أقسى الأحكام على مقدمة ابن خلدون

إن أقسى الأحكام على مقدمة ابن خلدون قرأتها في مقالة صادرة من قلم كاتب عربي ذائع الصيت؛ الأستاذ محمد فريد وجدي.

فقد نشر في مجلة المقتطف، سنة ١٩٣٢، مقالةً تحت عنوان «ابن خلدون في الميزان»، وذلك بمناسبة مرور ستمائة عام على ولادته.

وادَّعى الأستاذ محمد فريد وجدي في مقالته هذه:
  • أولًا: أن ابن خلدون نفسه يعترف بأنه «نسج على منوال المسعودي والطرطوشي وغيرهم، وأنه مسبوق بهم ومقلدهم.»
  • ثانيًا: أن مقدمة ابن خلدون ليست من فلسفة التاريخ، ولا من علم الاجتماع في شيء، بل إنما هي مجموعة أخطاء.

فلْننعم النظر في هذه المزاعم والمدَّعَيات.

•••

قال الأستاذ محمد فريد وجدي:

«بعد أن ذكر ابن خلدون ما ذكره من أنه واضع هذا العلم ومؤصِّل أصوله، وأنه لم يسبقه أحد إلى مثله، عاد فاعترف بأنه مقلِّد فيه وناسج على منوال غيره» (المقتطف، سنة ١٩٣٢، ص١٢٣٨).

«والقارئ يفهم من هذا أن المسعودي والطرطوشي وغيرهما قد سبقوا ابن خلدون إلى هذا الفرع من العلم، وبوَّبوا كتبهم على مثال ما فعل هو، ولكنهم اقتصروا فيها على عصورهم، فجاء هو ناسجًا على منوالهم، وهذا كله يدل على أن ابن خلدون يعترف لغيره بالسبق، ولكنه زاد عليهم في الإتقان، وبزَّهم في التدليل والتمحيص، فكيف يتفق هذا وقوله إنه اخترعه إلهامًا؟»

إني أجد في هذه الفقرات مثالًا بليغًا على الأخطاء التي يقع فيها بعض الكُتَّاب عندما يتكلَّمون عن آراء ابن خلدون من غير أن يكلِّفوا أنفسهم مئونة إنعام النظر في مضامين العبارات التي يقرءونها، فيسترسلون في ارتجال الأحكام والآراء.

فلْنقرأ ما كتبه ابن خلدون عن كتاب الطرطوشي بعد أن قال عن كتابه هو: «لَعَمْرِي، لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة.»

«حوَّم القاضي أبو بكر الطرطوشي في كتاب سراج الملوك، وبوَّبه على أبواب تقرب من أبواب كتابنا هذا ومسائله، لكنه لم يصادف فيه الرمية، ولا أصاب الشاكلة، ولا استوفى المسائل، ولا أوضح الأدلة، إنما يبوِّب الباب للمسألة، ثم يستكثر من الأحاديث والآثار، وينقل كلمات متفرقةً لحكماء الفُرْس — مثل بزرجمهر والموبذان — وحكماء الهند، والمأثور عن دانيال وهرمس وغيرهم من أكابر الخليقة، ولا يكشف عن التحقيق قناعًا، ولا يرفع بالبراهين الطبيعية حجابًا، إنما هو نقل وتركيب شبيه بالمواعظ» (ص٤٠).

إذن فإن ابن خلدون يقول عن كتاب الطرطوشي إنه مجموعة كلمات شبيهة بالمواعظ، منقولة عن مختلِف الحكماء، ومجردة عن الأدلة العقلية والبراهين الطبيعية.

ولا حاجة إلى القول أن ذلك يختلف عن المنحى الذي نحاه ابن خلدون في مقدمته اختلافًا كليًّا.

أفليس من الغريب أن يعتبر الأستاذ محمد فريد وجدي كلمات ابن خلدون هذه بمثابة اعتراف منه على أنه «قلَّد الطرطوشي ونسج على منواله»؟ وأن يوصِّل الأمر إلى حد التساؤل: «كيف يتفق اعترافه هذا مع قوله إنه اخترع علم العمران اختراعًا؟!»

•••

وأمَّا رأي الأستاذ المشار إليه في المقدمة نفسها فيتضح من العبارات التالية:

«يُكْثِرُ ابن خلدون من ذكر علم العمران والقوانين والعلل، فيُخيَّل للقارئ أنه يعني العلم المعروف بهذا الاسم في عصرنا الراهن، أو يرمي إلى فلسفة التاريخ وإن لم يذكرها باللفظ. ولكن الحقيقة أن مقدمة ابن خلدون ليست من هذين العلمين في شيء.»

«نعم إنه يُكْثِر من عبارات طبيعة الاجتماع والقوانين، وهذا منه حوم صريح حول فلسفة التاريخ، يستحق ابن خلدون من أجله فقط أن يُدْعَى عبقريًّا، ولكنه لم يوفَّق إلى توفية حقه، بل ولا الاتجاه بأبحاثه في وجهته؛ فكل ما أتى به هو معلومات عامة، كانت ذات قيمة في زمانه، ولكنها أصبحت اليوم مجموعة أخطاء لا حظَّ لنا منها إلا كحظنا في الآثار والعاديات» (المقتطف، السنة ١٩٣٢، ص١٢٣٨).

لا شك في أن مقدمة ابن خلدون تتضمَّن كثيرًا من الآراء الخاطئة التي لا يُقرُّها العلم الحاضر، شأنها في ذلك شأن جميع المؤلفات القديمة، من غربية وشرقية، ولكن القول بأنها «مجموعة أخطاء» لا يتفق مع حقائق الأمور بوجه من الوجوه. وأعتقد أن الأبحاث والدراسات المسطورة في كتابي هذا لا تترك مجالًا لأدنى شك في هذا المضمار.

وأمَّا مزاعم الأستاذ محمد فريد وجدي الأخرى فإنها تنافي ما قرَّره أعاظم علماء الغرب منافاةً صريحة.

قال الأستاذ فريد وجدي إن مقدمة ابن خلدون ليست من علم الاجتماع في شيء، في حين أن البروفسور غاستون بوتول، الأستاذ في مدرسة الدراسات الاجتماعية العليا في باريس، خصَّص عدة صحائف لابن خلدون في فصل «تاريخ علم الاجتماع»، من كتابه «علم الاجتماع» المنشور سنة ١٩٤٦.

وقال الأستاذ فريد وجدي إن مقدمة ابن خلدون ليست من فلسفة التاريخ في شيء، في حين أن البروفسور «توينبي» — الذي يُعَدُّ أعظم فلاسفة التاريخ في العصر الحاضر — قال عنها ما يلي:

«إن ابن خلدون — في المقدمة التي كتبها لتاريخه العام — قد أدرك وتصوَّر وأنشأ فلسفةً للتاريخ، هي بلا شك أعظم عمل من نوعه خلقه أي عقل في أي زمان ومكان.»

•••

هذا ولإظهار مبلغ تعسُّف الأستاذ محمد فريد وجدي على ابن خلدون بوضوح أعظم، أنقل فيما يلي كلمةً من مقالة نشرها المستشرق الفرنسي المشهور «هنري ماسه» — في المجلة الإفريقية سنة ١٩٣٩:

إن مقدمة ابن خلدون تتعدَّى حدود الأدب العربي، لتتبوأ مكانةً بين أروع الآثار الأدبية الخالدة على كل العصور والدهور؛ فإن عمق التفكير وقوة المحاكمة وسعة الاطلاع ورهافة حس الانتقاد … التي تتجلَّى في ما كتبه هذا المؤلف في القرن الرابع عشر، لهي ممَّا يحيِّر العقول ويثير الإعجاب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤