مقدمة

بقلم  أحمد  أمين

بسم الله الرحمن الرحيم

من أول ظهور الجزء الأول من «ضحى الإسلام»، وعدت القراء بتخصيص جزء «للأندلس»، وانتهى ضحى الإسلام من غير أن يكون فيه شيء عنها؛ لأنها لم تكن ازدهرت في عصر ضحى الإسلام، فلما جاء ظهر الإسلام يؤرِّخ القرن الرابع الهجري، رأيت الفرصة سانحة لتأريخ الحياة العقلية في الأندلس، ولكن لم أكتفِ بتأريخها في القرن الرابع وحده، بل رأيت أن حضارتها وحياتها العقلية تكاد تكون وحدة، ففضلت في شأنها أن أنهج منهجًا جديدًا، فلا ألتزم القرن الرابع، بل أؤرخ حياتها العقلية متسلسلة من وقت فتح المسلمين لها إلى وقت خروجهم منها؛ أي: نحو ثمانية قرون، حتى تكون كلها مربوطة برباط واحد، معروضة عرضًا واحدًا.

وكان أمامي أن أؤرخها تأريخًا أفقيًّا، أو تأريخًا رأسيًّا؛ بمعنى أن أؤرخ الحياة العقلية في كل عصر، ثم أتبع ذلك بالعصر الذي بعده وهكذا، أو أن أؤرخ كل علم من مبدأ ظهوره في الأندلس وكيف تدرج، حتى آخر أمره فيها، ففضلت الطريق الثاني؛ لأنه أنسب.

ولم يكن قصدي أن أؤرخ الحياة السياسية؛ لأن مهنتي هي الحياة العقلية لا السياسية، وذلك شأني في كل أجزاء السلسلة، فلم أتعرض لشرح الحياة السياسية والاجتماعية إلا بالقدر الذي يلقي ضوءًا على الحياة العقلية، خصوصًا وأن أكثر ما رأيت من الكتب التي ألفت في الأندلس عربية أو إفرنجية كانت تدور حول السياسة، فإن زادت شيئًا ففصل أو فصلان فقط في شرح الحياة الفكرية، فكانت الحاجة إلى شرح الحياة العقلية أمس، والعناية بها أوجب.

فأقدم الكتاب على هذا النحو للقراء راجيًا منهم — لا كما كان يقول السابقون — أن يغضُّوا الطرف عمَّا فيه من عيوب، بل أن يقيدوها ويشرحوها ويبينوها لي حتى أتدارك ما لا يخلو منه مؤلف من خطأ. فالحياة العلمية في كل فرع إنما تحيا بالنقد، وتتقدم بتمحيص الآراء، وإظهار العيوب، وحسن التوجيه.

وهذا رجاء أرجوه في كتابي هذا، وفي كل كتبي، فما أردت إلا الحق.

ويبقى عليَّ من هذه السلسلة في القرن الرابع الهجري، وهو الذي عنونته ﺑ «ظهر الإسلام» الجزء الرابع والأخير من المذاهب الدينية وتطورها.

والله أسأل أن يعينني عليه كما أعانني على سوابقه.

القاهرة
١٤ ربيع الثاني سنة ١٣٧٣ﻫ
٢١ ديسمبر سنة ١٩٥٣م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١