الفصل التاسع

في رجال الأعمال

قال سليمان الحكيم: أرأيت رجلًا مجتهدًا في عمله أمام الملوك يقف (أم ٢٢ : ٢٩).

وقال الإمام عمر بن الخطاب: إني لأرى الرجل فيعجبني فأقول: أله حرفة؟ فإن قالوا لا، سقط من عيني.

وقال أون فلثام: من لم يتعلم صناعة ولا عملًا فهو حقير.

***

شبه هَزْلِت رجل العمل بإنسان محتقر مقيد بنير حرفته، لا يقدر أنْ يحيد عنه يمنة ولا يسرة، وليس عليه سوى أنْ يسير في السبيل المطروق الذي سار فيه من احترف هذه الحرفة قبله، ولكن هذا القول على حرف بل هو عن الصحة بمعزل، ومع هذا لا ننكر أنه يوجد بين أصحاب الأعمال من عقله محصور في دائرة ضيقة لا يتجاوزها، كما يوجد بين أصحاب الأقلام ورجال العلم والسياسة، ولكن هذا لا ينفي أنَّ بين أصحاب الأعمال أناسًا كبار العقول، يستطيعون المعاطاة في أوسع أعمال الدنيا، كما قال بُرك: إنه يعرف رجالًا من أشهر رجال السياسة كانوا تجارًا وباعة.

ولو التفتنا إلى ما تستدعيه الأعمال لنجاحها من الأهلية والسرعة وحسن الإدارة والعلم بطبائع البشر ونحو ذلك، لرأينا جليًّا أنَّ مدرسة العمل ليست ضيقة النطاق بل واسعته، وتقبل الاتساع إلى ما شاء الله، ولقد أصاب مستر هلبس إذ قال: إنَّ رجال العمل الماهرين نادرون كالشعراء المفْلِقين، وأندر من القديسين والشهداء الحقيقيين، إلَّا أنَّ من الجهال من يزعم أنه لا يليق بذوي المواهب الفائقة أنْ يتعاطوا الأعمال الاعتيادية. ومن برهة وجيزة انتحر شاب؛ لأنه مولود على ما زعم ليكون من ذوي الوجاهة، وحكم عليه أنْ يكون بدَّالًا، فأثبت بعمله هذا أنه لا يستحق أنْ يكون شيئًا. والحرفة لا تحط شأن الرجل بل الرجل يحط شأن الحرفة، وكل الأعمال الجسدية والعقلية مكرمة على حدٍّ سوى بشرط أنْ يكون ربحها جائزًا، وقد تغوص الأصابع في الأقذار، ويبقى القلب طاهرًا؛ لأن النجاسة أمر أدبي لا مادي، قال المتنبي:

يهون علينا أنْ تصاب جسومنا
وتسلم أعراض لنا وعقول

وقال أيضًا:

غَثاثة عيشي أنْ تغث كرامتي
وليس بغثٍّ أنْ تغث المآكل

وأشهر الرجال لم يستنكفوا من معاطاة الأعمال لأجل تحصيل معيشتهم، وهم يطلبون أسمى المطالب، فإن طاليس المليطي رأس الحكماء السبعة وصولون المؤسس الثاني لأثينا وهيبراتبس كانوا من رجال الصناعة، وأفلاطون الحكيم كان يبيع الزيت وهو يطوف بلاد مصر وينفق مما يربحه منه، وسبينوزا حصَّل معيشته بصقل زجاجات المناظر لمَّا كان آخذًا في أبحاثه الفلسفية، ولينيوس النباتي العظيم تتبَّع العلم وهو يعمل في السكافة، وشكسبير رأس شعراء الإنكليز كان يدير الملاعب ويفتخر بإدارتها أكثر مما بالنظم. وقد ارتأى الشاعر بوب أن قصارى شكسبير في إتقانه الشعر والإنشاء تحصيل معيشته، والظاهر أنه لم يقصد الشهرة ولا طبع شيئًا من نظمه، ولكنه كسب مالًا كافيًا من الملاعب حتى صار له منه دخل كافٍ، فاعتزل حينئذٍ إلى المدينة التي وُلِد فيها. وتشوسر الشاعر كان في أول حياته عسكريًّا، ثم دخل بيت المكس، وصار ناظرًا على الأراضي الأميرية، وسبنسر كان كاتب سرٍّ لنائب أرلندا، ثم صار رئيس حرَس كرك. وملتن كان معلمًا، ثم ارتقى إلى رتبة كاتب سر لمجلس إدارة البلاد في أيام الثورة. والسر إسحاق نيوتن كان في مضرب النقود، والنقود التي ضربت ١٦٩٤ ضُرِبت تحت مراقبته. ووردسورث كان يوزع أوراق البريد، وسكوت كان كاتبًا وكلاهما كان مثلًا في المحافظة على الوقت، وداود ريكرْدو كان تاجرًا، فحصل على ثروة وافرة، ووضع علم الاقتصاد السياسي وهو آخذ في عمله، فجاء علمًا نفيسًا مبنيًّا على اختبار تاجر حاذق وفيلسوف نقريس، وبيلي الفلكي كان سمسارًا، وألن الكيمياوي حائكًا.

وفي عصرنا هذا أناس كثيرون يبين منهم أن أسمى القوى العقلية حليف للعمل والتعب، فإن غروت المؤرخ كان صرَّافًا، ويوحنا ستورت مل الفيلسوف الشهير كان فاحصًا في شركة الهند الشرقية، وكان العاملون معه يعتبرونه اعتبارًا عظيمًا لا لآرائه الفلسفية بل لنشاطه في عمله، والنجاح في الأعمال مثل النجاح في العلوم تمامًا؛ لا يحصل إلَّا بالصبر والتعب والانصباب. قال قدماء اليونان: لا ينجح الإنسان في عمل إلا بالرغبة والدرس والمزاولة. وسر النجاح المزاولة، ورب قوم ينجحون بالصدفة، ولكن نجاح الصدفة كربح المقامر آلة لخرابه، كان من عادة الفيلسوف باكون أنْ يقول: إنَّ الأعمال كالطرق فالمعاجيل أوعرها، ومن طلب الراحة فعليه بالطرق الطويلة، وإنْ أضاع فيها وقتًا طويلًا.

وما قيل في خرافات اليونان عن هرقل ومشقاته التي عاناها قبل أن نجح، يصح أنْ يكون مثالًا لنجاح كلِّ البشر. فليعلم كلُّ شابٍّ أنَّ سعادته وارتقاءه يتوقفان عليه وعلى اجتهاده لا على مساعدة الغير له. وما أحسن ما كتبه المرحوم اللورد ملبرن إلى اللورد جون رُسل جوابًا عن كتاب توصية بأحد أولاد الشاعر جون مور، قال: أيها العزيز، أرى أنَّ الأفضل لنا أنْ نساعد مورًا نفسه لا ابنه؛ لأن مساعدة الشبان تضر بهم، إذ تجعلهم يعتدُّون بنفوسهم ولا يعولون عليها، ويجب أن لا نخاطب الشاب إلا بقولنا اعتمد أيها الشاب على نفسك، فإن تكاسلت ومتَّ جوعًا فدمك على رأسك.

والأعمال المبنية على مبادئ صحيحة لغايات حميدة، لا بُدَّ من أنْ تنتج منها نتائج حميدة، هذا فضلًا عن أنها ترقِّي شأن الإنسان، وتصلح صفاته، وتحرِّك همة غيره للاقتداء به، ولا يمكننا أنْ نطمع بأن ينجح الجميع على حدٍّ سوى، ولكن كلٌّ ينجح على قدر اجتهاده واستحقاقه، كما قال الشاعر:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام الكرائم

وعلى كلٍّ، لا يناسب البشر أنْ تكون طرقهم سهلة، والأفضل للإنسان أنْ يكون مضطرًّا أنْ يعمل بالكدح ويعيش بالتقتير من أنْ يرى رزقه سهلًا ميسورًا ومهده رطبًا طريًّا. ومن المؤكد أنَّ الذين يدخلون ميدان الحياة وزادهم قليل يكونون أكثر رغبة من غيرهم حتى إنَّ ذلك شرط لازم للنجاح. قيل: سُئل أحد القضاة: بِمَ يرتقي الناس إلى منصب القضاء؟ فقال: «البعض يرتقون بالذكاء، والبعض بالشرف، والبعض بالمعجزة، والأكثرون بالفقر.»

والعمل أصل نجاح العباد وعمران البلاد، ولا بلية على الإنسان أشد من أنْ يتمتع بكل أمانيه هنيئًا مريئًا بلا تعب ولا كد. والأمة التي ليس في أفرادها ميل إلى العمل والكد والاستقلال يجب حذفها من سلك الأمم. قيل: سأل المركيز ده سينولا السر هوراس فير قائلًا: ممَّ مات أخوك؟ فأجابه: من عدم العمل، فقال المركيز: أصبت ولعل ذلك كافٍ لأن يميت كلَّ جنرال منا.

ومن الغريب أنَّ الذين تخيب مساعيهم ينسبون خيبتهم غالبًا إلى غيرهم، وحسبنا دليلًا على ذلك أنَّ أحد الكتاب ألَّف كتابًا من عهد قريب، وعدَّد فيه الأعمال الكثيرة التي أخذ فيها ولم ينجح، وذكر من جملة ما ذكره أنه يجهل جدول الضرب، وبعد كلام طويل قال إنَّ عدم نجاحه حدث من أنَّ العصر الذي هو فيه عصر عبادة المال. ولمرتين الشاعر لم يخجل من ذكره ازدراءه بعلم الحساب، ولو اعتبر هذا العلم الشريف حق الاعتبار، فربما ما رأينا أصحابه يهتمون بجمع الإحسان له في شيخوخته.

ومن الناس من يزعم أنه وُلِد في طالع نحس، فلا يمكنه أنْ ينجح في عمل يأخذ فيه. قال واحد: إنه لو كانت صناعته عمل الطرابيش لَوُلِد الناس بلا رءوس. أمَّا المثل المسكوني فيقول: إنَّ النحس جار الكسل. وإذا دققنا النظر رأينا أنَّ الناس الذين يتشكَّون من النحس هم الذين يحصدون ثمر إهمالهم، وعدم اهتمامهم، وقلة انصبابهم، وهم الجديرون بأن يقولوا:

نعيب زماننا والعيب فينا
وما لزماننا عيبٌ سوانا
ونهجو دهرنا من غير ذنبٍ
ولو نطق الزمان بنا هجانا

قال الدكتور جنسن الذي أتى لندن وفي جيبهِ دينار واحد: إنْ شكوى الناس من الدهر بطلٌ وظلم؛ لأنني لم أرَ رجلًا نشيطًا مهمَلًا، وكل من تخيب مساعيهِ لومُه غالبًا على نفسهِ. وقال أبو العلاءِ:

يقولون الزمان به فساد
وهم فسدوا وما فسد الزمان

وقال وشنطون أرفن المؤرخ الأميركي الشهير: «إنني كثيرًا ما أسمع الكَسِل الوَكَل يتشكَّى من ظلم الزمان وجوره على ذوي الفضل، وما تلك إلا تعلَّة باطلة؛ لأنه ما من أحد من ذوي الفضل إلَّا ويفلح إذا كان من ذوي التدبير والسعي لا من الجبناء الذين ينزوون في بيوتهم، ويتوقعون أنْ يسوق القدر إليهم رزقهم. ومن الأقوال المتداولة أنَّ الدهر يخفض الفضلاء ويرفع الجهلاء، ولعل ذلك لا يخلو من الصحة؛ لأن جهلاء القوم قد يكونون من أهل النشاط والهمة، «ألا ترى أنَّ الكلب النابح أنفع من الأسد النائم.»

والنجاح في العمل يستدعي وجود الانصباب في العامل والانتباه والتدقيق والترتيب والمحافظة على الوقت، وإذا نظرنا إلى هذه الصفات رأيناها من أول وهلة أمورًا طفيفة، ولكن بعد التروي نجد أنها أمور جوهرية لراحة البشر وتقدمهم ونجاحهم وإن كانت صغيرة، فالعالم مركب من الصغائر، وصفات الأمم مؤلفة من تكرار أعمال صغيرة مثل هذه، وما من شعب حُطَّ شأنه إلَّا بسبب إهماله هذه الأمور الصغيرة وأمثالها، وعلى كل أحد واجبات إمَّا عائلية كتدبير المنزل أو خارجية كاحتراف الحرف، أو جمهورية كسياسة الأمة، ولا بدَّ في كل حال من القيام بها.

أمَّا الانصباب فقد تقدمت أمثلة كثيرة عليه من الذين نجحوا في كلِّ نوع من الصنائع والعلوم والفنون، فلا حاجة إلى تكرار ذلك، والانتباه ليس أقل من الانصباب لزومًا للنجاح، والتدقيق صفة ضرورية وسمة من سمات حسن التهذيب، ولا بدَّ من التدقيق في الملاحظة وفي الكلام وفي إجراء الأعمال. وأفضل للإنسان أنْ يعمل عملًا صغيرًا بدقة من أنْ يعمل عشرة أضعاف ذلك العمل بغير دقة، ولكن كثيرين لا يبالون بهذه الصفة مع أنهم يشعرون بالمضار الناتجة من إهمالها، ومن لم يكن مدققًا في أعماله لا يُؤتمَن عليها ولو كان أمينًا ماهرًا؛ لأنه لا يعملها جيدًا. يُحْكَى أنَّ تشارلس جمس فكس لما عُيِّن كاتب أسرار البلاد عِيبت عليه رداءة خطه، فلم يستنكف أن أتى معلمًا يعلمه الخط، وواظب على ذلك حتى أجاد خطه، وتدقيقه في ذلك يُظْهر تدقيقه في الأمور الكبيرة، والترتيب ضروري؛ لأنه يُعين على إتمام قدر جزيل من العمل في وقت قصير إتمامًا مرضيًا. قال رتشرد سسل: إنَّ الترتيب في الأعمال يشبه وضع الأمتعة في الصناديق، فالإنسان الحاذق يضع في الصندوق مضاعف ما يضعه فيه غير الحاذق. وترتيب سسل هذا يُضْرَب به المثل حتى إنه جعل له دستورًا: «إنَّ الطريق الأخصر لإتمام الأعمال أن لا يُعْمَل في وقت واحد إلَّا عمل واحد.» ولم يترك عملًا حتى أكمله تمامًا، ولما كانت تتكاثر عليه الأعمال كان يواصل العمل بها حتى يتمَّها. وكان دستور ده وت مثل دستور سسل؛ أي أن يُعمل عمل واحد في الوقت الواحد. وقال إنه ما ترك عملًا وشرع في آخر إلَّا بعد أنْ أتمَّ الأول جيدًا. سُئل أحد الوزراء الفرنساويين، وكان ينجز أعمالًا كثيرة في وقت قصير: بِمَ تنجز هذا المقدار من الأعمال؟ فقال: بعدم تأخيري إلى الغد ما يمكنني عمله اليوم، فكأنه قال بلسان الشاعر العربي:

ولا أُؤخِّر شغل اليوم عن كسل
إلى غدٍ إن يوم العاجزين غد

وقال اللورد بروم: إنَّ أحد رجال السياسة أخذ هذا القول، وجرى على عكسه؛ أي إنه لم يعمل في يومه إلا ما لا يمكن تأخيره إلى غده. والظاهر أنَّ كثيرين ينهجون هذا المنهج ناسين أنه دأْب الكسالى الذين يتكلون على غيرهم لإتمام أعمالهم، ولكن اسمع ما قال المثل: إنْ أردتَ قضاء حاجتك فاقضها بنفسك، وإذا لم تُرِد قضاءها فوكِّل به غيرك. وما حك ظهرك مثل ظفرك.

رُوِي أنَّ أحد الأغنياء الكسالى كان له أرض دَخْلُها خمس مائة ليرة في السنة، فكثرت عليه الديون حتى التزم أنْ يبيع نصفها، ويضمِّن النصف الآخر لأحد الفلاحين النشيطين، وبعد مضي مدة من الزمان أتى هذا الفلاح إلى صاحب الأرض، وسأله عما إذا كان يريد أنْ يبيعه بقية الأرض، فقال له: وهل تقدر أنْ تشتريها. قال: نعم، إذا اتفقنا على الثمن، فقال: إنَّ في ذلك عجبًا، فأخبرني لماذا لم يكن الدخل من مضاعف هذه الأرض يكفيني، ولم أكن أدفع عليها شيئًا، وأمَّا أنت فتدفع لي مائتي ليرة كلَّ سنة ضمانًا، وقد صرت قادرًا أنْ تشتري كل الأرض، وليس لك مدة طويلة فيها؟ فأجابه: إنَّ سبب ذلك واضح جدًّا، وهو أنك تجلس في بيتك وتقول اذهب، ولكنني أنا أقوم وأقول تعال، أنت تنام في سريرك وتبذِّر أموالك، وأنا أقوم صباحًا وأدبِّر أعمالي.

كتب أحد الشبان إلى السر ولتر سكوت يطلب نصحه، وكان قد دخل في منصب، فكتب له الجواب بهذه الصورة:

احترس من البطالة، ولا تؤخر عملًا يجب عمله، ولْتكن أوقات الراحة بعد العمل لا قبله، إذا سار جيش واضطربت مقدمته قليلًا حدث اضطراب عظيم في ساقته، وهكذا الحال في الأعمال، فإن لم تُكْمِل ما بيدك من العمل فعمَّا قليل تزدحم عليك الأعمال فتضيق بها ذرعًا.

أما المحافظة على الوقت فلا يهتم بها إلَّا من يعتبر قيمة الوقت. قال واحد من الفلاسفة الإيطاليين: إنَّ الوقت عَقَار كلِّ إنسان، ولكن هذا العقار لا ينتج شيئًا ما لم يفلح ويُصلح، فمن اهتمَّ به جنى ثمر أتعابه، ومن أهمله لم يحصد منه سوى الشوك والحسك وكل المضار. ومن فائدة المحافظة على الوقت أنها تمنع ارتكاب الشرور. قال المَثَل: «رأسُ الكسلان خانُ الشيطان، وفي عقل البليد شيطان مريد.» ألا ترى أنه إذا كان الإنسان بطالًا وكانت أبواب ذهنه مفتوحة تجد التجارب إليه سبيلًا وتتقاطر الهواجس إلى عقله. ولقد لوحظ أنَّ النوتية تكثر بينهم الفتن عندما يكونون بطالين؛ ولذلك كان من عادة أحد الربَّانين أنه إذا لم يبق عملٌ للملاحين أمرهم بصقل المراسي.

ومن عادة رجال الأعمال أنْ يعتبروا الوقت مالًا، ولكنه أكثر من مال، واغتنامه يزيد الإنسان علمًا وتهذيبًا وشهرة. ولو قضى الإنسان ساعة كلَّ يوم في تهذيب نفسه بدلًا من أنْ يقضيها في الكسل أو في أمور لا طائل تحتها، لصار حكيمًا في سنين قليلة. ومن خصَّص ربع ساعة كلَّ يوم بتوسيع معارفه رأى لها نتيجة كبيرة في سنة واحدة. والواسطة الفضلى لجعل الوقت كافيًا للعمل والراحة هي إنجاز الأعمال في أوقاتها وإلا تراكمت على الإنسان، فضاق بها ذرعًا، وصار عملها كلها فوق طاقته. ومن الناس من لا يعتبر الوقت حتى يفوت، كما أنَّ منهم من لا يعتبر المال حتى ينفد. فإذا اعتاد الإنسان على البطالة، تملكت فيه هذه الخلة حتى إذا أراد النهوض للعمل رأى نفسه مقيدًا بسلاسل الكسل التي ارتبط بها بإرادته. ومن يضيع ماله يسترده بالاجتهاد ومن يضيع علمه يسترده بالدرس، ومن يضيع صحته يستردها بالدواء، وأمَّا من يضيع وقته فلا يقدر أنْ يسترده بواسطة من الوسائط.

واعتبار الوقت يعين على المحافظة عليه. قال الملك لويس الرابع عشر: «المحافظة على الوقت من كمالات الملوك.» وهي أيضًا من واجبات الأشراف وضروريات الصناع، ولا شيء يقوي ثقتنا بإنسان مثل وجود هذه الصفة فيه، ولا شيء يقلل ثقتنا به مثل إهماله إياها، فمن أنجز كلَّ شيء في وقته ظهر أنه معتبرٌ وقته ووقت غيره، ومن ارتبط بعمل ولم يأخذ فيه كلَّ يوم في الوقت المؤجَّل عُدَّ مخلفًا العهد حانثًا بل كاذبًا بل مجرمًا. ومن لا يهتم بالوقت لا يهتم بالعمل ولا يستحق أنْ يُؤتمَن على أعمالٍ ذات طائل. حُكي أنَّ كاتب أسرار وشنطون تأخَّر يومًا عن المجيء إليه في الوقت المعين وألقى اللوم على ساعته، فقال له وشنطون: أبدل ساعتك بأخرى وإلا بدلتك بآخر.

والذين يتأخرون عن عمل كلِّ شيء في وقته يذهبون إلى السفينة بعد أن تسافر، ويكتبون مكاتيبهم بعد أن يسير البريد، فتكون كل أعمالهم في ارتباك واضطراب دائمَيْن. والاختبار يرينا أن الذين لا يحافظون على الوقت لا يصلون إلى النجاح، بل يطرحهم العالم وراء ظهره؛ ليرثوا نصيب الكسالى البطالين الذين دأبهم التذمر من صروف الدهر.

وعلى رجال العمل أن يكونوا سريعي الخاطر أيضًا في إجراء مقاصدهم، شديدي الثبات في إتمامها. وسرعة الخاطر والثبات ضروريان جدًّا، وهما وإن كانا بالطبع لا بالوضع فالاختبار والملاحظة يقويانهما، ومن قاما فيه يرى من أول وهلة منهج العمل الذي يقصد الأخذ فيه، حتى إذا كان ذا عزم جرى في عمله وبلغ منه أمانيه، وهاتان الصفتان — أعني سرعة الخاطر والثبات — ضروريتان جدًّا لكل أحد، ولاسيما للذين عليهم إدارة الأعمال الكبيرة مثل قيادة الجيوش؛ لأنه لا يكفي أنْ يكون القائد بطلًا محنكًا، بل يجب أنْ يكون نبيهًا خبيرًا بأحوال البشر وأخلاقهم، قادرًا على تنظيم عدد وافر من الرجال على أنْ يطعمهم ويكسوهم، ويدبِّر أمر منامهم ورحيلهم ونزولهم وصكهم في الحرب والاعتناء بالجرحى منهم إلى غير ذلك. والمرجح أنه ليس بين قواد الأرض مَن هو أشهر من نبوليون وولنتون، فنبوليون كان قوي التصور متدبرًا للأمور وناظرًا في عواقبها نظر الخبير الحازم، وكان غايةً في الزكانة والفراسة، ينظر إلى الرجل فيعرف أطواره؛ ولذلك قلَّما أخطأ في اختيار رجاله، ولكنه لم يعتمد عليهم كثيرًا في المسائل الكبيرة ذات القدر.

ومن أراد الإطلاع على أطوار هذا الرجل العظيم بالتفصيل، فعليه بمراسلات نبوليون المطبوعة في باريس بأمر نبوليون الثالث وبالمجلد الخامس عشر منه، المتضمن مكاتيبه التي كتبها وهو في حدود بولونيا سنة ١٨٠٧ بعد غلبة أيلو، فإنه كان في ذلك الوقت نازلًا على نهر بَسَرْج والروسيون أمامه والنمساويون عن يمينه والبروسيانيون وراءه، وكان عليه أنْ يراسل فرنسا في أمور مهمة جدًّا وهو في بلاد العدو، ولكنه كان قد سبق ودبَّر أمر ذلك، فواصل الرسائل ولم يُفقَد له كتاب واحد، وكان يلتفت إلى حركات العساكر وطَلَبِ النجدات من أقاصي فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وجرمانيا، وفتح الخلجان، وتمهيد الطرق لجلب المئونة من بولونيا وبروسيا، وكانت أوامره تصدر لجلب الخيل وعمل السروج والأحذية واستحضار المئونة الكافية من الخبز والأشربة معيِّنًا أنواعها ومقاديرها، وفي الوقت نفسه كان يكتب إلى باريس في شأن ترتيب مدرستها الكلية وسن شرائع التعليم العمومي، ويكاتب جريدة المونيتور، ويراجع تقارير وكلاء المال، ويرشد العاملين في التويلري وفي كنيسة المدلين، ويرد على جرنالات بروسيا، ويندد بمدام ده ستايل، ويسعى لإزالة النزاع من الملعب الكبير، ويكاتب سلطان الأتراك وشاه العجم إلى غير ذلك من الأشغال الكثيرة، فكان جسده في فنكنستن وعقله يشتغل في أكثر من مائة مكان في باريس وأوروبا وفي كلِّ الدنيا، وكان يهتم بالكبائر والصغائر على حدِّ سوى، فإنك تراه يكتب إلى ناي يسأله عما إذا كانت البنادق وصلت إليه في حينها، وإلى البرنس جيروم يرشده في أمر القمصان والجبب والأحذية والشواكي١ والأسلحة التي يريد إرسالها إلى كتائب ورتمبرج، وإلى كمبسرة ليسرع بإرسال الحنطة الكافية للجنود، قائلًا له: إنَّ «إنْ ولكن» لا محلَّ لهما في ذلك الوقت. وإلى بارو أن الجنود في احتياج إلى القمصان. وإلى غراندوك برج قائلًا: إنَّ الجنود تحتاج سيوفًا، فأرسل من يجلبها من بوزن، وخوذًا فمُرْ أنْ تُصنَع في إبلن. إلى أنْ قال: ولا يمكننا أنْ نتمم عملًا ونحن نيام. وقد فعل كلَّ ذلك في وقت واحد، ولم يترك أمرًا صغيرًا كان أو كبيرًا إلَّا أعطاه حقه الواجب من التروي والإجراء، وكان يقضي أكثر أوقاته في افتقاد أحوال جيوشه، فيضطر أحيانًا أنْ يسير ثلاثين أو أربعين غلوة في اليوم راكبًا، ومع ذلك لم يهمل شيئًا من مهام السلطنة، بل كان يشتغل أكثر لياليه بمراجعة الحسابات، وتعديل الدخل والخرج، وكتابة الأوامر، وسن الشرائع، وتدبير بقية أحوال السلطنة التي كان مركز دولابها في رأسه.

وديوك ولنتون يُعَدُّ من رتبة بونابرت في الإقدام على الأعمال الكثيرة، ومن المعلوم أنَّ هذا الديوك انتصر في كل حروبه بلا استثناء، وقد نسب البعض ذلك إلى طاقته على العمل، فإنه لما كان جنديًّا لم يكتف بالتقدم البطيء، الذي كان يتقدمه، فانتقل من المشاة إلى الفرسان، ولكن بدون تقدُّم، فطلب من اللورد كمدن الذي كان حينئذٍ حاكمًا على أرلندا أنْ يستخدمه في الخزينة، ولو استخدمه فيها لأفلح وصار رئيس العمل، ولكنه لم يستخدمه، وإلَّا لما صار أعظم قواد الإنكليز، وأول ما انتظم في الجند كان في جيش ديوك بُرك والجنرال ولمودن في هولندا والفلمنك، فتعلَّم في وسط البلايا الكثيرة التي ألمَّت بذلك الجيش أنَّ سوء القيادة يفسد آداب الجند. ولما قضى عشر سنوات في الجندية صار كرنالًا في الهند وكان ممدوحًا من رؤساء الجيش الذين كانوا يقولون إنه غاية في الإقدام والانصباب، ثم أخذ ينظر في أسرار عمله واجتهد في ترقية شأن رجاله إلى أسمى الدرجات حتى إنَّ الجنرال هرِّس كتب سنة ١٧٩٩ أنَّ كتيبة الكرنال ولسلي (ولسلي اسم ديوك ولنتن) قدوة لبقية الكتائب في النظام والترتيب والتهذيب والانقياد حتى إنَّ القلم قاصر عن القيام بمدحه ومدحها. فأَعَدَّ نفسه لمناصب أسمى من منصبه، ولم يمض عليه إلا برهة يسيرة حتى عُيِّن حاكمًا لقصبة ميسور، ثم لما انتشبت حرب المهرتات جُعل جنرالًا وله من العمر أربع وثلاثون سنة، وانتصر في واقعة أساي الشهيرة، ولم يكن معه سوى ١٥٠٠ عسكري من الإنكليز، و٥٠٠٠ من الهنود، وجيش المهرتا مؤَّلف من عشرين ألف راجل وثلاثين ألف فارس، ثم حدث ما أظهر حكمته وإنصافه، وذلك أنه ولي بُعَيد الغلبة إمارة ولاية ذات أهمية، وكان غرضه الأول تنظيم رجاله الذين أخذوا يتورطون في السكر والخلاعة بعد الظفر كما هو شأن الجنود، فقتل المذنبين منهم، فرجع النظام إلى الجيش كله، ومن نظر إلى هذا العمل رآه في بادئ الأمر قساوة بربرية إلَّا أنه إذا ترواه رآه خيرًا عظيمًا للجنود كفاهم شرَّ الانكسار مرارًا عديدة، والقتل أنفى للقتل، ثم وجه اهتمامه إلى فتح الأسواق وإرجاع دولاب الأعمال؛ لكي يبتاع مئونة كافية للجيش بأثمان مناسبة فنجح أي نجاح، ومما يستحق الالتفات أنه كان يمكنه — وهو في ميدان الحرب وحومة الوغى — أنْ يجمع أفكاره، ويوجهها إلى كلِّ أمرٍ أراده.

وسنة ١٨٠٨ عُقد له على عشرة آلاف جندي مُعدَّة لتحرير البرتروغال، فمضى إليها، وحارب العدو، وانتصر في واقعتين عظيمتين، وأمضى معاهدة سنترا، ثم عُقد له على جيش آخر بعد وفاة السر جون مور، ولكنه كان كل مدة بقائه في إسبانيا في مركز خطر لقلة جيشه في جنب جيش العدو، فإن جيشه لم يزد على الثلاثين ألفًا، وجيوش العدو كانت تنيِّف على ثلاث مائة وخمسين ألف جندي فرنساوي، ممَّن حنَّكتهم الحروب المتواصلة، وقوادهم من أفضل قواد نبوليون، إلَّا أنه سلك منهجًا يخالف المنهج الذي سلكته جنود إسبانيا؛ أي إنه كفَّ عن ملاقاة جنود فرنسا في السهول، وارتد إلى البرتوغال، ونظَّم جنودًا من البرتوغاليين، وأقام عليهم رؤساء من الإنكليز، وترك الحرب مدة من الزمان؛ لكي يضعف حماسة الجيوش الفرنساوية التي لا تثور إلَّا عند الانتصار، عازمًا أنْ يقع عليها عندما يرى جيوشه مستعدة، وهي — أي الجيوش الفرنساوية — متكاسلة من جري البطالة ومتوغلة في الشرور، ومن تتبع الوسائل التي استعملها ولنتون في حروب إسبانيا، ونال بها الظفر رأى مقدار الحكمة المذخرة في رأس ذلك الرجل العظيم، كيف لا وقد كان محاطًا بصعوبات لا تُصدَّق، وأكثرها ناتج من النفاق والمَين وسوء التدبير، وغير ذلك من الشرور التي كانت رائجة حينئذٍ في الحكومة الإنكليزية، ومن جبانة الشعب الذي مضى لإنقاذه وبلادته وعجبه، حتى يمكنا أنْ نقول إنه أقام بحروب إسبانيا بنفسه وبثبات عزمه الذي لم يفارقه قط. ولم يكن عليه أنْ يحارب أبطال فرنسا فقط، بل أنْ يقاوم مجالس إسبانيا والبرتوغال، وكان أصعب شيء عليه تحصيل القوت والكسوة لجنوده، ومما يستحق الذكر أنَّ جنود إسبانيا التي هربت في واقعة تلافرا مرَّت على أمتعة عساكر الإنكليز ونهبتها والديوك مع العدو في ساحة النزال، فاحتمل هذه البلية وغيرها بصبر وجلد عجيبَيْنِ، ولما رأى أنه لم يعد الطعام يأتيه من إنكلترا، ولا يُرجَى إتيانه منها، أخذ يتجر بالحنطة، وعقد معاهدات مع كثيرين من التجار في لسبون وغيرها، وكانت السفن تجلب له الحنطة من أساكل بحر الروم وجنوبي أميركا، فملأ مخازنه، وباع ما فاض للبرتوغاليين الذين كانوا حينئذٍ في احتياج شديد للحنطة، فأَعدَّ كلَّ شيء، واهتم بكلِّ شيء، ولم يتَّكل على الصُّدف، وكان يهتم بالأشياء الطفيفة أيضًا كالأحذية والقدور والعليق ونحو ذلك، وتغلب على إسبانيا بحسن إدارته التي جعل بها رعاع الناس من أفضل جنود أوروبا تعلُّمًا وتهذُّبًا، وكان مستعدًا أنْ يلقى بهم أقوى جيوش الأرض.

قد أشرنا سابقًا إلى صفة عجيبة فيه، وهي قدرته على سلخ أفكاره عن الأمور التي في يده مهما كانت مهمة، وتوجيهها إلى أمور بعيدة عنها كلَّ البعد، ومن ذلك ما حكاه نبير، وهو أنه بينما كان آخذًا في الاستعداد لواقعة سلامنكا، كان يكتب إلى الوزراء في لندن مبرهنًا لهم عدم فائدة الاعتماد على القرض، وحينما كان في ساحة القتال على أعالي سان كريستوفال أثبت عدم إمكان إنشاء بنك برتوغالي، ولما كان محاصرًا في خنادق برغُس حلَّل مذهب فنكل في المالية، وأظهر جهل مَنْ ارتأى بيع أوقاف الكنائس. والخلاصة أنه أظهر نفسه عارفًا بحقائق هذه الأمور مثل معرفته بأحوال الحروب.

ومما يُظْهِر كونه من رجال العمل المستقيمين أمانته العظيمة وشرف نفسه، فإن القائد سُلَت الفرنساوي نهب من إسبانيا صورًا عديدة ثمينة جدًّا، أمَّا هو فلم يأخذ من إسبانيا ما قيمته درهم واحد، وحيثما سار سار على نفقته حتى في أرض العدو، ولما اجتاز تخوم فرنسا تبعه أربعون ألف إسبانيولي قاصدين الغنيمة فوبَّخ رؤساءهم، ثم لما قنط من إصلاحهم ردهم إلى بلادهم. ومما يستحق العجب أنَّ فلاحي فرنسا كانوا يهربون من وجه جنود بلادهم، ويحملون أمتعتهم ويأتون ويحتمون عند جنود الإنكليز، وفي ذلك الوقت نفسه كتب ولنتون إلى إنكلترا يقول:

قد تراكمت علينا الديون من كلِّ ناحية، ولا أجسر على الخروج من بيتي؛ لأن عددًا وافرًا من المداينين ينتظرونني خارجًا طالبين وفاء ما لهم عليَّ.

قال يوليوس مرل: «إنَّ هذا البطل قد خاف من مداينيه وهو يقود عسكرًا جرارًا في بلادهم، فلا شيء أعجب من ذلك ولا أشرف منه، وهذا الخوف لم يخامر قلب منتصر قط.» أمَّا هو فلم يفعل ذلك طمعًا بتخليد ذكره واكتساب المدح، بل حسب أنَّ وفاء ديونه في ميقاتها من أفعل الوسائل لإجراء مقاصده.

ومن الأمور الجوهرية لنجاح رجال الأعمال الأمانة، وهي لازمة للصانع لزوم الشجاعة للجندي، ولا ينجح صانع غير أمين. وكلُّ الصناع مهما اختلفت صنائعهم لهم باب واسع لإظهار أمانتهم. قيل إنَّ رجلًا صناعته عمل البيرة كان يجول في معمله ويذوق البيرة، وهي تُعمَل، فيقول للصناع: زيدوا خميرها؛ لئلا تخرج ضعيفة. فاشتُهرت بيرته بجودتها في بلدان كثيرة، فربح أرباحًا وافرة، وصار من الأغنياء العظام. وقال هيوملر عن البنَّاء الذي تعلَّم منه صناعة البناء إنه كان يوقف أمانته أمامه كلما بنى حجرًا. ومن سار بالأمانة اشتُهر اسمه كعَرْف طيِّب، وراجت بضائعه وأفلح وأثرى. قال البارون دوبن لمَّا أراد أنْ يثبت أنَّ أمانة الشعب الإنكليزي سبب نجاحه: «لربما ننجح بالغش والخداع، ولكن نجاحنا يكون قصير الإقامة، وأمَّا إذا عملنا أعمالنا بأمانة نجحنا نجاحًا ثابتًا، وحكمة التاجر واقتصاده وأمانته أقدر على إنجاحه من نشاطه وحذاقته وإقدامه وحسن بضاعته، ولو فَقَد تجَّارنا وصنَّاعنا الأوصاف الأولى لكسدت بضائعنا في كلِّ الدنيا، وارتدت سفائننا عن موانيها بالخسارة والخذلان.»

ومن المعلوم أنَّ في التجارة امتحانًا لأمانة الإنسان وإنكاره ذاته واستقامته وصدقه، والذين يخرجون من بوتقة هذا الامتحان ولا غش فيهم يستحقون إكرامًا نظير إكرام الجنود الذين أثبتوا بسالتهم أمام أفواه المدافع. ويحق للشعب الإنكليزي أنْ يفتخر بأن أكثر رجاله الذين يُمتحنون هذا الامتحان يثبت أنهم خالصون، كيف لا وأكثرهم يُؤتمَنون على أموال وافرة، وهم لا يملكون إلا جانبًا صغيرًا منها، والنقود التي تمر في أيديهم يوميًّا تفوق الإحصاء، وقلَّ من يختلس منها شيئًا، والأمانة أشرف الأخلاق إذا لم يرافقها العجب.

وإركان الناس بعضهم إلى بعض، الذي نراه كل يوم في أسواقنا، هو أعجب أعمالهم، ولو لم نكن قد اعتدنا عليه لحسبناه من الخوارق. قال الدكتور تشلمرس: إنَّ إركان التجار إلى عملائهم وائتمانهم إياهم على مبالغ كبيرة من المال، وهم لم يعرفوهم ولا دخلوا بلادهم أفضل نوع من الاعتبار، بل يقرب من الاعتبار الديني، ولكن لا تخلو قاعدة من شذوذ؛ لأن من الناس من يقتاده طمعه وخيانته إلى تلبيس البُطْل بالحق وارتكاب الغش والخداع، فتراه يغش بضاعة بأخرى، ويجعل وجه البضاعة من نوع وباطنها من نوع آخر، إلى غير ذلك من ضروب الغش التي تزيد بازدياد العمران، ولكن الذين يفعلون ذلك لا يؤمل نجاحهم وإنْ نجحوا وكسبوا شيئًا من المال فكثيرًا ما لا يتمتعون به، وعلى كلٍّ يكون اسمهم مرذولًا مهانًا، أمَّا الأمناء فقد لا يتقدمون في أول أمرهم كالخداعين، ولكن تقدمهم يكون ثابتًا وإن كان بطيئًا، ولا بدَّ من أنْ يربحوا كثيرًا في الآخر وإنْ لم يكن ربحهم إلَّا الاسم الطيب ففيه الكفاءة؛ لأن الاسم ثروة ومجلبة للغنى والشرف، قال الشاعر وردسورث الإنكليزي ما معناه:

وإنما رجل الدنيا الذي شهدَتْ
له التجاربُ أنَّ الصدق شيمتُهُ
يغارُ للحق لا قسْرًا ولا طمعًا
بثروة أو بجاهٍ فيه رغبتُه
لكنما المال والجاه اختصاصهما
بالحازم النَّدْب إنْ صحَّت طويته

وليس بين التجار — على ما نظن — من هو أشهر من داود بركلي، الذي يُضْرَب المَثَل بصدقه واستقامته، فإنه بقي زمانًا طويلًا يتِّجر بين إنكلترا وأميركا، ولما انتشبت الحرب بين الإنكليز والأميركانيين ساءه أمرها كثيرًا، فعزم على ترك التجارة مطلقًا، وقد اشتُهر وهو تاجر بالذكاء والخبرة، كما اشتُهر بعد أنْ ترك التجارة بالشهامة وعمل الخير، وكان مثلًا للصدق والأمانة وسداد الرأي، حتى إنَّ الوزراء كانوا يستشيرونه في المسائل الكبيرة، ثم لما اعتزل عن التجارة لم يختر عيشة الكسل والترف، بل عيشة العمل والتعب في خير الجمهور، فأقام دارًا للصناعة أنفق عليها النفقات الوافرة، فجاءت ملجأً للفقراء ومرقية لشئونهم، ثم ابتاع أرضًا في جاميكا، وعتق عبيدها، وثمنهم عشرة آلاف ليرة إنكليزية، وأرسل لهم سفينة نقلتهم إلى ولاية من ولايات أميركا، فقطنوا فيها، ونجحوا نجاحًا عظيمًا، رغمًا عن الذين حاولوا إقناعه أنَّ العبيد أجهل من أنْ يستأهلوا العتق، وعوضًا عن أنْ يترك أمواله ليقتسمها ورثاؤه بعد موته مدَّهم بها في حياته، ولم يمت حتى رأى كثيرين منهم راقين قمم النجاح، ولم يزل حتى يومنا هذا رجال أغنياء في إنكلترا مصدر نعمتهم منه. فرجل مثل هذا يحق للتجار أنْ يفتخروا به ويتخذوه مثالًا لهم.

وكان العرب في صدر الإسلام يكرمون العمل، ويجلون أربابه، ويعظمون قدر رجال السعي، قال الإمام عمر بن الخطاب: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق وهو يقول اللهم ارزقني، فقد علمتم أنَّ السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة. وقال أيضًا: إني لأرى الرجل فيعجبني، فأقول: أله حرفة؟ فإن قالوا لا، سقط من عيني. وقيل:

خاطر بنفسك كي تصيب غنيمة
إن القعود مع العيال قبيح

وقيل أيضًا:

على المرء أن يسعى لما فيه نفعه
وليس عليه أن يساعده الدهر

وقيل في أمثالهم: «احذر من مجالسة العاجز، فإن من سكن إلى عاجز أعداه من عجزه، وأمدَّه من جزعه، وعوَّده قلة الصبر، ونسَّاه ما في العواقب، وليس للعجز ضدٌّ إلَّا الحزم.» وقال الإمام الشافعي: «احرص على ما ينفعك ودع كلام الناس، فإنه لا سبيل إلى السلامة من ألسنتهم.» وقال بعض الحكماء: «من دلائل العجز كثرة الإحالة على المقادير.» وسأل بعضهم معاوية عن المروَّة فقال: «هي العفة والحرفة.» وقال رجل للحسن: إني أنشر مصحفي، فأقرؤه بالنهار كله، فقال: «اقرأه بالغداة والعشي، ويكون يومك في صنعتك وما لا بُدَّ منه.»

فما بعد هذه الأمثال المفيدة والأقوال السديدة من ريب في أنَّ الأوائل كانوا يكرِّمون رجال الأعمال ويقدرونهم قدرهم. ولكن لم يطل الأمر حتى أسكرتهم خمرة الفتوحات، فلم يعودوا يرتاحون إلى غير الإمارة والإمامة، ولهذا لم يقم بينهم كثيرون من المشتهرين في الأعمال ولا طال زمان تمدنهم. أمَّا أهل هذا العصر فقد حذا بعضهم حَذْوَ الإفرنج في الهمة والإقدام ولا سيما في بلاد الشام، والفضل الأوَّل في ذلك لبعض المرسلين الأميركيين الذين نزلوا الديار الشامية، وبهم همة تنال الثريَّا وعزم لا تردعه المصاعب، فتألَّب حولهم بعض السوريين، وتعلموا منهم الحزم والإقدام، فعمَّ نفعهم بلاد المشرق؛ ولذلك اخترنا أنْ نذكر هنا طرفًا من سيرة كبير المرسلين الأميركيين في بلاد الشام، ومثال الهمة والفضل الذي انتدبنا إلى ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة العربية؛ إفادة لأهليها أستاذنا العلامة المشهور الدكتور كرنيليويس فان دَيْك، وطرفًا من سيرة مقدام السوريين وأعلاهم همة الطائر الصيت في الآفاق المرحوم المعلم بطرس البستاني، فإن كلًّا منهما من نخبة رجال الأعمال الذين قاموا في كلِّ زمان ومكان.

أما المرحوم المعلم بطرس البستاني فقد وُلِد سنة ١٨١٩ في الدبية، قرية من قرى جبل لبنان من عائلة مشهورة بين عيال الطائفة المارونية، وتلقى العلوم العربية والفلسفة واللغات السريانية واللاتينية والطليانية في مدرسة عين ورقة، ثم جاء مدينة بيروت واتصل بالمرسلين الأميركيين، وتعلم فيها العبرانية واليونانية والإنكليزية، وقد سمعنا من أستاذنا الدكتور فان ديك أنهما كانا يسكنان بيتًا واحدًا ويدرسان اللغة العبرانية سوية، وسنة ١٨٤٦ تعاضدا على إنشاء مدرسة عبيه الشهيرة، وفيها وضع المترجَم فيه كتابه الموسوم بكشف الحجاب في علم الحساب، فذاع وتداولته أيدي الطلاب، وعليه المعوَّل في هذا العلم إلى يومنا هذا، وألَّف أيضًا كتابًا في النحو لا يزال غير مطبوع، وبعد أنْ أقام سنتين في مدرسة عبيه، يُدَرِّس فيها، عاد إلى بيروت، وجعل يعاون الدكتور عالي سمث في ترجمة التوراة من العبرانية إلى العربية، ثم تقدم إلى تأليف قاموسَيه المشهورين بمحيط المحيط وقطر المحيط وشهرة هذين الكتابين تُغْنِي عن التطويل، وقد اتفق منذ مدة أنَّ بعض المتطاولين على أهل العلم المتطفلين على موائد الأدب علينا عاب استعمال بضع كلمات موجودة في محيط المحيط ولا توجد في قاموس الفيروزبادي، مدعيًا أنها غير عربية الوضع، فبحثنا عنها في كثير من كتب اللغة، فوجدناها بحسب ما هي مشروحة في محيط المحيط، وهذا يدل أنَّ مؤلفه — رحمه الله — لم يؤلفه إلَّا بعد أنْ جمع كثيرًا من كتب اللغة وأطال البحث والتنقيب فيها، ولما فرغ من تأليف محيط المحيط قدَّمه إلى الحضرة السلطانية، فأجازته بالجائزة الأولى التي تجيز بها المؤلفين وهي النيشان المجيدي من الطبقة الثالثة و٢٥٠ ليرة عثمانية.

وسنة ١٨٦٣ أنشأ المدرسة الوطنية، وتولَّى رياستها بنفسه، فتقاطر إليها الطلبة من جهات سورية ومصر والعراق، وكانوا يعتبرونه اعتبارًا يقرب من العبادة، ويتخذونه مثالًا للهمة والنشاط، وسنة ١٨٧٠ أنشأ صحيفة الجنان وهي الأولى بين الصحف العربية التي تضمنت ضروب المباحث السياسية والعلمية والأدبية والتاريخية والفكاهية، ولم تزل منفردة في هذه الخطة. وفي منتصف تلك السنة أنشأ صحيفة الجنة ثم الجنينة، وعام ١٨٧٥ شرع في تأليف كتابه العام المشهور باسم دائرة المعارف على نسق الإنسكلوبيديات الإفرنجية، وأعد له مكتبة واسعة من الكتب العربية والإفرنجية وبقية المعدات اللازمة، وتُوفِّي وهو على بدء طبع الجزء السابع منه، وله — عدا ذلك — كتب أخرى، مثل مسك الدفاتر، ومفتاح المصباح، وبلوغ الأرب في نحو العرب، وقد وصفه صديقه الدكتور فان ديك «بالجبار»؛ لأنه كان جبارًا في التأليف والتصنيف وإدارة الأعمال والأشغال وفي المسائل العلمية والسياسية والإدارية، وكان مع كثرة أشغاله التي تفوق أشغال أربعة رجال بشوشًا رحب الصدر طلق الوجه حسن المحاضرة مقصودًا في الحاجات لا يردُّ سائلًا ولا يخيب طالبًا، مكرَّمًا من رجال السياسة وولاة الأمور، مستشارًا منهم في المهام، بعيد النظر في العواقب، لسنًا فصيحًا، إذا استُشِير في أمرٍ أنبأ بمصادره وموارده كأنه من حوادث الأمس، ولبث بين الكتب والدفاتر والصحائف والمحابر إلى أنْ اختطفته المنية سنة ١٨٨٣، فمات شهيد العلم والعمل، وقد هزَّ مَنْعاه البلاد، وقد ذكرت سيرته بالتفصيل في السنة السابعة من المقتطف.

وأما الدكتور كرنيليوس فان ديك فولد في ١٣ آب (أغسطس) ١٨١٨ في قرية كِنْدَرهوك من أعمال ولاية نيويورك بأميركا ووالداه هولانديَّا الأصل، هاجرا إلى الولايات المتحدة بأميركا، وولدا غيره سبعة هو أضغرهم، وكان في صغره يتعلَّم في مدرسة في قريته، فامتاز من ثمَّ بالاجتهاد والثبات، وبرع في اليونانية واللاتينية حتى حاز قصَب السَّبْق على رفقائه الذين كانوا كلهم أكبر منه سنًّا، وينقل لنا أولاده ما سمعوه من بعض أعمامهم عن اجتهاد والدهم في صباه، وكلَفِه بالعلم والعمل معًا، وهو أنه حفظ لذاته أسماء كل النباتات البرية التي تنمو في تلك النواحي، وتعلَّم بنفسه ترتيبها وتقسيمها إلى رتبها وصفوفها وفصائلها وأنواعها حسب نظام لينيوس النباتي الشهير، وجمع رواميزها وجففها ورتَّبها وسماها بأسمائها، حتى صار عنده منبتة ذات شأن وهو صبي صغير، وكل ذلك رغبة منه في العلم لا إجابة لطلب ولا امتثالًا لأمر.

وأصابت أباه مصيبة ذهبت بماله وأورثته الفقر، وذلك أنه كفل صديقًا له على مبلغٍ من المال، فخان الصديق وغدر، فاضطُر كفيله إلى بيع كلِّ ما يملكه من متاعٍ وعقار صونًا لشرفه من العار، ووفاءً لدين الغادر، ولذلك لم يستطع أنْ يوازر ابنه إلا بالنزر اليسير مما يحتاج إليه من الكتب ولوازم التعلم، فكان مدة بقائه في بيت أبيه يدبر الكتب بوسائط شتَّى، فتارة يستعيرها من رفاقه وتارة يستأجرها بدريهمات قليلات يجمعها، وتارة يحفظ ما فيها بالسماع من قارئيها، وتارة يتذرَّع بالسعي في مصلحة إنسان إلى قراءة كتاب يقتنيه، وتارة يجدُّ ويرجع خائبًا. وكان في تلك القرية طبيب كريم الأخلاق يقتني مكتبة، فلما رأى اجتهاد الصبي كرنيليوس في تحصيل المعارف وجهاده للتغلب على مصاعب الفاقة أخذته الحمية، ففتح له أبواب مكتبته وأمتعه بمشتهى نفسه وأماني صباه، وكان فيها كتاب كيفيه الشهير في علم الحيوان، فأكبَّ على درسه، ولم ينثنِ عنه حتى اغترف كلَّ ما فيه، ثم تعلم بنفسه كلَّ ما تيسر له علمه عن حيوان بلاده، ولم يمض عليه زمان طويل حتى جرى في ميدان المعارف شوطًا يذكر، فجعل يخطب في علم الكيمياء على صفٍّ من بنات بلاده وهو ابن ثماني عشرة سنة، وربما توهَّم الذين يعرفونه اليوم، أو الذين اطَّلعوا على مؤلفاته، وسمعوا بواسع علمه أنه كان كل أيامه محفوفًا بوسائط العلم والتعليم، حاصلًا على ما يلزم من معدات التأليف والتدريس، حتى حصَّل ما حصَّل وألَّف ما ألَّف، ولكن الذين يعرفون أحواله حقَّ المعرفة يعلمون أنه قاسى في صغره أشق المصاعب حتى تسهَّل له تحصيل المعارف، وأنه قضى أكثر أيامه في ضنكٍ فصار ابن خمسين، وهو لا يقدر أنْ يبتاع إلَّا ما ندر من الكتب المستجدة، ولم يسعه الإنفاق على تحصيل ما يشتهي من الكتب والجرائد العلمية والأدوات إلا بعد سنة ١٨٦٧.

وكان أبوه طبيبًا فجعل يدرس الطب في صباه عليه، وكان يخدم في صيدليته فأتقن فن الصيدلة فيها علمًا وعملًا، ولما حصَّل ما تيسَّر له الحصول عليه عند أبيه، جعل يتلقى الدروس الطبية في سبرنكفيلد، ثم أتم دروسه في مدرسة جَفَرْسن الطبية بمدينة فيلادلفيا من مدن الولايات المتحدة؛ حيث نال الدبلوما والرتبة الدكتورية في الطب، وكان تعلُّمهُ في هذه المدرسة على نفقة ذويه، فكانت مساعدتهم هذه له أساسًا للأعمال العظيمة، التي عملها في سورية من التعليم والتهذيب والبرِّ والخير والإحسان.

وفي الحادية والعشرين من عمره فارق الخلان والأوطان، وأتى إلى سورية مرسلًا من قِبَل مجمع المرسلين الأميركيين، وحلَّ في بيروت في ٢ نيسان (أبريل) سنة ١٨٤٠، ولكن لم تطل إقامته فيها حتى قام منها بإيعاز المجمع المذكور، وأتى القدس طبيبًا لعيال المرسلين الذين كانوا فيها أيام فتوح إبرهيم باشا في برِّ الشام، فأقام فيها تسعة أشهر، ثم قفل راجعًا إلى بيروت؛ حيث شرع في درس العربية، وحينئذ تعرَّف بالمرحوم بطرس البستاني، وكانا كلاهما عزبين، فسكنا معًا في بيت واحد، وارتبطا من ذلك العهد برباط المودة والصداقة، وبقيا على ذلك طول الأيام حتى صار يُضرَب المثل في صداقتهما، ولما تُوفِّي البستاني منذ عهد قريب كان صديقه فان ديك أشد الناس حزنًا على فقده، حتى إنه لما طُلب منه تأبينه خنقته العبرات، وتلعثم لسانه عن الكلام، وبقي برهة يردد قوله: «يا صديق صباي.» حتى لم تعد ترى بين الحاضرين إلَّا عينًا تدمع وقلبًا يتوجع، وقد انتقلت صداقته من الوالد إلى أولاده، فغيرته على بيت البستاني في أيامنا لا تقل عن غيرته على بيت أبيهم في زمانه.

وجعل يدرس العربية على الشيخ ناصيف اليازجي، ثم على الشيخ يوسف الأسير وغيرهما من علماء اللغة، وبذل الجهد في درسها والأخذ بحذافيرها، حتى صار من المعدودين في معرفتها، وحفظ أشعارها وأمثالها وشواهدها ومفرداتها واستقصاء أخبار أهلها وعلمائها وتاريخها وتاريخهم، فهو بلا ريب أول إفرنجي أتقن معرفة العربية والنطق بها والبيان والتأليف فيها، حتى لم يعد يمتاز عن أولادها، وبقي على ذلك إلى خريف سنة ١٨٤٢، ثم انتقل إلى عيتات، وهي قرية بلبنان واقترن هناك بالسيدة جوليا بنت مستر آبت قنصل إنكلترا في بيروت المشهورة بلطفها وحسن أخلاقها، ثم انتقل من عيتات إلى قرية عبيه، وهناك أنشأ مع صديقه بطرس البستاني مدرسة عبيه الشهيرة، وشرع من يومه في تأليف الكتب اللازمة للتدريس في تلك المدرسة، فألَّف كتابًا في الجغرافية، وآخر في الجبر والمقابلة، وآخر في الهندسة، وآخر في اللوغارثمات وفي المثلثات البسيطة والكروية وفي سلك الأبحر والطبيعيات، وقد طُبع بعضها وبعضها لم يطبع، وبعد أنْ قضى في عبيه أربع سنوات على ما ذكرنا من التدريس والتأليف دعاه مجمع المرسلين إلى صيدا، وعهد بمدرسة عبيه إلى المرحوم سمعان كلهون رجل اشتُهر بالفضل والاستقامة والتقوى، وبقي الدكتور فان ديك مع صديقه الفاضل الدكتور طمسن في صيدا وتوابعها معلمًا واعظًا مبشرًا جائلًا من مكان إلى مكان حتى تُوفِّي المرحوم عالي سمث سنة ١٨٥٧، فانتُدب الدكتور فان ديك لترجمة التوراة والإنجيل مكانه.

فإن عالي سمث المذكور كان قد باشر ترجمة الكتاب من اللغتين الأصليتين بمعاونة المعلم بطرس البستاني، وأتمَّ ترجمة سفر التكوين وسفر الخروج إلا الإصحاح الأخير منه، وراجعهما وصححهما، وترجم أسفارًا أخرى، ولكن لم يراجعها، فلما انتُدب الدكتور فانديك مكانه أبقى السفرين الأولين على حالهما، وترجم وراجع ما بقي، وعانى في غضون الترجمة من الأتعاب ما لا يعرفه إلا الذين يعرفون تدقيق النصارى في التفتيش عن أصل كلِّ لفظة من ألفاظ كتابهم، وعن معنى كلِّ آية من آياته. وتولَّى مع الترجمة إدارة المطبعة الأميركانية المشهورة وحسَّن فيها، وزاد الحركات على الحروف، حتى صارت من أحسن مطابع المشرق وأشهرها، وأتم الترجمة سنة ١٨٦٤، وبعثه مجمع المرسلين إلى الولايات المتحدة سنة ١٨٦٥ ليتولَّى أمر طبعها وعمل الصفائح بالكهربائية لها هناك، فأقام في الولايات المتحدة سنتين حتى أتمَّ ذلك، وعاد إلى سورية سنة ١٨٦٧، وليس من غرضنا الآن أنْ نصف هذه الترجمة التي شهد لها أعظم علماء الأرض بالدقة والصحة ومطابقة الأصل، وقد صارت النسخ المطبوعة منها ألوفًا وألوف الألوف حتى لم يبقَ مكان في المشرق إلَّا بلغت إليه وانتشرت فيه.

وكان أثناء وجوده في أميركا يدرِّس العبرانية في مدرسة بونيون اللاهوتية، وكان الطلبة يعافون درس هذه اللغة قبل تدريسه لها، ويأبون الحضور في ساعة تدريسها لصعوبتها وعدم مناسبة أسلوب تدريسها، فلما شرع في تدريسها غيَّر أسلوب التدريس، ولطول باعه فيها جعل يعلمهم إياها كلغة حية لا ميتة، بحيث صار الطالب يجد في درسها معنًى ولذة، ويرغب في تحصيلها، فتقاطر الطلبة إلى صفه وتكاثر عددهم، فلما رأت عمدة المدرسة ذلك عرضت عليه أنْ يشغل منصب أستاذ العبرانية فيها، وعينت له راتبًا كبيرًا فاعتذر عن قبوله، قائلًا: «إني تركت قلبي في سورية، فلا لذة لي إلَّا بالعودة إليها.» وفي تلك الأثناء تم أمر إنشاء المدرسة الكلية السورية في بيروت على نفقة جماعة من أهل الخير في الولايات المتحدة بأميركا، فعرضت عليه عمدة تلك المدرسة الكبرى في أميركا أنْ يكون أستاذًا فيها فأجابها إلى ذلك، ثم طلبت إليه أنْ يُعيِّن راتبه السنوي بنفسه، فكتب ٨٠٠ ريال مع أنَّ راتب أصغر أستاذ فيها، لا يقلُّ عن ١٥٠٠ ريال، وقد فعل ذلك حبًّا بخير البلاد ونفع أهلها.

ولما وصل إلى بيروت باشر تأسيس المدرسة الكلية الطبية مع صديقه الفاضل الدكتور يوحنا ورتبات، ووضعا وحدهما نظامًا لدروسها وشرعا في التعليم من ساعتهما، لا يحاسبان على أتعاب، ولا ينتظران من أحد تبجيلًا لقدرهما ومدحًا لاسميهما، بل إنَّ الدكتور فان ديك لما رأى أنَّ المدرسة تفتقر إلى أستاذ يدرِّس الكيمياء فيها أقبل من فوره على تدريسها حال كونِه معينًا أستاذًا لعلم الباثولوجيا لا لغيره، ولم يكن في المدرسة حينئذٍ من كلِّ أدوات الكيمياء إلا قضيب من زجاج وقنينة عتيقة، فأنفق من ماله مائتي ليرة إنكليزية على ما يلزم من الأدوات. وألَّف كتابه المشهور في مبادئ الكيمياء لتدريس التلامذة، وطبعه على نفقته، وهو يعلم أنه لا يسترجع نفقات طبعه قبل مماته، وبقي يدرِّس هذا الفن ست سنوات متوالية، وينفق على لوازم التدريس من جيبه، وجاء أستاذ الكيمياء وبقي سنتين من الزمان يدرس العربية ويقبض أجرته، والدكتور فان ديك يدرِّس مكانه مجانًا حبًّا بصالح المدرسة وخير أبناء البلاد، ولما تولَّج أستاذ الكيمياء أشغاله اعتزل الدكتور فان ديك عنها، وترك للمدرسة كلَّ ما أنفق عليها، ولم يأخذ مقابله إلا مائة ليرة إنكليزية.

ولم يقتصر على هذا التبرع، بل إنه تولَّج منصب أستاذ ثالث وهو أستاذ علم الفلك، وذلك أنَّ المدرسة لم يكن عندها مال يقوم بنفقة أستاذ، فتبرَّع الدكتور فان ديك بتدريس هذا الفن مجانًا، وألف له كتابًا، وطبعه على نفقته أيضًا، كما طبع كتاب الأنساب والمثلثات والمساحة والقطوع المخروطية وسلك الأبحر، ولم يكن في المدرسة آلات فلكية يُعْتَد بها، فما لبثت أنْ شرعت في بناء مرصدها حتى ابتاع له آلات بقيمة سبعمائة ليرة إنكليزية من ماله الخاص، وأثثه وفرش فيه على نفقته.

وأنشأ للمرصد اسمًا كبيرًا حتى صار معروفًا في المشارق والمغارب، مقصودًا من القريبين والبعيدين مراسلًا لأشهر مراصد الأرض، ولما خلفه معاونه في تدريس علم الفلك الوصفي ألَّف كتابًا في الفلك العملي، وجعل يعلم به الطلبة على الآلات، وكان مع تدريسه علم الباثولوجيا وعلم الكيمياء وعلم الفلك يتولى إدارة المطبعة الأميركانية، فينتقد ما يطبع فيها من الكتب، ويهتم بتأليف النشرة الأسبوعية، ويطبب في مستشفى ماري يوحنا؛ حيث كان يتقاطر إليه المرضى أفواجًا أفواجًا حتى يبلغ عددهم الألوف في السنة، وما بقي من الوقت الذي يخصصه غيره بالنزهة والرياضة والراحة والنوم كان يقضيه في تأليف الكتب العلمية والطبية والدرس والمطالعة، والامتحانات العلمية، وحضور الجمعيات النافعة، ومراسلة العلماء في سائر أقطار الأرض، حتى كان أهل بيته لا يرون منه أكثر مما يرى منه الغريب، وكل ذلك قيامًا بالواجبات التي يعجز جماعة من الرجال عن القيام بها.

ومن مزاياه أنه لا يؤخر للغد عملًا يقدر أنْ يعمله اليوم؛ ولذلك تراه معدًّا كلَّ ما يُطلَب منه قبل زمان طلبه، وكان كلما طلب منه أهل بيته أيام اشتغاله في المدرسة الكلية أنْ يرتاح بين عمل وآخر، ويؤخر الأشغال إلى أوقاتها حرصًا على صحته، يجيبهم: أخاف أنْ يفاجئني مرض أو يعارضني معارض، فأكون سبب خسارة لكل من تتعلق أشغالهم ومصالحهم بي، فالواجب عليَّ أنْ أكون سابقًا في إنجاز أشغالي حذرًا من ذلك، ولكثرة اهتمامه في أشغال المدرسة واشتغاله بمصالحها عن غيرها كان أصحابه يكلمونه في ذلك، فلا يسمع لهم حتى صار من الأقوال الشائعة بين معارفه أنك إذا رمتَ أنْ تكون على رضًى مع فان ديك، فإياك أنْ تشغله بشاغل عن المدرسة الكلية، وإذا أردت أنْ تسرَّ قلبه فكلمه عن المدرسة والصفوف والمرصد والتأليف. وقد ألَّف أثناء وجوده في المدرسة الكلية كتابه في الباثولوجيا وهو مجلد ضخم، وفي التشخيص الطبيعي وفي الكيمياء وفي الفلك الوصفي والمثلثات والمساحة وغيرها، وطبع هذه الكتب، وألف كتابًا في الفلك العملي، وآخر في تخطيط السماء، وآخر في أمراض العينين وهذه لم يطبعها.

وفيما هو لاهٍ بأشغال التأليف والتدريس والرصد والمراسلات العلمية عمَّا سواها من مطامع البشر، نُكبَت المدرسة الكلية بحادث لا نحب أنْ نسوِّد صفحات هذا الكتاب بذكره، فلما رأى أن بقاءه في المدرسة بعد ذلك يخالف مبادئه قال على المدرسة وما فيها السلام واعتزل عنها محتملًا آلام فراقها وملام ذوي الأغراض محافظةً على مبادئه، فعوضته المدرسة عما ترك في مرصدها خمسمائة ليرة إنكليزية دفعتها له أقساطًا، وبقي يطبب في مستشفى ماري يوحنا على جاري عادته، حتى سعى البعض في صدِّ فوائده عن بني الوطن، فترك المستشفى على غير رضًى منه، لكنه إنما تركه ليحيي في الوجود مستشفى طائفة الروم الأرثوذكسيين الذي صار له الآن أيادٍ تُذْكَر في الرحمة بالمساكين ومعالجة المرضى والبائسين.

وقد صار الدكتور فان ديك الآن شيخًا، ومنظره يوهم أنه أكبر من سنه، فقد وهن جسمه، وكلَّ بصره من طول السهر ومشقات التأليف وتراكم الأشغال، ولكنه لا يزال من أبشِّ خلق الله وجهًا، وألطفهم معشرًا، وأكثرهم أنسًا، يقتحم الأشغال بهمة الفتيان، فتراه تارة في الكنائس واعظًا، وتارة في المجمع العلمي الشرقي خطيبًا يحث أعضاءه على التبحر في العلوم وتنشيط المعارف، وتارة في احتفالات جمعية الشبان المعروفة بجمعية شمس البر حاثًّا على اتباع الفضيلة والاقتداء بالأفاضل، وتارة في المدارس ممتحنًا، وتارة في الجمعيات الخيرية مشيرًا فضلًا عن أشغاله في مجمع المرسلين الذي لا يزال متعلقًا به، ولم تفتر همته عن التأليف، فقد ألَّف منذ عهد قريب كتبًا متسلسلة في العلوم قصد بها تعليم الصغار مبادئ العلوم في المدارس البسيطة، وهي لا تزال تحت الطبع، والقارئ يعلم بالطبع أنَّ إنسانًا مثله قد قضى العمر في خدمة العالم، وأتمَّ أحسن الأعمال يكون عَلَمًا مقصودًا من الأقارب والأباعد وغرضًا منظورًا لرسائل القوم ومسائلهم، وزِد على ذلك مكاتبات تلامذته المتفرقين في أقطار المشرق، فهو مع ادعائه باعتزال الأشغال والانقطاع إلى الراحة لا يزال يشتغل ما لا يشتغله إلَّا الفائقون جدًّا واجتهادًا العظيمون همَّة وإقدامًا.

فهذه صورة أوضحنا بها للقارئ مثال هذا الرجل العظيم من حيث ارتقاؤه بجده وعلو همته حتى صار أعظم نعمة أُنعم بها على الشرق بعد أنْ كان في صبوته لا يملك ما يبتاع به كتابًا، ولو أردنا أنْ نورد سيرته من أوجه أخرى لاستغرق الكلام معنا فصولًا أطول مما يحتمله هذا المقام، فالذين يعرفونه عن بعد إنما يرون عظمته واقتداره على الأعمال، وهذا سبب ما له في نفوسهم من المهابة والوقار، ولكن الذين يعرفونه عن قرب، يرون فيه مع العظمة مناقب من أشرف ما تتجمل به الفطرة البشرية، وهذا سبب محبة معاشريه له، واشتياق تلامذته إلى القرب منه، وتسابق الناس إلى إبداء ثنائهم عليه واعترافهم بفضله عليهم، فإذا تأملناه من حيث معاملته للناس لم نجد معاملًا له إلَّا كان (إذا صفا طبعه) من أحب الناس إليه، وأولهم اعترافًا باستقامته وحسن طويته، والعارف بأخلاق البشر يعلم أنَّ ذلك لا يحصل عليه الإنسان إلا بعد أنْ يتحقق الناس أنه يؤثر مصلحة غيره على مصلحته، وإذا اعتبرناه من حيث إنصافه وجدناه مثلًا في الاعتراف بما له وما عليه، بل عندنا من الشواهد ما لا يُحصَى على ظلمه نفسه في إنصاف غيره حذرًا من أنْ يكون حب النفس قد حاد به عن جادة الإنصاف، وحسبنا أنْ نذكر منها شاهدًا واحدًا، وهو اعترافه بفضل زميله المرحوم عالي سمث في ترجمة التوراة، فالظاهر أنَّ موت عالي سمث قبل أنْ يتمَّ من الترجمة شيئًا كثيرًا حوَّل أذهان العموم عن ذكره حتى خيف أنْ يُنْسَى فضله، وذلك ساء الدكتور فان ديك أكثر مما ساء غيره، فصار أحرص الناس على ذكر اسم عالي سمث قبل اسمه، ولا نتذكر أننا سمعناه مرة يذكر ترجمة التوراة إلَّا قدَّم فيها اسم عالي سمث بقوله: «لما ابتدأ فيها فلان وأتممتها أنا.» واتفق أنه لما أتى إمبراطور البرازيل إلى سورية سنة ١٨٧٧، قصد الدكتور فان ديك إلى مرصد المدرسة الكلية، وقال له على مسمعٍ منا: «إني سمعت بترجمتك الشهيرة للتوراة.» فقاطعه الدكتور فان ديك قائلًا: «لعله لم يبلغ جلالتكم أني أنا لست مترجمها الوحيد، فقد شرع في ذلك المرحوم عالي سمث، وأتممت أنا ما بقي بعد موته.»

وإذا نظرنا إليه من حيث إخلاص الطوية وصفاء النية وحب حرية الضمير وجدناه مثالًا لها بين عارفيه، بل لم نسمع أحدًا خالي الغرض يعيبه إلَّا بالمدح في معرض الذم مثل قوله إنه لِسلامة طويته يجوز عليه خبث الخبثاء ولِصفاء جبلته يغلبه أهل الدهاء، ولحريته قولًا وفعلًا لا يقدر أنْ يجازي أهل البغي والرياء.

وهو أبعد الناس عن ذكر شيء تشم منه رائحة المدح لنفسه، فقد قضينا معه عشر سنوات في عِشرة مستمرة، فلم نسمع منه ذكر أدنى عمل من أعماله في معرض الاستحسان، وحاولنا المرار الكثيرة أنْ نستشف منه القليل عن سيرة حياته، فكان يحوِّل مسائلنا إلى غير المقصود، ثم يستطرد منها إلى ما يتخلص به من الجواب، ويسد علينا باب السؤال، ولذلك عانينا المشقات حتى وقفنا على طرف من سيرته نقلًا عن أولاده وأقاربه، ولاتضاعهِ يجتنب كلَّ معرض يمدحه الناس فيه، ويرتبك أمام من يقابله بالمدح، فإمَّا أنْ يصرفه عن مدحه بجواب حسن، أو يتخلص منه بوجه آخر. أتاه جماعة من علماء دمشق يومًا وفي صدرهم شيخ كبير، يُعَدُّ بينهم من الفطاحل فمدحه وأطنب، ثم قال متعجبًا: وبأي المواهب يبلغ الناس هذا المبلغ؟ فأجابه الدكتور فان ديك: «يبلغه أحقرهم بالاجتهاد، فمن جدَّ وجد.» واستطرد من ذلك إلى وجوب الاجتهاد في تسهيل إحراز العلم على الطلاب، ووصف بعضهم يومًا علوَّ همته وعجيب سرعته في إنجاز أعماله وصبره على المشاق، واستشهد على ذلك بأنه كان يقوم في الصباح من بيروت إلى صيدا في نحو أربع ساعات، ثم يعود منها إلى بيروت في مثل ذلك، ويقضي بقية نهاره ومساءَه في التطبيب والتأليف، فاستغربنا الخبر وسألناه عن ذلك، فأجاب: «إني كنت أركب حينئذٍ حصانًا قويًّا سريع العدو فلا أبطئ على الطريق.» كأنه لا يريد أنْ يبقي لنفسه فضلًا.

ولهذه المناقب وأمثالها مما يصح الاستشهاد به في كلِّ فصل من فصول هذا الكتاب ولحبه لأهل المشرق، حتى اقتبس عوائدهم وتزيَّا بزيهم زمانًا في المأكل والملبس والمشرب تجد سكان بر الشام قد أجمعوا على حبه وولائه، واعترفوا بكونه مصدر فضلٍ وعلم وخير في بلادهم، وإذا بحثت وجدت شبَّانهم وشاباتهم يحترمونه احترامًا يقرب من العبادة، ولا عجب فإنه مع تقدمه عنهم سنًّا وعلمًا وعقلًا يجري في مقدمتهم، ويسهِّل الصعاب أمامهم، ويقوي عزائمهم، ويبقي في صدره محلًّا رحبًا لاعتبار ما يجدُّ من الأمور المختصة بزمانهم وعدم احتقار آرائهم ومشاربهم وعاداتهم، خلافًا لما يُعهَد في أكثر الذين يتقدمون سنًّا، فإنهم لا يرضون إلَّا عما كان في زمانهم، ولا يعتبرون إلَّا عوائد عصرهم.

وإذا رُمْتَ أنْ تعرف اعتبار القوم له وحكمهم فيه فاسمع ما قالته جمعية الروم الأرثوذكسيين في تقريرها لسنة ١٨٨٥ وهو:

ولا ترى — أي الجمعية — للملامة محلًّا إذا وضعها الحقُّ ترجمانًا عن المحسنين جميعًا، في تجميل الثناء على الدكتور كرنيليوس فان ديك فهو موازرها ومناصرها وطبيب مرضاها ومرشد مستشفاها والمتصدق إليها فوق ما لم يُعرَف، بما يُرى في هذه الباكورة من صداقته المنفردة في بابٍ لها لتفرُّدِهِ في هذا الباب.

وحسبه أجرًا وفخرًا وجوده، على رغم الشيخوخة، في مخدع التطبيب والمرضى شاخصون إليه شخوص الملسوعين إلى موسى ورمزه، هذا يستنيله قليلًا، وذاك يسأله الدواء عجولًا، وذلك يرجوه الشفاء عليلًا، وهو يحبو هذا بالعطاء، وذاك بالدواء، وذلك بكلمة أشفى من دواء.

والجمعية — وإن تكن لا تزيد الناس علمًا به — تجني إذا لم تعترف علنًا في هذا المعرض أنه لا تنفتح في الصبح عيناه إلَّا على لائذٍ بجنابه، ولا تسير في النهار قدماه إلَّا إلى معونة أعدائه وأصحابه، ولا يُغلَق في المساء بابه إلَّا على منصرف مرتضٍ واقف في بابه، ولا يأوي في ليلته غرفته إلَّا لينكبَّ على مكتوباته وكتابه، حياةٌ امتلأت بطاعة الحداثة ونشاط الصبا ومروءة الفتوة وإقدام الشباب ومقدرة الكهولة وحكمة الشيخوخة، وهي في كل أدوارها ذكاء وفطنة، ودرس ومعرفة، وعلم وعمل، واستفادة وإفادة، وعبادة لله، وحب للقريب، وخدمة للإنسانية.

نعم، ولولا اشتهار فضله ونبله والعجز عن إيراد ما يصلح لمثله؛ لقامت الجمعية إلى مديحه قيامه إلى نصرة البشرية، فهي تجتزئ بالذكر والشكر، وتسأل الله أنْ يسرَّهُ فيما يسوءه، وأن لا يسوءه فيما يسرُّه وربنا المنَّان.

١  جمع شاكو كمة تلبسها جنود الفرنج.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١