لغة المقدمة

نظرة تمهيدية

١

  • (١)
    إن العلماء والمفكرين الذين دوَّنوا طرائق البحث ومناحي الاستقصاء في مسائل التاريخ اهتمُّوا اهتمامًا كبيرًا بكيفية تفسير الوثائق التاريخية والنصوص القديمة، وأفردوا فصولًا خاصةً لعملية «النقد التفسيري»، الذي اصطلحوا على تسميته باسم خاص: Hsrméneutique (من اليونانية «أرمه نيون» بمعنى الشرح والإيضاح).

    وقد كتب في هذا الصدد المؤرخان «شارل سنيوبوس» و«لانغلوا» في الكتاب المشهور الذي اشتركا في تأليفه باسم «مدخل إلى دراسة التاريخ»، ما ملخصه:

    «إن تفسير نص من النصوص يتطلَّب معرفة اللغة معرفةً متقنةً بطبيعة الحال، غير أنه يجب ألا يغرب عن البال أن ذلك يتطلَّب معرفة «تاريخ تطوُّرات اللغة» أيضًا معرفةً دقيقة؛ ذلك لأن مفردات اللغة كثيرًا ما تكون متموِّجة المدلول ومتحوِّلة المعنى، فالمعاني المستفادة منها قد تختلف لذلك بين زمان وزمان، وبين مكان ومكان، كما أنها قد تختلف بين كاتب وكاتب، حتى إنها قد تتحوَّل — على قلم كاتب واحد أيضًا — من موضع إلى موضع، حسب سياق الكلام، وهذه الاختلافات والتحوُّلات قد تصل إلى درجة كبيرة جدًّا.»

    مثلًا إن كلمة vel كانت تدل في اللاتينية القديمة على «أو»، غير أنها صارت تدل مؤخرًا — في بعض أدوار القرون الوسطى — على «و»، ولا حاجة للبيان أن الفرق بين المعنى الأول وبين المعنى الثاني عظيم جدًّا.
    وكذلك كلمة Suffragium كانت تدل في اللاتينية القديمة على «التصويت»، غير أنها أخذت في القرون الوسطى معنًى آخر هو «المساعدة والإمداد»، ومن البديهي أن الفرق بين المعنيين كبير جدًّا.
    يميل المرء — عادةً — ميلًا غريزيًّا إلى تفسير الكلمة الواحدة بمعنًى واحد دائمًا، ولكن هذا الميل كثيرًا ما يؤدي إلى أغلاط فادحة عند قراءة الكتابات القديمة والنصوص التاريخية، فيجب على الباحث أن يعوِّد نفسه مقاومة هذا الميل الغريزي الذي يحمل الذهن على تفسير جميع الكلمات والعبارات حسب المعاني المعروفة والمألوفة، كما يجب عليه أن يضيف إلى «التفسير الصرفي والنحوي» تفسيرًا «لُغويًّا تاريخيًّا» أدق وأعمق منه؛ وذلك مراعاةً للحقائق والمبادئ التالية:
    • (أ)

      اللغة تتطوَّر تطوُّرًا مستمرًّا، فلكل دور لغة خاصة به، يختلف عن لغات سائر الأدوار قليلًا أو كثيرًا، فيجب على الباحث أن يعرف لغة العهد الذي كُتِبت فيه الوثيقة لكي يفهم معناها حق الفهم.

    • (ب)

      إن استعمال الكلمات مما يمكن أن يختلف بين مكان ومكان، فعلى الباحث أن ينعم النظر في لغة المحل الذي كُتِبت فيه الوثيقة لكيلا يغلط في فهم المعنى المقصود منها.

    • (جـ)

      إن لكل مؤلف أسلوبًا خاصًّا في استعمال الكلمات والتعبير عن الأفكار، فيجب على الباحث أن يدرس لغة المؤلف وأسلوبه، وأن ينتبه إلى المعاني الخاصة التي ربما كان يقصدها من تلك الكلمات.

    • (د)

      إن الكلمة الواحدة قد تدل على معانٍ مختلفة حسب العبارة التي تدخل فيها، فيجب على الباحث ألا يكتفي بملاحظة معاني كل كلمة من الكلمات على وجه الانفراد، بل عليه أن يسعى إلى ملاحظة العبارة التي تتألَّف من تلك الكلمات بهيأتها المجموعة أيضًا.

    إن هذه المبادئ والحقائق قد حملت علماء الغرب على أن يضعوا «قواميس لغوية تاريخية»، تسجِّل وتستعرض جميع المعاني المختلفة التي أخذتها كل كلمة من الكلمات، خلال الأدوار المختلفة من التاريخ، كما أنها اضطرتهم إلى وضع بعض القواميس الخاصة بلغات بعض المؤلفين، تسجِّل الكلمات التي استعملها، والمعاني التي قصدها منها، في إحدى مؤلفاته أو في جميع كتاباته.

    إن دراسة الكلمات وفقًا للقواعد الآنفة الذكر، تلعب دورًا هامًّا، وتكتسب خطورةً خاصةً في أمر «تدوين التاريخ بالاستناد إلى الوثائق القديمة»؛ ذلك لأن سوء تفسير الكلمة الواحدة أو العبارة الواحدة قد يؤدي إلى أغلاط كبيرة جدًّا.

    إن المؤرخ الفرنسي المشهور «فوستل دو كولانج» Fustel de Coulange عندما تتبَّع «تاريخ المروفنجيين» تعمَّق في دراسة نحو مائة كلمة من الكلمات المسطورة في الوثائق التاريخية، وتوصَّل من دراسته هذه إلى حقائق هامة جدًّا، غيَّرت ما كان يُعْرَف عن تاريخ فرنسا في عهد الأسرة المذكورة تغييرًا كبيرًا.
  • (٢)

    إن كل ما ذكرناه آنفًا عن كيفية درس الوثائق التاريخية يصح بحذافيره في أمر فهم الكتب القديمة بوجه عام، فعلى كل من يُقْدِم على مطالعة كتاب قديم أن يقرأه بنظرة تاريخية، ولا يستسلم للنزعة الطبيعية التي تحمله على تفسير عبارات الكتاب وكلماته حسب معانيها الحالية.

    ولهذا السبب نجد أن الغربيين عندما يطبعون المؤلفات القديمة يُرْفِقونها بحواشٍ لغوية وتاريخية إيضاحية، تبيِّن معاني الكلمات في عهد كتابتها.

    مثلًا إذا تصفَّحنا كتاب «روح القوانين» الذي ألَّفه «مونتسكيو» — قبل نحو قرنين — باللغة الفرنسية في إحدى طبعاته الحديثة؛ وجدنا فيه حواشي كثيرةً توضح معاني الكلمات بالنسبة إلى زمان كتابة الكتاب.

    نفهم من هذه الحواشي مثلًا أن مونتسكيو استعمل كلمة conséquence في عدة مواضع بمعنى «الأهمية والخطورة»، في حين أن الكلمة المذكورة تعني في الحالة الحاضرة «النتيجة». كما أنه قد استعمل كلمة Succés في عدة مواضع بمعنى «النتيجة»، في حين أنها تدل في الحالة الحاضرة على «النجاح والتوفيق». واستعمل كلمة Industrie بمعنى «المهارة»، في حين أنها تُسْتَعمل الآن بمعنى «الصناعة».

    إن طبعات روح القوانين مليئة بمثل هذه الشروح التي تدل على مبلغ تطوُّر الكلمات بوضوح تام.

    هذا وإذا رجعنا إلى ما قبل تاريخ تأليف الكتاب المذكور؛ وجدنا في معاني الكلمات تغيُّرًا وتباعدًا أكثر من ذلك أيضًا؛ مثلًا إننا نجد في كتاب «الجمهورية»، الذي ألَّفه «جان بودن» في القرن السادس عشر للميلاد، العبارة التالية: La monarchie est une forme de république، وإذا أردنا أن نترجم هذه العبارة وفق مدلولات الكلمات الحالية يجب أن نقول: «إن الملكية شكل من أشكال الجمهورية.» ومن البديهي أن هذه العبارة تكون في منتهى السخافة. وأمَّا الحقيقة في هذا الأمر فهي أن كلمة Republique لم تكن قد تخصَّصت في ذلك العهد بمعنى الجمهورية، بل كانت تدل على «الدولة» بوجه عام. فالعبارة المذكورة يجب أن تُترجم لذلك كما يلي: «إن الملكية شكل من أشكال الدولة.»

    أعتقد أن الأمثلة التي ذكرتها كافية لإظهار أهمية المبادئ الآنفة الذكر، فلا أرى لزومًا للتوسُّع في هذا الموضوع.

٢

  • (١)

    إن أُسس «النقد التفسيري» التي ذكرناها آنفًا يجب أن تبقى نصب أعيننا على الدوام، حينما نقرأ وندرس مقدمة ابن خلدون.

    قد يقال مقابل ذلك أن ابن خلدون كتب التاريخ والمقدمة باللغة الفصحى، والعربية الفصحى لم تتغير وتتطور كما تغيرت وتطورت اللاتينية وسائر اللغات الأوروبية.

    غير أن ذلك لا ينطبق على الحقيقة والواقع بوجه من الوجوه، إن الشيء الذي بقي ثابتًا في العربية الفصحى هو القواعد والأسس، لا المعاني والمفردات؛ فإن كثرة المعاني التي تُذْكَر أمام معظم الكلمات في جميع القواميس تكفي للبرهنة على ذلك برهنةً قطعية.

    ومما يجدر اعتباره أن معاني الكلمات تستدعي مزيد الانتباه، بوجه خاص في المؤلفات العلمية التي تكون على شاكلة مقدمة ابن خلدون، والتي تعبر عن آراء وملاحظات طريفة.

    إن قريحة ابن خلدون كانت قريحةً خصبةً ولودة، أوصلته إلى مجموعة كبيرة جدًّا من الأفكار والآراء الجديدة، فكان يستحيل عليه أن يعبِّر عنها جميعها بكلمات مألوفة بمعانيها المعتادة، وكان من الطبيعي أن يُضطرَّ إلى استحداث بعض الكلمات للتعبير عن آرائه، أو إلى استعمال بعض الكلمات المألوفة بمعانٍ خاصة تختلف عن معانيها الدارجة بعض الاختلاف.

    ومن غريب الاتفاق أن ابن خلدون نفسه كان قد عبَّر عن هذه الضرورة بكل وضوح عندما كتب في فصل التصوُّف العبارات التالية:

    «لهم، آداب مخصوصة بهم، واصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم، إذ الأوضاع اللغوية إنما هي للمعاني المتعارفة، فإذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف؛ اصطلحنا عن التعبير عنه بلفظ يتيسَّر فهمه منه» (ص٤٦٩).

    ولذلك نجده تارةً يشتق كلمات جديدةً من الأصول المعروفة، وطورًا يستعمل الكلمات المعروفة بمعانٍ خاصة، وتارةً يسعى إلى التعبير عن آرائه بجمع الكلمات وتركيبها. ففهم المعاني التي قصدها ابن خلدون من تلك الكلمات والتراكيب حق الفهم، يتطلَّب التفكير والبحث بتأمُّل وتعمُّق.

  • (٢)

    نذكر فيما يلي بعض الأمثلة على ذلك:

    لقد سمَّى ابن خلدون «العلم الجديد» الذي استنبطه ووضعه باسم «علم العمران». إن من يحاول أن يحدِّد المعنى الذي قصده ابن خلدون من هذا العلم، مستندًا إلى المعنى المفهوم من كلمة «العمران» في الحالة الحاضرة، يبقى بعيدًا عن الحقيقة والواقع بُعْدًا كبيرًا؛ لأن هذه الكلمة ترتبط في أذهاننا — عادةً — بكلمات العمارة، والمعمار، والتعمير، والمعمور، والمعمورة، في حين أن ملاحظة متون المقدمة تبين لنا بوضوح تام أن ابن خلدون استعمل الكلمة المذكورة بمعنى «الاجتماع» بوجه عام؛ ولهذا السبب كثيرًا ما قرن تركيب «العمران البشري» بتركيب «الاجتماع الإنساني»، كما أنه حدَّد المعنى الذي قصده من هذه الكلمة بقوله:

    «العمران، هو التساكن والتنازل في مصر أو حُلَّة للأُنْس بالعشير واقتضاء الحاجات» (ص٤١).

    ومما تجب ملاحظته أن ابن خلدون استعمل كلمة «التنازل» الواردة في هذا التعريف مرادِفةً لكلمة «التساكن، وعنى بها «المشاركة في النزول في حلة واحدة»، ومن المعلوم أن هذا المعنى أيضًا يختلف عن المعنى المفهوم من كلمة «التنازل» في الحالة الحاضرة اختلافًا كليًّا.

    هذا وقد خصَّص ابن خلدون فصولًا وأبحاثًا كثيرةً لدرس «العصبية»، وغني عن البيان أن من يسعى إلى فهم معنى هذه الكلمة، بمراجعة معاجم اللغة أو بملاحظة الاستعمالات الحالية، لا يمكن أن يتوصَّل إلى معرفة قصد المؤلف بوجه من الوجوه.

    وكذلك قد استعمل ابن خلدون كلمة «الأبنية» بمعنى الخيام؛ ولذلك كتب بعض العبارات التي تبدو في منتهى الغرابة لكل من يفسر الكلمة المذكورة بمعناها الحالي:

    «اقتصروا على الظهر الحامل للأثقال والأبنية» (ص٢٧٤)، «وكانوا يحتفرون الخنادق على معسكرهم إذا نزلوا وضربوا أبنيتهم» (ص٢٧٥).

    ومقابل ذلك لقد استعمل ابن خلدون كلمة «المصانع» — في عدة مواضع من المقدمة — بمعنى «الأبنية»، ولهذا السبب كثيرًا ما أردفها بكلمة «المباني» (ص٣٥٨)، وقال عن طاق كسرى بأنه من «مصانع الفرس»، كما كتب العبارة التالية، حينما ذكر ترف أهل المدن: «ومنهم من يتخذ القصور والمصانع العظيمة الساحة، المشتملة على عدة الدور والبيوت والغرف الكبيرة، لكثرة ولده وحشمه وعياله وتابعه» (ص٤٠٧).

  • (٣)

    بعد هذه الأمثلة على المعاني الخاصة التي عناها ابن خلدون من بعض الكلمات لا بد لنا من أن نشير إلى المعاني الخاصة التي قصدها من بعض التراكيب أيضًا.

    إن مَنْ يقرأ المقدمة بإمعانٍ يجد فيها بعض التعابير والتراكيب التي لا يمكن أن تُفْهَم حق الفهم بمجرد ملاحظة معاني مفرداتها؛ فإن فهم مثل هذه التعابير والتراكيب يتطلَّب — بطبيعة الحال — ملاحظة فقرات عديدة، وأحيانًا مطالعة فصول كثيرة، حتى إنه يحتاج في بعض الحالات إلى مراجعة علوم مختلفة.

    مثلًا يستعمل ابن خلدون في عدة مواضع التراكيب التالية؛ كلمات حدثانية، وازع عصباني، تكاليف إنشائية، خطط خلافية. ومن البديهي أن معاني هذه التعبيرات تحتاج إلى بحث واستجلاء.

    إن تعبير «الوازع العصباني» من وضع ابن خلدون نفسه، ففهم المقصود منه يتوقَّف على ملاحظة آرائه في «الوازع»، و«أنواع الوازع»، و«العصبية».

    وأمَّا تعبير «الكلمات الحدثانية» فهو من مصطلحات الكُهَّان والعرافين، ففهم المقصود منه يتطلَّب مطالعة ما كتبه عنهم بتأمُّل وانتباه.

    وأمَّا تعبير «التكاليف الإنشائية» فهو من التعبيرات التي استعارها من علماء البيان، فإن هؤلاء العلماء يقسمون الجملة إلى نوعين؛ خبرية وإنشائية، ويسمون الجملة التي تستهدف «الإخبار عمَّا حدث، أو عما سيحدث» باسم الخبرية، كما يسمون الجملة التي تتضمَّن «طلب الحدوث»، أو «الأمر بالإحداث» باسم «الإنشائية». إن ابن خلدون استحدث تعبير «التكاليف الإنشائية» قياسًا على اصطلاح علماء البيان في هذا الصدد، وأعتقد أن أحسن كلمة تقابل قصد ابن خلدون من هذا التركيب هي كلمة normatif أو impératif.
  • (٤)

    ومما يجدر بالملاحظة أن بعض التعبيرات التي استعملها ابن خلدون تولِّد التباسًا في الأذهان، بالنسبة إلى الاستعمال المألوف، وإن ظهرت في بادئ الأمر جلية المعنى.

    مثلًا لقد استعمل ابن خلدون عدة مرات تعبير «الخطط الدينية الخلافية»، ولا حاجة للبيان أن هذا التعبير يوهم بأن المقصود منه هو «الأمور الدينية المختلف فيها»، في حين أن قليلًا من الانتباه إلى مواضع استعمال هذا التعبير، يكفي للجزم بأن كلمة الخلافية الواردة فيه منسوبة إلى «الخلافة»، لا إلى «الخلاف»، وقد قصد المؤلف من هذا التعبير «الخطط المتعلقة بالخلافة»، تمييزًا لها عمَّا يتعلَّق بالسلطان والملك.

    وكذلك قد استعمل ابن خلدون في عدة مواضع تعبير «عجم المغرب»، كما ذكر عدة مرات «الخلافة الفارسية الكريمة». إن من يفسر مثل هذه التعبيرات بمدلولاتها المعتادة في الحالة الحاضرة، يتوهَّم أن ابن خلدون يقصد الفُرْس، ويشير إلى خلافة فارسية، ولكن الحقيقة الراهنة هي أنه قصد من «عجم المغرب» البربر، كما أراد بالإمامة الفارسية إمامة «أمير المؤمنين» أبي فارس عبد العزيز، ابن مولانا السلطان المعظم الشهير الشهيد أبي سالم إبراهيم» (ص٨).

  • (٥)

    غير أني أعتقد أن أشدَّ الالتباسات في كتابات ابن خلدون، وأغرب التوهُّمات في مقاصده قد نشأت من جرَّاء كلمة «العرب».

    وبما أن هذه القضية هامة جدًّا لفهم نظريات المقدمة على حقيقتها، رأيت من الضروري أن أتوسَّع في شرحها توسُّعًا وافيًا؛ ولذلك أفردت لها دراسةً خاصةً بعد هذا البحث الذي لم أكتبه — في حقيقة الحال — إلا تمهيدًا لها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤