل الناس يمكنهم أنْ يشتهروا في أيِّ أمر أرادوه، بشرط أنْ يلازموا ذلك الأمر بالاجتهاد والصبر. وقال أيضًا: إنَّ التعب طريق الموهبة، وإنَّ لا حدَّ للتقدم، فيمكن للإنسان أنْ يتقدم إلى أي درجة أرادها. وقد علَّق كل شيء على الاجتهاد، فمن جملة أقواله الحكمية: «الشهرة ثمرة الاجتهاد، وإذا كانت القوى عظيمة فالاجتهاد يحسنها، وإنْ كانت ضعيفة فالاجتهاد يجبر نقصها، ومن تعب على تحصيل أمر بطريقه حصَّله، ولا يُحصَّل شيء بلا تعب.» والسر فوَل بكستن كان يعتقد بفاعلية الاجتهاد، ويقول إنه قادر أنْ يحصِّل كلَّ ما حصَّله غيره، بشرط أنْ يتعب على تحصيله ضعف ما تعب ذاك. وكانت كل ثقته بوسائطه الاعتيادية وأتعابه النادرة المثال. وقال الدكتور رُس: «أعرف كثيرين من معاصريَّ الذين سيُعدُّون في الأزمنة المقبلة من أصحاب المواهب، وهم الآن يتعبون تعبًا جزيلًا في عمل كلِّ ما يعملونه. ولا تُعرَف الموهبة إلَّا بالعمل وهي بدونه ميتة. والأعمال العظيمة نتيجة التعب والمزاولة، ولا يمكن أنْ تتم بمجرد القصد أو الميل، وكل عمل عظيم هو نتيجة استعداد طويل، والسهولة في الأعمال تنتج من التعب الدائم، ولا شيء سهل إلَّا وقد كان صعبًا في أول أمره حتى المشي. والخطيب المفلق الذي عيناه تقدحان شررًا، وشفتاه تتدفقان بالبلاغة، وكلامه بحر من الحكمة والفهم، قد تعلم سرَّ هذه الصناعة بالدرس والتكرار الدائم بعد أنْ خاب مرارًا كثيرة.»

وعلى كل طالب علم أنْ يكون مدقِّقًا محققًا في كلِّ شيء يدرسه، يُروَى أنَّ فرنسيس هُرنر لمَّا وضع قواعد لتثقيف عقله، اعتنى كثيرًا بقاعدة الانعكاف على موضوع واحد، حتى يتقنه جيدًا قبل أنْ ينتقل إلى غيره؛ ولذلك حصر درسه في كتب قليلة، وقاوم صفة الانتقال من الدرس قبل إتقانه، ولا تقوم المعرفة بالمقدار الذي يحصله الإنسان منها، بل بالمنافع التي يجتنيها منها، ولذلك تفضل المعرفة القليلة العميقة على الكثيرة الرقيقة. قال إغناطيوس لويولا: «من يفعل جيدًا عملًا واحدًا في وقت واحد يفعل كثيرًا.» وأمَّا من بسط قوته على سطح متسع أضعف تأثيرها وتعذر نجاحه. أخبر اللورد سنت ليونردس السر فول بكستن بالطريقة التي جرى عليها في درسه، فكانت سر نجاحه بقوله: عزمت عندما شرعت في درس الفقه ألا أترك مسألة حتى أتقنها جيدًا، وكثيرون من أقراني كانوا يقرءون في يوم واحد ما أقرؤه أنا في أسبوع، ولكن عند نهاية السنة كانت دروسي في ذاكرتي كما كانت يوم درستها، وأمَّا دروسهم فكانت تذهب من عقولهم بذهاب الأيام.

ولا يصير الإنسان حكيمًا بكثرة الدروس، بل بتطبيقها على الغاية التي دُرست لأجلها، وحصر العقل في موضوع الدرس حتى يصير ملكة فيه. قال إبرنثي إنَّ في عقله قابلية إلى درجة معلومة، فإذا أدخل إليه أكثر مما يحتمل دفع ما فاض عنه إلى الخارج. وقال مرة أخرى: إنَّ من يعلم جيدًا ما يرغب فيه قلَّما يخيب في إيجاد الوسائط اللازمة لبلوغه.

وأفضل الدروس وأكثرها فائدة ما كانت غايته محدودة، ومن أتقن فرعًا من العلوم إتقانًا كاملًا استفاد منه في كلِّ حين، والاقتصار على الكتب ومعرفة مواضيعها والرجوع إليها عند الاحتياج غير كاف؛ لأن من كان علمه في كتابه كان خطؤهُ أكثر من صوابه، بل على العالم العامل أنْ يستصحب علمه في كلِّ أيْن وآن وإلَّا فلا يُعَد عالمًا؛ لأنه ما المنفعة إذا كان للإنسان بَدْرة من المال وليس في يده درهم منها.

وعلى من شاء أنْ يهذِّب نفسه أنْ يكون حازمًا ندْبًا (أي سريعًا في قضاء الحاجات)، وهاتان الصفتان تقويان بترك الشبان يعتمدون على نفوسهم، وإعطائهم كل ما يمكن من الحرية، أمَّا الإرشاد والتدريب فالزيادة منهما تضر كثيرًا؛ لأنها تصرف الشاب عن الاعتماد على نفسه، وقلة ثقة الإنسان بنفسه مانع قوي من موانع التقدم، ولا نعني بالثقة الاستبداد بالرأي ولا الخيلاء؛ لأن كثيرين يثقون بنفوسهم وليس فيهم شيء يوثق به، ومع ذلك فلا شيء يعيق النجاح ويمنعه أكثر من فتور الهمة، وضعف العزم، وقلة الحزم. وعدم تقدُّم الأكثرين ناتج من عدم محاولتهم التقدُّم، وكل أحد يرغب في تثقيف عقله ولكن الأكثرين ينفرون من التعب الذي لا بُدَّ منه للحصول على ذلك، والجميع يرومون إدراك المعالي رخيصةً ناسين أنْ لا بُدَّ دون الشهد من إبر النحل. قال الدكتور جنصن: إنَّ عدم الجلد على الدرس من أمراض الجيل الحاضر العقلية. وما صدق على جيله يصدق على جيلنا هذا، ولا سِكَّة سلطانية لنوال العلم، ولكن له سِكَّة مطروقة، ومع ذلك ترى الجميع يتوخون أخصر الطرق وأقلها تعبًا، فيرغبون في أنْ يتعلموا لغةً في برهة قصيرة وعلى غير أستاذ، أو كما يقال عن إحدى السيدات إنها طلبت من معلم أنْ يدرسها لغة ولكنها اشترطت عليه أن لا يعلمها شيئًا من الأسماء والأفعال. وعلى هذا المنوال يتعلم كثيرون ما لا يُستحَق أنْ يُسمَّى رسم العلم. ألا ترى أنَّ كثيرين يدرسون الكيمياء باستماعهم بعض الخطب فيها، ونظرهم إلى بعض الاستحضارات والامتحانات، وهذا أفضل من لا شيء ولكنه لا يفيد شيئًا. وكثيرون يظنون أنهم آخذون في تعلم العلوم وما هم غير متسلِّين تسليًا، وما لا يحصل بالدرس والتعب لا يستحق أنْ يُدعَى علمًا؛ لأنه وإنْ أشغل العقل لا يغنيه، وإنْ نتجت منه نتائج وقتية لا يُرتجَى منه كبير فائدة، وما هو إلَّا تأثير وقتي زائل، ولذة حسية غير عقلية توقع سباتًا عميقًا على أفضل العقول وأكثرها اجتهادًا، حتى لا تنتبه إلَّا إذا أصابتها مصيبة باغتة.

وأكثر الشبان يطلبون اللهو تحت رداء طلب العلم فلا يسلِّمون بعلمٍ يستدعي تعبًا وكدًّا، وبما أنهم يحصِّلون العلم في ميدان اللعب واللهو يكون علمهم لعبًا ولهوًا، ولا بُدَّ من أنهم يجتنون ثمر تهاونهم الذي هو ضعف عقولهم وتعطيل اسمهم. قال روبرتصن البريتوني: إنَّ درس دروس مختلفة في وقت واحد يضعف العقل ويجعله عقيمًا، وهذا الشر عظيم إلى الغاية وله درجات مختلفة، فأقلها ضررًا عدم التعمق والتضلُّع، وأكثرها أذًى النفور من كلِّ ما يقتضي تعبًا وعناءً، ثم خمود الذهن، وعلى طالب الحكمة الحقيقية أنْ يكبَّ بكليته عليها؛ لأن التعب ثمن لكل ثمين، فيجب أنْ يكد ويتعب واضعًا نصب عينيه غرض تعبه، ومتوقعًا نواله بالصبر الجميل، والنجاح بطيءُ الحصول، ولكن من يتعب بأمانة وغيرة ينال أجره في وقته، ومَن كانت حياته حياة الاجتهاد يقوى على مدِّ سلطته إلى ما حوله، وإحراز المجد لنفسه والنفع للبشر، وليس للتهذيب حدٌّ يُوقَف عليه، بل على الإنسان أنْ يواظب على تهذيب نفسه ما دام حيًّا؛ لأن ذلك ضروري لكلِّ إنسان، بل به تقوم سعادته وللراحة وقت طويل بعد الموت.

والإنسان يستحق الإكرام والاعتبار بمقدار استعماله للقوى التي منحه إياها الباري، ولا يُعتبَر من كانت قواه العقلية عظيمة إلَّا كمن كان ميراثه من أبيه عظيمًا، فإذا استعمل هذا قواه وذاك ميراثه حقَّ الاستعمال اعتُبروا وإلَّا فلا، وقد يتضمن العقل خزائن وافرة من العلم ولكنها تكون بلا منفعة؛ لأنه إذا لم يرتبط العلم بالفضل والحكمة والاستقامة، لم يُحسَب شيئًا، قال بستالوزي: إنَّ العلم العقلي المجرد مضر إلى الغاية، وإنه يلزم أنْ تنغرس أصول المعرفة في تربة الإرادة المذلَّلة وتَغْتذِي منها. وقد يحفظ العلم صاحبه من ارتكاب الفواحش والتمرُّغ في الدنايا، ولكن لا يحفظه من الافتخار ومحبة الذات ما لم يُحصَّن بالمبادئ الصحيحة والعوائد الحميدة؛ لذلك نرى كثيرين من أصحاب العقول الكبيرة المملوءة من العلم والمعرفة، فاسدي السيرة، وعارين من الحكمة الحقيقية، وهم مثال للتحذُّر منهم لا للاقتداء بهم، ومن الأقوال الجارية على ألسنة الناس في هذه الأيام أنَّ العلم قوة، ولكن التعصُّب قوة والظلم قوة والطمع قوة. والعلم إذا لم يُصاحَب بالحكمة قوَّى الأشرار على الشر، بل قد يزيد شره حتى تصير محافله مثل محافل الأبالسة.

ولعلنا حتى يومنا هذا نغالي في أهمية التهذيب العلمي، وأكثرنا يظنُّ أننا بلغنا درجة سامية من النجاح؛ لأن عندنا مكاتب واسعة ومدارس عديدة، ولكن كثيرًا ما تكون التسهيلات موانع تصدُّ الكثيرين عن اكتساب العلم؛ لأن نسبة العلم إلى المكاتب نسبة الكَرَم إلى الغنى، فإن كان الغنى يُنتِج الكرم ضرورة فالمكاتب تنتج العلم. لا ريب أنَّ التسهيلات العلمية عديدة الآن، ولكن الحكمة والفهم لا يُنالانِ إلَّا بعد السير إليهما على سبيل الملاحظة والتمعُّن والمواظبة والاجتهاد، والمعرفة شيء والحكمة آخر، والحكمة لا تُنال بقراءة الكتب؛ لأن قارئ الكتب يقتصر غالبًا على اقتباس أفكار الغير، واقتباس الأفكار ليس له تأثير عظيم في العقول، وكثير من الدروس مثل شرب المسكر يُطْرِب العقل برهة، ولكنه لا يفعل شيئًا في تثقيفه؛ ولذلك نرى كثيرين ينخدعون بأنهم آخذون في تهذيب عقولهم، وهم مشتغلون بإضاعة الوقت وجهد ما يقال عنهم أنهم ملتهون بذلك عن فعل ما هو أقبح منه.

ويجب ألَّا يُنسَى أنَّ كل ما يُستفاد من الكتب من الاختبار هو من نوع التعلُّم، وأمَّا الاختبار الشخصي فهو من نوع الحكمة، وقليل من الثاني خيرٌ من كثير من الأول، ولقد أجاد اللورد بولنبروك إذ قال: إنَّ كل علم لا يرفع شأن الإنسان فهو نوع من الكسل، وكل ما يُكتسَب منه إنما هو جهل. ومطالعة الكتب هي دون الاختبار من أوجه كثيرة ولو كانت مفيدة ومهذبة. فقد كان في البلاد الإنكليزية رجال حكماء أشداء العزم، سديدو الرأي قبل انتشار الكتب، وكان في كلِّ أمة رجال حكماء لا نظير لهم في هذا العصر، وكلهم حصَّلوا ما حصَّلوا باختبارهم. فإن البراءة العظمى التي للشعب الإنكليزي أمضاها قوم لا يعرفون الكتابة، فأمضوها بالعلامات وأسسوا حرية الإنكليز وهم يجهلون القراءة والكتابة، ومن المُسلَّم أنَّ التهذيب لا يقوم بإملاء العقل من أفكار الغير، بل بتوسيع المعرفة الشخصية والإقدام على إتمام واجبات الحياة، وأكثر مشاهيرنا (أي مشاهير الإنكليز) كانوا من قليلي المطالعة، فإن برندلي وستفنصن لم يتعلما القراءة حتى صارا رجلين، ومع ذلك عملا أعمالًا عظيمة يعجز عنها فحول العلماء، وحياتهما أنفع من حياة ألوف من العلماء، ويوحنا هنتر بلغ العشرين من العمر قبلما تعلم القراءة.

والأمر المعتبر في العلم هو غايته لا مقداره، فيجب أنْ تكون غاية العلم تحصيل الحكمة وإصلاح الصيت؛ لكي يصير الإنسان به أفضل مما كان، وأسعد وأكرم وأنشط، وإذا تقدم الناس ماديًّا وأهملوا تقدُّمهم الأدبي ركبوا طريق الانحطاط، وعلى كل عاقل أن لا يكتفي بالتأمل فيما فعله غيره، بل أنْ يفعله بنفسه، وأنْ يرفع شأن نفسه بيده بالوسائط التي خولته إياها العناية الإلهية.

وتدريب الإنسان لنفسه وضبطه لها أساسان للحكمة العملية، ويجب أنْ يتخللهما إكرام النفس الذي يصدر عنه الأمل رفيق القوة وأبو النجاح؛ لأن من كان أمله وطيدًا قدر على عمل الغرائب. وإكرام الإنسان لنفسه وتدريبه إياها من أعظم واجبات هذه الحياة؛ لأن الله — سبحانه وتعالى — يطلب منا أنْ نعتبر أجسادنا وعقولنا وقوانا. وارتباطنا بالبشر يطلب منا ذلك أيضًا، بل إنَّ قوانا نفسها تستدعي أنْ نعطيها حقها اللازم من الاهتمام، فعلينا أنْ ننقض ما فينا من الشر ونبني عوضًا عنه الخير، وكما أنه علينا أنْ نكرم نفوسنا، كذلك علينا أنْ نكرم الآخرين وعليهم أنْ يكرمونا، ومن ثمَّ ينتج الإكرام المتبادل والعدل، وينتفي كل ما يخل بالراحة العمومية.

وإكرام النفس من أفضل ما يتجلبب به الإنسان ويتحلى به عقله. نصح فيثاغورس لتلميذه أنْ يكرم نفسه؛ لأن من فعل ذلك نزَّه جسده عن الخسائس وعقله عن الدنايا.

والمنايا ولا الدنايا وخير
من ركوب الخنا ركوب الجنازة

وهذه الصفة أصلٌ لكل الفضائل، فهي أصل للطهارة والعفة والتعقل والتقوى والديانة. قال ملتن: إنَّ إكرام النفس الصحيح ينبوع ينبثق منه كل عمل صالح محمود، ومن لم يكرم نفسه احتقرها، وأمسى محتقَرًا في عيني الغير، ومن كان دأبه الذل لا يفلح، وأمَّا من يكرم نفسه فترى وجهه متهللًا ولو كان مكتنفًا بالفقر، ولا يسلم لتجربة، ولا يرتكب دنيئة، قال الشاعر:

إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها
هوانًا بها هانت على الناس أهونا
فنفسك أكرمها وإنْ ضاق مسكن
عليك بها فاطلب لنفسك مسكنًا

وقال زهير بن أبي سلمى:

ومن يغترب يحسب عدوًّا صديقه
ومن لا يكرم نفسه لا يُكرَّم

وتثقيف الإنسان لعقله إذا اعتبر واسطة للتقدم فقط انحطَّت قيمته الأدبيَّة، ولكنه يبقى من خير ما يبذل فيه الوقت والعقل، والتثقيف يساعد الإنسان على توفيق نفسه للأحوال التي هو فيها، وعلى اختراع الأساليب الجديدة لإتمام الأعمال، ويزيدهُ مهارة وحذاقة في كلِّ عمل يأخذ فيه، والإنسان الذي يعمل عمله بيده وعقله يعمله جيدًا، ويرى من نفسه ذلك ويشعر أنَّ مهارته آخذة في الازدياد، وهذا الشعور من ألذ ما يتمتع به البشر، ويقوى فيه اعتماده على نفسه، واعتماد الإنسان على نفسه وإكرامه لها يرفعانها عن الدنايا، وما أحسن ما قاله الطغرائي! وهو:

أصالة الرأي صانتني عن الخطل
وحيلة الفضل زانتني لدى العطل
غالى بنفسيَ عرفاني بقيمتها
فصنتها عن رخيص القدر مبتذلِ

والإنسان الذي يعتبر نفسه هذا الاعتبار ينظر إلى البشر بصدر رحب، ويرى في خدمته أبناء نوعه لذة متجددة، فيعمل لنفسه ولغيره، ويحيا للناس ليحيا الناس له.

وقد لا ينتهي العلم بالشهرة؛ لأنه على الفريق الأكبر من الناس أنْ يتعاطوا الأعمال، ومهما ازدادوا تثقُّفًا وتهذُّبًا لا يتخلصون من الأعمال الشاقة، ولكن لا سبيل لإصلاح ذلك إلَّا برفع شأن العمل بتوجيهه إلى الأغراض المجيدة التي تشرف العمل الدنيء والشريف معًا، ومن يفعل ذلك فهو خليق أنْ يعاشر أكثر العلماء فضلًا، وأسماهم عقلًا، وأبعدهم صيتًا، ولو كان فقيرًا ووضيعًا. فيصير الدرس المبني على أسس صحيحة مصدرًا للذة عظيمة، ومنشأً لنتائج مجيدة، ومصلحًا للسيرة والسريرة، وإنْ كان الناس المهذبون في شكٍّ من نوال الغنى فهم على يقين من الحصول على الأفكار السامية.

وما المال إلَّا عارة مستردةٌ
فهلَّا بفضلي كاثروني ومحتدي

قيل سأل بعضهم فيلسوفًا: ماذا كسبت بكل فلسفتك؟ فأجابه: كسبت من نفسي رفيقًا لي.

ولكنَّ كثيرين ييأسون وتخور قواهم وهم آخذون في تثقيف عقولهم؛ لأنهم لا ينجحون بسرعة كما يظنون أنهم مستحقون، ولعلهم ظنوا المعرفة بضاعة رائجة فخاب أملهم. أخبر مستر ترمنهير عن معلم مدرسة تركه تلامذته وغب الفحص عن السبب، وجد أنَّ أكثر الوالدين أخرجوا أولادهم؛ لأنهم ظنوا أنَّ التعليم يصلحهم حالًا، وإذ لم يتم ذلك أخرجوهم وأهملوا أمر تعليمهم. وكثيرون يحطون قيمة العلم إمَّا بجعله واسطة للسبق في الدنيا — كما ذكر — أو سبيلًا للهو والتسلي، لكن اسمع ما قاله باكون الشهير، وهو: «ليس العلم حانوتًا للبيع والكسب، بل مخزن بضاعته تمجيد الخالق وخير المخلوق.» ولا ريب في أنه يليق بالإنسان أنْ يتعب ويجتهد للتقدم في الدنيا، ولكن لا يحق له أنْ يضحي نفسه لأجل ذلك. ولا أجهل ممن يجعل عقله عبدًا لجسده أو آلة له ثم يأخذ يندب سوء حظه؛ لأنه لم ينجح النجاح المطلوب، هذا فضلًا عن أنَّ النجاح لا يتوقف على العلم، بل على القيام الواجب بالأعمال، ومن كان هذا الحال حاله يناسبه ما قاله روبرت سوثي لرجل طلب منه النصح، فكتب إليه يقول: «يحدث كثيرًا أنْ يغضب الحكيم على الدنيا ويحزن لأجلها، ولكنه لا يتذمر منها البتة إذا كان قائمًا بواجباته، فإذا وجد إنسان متعلم صحته جيدة وله عينان ورجلان ويدان وهو مع ذلك في احتياج، فيكون الله — سبحانه وتعالى — قد وهب هذه البركات لرجل لا يستحقها.»

وهناك سبيل آخر يحط شأن العلم، وهو استعماله لمجرد اللهو والتسلية العقليَّة، وهذا الأمر شائع في عصرنا وأتباعه لا يُحصَون. ألا ترى أنَّ الكتب والجرائد قد انشحنت من كلِّ سخيف وركيك؛ لكي توافق ذوق الجمهور. حتى متى لا ينتبه الناس من رقادهم بل من جنونهم هذا، حتى متى يميلون إلى الهزل والسخافة والركاكة، وما لا طائل تحته، وما لا يصدقه عاقل ولا جاهل، ألا يعلمون أنَّ ذلك يفسد الذوق السليم. قد ذكرنا الكتب والجرائد ولكن ما القول في الروايات والفكاهات، على أنَّ من الروايات ما هو فصيح العبارة بليغ المعنى، حتى إذا تصفحه الذين أشغالهم شاقة في أوقات الراحة، وجدوا فيه لذة عقليَّة عظيمة، وجميع الناس كبارهم وصغارهم لهم ميل غريزي إلى التفكه بمثل ذلك، ولا يحسن أنْ يحرموا هذه اللذة إذا استعملوها إلى حدٍّ موافق، ولكن من جعل ذلك طعامه وشرابه، أضاع وقته وأفسد ذوقه، وقد يفسد آدابه، هذا فضلًا عن أنه لا يُرجَى من قراءة هذه الروايات كبير فائدة؛ لأن التأثير الذي تؤثره وقتي زائل، وقد يعتاد الإنسان عليه حتى لا يعود يُصدِّق منها شيئًا ولا يتأثر بها البتة.

واللهو مفيد أحيانًا، ولكنه كثيرًا ما يفسد الأخلاق، فيجب أنْ يُحتَرس منه غاية الاحتراس. نعم إنه يقال في المثل من اشتغل دائمًا ولم يلعب صار بليدًا، ولكن من لم يشتغل قط صار شرًّا من البليد، ولا شيء أضر بالشبان من الانهماك في الملاهي؛ لأنه يفسد عقولهم ويفتح لهم بابًا للتهور في كلِّ نوع من القبائح، ثم إذا دعتهم الأحوال إلى معاطاة الأعمال شعروا بكره شديد لها، فيعدمون قوى الحياة، وتنضب في وجوههم ينابيع السعادة، ويخسرون اسمهم وجسمهم وما من حالة أتعس من حالة الشاب الذي أضاع شبابه في التنعم والانهماك في اللذات. قال ميرابو عن نفسه: «إنَّ أيام حداثتي بذَّرت كثيرًا من قواي، وحرمت أيام شيخوختي من ميراثها.» ولا بُدَّ من أنَّ خطايا الشبيبة تضر بالشيخوخة. قال جيوستي الإيطالي لصديق له: إنَّ الوجود نفسه لا تحصل عليه عفوًا، والطبيعة تدعي أنها تعطينا الحياة مجانًا في صبانا، ولكنها تطالبنا بثمنها في شيخوختنا، والبلية الكبرى أنَّ من يبذر قواه في شبيبته يلوِّث اسمه بأقذار قلَّما يستطيع أنْ يتخلص منها في كهولته ولو أراد ذلك، وما أحسن ما قيل:

إنَّ الشباب والفراغ والجدة
مفسدة للمرء أي مفسدة

كان بنيامين كنستان من أكبر رجال فرنسا عقلًا، ولكنه لم يبلغ العشرين من العمر حتى فسد، وصارت بقية حياته سلسلة من الشقاء عوضًا عن أنْ تكون كنزًا من الخير، وما ذلك إلَّا لأنه أهمل الاجتهاد وغلبة النفس، ولا يخفى أنَّ هذين الأمرين كانا بوسعه كما أنهما بوسع كل أحد، ويقال إنه عزم على إتمام أعمال كثيرة، ولكنه كان عديم الحزم فلم يتمم شيئًا منها؛ ولذلك دعاه الناس كنستان المتقلب، وكان سريع الخاطر، قوي القريحة، وكتاباته من الطراز الأوَّل، ولكنه كان يشغل عقله في أسمى المواضيع ويمارس أدنى الأعمال، حتى إنَّ سمو تآليفه لا يكفِّر عنه دناءة حياته، فإنه كان يقامر — يلعب بالقمار — عندما كان يكتب في الديانة، وكان مع كلِّ قواه العقلية كمن لا قوة له؛ لأنه لم يعتبر الفضيلة ولا العفة، وقال ذات مرة: «ما هو الشرف والمجد؛ لأنني بمقدار ما أتقدم في السن أرى بطلهما.» وقال مرة أخرى: «إنما أنا تراب ورماد، وأمر على الأرض كظلٍّ زائل مصحوبًا بالشقاء وانكساف البال.» وتمنَّى لو كان له نشاط فُلْتر عوضًا عن كلِّ مواهبه الطبيعية، وبما أنه كان كثير التمني عديم الحزم، انقضت حياته بغير نفع، وقد شبَّه نفسه مرة برجل ذي رِجلٍ واحدة، وأقرَّ بأنه خالٍ من الآداب، وبعد أنْ عاش سنين عديدة بالتعاسة والشقاء مات ميتة الذل والهوان.

أما حياة أغسطينوس ثيري مؤلِّف تاريخ الغلبة النرمندية فمعاكسة لحياة كنستان على خط مستقيم؛ لأنها كانت مؤلفة من المواظبة والاجتهاد وتثقيف العقل، والحرص على طلب الحكمة، ومن شدة انصبابه على الدرس فقد بصره وصحته، ولكنه لم يفقد محبته للعلم، وهاك ما قال في آخر حياته:

إذا عُدَّت فوائد العلم من الفوائد الوطنية أكون قد صنعت لبلادي ما صنعه الجندي الدامي في حومة القتال، وآمل أنْ أبقى مثالًا لغيري في هذا الأمر مهما كانت نتيجة أتعابي مثالًا يعين على مقاومة الضعف الأدبي، الذي هو داء الجيل الحاضر، ويرد إلى جادة الحياة كثيرين من خائري القوى الذين يتشكون من عدم الثقة، ولا يعلمون ما يفعلون، بل يلتمسون في كلِّ مكان أمرًا يحترمونه ويعبدونه ولا يجدون، وعلامَ يُقال إنَّ بلاد الله ضيقة بسكانها، وإنه لا هواء بها يكفي لتنفُّس الجميع، ولا أشغال تكفي عقول الجميع؟ أليس فيها مواضيع للدرس والتأمل؟! أوَ ليس ذلك ملجأً ميسورًا لكل إنسان؟! هناك تنقضي أيام الشر ولا يُشعَر بها، وهناك يمكن لكل إنسان أنْ ينال غايته ويصرف حياته، وهذا قد عملته، ولو أُبدئت ثانية لعملته أيضًا، ولا أختار إلَّا ما أوصلني إلى ما أنا عليه الآن، ومع أنني أعمى وآلامي لا تنقطع، أشهد أنَّ في العالم شيئًا ألذ من كل اللذات الحسيَّة، وأشرف من الغنى، وأفضل من الصحة، وهو اتباع الحكمة.

ومن الذين يشبهون كنستان كُلْردج الذي كان ذا مواهب سامية إلَّا أنه كان ضعيف العزم، ومع كلِّ مواهبه العقليَّة كان فاقدًا موهبة الاجتهاد، بل كان عدوًّا للعمل، وفضلًا عن ذلك كان فاقدًا محبة الاستقلال، فلم يستنكف أنْ ترك امرأته وأولاده على سَوْذِي الذي كان يشتغل بكل جهده لكي يعولهم، واعتزل مع تلامذته إلى غابة، وكان يتطلع على الدخان الخارج من معامل لندن بكرهٍ واحتقار للأعمال الجارية فيها، ثم تعاطى أعمالًا رفعت أثقاله عن غيره، ولكنه تنازل إلى أمور كثيرة يأنف منها أحقر الناس مع ما كان عليه من سموِّ الحكمة، وكم كان سوذي مخالفًا له؛ لأنه صرف حياته في العمل والاجتهاد، حتى في أعمال لا توافق ذوقه مالئًا عقله بكنوز الحكمة الثمينة، وعاش بالسعة من شق قلمه الضيق.

كتب روبرت نيكول لأحد أصحابه بعد أنْ قرأ أمالي كُلردج يقول:

يا له من عقل ثاقب ضاع في هذا الإنسان بسبب احتياجه إلى قليل من الاجتهاد والحزم. أمَّا نيكول هذا فمات يافعًا، ولكنه كان ممن تُعقَد لهم الخناصر ويشار إليهم بالبنان، ولم يمت حتى تغلب على كثير من مشاق الحياة، ولما كان يتعاطى بيع الكتب وجد نفسه مديونًا بعشرين ليرة، فكان يشعر كأن عنقه مطوق بحجر رحى كما شهد من فمه، وعزم أنه بعد أنْ يَفِيها لا يستدين شيئًا من مخلوق.

ونحو ذلك الوقت كتب إلى أمه يقول:

لا ينشغل بالك من نحوي أيتها الأم الحنونة؛ لأن همتي تزيد يومًا فيومًا، وأملي يقوى، وكلما أفتكر وأتأمل أرى أنني متقدم في الحكمة، فلذلك لا يهمني سواء صرت غنيًّا أم بقيت فقيرًا، والتعب والفقر وغيرهما من بلايا الحياة التي لا يُستطاع عليها صبرًا أقابلها بالصبر الجميل والاتكال على العناية، وهذه خطة تقتضي تعبًا جزيلًا للحصول عليها، ولكن من نالها يمكنه أنْ يلتفت إلى ما وراءه كسائح يتطلع على تيارات البحر الخضم وهو ماشٍ على الأرض اليابسة، ولا أقول إني بلغت هذه الدرجة ولكني أشعر في نفسي أني آخذ في الاقتراب منها.

فالمتاعب والمشاق تصيِّر الناس رجالًا أو كما قال أرسطو: بالصبر على مضض السياسة يُنال شرف الرياسة. ولا منصب في هذه الحياة إلَّا وهو محفوف بالمتاعب حتى لا يرتقي إليه إلَّا من تغلَّب عليها. والمتاعب تربي فوق تربية الأب كما أنَّ الخطأ يقود إلى الصواب. كان من عادة تشرلس جمس فكس أنْ يقول: إنَّ رجائي في مَن لم ينجح في بادئ أمره أقوى منه في من نجح، فالشاب الذي ينجح في أول خطبة يلقيها تقتاده حلاوة الظفر غالبًا إلى التهامل فلا يفلح، وأمَّا من يرجع بالخيبة في خطبته الأولى ثم يستمر على ممارسة الخطابة، فينجح نجاحًا ثابتًا أكيدًا.

والناس يتعلمون الحكمة من الخيبة أكثر مما يتعلمونها من النجاح؛ لأنهم كثيرًا ما يعرفون المفيد إذا عرفوا غير المفيد، ومن لا يغلط لا يتعلم، قيل إنَّ الذي دعا غاليليو وطورشلي وبويل إلى درس الهوائيات، هو خيبة البعض في إصعاد الماء بالطلمبا فوق ثلاث وثلاثين قدمًا، وقال يوحنا هنتر: إنَّ صناعة الجراحة لا تتقدَّم حتى يشهر الجراحون الحوادث التي لم يصيبوا فيها كما يشهرون الحوادث التي أصابوا فيها. وقال وط: إنَّ أهم ما تمس إليه الحاجة في علم الهندسة العملية تاريخ أغلاط المهندسين. قيل أُطْلِع السر همفري دافي مرة على امتحان طبيعي في عمله حذاقة شديدة، فقال: أحمد الله؛ لأني لست حاذقًا في إجراء الامتحانات؛ ولأني توصلت إلى أكثر اكتشافاتي بعدم نجاحي، وقال آخر ممن لهم في العلوم الطبيعية أطول باع إنه كان يكتشف اكتشافًا جديدًا كلما عرضت أمامه صعوبة في امتحاناته، وأعظم الاختراعات والاكتشافات كان محفوفًا بالأحزان والمشقات.

قال بتوفن: إنَّ في روسيني ما يكفي لجعله من أفضل الموسيقيين لو ضُرِب في صغره، ولكنه لم ينجح؛ لأنه لم يصادف شيئًا من المصاعب. ولا يخَفْ أولو العزم من مناقضة الغير لهم وتنديده بهم، كما يجب أنْ يخافوا من المدح في غير موقعه. يُروَى أنَّ مندلسن عندما باشر تطريب ألحانه المسماة «إيليا» قال لبعض أصحابه المنتقدين: لا تشفق عليَّ في الانتقاد ولا تخبرني بشيء أستحسنه، بل بكل ما لم تستحسنه. ويقال إنَّ الانغلاب يفيد قواد الجيش أكثر من الغلب. فوشنطون مثلًا كانت الوقائع التي كُسِر فيها أكثر من التي ظفر فيها، ولكنه نال الظفر التام أخيرًا، وكل الحروب التي نجح فيها الرومانيون كانت بدايتها انغلابًا. وقد شبَّه بعضهم القائد مورو بطَبْل لا يُسمَع صوته ما لم يُضرَب، والصعوبات الكثيرة الشديدة ربَّت القائد العظيم ولنتون، الذي لاقى منها أكثر مما لاقاه من أعدائه، فقوت عزمه وعودته الثبات، فصار من أفضل القواد، وكلُ ربَّان ماهر في سفر البحر بلغ ما بلغ إليه في وسط الزوابع والعواصف التي علمته الشجاعة والإقدام، ولعل تقدم الملاحين الإنكليز في سلك البحار حدث مما صادفوه فيها من المخاطر، قال الشاعر:

تعطي التجارب حكمة لمجرب
حتى تربي فوق تربية الأب

والحاجة قاسية صارمة، ولكنها مفيدة جدًّا، والمصائب والمحن بلايا شديدة تقشعر منها الأبدان خوفًا، ولكن إذا أصابت الندب قابلها بالصبر الجميل.

وخطوب الدهر وعناد الزمان مُرَّة المذاق، ولكن نتيجتها أحلى من العسل؛ لأنها تنبه المرء وتحرك همته، ومن كان فيه ذكاء ظهر بالفرك كالنباتات العطرية، قال المثل: الخطوب سلالم السماء، وقال الشاعر:

تريدين إدراك المعالي رخيصة
ولا بُدَّ دون الشهد من إبر النحل

وقال بعضهم: الفقر أشبه شيء بالألم الحاصل من ثقب أذن فتاة لتعليق حلقة من الجوهر الثمين، وكثيرون قاوموا المشقات بشجاعة، واحتملوا البلايا بالصبر الجميل، ولما نجحوا لم يقدروا أنْ يقاوموا الشرور الكثيرة التي صحبت نجاحهم، وعلى هذا نقول. إنَّ الغنى يستدعي حكمة وافرة للتحفظ من الشرور التي يؤدي إليها. نعم، إنَّ البعض تُحمَد أفعالهم عندما يحصلون على سعة المعيشة، ولكن الجانب الأكبر لا تنفعهم السعة قدر ما تضرهم؛ لأن كثيرين يقلبهم الغنى من البلادة إلى الطيش، ومن الذل إلى الكبرياء بخلاف الضيق، فإنه يربي أصحاب الحزم على الصبر والجلد. قال بُرك: «المصاعب معلم صارم أقامته لنا العناية الإلهية بمحبة أبوية، وهي تعرفنا أكثر مما نعرف نفوسنا، وتحبنا أيضًا أكثر مما نحب نفوسنا.» والبلايا تفعل فعل المُصارِع في تقوية أعضاء خصمه. ورخاء المعيشة أسهل من ضنكها، ولكنه لا يربي رجالًا. قيل إنه لما وُشِي بهدصن زورًا ففُصِل عن وظيفته في الهند، قال لصديق له: «إنني بالغ جهدي في مقابلة كلِّ شرٍّ يصيبني بجسارة تضاهي جسارتي على مقابلتي العدو، وفي إتمام واجباتي على أحسن ما يمكنني، معتقدًا أنه لا بُدَّ من سبب لكلِّ ما أصابني، وأنَّ الواجبات الصعبة تنال جزاءً حسنًا إذا عُمِلَت حق العمل وإلَّا فلا تزال واجبات.»

وحرب الحياة كثيرًا ما تشب في نجود صعبة المسلك، لا يغلب فيها إلَّا البطل الذي لا يبالي باقتحام المصاعب، وإذا لم تكن صعوبات فلا نجاح؛ لأنه إنْ لم يكن شيء يُغلَب فلا شيء يكسب، والمصاعب توهن عزم الجبان، ولكنها تزيد همة الشجاع، والاختبار يعلمنا أنَّ كلَّ الموانع التي تحول دون تقدُّم البشر لا تقدر أنْ تثبت أمام الاستقامة والنشاط والهمة والمواظبة، وخصوصًا أمام من يعزم ويحزم على مقاومة كل مصيبة تنزل به.

ومدرسة المصاعب أحسن المدارس لتربية المبادئ الأدبية، وتاريخ المصاعب عبارة عن تاريخ كلِّ الأمور العظيمة التي فعلها البشر. ومن ينكر كم استفادت القبائل الساكنة شمالي أوروبا من محاربتها عناصر الطبيعة ومَحْل الأراضي، الأمر الذي لا يعرفه سكان البلدان الحارة فلا يستفيدون منه، ومع أنَّ أفضل غلَّات البلاد الإنكليزية مما لا ينمو فيها أصلًا، فالاجتهاد الذي بُذِل في إنمائها في تلك البلاد ربَّى فيها رجالًا لا يفوقهم أحد من أهل العالم.

وحيثما وُجِدت المصاعب قوَّت مقاومها وزادت حذاقتهُ، ونشَّطت همته على مقاومة ما ينزل به من خطوب الدهر، وجَبَل الحياة صعب المرتقى، ولكن من مرن على ارتقائه ازدادت همته فلا يألو جهدًا حتى يبلغ قمته، والاختبار يعلمنا أنَّ ما من طريق للتغلُّب على المصاعب إلَّا مصارعتها، ألا ترى أنَّ من خطف القرَّاص بيده وقبض عليه شديدًا شعر أنَّ ملمسه كالحرير، ولا يقوى على أمر إلَّا من اقتنع في نفسه أنه قادر على إتمامه وعازم عليه، وكثيرًا ما تتلاشى المصاعب من مجرَّد هذا العزم قبل الشروع في مقاومتها.

وكثيرون يتوهمون الصعوبة في هذا الأمر أو ذاك قبل أنْ يباشروه، ولكنهم لو باشروه لوجدوه أسهل مما ظنوا كثيرًا، وأمَّا التمني والترجي فلا ينفعان شيئًا، ومباشرة أمر واحد خير من ألف «لو وليت ولعل»، بل إنَّ هذه الأحرف مصدر اليأس، وأصل المستحيل، وسبب الإهمال، قال اللورد لندهرست: الصعوبة أمر يجب التغلب عليه، فيجب أنْ نصارعها حالما تظهر لك، والسهولة نتيجة المزاولة، والقوَّة نتيجة الممارسة، وبهما يبلغ العقل درجة من الكمال لا يقدر أنْ يتصورها من لم يختبرها بنفسه.

والحزم والتدبير روح العزم
لا خير في عزم بغير حزم
والحزم كل الحزم في المطاولة
والصبر لا في سرعة المزاولة
وفي الخطوب تظهر الجواهر
ما غلب الأيامَ إلَّا الصابرُ
ليس الفتى إلَّا الذي إن طرقَهْ
خطبٌ تلقَّاه بصبرٍ وثقةْ

وتعلُّم العلم نوع من التغلب على المصاعب، والتغلب على صعوبة واحدة يقوي الإنسان على غلبة غيرها، وما لا تظهر منه فائدة في بادئ الرأي كدرس اللغات القديمة والرياضيات هو كبير الفائدة؛ بسبب فعله في العقل لا بسبب فائدته العمليَّة؛ لأن درس هذه العلوم يوسع العقل ويزيد قوَّة الانصباب، وبقية القوى التي لولا الدرس لبقيت ضعيفة، وكل أمر يقود إلى آخر ولا تنقضي مقاومة المصاعب ما لم تنقض الحياة، ولكن الخوض في بالوعة اليأس لم يُعِن أحدًا على المصاعب ولن يعين، وما أفضل النصيحة التي نصح بها دلمبر طالبَ علمٍ تشكَّي من عدم نجاحه في مبادئ الرياضيات، بقوله: اجتهد تجد الثقة والقوة مقبلتَيْن عليك.

والذين يلعبون على آلات الطرب لم يبرعوا إلَّا بعد تعب يفوق التصديق، قيل مدح بعضهم كريسمي على إتقانه فن الغناء وجريه فيه بسهولة، فقال له: إنك لا تعلم بكم من الصعوبة حصلت هذه السهولة. سُئل السر يشوع رينلدز كم من الوقت قضيت على تصوير هذه الصورة فقال حياتي كلها، وقال هنري كلاي الخطيب الأميركاني لبعض الشبان يصف سر براعته في فن الخطابة: إنني أنسب كلَّ نجاحي إلى الحادثة الآتية، وهي أنني لما بلغت السابعة والعشرين شرعت أقرأ بعض الكتب التاريخية والعلمية، وأتلو مضمونها بصوت عالٍ في الحظائر والحقول والغابات، وليس لي من سامع سوى البهائم والطيور والحشرات هذا هو العمل الوحيد الذي له أنا مديون؛ لأجل براعتي في هذا الفن.

وكان كرَّان الخطيب الأرلندي قليل الإفصاح أولًا، حتى لُقِّب وهو في المدرسة بالألكن، ولما كان يدرس الفقه ويجتهد على إصلاح منطقه حدثت حادثة أصلحته تمامًا؛ وذلك أنه دخل بعض المجامع العلمية وجاء دوره للمناظرة، فقام ولكن لم يمكنه التكلم، فقام خصمه ودعاه باسم الخطيب الأخرس، فأثَّر فيه هذا التهكُّم فقام ودافع عن نفسه بكلام فصيح إلى الغاية حتى أذهل الحاضرين، ولما رأى من نفسه ذلك تقوَّى عزمه واستمر على درس الفقه بأكثر رغبة، وكان يقرأ أبلغ الكتابات بصوت عالٍ ساعات عديدة، وكل ذلك لتصليح منطقه دارسًا حركاته على مرآة، وكان يفرض بعض المسائل ويناظر فيها وحده أمام المرآة، وما زال على مثل ذلك إلى أنْ صار خطيبًا مِصْقَعًا، ثم دخل المحاكم محاميًا في الدعاوى، وفي أحد الأيام قال للقاضي: إني لم أرَ الفتوى التي أفتيت فيها في كتاب من كتب الفقه، فقال له القاضي بتهكُّم: لعل ذلك صحيح؛ لأن الكتب التي اطلعت عليها قليلة جدًّا. وكان القاضي المذكور من رجال السياسة المتعصبين، وقد ألَّف رسائل مشحونة بالقذف والتشنيع ولم يضع عليها اسمه، فنهض كرَّان والغيظ آخذ منه كلَّ مأخذ، وقال له: «حقيق أيها المولى أنني فقير الحال، ولذلك كتبي قليلة، ولكن كلها نُخب، وقد تصفحتها مليًّا، وتأهلت لهذا المنصب السامي بدرس كتب قليلة معتبرة لا بتأليف كتب كثيرة قبيحة، ولا أخجل من فقري، بل أخجل من غناي إذا كنت أحصله بالظلم والبطل، وإذا لم أرتقِ إلى مرتبة أمراء الأرض فسأرتقي إلى مرتبة أشرافها، وإنني أرى الغنى المكتسب بطرق محرمة يشهر الإنسان ولكن شهرة رديئة.»

ومهما كان الفقر شديدًا لا يعيق الإنسان عن التقدُّم في تثقيف عقله، فإن الأستاذ إسكندر مري اللغوي تعلم الكتابة بالفحم، ولم يكن في بيت أبيه من الكتب سوى كتاب واحد ثمنه عشر بارات، وهو مختصر أصول الإيمان، وكان أهله يحفظونه بكل حرص ولا يمسكونه إلَّا من أحدٍ إلى أحدٍ. والأستاذ مور لما كان فتًى لم يكن معه دراهم لابتياع كتاب الأصول لنيوتن فنسخه كله بيده. وكثيرون من طلبة العلم المساكين المضطرين أنْ يعملوا كلَّ النهار لكي يحصِّلوا قُوتَهم، كانوا يستغنمون كلَّ دقيقة يمكنهم استغنامها لأجل الدرس، ولم يكن لهم من مشجع ولا معزٍّ سوى الأمل والثقة. قصَّ وليم تشمبرس الأيدنبرجي سيرة تقدمه على فئة من الشبان في تلك المدينة، فقال: «إنني أقف أمامكم الآن كرجلٍ علَّم نفسه؛ لأنني أتيت أيدنبرج وأنا صغير وفي غاية المسكنة، وكنت أعمل كلَّ النهار وجزءًا من الليل عند بائع كتب لتحصيل قوتي الضروري، وأمضي الساعات الأخيرة من الليل التي كنت أسرقها من النوم في تهذيب العقل الذي منحتني إياه العناية الإلهية، وانصببت بالأكثر على درس العلوم الطبيعية، وفي غضون ذلك درست اللغة الفرنساوية وحدي، والآن ألتفت إلى تلك الأيام بلذَّة لا تُوصَف، وأود لو كانت أحوالي الآن متعسرة كما كانت حينئذٍ؛ لأنني وجدت لذة في حياتي لما كنت أدرس في بيت صغير، ولم يكن معي شيء من الدراهم أكثر مما أجد الآن وأنا في أفخر القاعات.»

وهاك قصة مفيدة جدًّا لطلبة العلم المحاطين بالمصاعب، وهي قصة تعلُّم وليم كوبت النحو الإنكليزي، قال: إنني تعلمت النحو وأنا جندي، ومقعدي سريري، ومائدتي قطعة لوح وأتممته في أقل من سنة، ولم يكن لي من المال شيء لأبتاع سراجًا أدرس في نوره ليلًا، فكنت أدرس على نور النار عندما تأتي نوبتي للقيام أمامها، فإذا كنت قد بلغت مرامي وأنا فقير ولا أب لي ولا صديق ولا منشط، فما عذر غيري مهما كان فقيرًا متعبًا متضايقًا، وكنت ألتزم أنْ أبقى بلا أكل لكي أشتري قلمًا وقرطاسًا، ولم أكن أحصل على دقيقة من الوقت، وكنت أكتب بين قهقة عشرات من الرجال الطائشين وصفيرهم وخصامهم، ولا تحتقر الفلس الذي كنت أدفعه ثمن الحبر أو الورق أو القلم؛ لأن ذلك الفلس كان عندي بمثابة بَدْرة من المال عند غيري؛ إذ لم يفِض معي في الأسبوع غير غرش واحد، وأذكر الآن أنه فاض معي مرة قطعة بعشر بارات لا غير؛ فحفظتها لكي أشتري بها طعامًا لليوم التالي، ولكن لما نزعت ثيابي في المساء وكنت أكاد أموت جوعًا، نظرت فإذا القطعة ضائعة فغطيت رأسي بردائي وأخذت أبكي كالطفل، فإن كنت أنا قد تغلبت على ذلك الضنك الشديد ونجحت، فهل بقي عذر لأحد من الشبان.

وهاك حادثة تشبه هذه أصابت أحد المهاجرين الفرنساويين، كانت حرفة هذا الرجل البناء، وقد وجد عملًا يعمل به حالما أتى البلاد الإنكليزية، ولكن بعد قليل انتهى عمله ولم يجد عملًا آخر، فأمسى في حالة يرثى لها من العوز، وفي غضون ذلك زار أحد أصحابه المهاجرين، وكان يعلِّم اللغة الفرنساوية واستشاره في الطريقة الممكنة لتحصيل معيشته، فقال له رأيي أنْ تصير معلِّمًا، فقال أأصير معلمًا وأنا بنَّاء ولا أعرف غير الباتوا (فرنساوية ركيكة) فحقًّا إنك تمزح، فقال: كلَّا، بل أتكلم معك كلام الجد، ولا أرى لك سوى أنْ تصير معلِّمًا فهلمَّ إليَّ وأنا أعلمك كيف تعلم الغير، فقال البناء: إنَّ ذلك ضرب من المحال؛ لأني كبير السن واهن الذهن. قال هذا ومضى في طريقه، وأخذ يفتش عن عمل ليعمل به، فطاف أماكن عديدة ولم يجد عملًا، فرجع إلى لندن وانطلق إلى صاحبه، وقال له: قد بذلت جهدي في التفتيش عن عمل فلم أجد، والآن سأجتهد لكي أصير معلمًا. ثم انعكف على الدرس وكان شديد المواظبة، سريع الإدراك، كثير الجلد، فتعلم مبادئ الصرف والنحو والبيان في برهة قصيرة، وأصلح لفظه حسب الاقتضاء، وعندما تعلَّم ما يكفيه ليكون معلمًا للغة الفرنساوية صار أستاذًا في ضواحي لندن؛ حيث كان يعمل سابقًا في صناعة البناء، وكانت كوة غرفته تطل على كوخ بناهُ بيدهِ، فكان حالما يفتح عينيه صباحًا يقع نظره على هذا الكوخ، فخاف أنْ يشتهر أمره فيلقي اللوم على المدرسة، وهي ذات اعتبار في تلك الأنحاء، ولكن خوفه لم يكن في محله؛ لأنه كان من أفضل المعلمين، وقد اعتبره الجمهور وباقي الأساتيذ كثيرًا ولا سيما حينما أخبرهم بقصته.

والسر صموئيل روملي بن جوهري من المهاجرين الفرنساويين أيضًا، وقد تعلم قليلًا في حداثته، ولكنه بلغ ما بلغ إليه باجتهاده وانصبابه، قال في سيرة حياته: «عزمت وأنا بين الخامسة عشرة والسادسة عشرة أنْ أتعلم اللغة اللاتينية، ولم أكن أعرف منها شيئًا تقريبًا إلَّا أنه لم يمضِ ثلاث سنوات أو أربع حتى قرأت أكثر المؤلفات الفصيحة النثرية والشعرية، مثل ليفي، وسَلُست، وتاشيتس، وشيشرون، وأوميروس، وتيرنس، وفرجيل، وهوراس، وأوفيد، ويوفنال، وقد تصفحت أكثرها مرارًا عديدة.» ودرس عدا ذلك الجغرافية والتاريخ الطبيعي والفلسفة الطبيعية، ولما بلغ السادسة عشرة عُين كاتبًا فأظهر نشاطًا عظيمًا، حتى إنه أُدخل إلى المجلس، ثم صار مدعيًا عموميًّا في مدة وزارة فكس سنة ١٨٠٦ وقام بأعباء منصبه، إلَّا أنه كان دائمًا يتوهم أنه غير أهل لشيء، وقد تعب من هذا الوهم تعبًا عظيمًا، وتاريخ حياته الذي كتبه بيده يستحق أنْ يقرأه كلُّ إنسان بتمعُّن.

كان من عادة السر ولتر سكوت أنْ يقول: إنَّ في حياة صديقي يوحنا ليدن مثالًا من أتم الأمثلة على قوَّة المواظبة الشديدة، أمَّا يوحنا هذا فهو كغيره من الاسكتلنديين الذين ارتقوا من رعاية الغنم إلى أعلى المناصب باجتهادهم، مثل هوغ الذي تعلم الكتابة بتمثيل حروف كتاب مطبوع، وهو يرعى القطعان في البراري أو ككرنس الذي ارتقى من رعاية الغنم إلى منصب أستاذ في مدرسة كلية أو كمري وفرغوسن، وغيرهما ممن يضيق بنا المقام عن استيفاء أسمائهم، ولنرجع إلى يوحنا ليدن فنقول: إنه أظهر تعطُّشًا شديدًا للمعرفة وهو صغير، فكان يمشي ثمانية أميال كلَّ يوم حافيًا إلى مدرسة صغيرة؛ لكي يتعلم القراءة، ثم توجه إلى إدنبرج وصار يتردد على مدرستها الكلية مع ما هو عليه من الفاقة الشديدة، وكان يتردد على مبيع كتب لأرشيبلد كنستابل، فيقيم فيه ساعات عديدة واقفًا على سُلَّم عالٍ وبيده كتاب ضخم يطالع فيه، وما زال يقاوم الصعوبات بهمة تفوق التصديق حتى تغلب عليها وأزاحها من وجهه، فانفتحت أمامه أبواب المعرفة، وقبلما بلغ التاسعة عشرة حيَّر أساتذة إدنبرج بمعرفته في اليونانية واللاتينية وفي كثير من العلوم، ثم وجَّه أفكاره نحو الهند وطلب منصبًا سياسيًّا فلم يجد إلَّا أنه أُخْبِر بإمكان صيرورته معاونًا لجرَّاح، ولم يكن يعرف شيئًا من علم الجراحة، وكان عليه أنْ يتقلد المنصب المذكور بعد ستة أشهر، فأخذ في درس هذا العلم الذي يقتضي ثلاث سنوات فتعلمه في ستة أشهر، وامتُحن فيه ونال الشهادة، ثم توجه إلى الهند بعد أنْ طبع قصيدته المشهورة المعروفة بمناظر الطفولية، فأظهر في الهند ما يدل على صيرورته من البارعين في اللغات الشرقية، ولكن وافته المنية يافعًا، ولا دافع لقضاء الله.

وحياة الدكتور لي أستاذ العبرانية في مدرسة كمبردج من أعجب ما حدث في هذا العصر، وأقوى الأمثلة على فعل الصبر والمواظبة والعزم، فإنه تعلَّم مبادئ القراءة في مدرسة مجانية، ولم يكن نجيبًا على الإطلاق حتى قال معلمه إنه أبلد ولدٍ رآه في حياته. فوُضع صانعًا عند نجار وعمل في النجارة حتى بلغ أشدَّه، وعكف على القراءة ساعات الفراغ، وكان يعثر على بعض الاقتباسات اللاتينية، فعزم أنْ يعرف معناها فاشترى غراماطيقًا لاتينيًّا وشرع يدرس اللاتينية، وكان يقوم باكرًا وينام متأخرًا فأتقن اللغة اللاتينية في مدة قصيرة، وبينما هو يعمل في بعض المعابد عثر على نسخة من الإنجيل باليونانية، فتحركت فيه رغبة شديدة لتعلُّم هذه اللغة، فباع بعض كتبه اللاتينية واشترى غراماطيقًا يونانيًّا وكتابًا في متن اللغة، ولم يلبث طويلًا حتى أتقن اليونانية، فباع كتبها واشترى كتبًا عبرانية، وتعلم تلك اللغة بلا أستاذ غير طامع بالشهرة، بل تابعًا ميل طبيعته، ثم أخذ يتعلم الكلدانية والسريانية والسامرية، وحينئذٍ أثَّرت دروسه في صحته؛ فأصابه مرض في عينيه من درس الليل، حتى اضطرَّ أنْ يترك الدرس ريثما يملك صحته، وفي كل هذا الوقت كان آخذًا في حرفته، ونجح فيها نجاحًا مكَّنهُ من أنْ يتزوج وهو في الثامنة والعشرين، وحينئذٍ تفرغ لتحصيل ما يقوم بنفقة عائلته، فترك الدرس وباع كلَّ كتبه، ولو لم يحترق صندوق أدواته لبقي نجارًا كل حياته إلَّا أنه احترق ولم يكن قادرًا على ابتياع أدوات أخرى، فعزم أنْ يفتح مدرسة صغيرة لتعليم الصغار، ومع أنه تعلم كثيرًا من اللغات كان قاصرًا في أبسط فروع العلم، فلم يقدر أنْ يعلِّم في هذه المدرسة، ولكن علوَّ همته وشدة حزمه هوَّنا عليه كلَّ عسير، فتعلَّم من الحساب والكتابة ما يكفي لتعليم الأولاد، وكان واطئ الجانب، ليِّن العريكة؛ فجذب إليه قلوب كثيرين من الذين بُهِتوا من معرفته باللغات، وكان له جار صديق يُدعى الدكتور سكوت فساعده على إيجاد مركز في مدرسة شوبري المجانية، وعرَّفه برجل عالم باللغات الشرقية فقدَّما له كتبًا، فرجع إلى الدرس وتعلم العربية والفارسية والهندية، ثم دخل مدرسة كمبردج الملكية بمساعدة الدكتور سكوت، وبعد أنْ درس مدة واشتهر فيها بالرياضيات، أُخْلِي منصب أستاذ العربية والعبرانية في تلك المدرسة فقلدوه إياه، فقام بعبئه وكان يعلم اللغات الشرقية للمبشرين المزمعين على الانطلاق إلى الشرق، وترجم التوراة إلى كثير من لغات آسيا، ثم تعلم لغة زيلندا الجديدة، وصنَّف لها غراماطيقًا وكتاب لغة، وهما المعوَّل عليهما الآن في مدارس زيلاندا الجديدة، هذه خلاصة ترجمة هذا الفاضل الذي هو واحد من كثيرين من المشاهير الذين تعلموا بالاجتهاد والمواظبة.

ومهما تقدم الإنسان في السن لا يفوت وقت علمه، ولنا على ذاك شواهد كثيرة، فإن السر هنري سيلْمَن لم يباشر درس العلوم إلَّا بين السنة الخمسين والستين من عمره، وفرنكلين الأميركاني كان ابن خمسين سنة لما شرع في درس الفلسفة الطبيعية، ودريدن وسكوت لم يظهرا كمؤلفين حتى بلغ كلٌّ منهما الأربعين، وبكانشو كان ابن خمس وثلاثين سنة لما شرع في دروسه العلمية وألفيري كان ابن ست وأربعين سنة لما أخذ في درس اليونانية، والدكتور أرنلد تعلم الجرمانية بعد أنْ طعن في السن؛ لكي يقرأ نيبور بلغته الأصلية، وجمس وط تعلم الفرنساوية والجرمانية والإيطالية وهو ابن أربعين سنة؛ لكي يقرأ الكتب المؤلفة فيها في الفلسفة الميكانيكية، وتوما سكوت كان في السادسة والخمسين عندما شرع يتعلم العبرانية، وروبرت هُل تعلم الإيطالية وهو شيخ طاعن في السن ومكتنف بالأوجاع؛ لكي يرى صحة المقابلة التي عملها الشهير ماكولي بين ملتن الشاعر الإنكليزي ودنتي الشاعر الإيطالي، وهندل كان في الثامنة والأربعين قبلما أشهر شيئًا من كتبه الشهيرة، ويمكننا أنْ نذكر ألوفًا من الرجال الذين فتحوا لنفوسهم سبيلًا جديدًا بعد أنْ تقدموا في السن، وما من أحد يقول إنني كبرت عن العلم إلَّا الجبان أو الكسلان.

والآن نعيد ما ذكرناه قبلًا، وهو أنَّ الرجال الذين غيروا هيئة العالم وأحرزوا قصَب السَّبْق لم يكونوا من ذوي المواهب الفائقة، بل من ذوي الحزم والاجتهاد، وكثيرون من أذكياء العقول اشتُهروا في صغرهم، ولكن الاشتهار في الصغر لا يلزم عنه الاشتهار في الكبر، بل إنَّ النمو الباكر علامة على المرض؛ لأنه أين التلامذة النجباء الذين نالوا الجوائز واكتسبوا المديح، فتش عنهم في العالم ترَ أنَّ الذين كانوا دونهم بدرجات عديدة قد سبقوهم بمراحل، أمَّا هم فكانوا أذكياء العقول سريعي الخاطر، فنالوا الجوائز الحسنة مجازاة لنجاحهم، ولكن كان يجب أنْ تُعطَى هذه الجوائز للمجتهدين الباذلين جهدهم، وإنْ لم تكن قواهم العقلية في درجة عالية، ويمكننا أنْ نكتب فصلًا كبيرًا عن الأولاد البلداء الذين صاروا رجالًا أفاضل إلَّا أنَّ المقام لا يسمح لنا إلَّا بذكر بعضهم، فنقول: إنَّ بيترو دي كُرتونا المصور كان معدودًا من أبلد الأولاد حتى لُقِّب برأس الحمار، وتوماسو كويدي لُقب توما الثقيل، ولكنه ارتقى باجتهاده فيما بعد إلى أسمى المراتب، ونيوتن لما كان في المدرسة كان آخر أولاد صفه ما عدا واحدًا، وحدث يومًا أنَّ الصبي الذي فوقه في الصف رفسه برجله فخاصمه نيوتن، ثم عزم أنْ يغلبه بالدرس، فانصب بكلِّيَّته على دروسه ولم تمضِ عليه مدة طويلة حتى ارتقى إلى رأس الصف، وأكثر لاهوتييتنا لم يكونوا أذكياء في صغرهم، فإن إسحاق بَرُو كان مشهورًا بشراسة الأخلاق ومحبة النزاع، وكان يُضرَب المثل بكسله حتى إنَّ أباه قال مرارًا كثيرة إذا شاءت العناية الإلهية أنْ تأخذ ولدًا من أولادي فأحب أنْ تأخذ إسحاق الذي لا يُرجَى منه نفع، وآدم كلرك نعته أبوه بالأبله، ودِبَن سوفت طُرد من مدرسة دبلن الكلية، والدكتور تشلمرس الشهير والدكتور كك طردهما معلمهما زاعمًا أنهما أبلهان لا يقبلان الإصلاح أبدًا، وشريدن الشهير لم يكن نجيبًا في صغره حتى إنَّ أمه لما أخذته إلى المكتب قالت لمعلمه ها قد أتيتك بهذا الأبله الأَعْفك، والسر ولتر سكوت كان أبله أحمق محبًّا للخصام، حتى إنَّ الأستاذ دلزل قال: إنه أبله وسيبقى أبله كلَّ حياته، وتشترتن طُرد من المدرسة كأحمق لا يُرجَى منه نفع، وبرنس كان بليدًا لا ينفع إلَّا للعب، وكُلد سمِث قال عن نفسه إنه نبتة أزهرت متأخرًا، وألفيري خرج من المدرسة جاهلًا كما كان عندما دخلها، ولم يبتدئ في دروسه التي اشتُهر بها إلَّا بعد أنْ طاف نصف أوروبا هربًا، وروبرت كليف كان مشهورًا بالشقاوة والكسل، فأرسله والداه إلى الهند لكي يتخلصا منه، ولكن هو الذي وضع أساس السلطنة الإنكليزية في الهند، ونبوليون وولنتن كان كلٌّ منهما بليدًا في صغره، وأولهما لم يشتهر بشيء في المدرسة سوى بجودة صحته، والجنرال غرنت رئيس الولايات المتحدة الأميركانية لقبته أمه «يوزلس» أي عديم النفع؛ لبلادته وبلهه، وستُنول جكسن القائد الشهير اشتُهر ببلادته وهو صغير، وكان آخر ولد في صفه وهو سبعون تلميذًا، ولكن لما أكمل دروسه في المدرسة لم يكن فوقه سوى ستة عشر منهم والبقية دونه، وقيل إنه لو طال وقت المدرسة ست سنوات أخرى لخرج وهو رأس صفه، ويوحنا هورد الشهير كان بليدًا أيضًا، ومع أنه أقام سبع سنوات في المدرسة لم يتعلم شيئًا، وستفنصن لم يشتهر وهو في المدرسة إلَّا بالمصارعة، والسر همفري دافي لم يكن أنجب من غيره من التلامذة، ووط كان بليدًا إلَّا أنه كثير الانصباب؛ وذلك قدَّرهُ على إتمام الآلة البخارية.

ويمكننا أنْ نقول عن الصغار كما قال الدكتور أرنلد عن الكبار: إنَّ الفرق المعتبر بينهم ليس في جودة العقل، بل في الاجتهاد؛ لأن البليد المجتهد خير من الذكي الكسلان. ومن العجيب أنَّ بعض النجباء الأذكياء العقول لا ينجحون بخلاف البلداء، فإنهم إذا كانوا شديدي الاجتهاد والانصباب نجحوا دائمًا. وأنا (المؤلف) لما كنت حدثًا كان معي في صفي تلميذ بليد الذهن، حتى إنَّ كلَّ المعلمين أعيوا ولم يقدروا أنْ يجعلوه يستفيد شيئًا، فيئسوا منه وتركوه بعد أنْ استخدموا كلَّ واسطة لتحريك ذهنه، ولكن كان فيه شيء من العزم الذي نما بنموه، فلما دخل في مهام الحياة فاق كثيرين من أبناء صفه، وآخر مرة سمعت عنه كان رأس حكام بلاده.

ولا يخفى أنَّ السلحفاة المشهورة ببطئ الحركة إذا سارت في طريق قويم سبقت الفارس السائر في طريق معوج، فلا خوف على ولد بطيء الفهم إذا كان مجتهدًا، على أنَّ الذكاء قد يكون مضرًّا؛ لأن من تعلم سريعًا نسي سريعًا، هذا فضلًا عن أنَّ الذكي لا يرى لزومًا للاجتهاد والمواظبة اللذين يرى البليد لزومهما له ويمارسهما، ولا يخفى أنهما أصلٌّ لكلِّ نجاح.

والخلاصة أنَّ التهذيب لا يتوقف على المدارس والمعلمين، كما يتوقف على الاجتهاد بعد الدخول في ميدان الحياة؛ ولذلك لا يليق بالآباء أنْ يخافوا من تأخُّر بنيهم وهم في المدارس، ولا يجب أنْ ينتظروا منهم نجاحًا سريعًا، بل عليهم أنْ يكونوا صبورين، منتظرين فعل القدوة الحسنة والتربية الصحيحة فيهم، وتاركين ما بقي للعناية الإلهية، ويحرصوا على صحة أولادهم وتدريبهم في جادة التهذيب الذاتي، مربِّين فيهم روح الانصباب والمواظبة، فينجحون إذا كانوا أهلًا للنجاح، ولو بعد أنْ يتقدموا في السن.

هذا، وإنَّا نعرف كثيرين في بلاد الشام من الذين تركوا صناعة الحياكة أو السكافة، أو البناء، أو تقطيع الحجارة، ودخلوا المدارس العالية وتعلموا فيها، وهم الآن في أعلى المناصب، وكنَّا نود أنْ نذكر شيئًا مما نعلمه من أمرهم مثالًا لغيرهم لو علمنا أنهم لا يستنكفون من ذلك، ولو تدبروا الأمر ما استنكفوا من ذكر أصلهم الوضيع والمصاعب الكثيرة التي تغلبوا عليها؛ لأن ذلك يزيدهم شرفًا واعتبارًا في عيون الناس، ويؤهل كلًّا منهم لأن يقول:

ما بقومي شرفت بل شرفوا بي
وبنفسي فخرت لا بجدودي

ونعرف أيضًا كثيرين من الذين اشتُهروا بالنجابة وهم في المدارس، وكانوا في مقدمة صفوفهم، ثم أهملوا الدرس والتهذيب؛ فضاع علمهم ونُسِي اسمهم، وغيرهم من الذين لم يشتهروا بجودة الفهم والذاكرة، ثم اشتُهروا بالاجتهاد والمواظبة لمَّا تعاطوا مهام الحياة، فأفلحوا وأثروا وسبقوا الذين كانوا فوقهم في المدرسة بمراحل، ولا يمنعنا عن ذكر أسمائهم إلَّا كونهم لم يزالوا في غضاضة الشباب، فلا نعلم كيف تتقلب بهم صروف الزمان، أو كيف يتقلبون بها، واللبيب إذا أمعن نظره رأى بين جيرانه ومعارفه أمثلة كثيرة تؤيِّد كلَّ ما تقدم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١