الفصل الأول

سكان المملكة الإسلامية

عنصر الأتراك — في هذا العصر الذي نؤرخه، ظهر في المملكة الإسلامية عنصر كبير بجانب العنصرين العظيمين — الفرس والعرب — وهو عنصر الأتراك، وكان له أثر كبير في تاريخ الأمة الإسلامية وحياتها السياسية والاجتماعية.

ذلك أن المعتصم الذي تولَّى الخلافة سنة ٢١٨ﻫ استقدم سنة ٢٢٠ﻫ قومًا من بخارى وسمرقند وفرغنة وأشروسنة وغيرها من البلاد التي نسيمها «تركستان»، وما وراء النهر، «اشتراهم وبذل فيهم الأموال، وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب، وأمعن في شرائهم حتى بلغت عِدَّتهم ثمانية آلاف مملوك، وقيل ثمانية عشر ألفًا» وهو الأشهر.١
وسبب اتجاه المعتصم إلى الأتراك يرجع إلى أمور:
  • (١)

    إن أهم عنصر في الجند كانوا إلى عهد المعتصم هم الخراسانين، وهو فُرس من خراسان، وكانوا عماد الدولة العباسية نحو قرن، من عهد إنشاء الدولة إلى المعتصم، كما كانوا حرس الخلفاء؛ وكان بجانب هؤلاء الجنود من الفرس جنود من العرب، من مضر واليمن وربيعة، ولكن هؤلاء العرب كانوا أقل شأنًا وأقل حظوة، وأقل عددًا من الفرس.

    ضعفت ثقة الخلفاء بالعرب على ممر الأيام؛ إذ رأوهم لا يتحمَّسون للقتال لهم تحمُّس الفرس. وقد تقدم أن رجلًا تعرض للمأمون بالشام وقال له: «يا أمير المؤمنين، انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم أهل خراسان!» ولكن المعتصم بدأ يشعر أيضًا بضعف ثقته بالفرس؛ وذلك أن كثيرًا من الجند لما مات المأمون كان هواهم مع ابنه العباس؛ لأن أم المأمون فارسية، فدعتهم عصبيتهم للمأمون — نصف الفارسي — أن يتعصبوا لابنه العباس أيضًا.

    وذكر «الطبري» أن الجند شغبوا لما بويع لأبي إسحاق — المعتصم — بالخلافة، فطلبوا العباس ونادوه باسم الخلافة، فأرسل أبو إسحاق إلى العباس فأحضروه فبايعه العباس ثم خرج العباس إلى الجند فقال: ما هذا الحب البارد؟! قد بايعت عمي، وسلمت الخلافة إليه. فسكن الجند.٢

    لم تمر هذه الحادثة على المعتصم من غير أن تدعوه إلى التفكير العميق؛ حتى لا يتكرر مثل هذا الحادث، ففكر أن يستعين بقوم غير الفرس وغير العرب، فهداه تفكيره إلى الترك، وظل لا يصفو للعباس ولا العباس يصفو له حتى اتهم العباس بأنه يدبر مؤامرة لاغتيال المعتصم، فقبض على العباس وسجن ومنع عنه الماء حتى مات.

  • (٢)
    وسبب آخر لاستدعاء المعتصم للترك، وهو أن أم المعتصم أصلها من هذه الأصقاع التركية، فقد كانت من السُّغد، واسمها ماردة، وكان في طباعه كثير من طباع هؤلاء الأتراك، من القوة والشجاعة والاعتداد بقوة الجسم؛ «كان يجعل زند الرجل بين إصبعيه فيكسره». ويقول أحمد بن أبي دُؤاد: «كان المعتصم يخرج ساعده إليَّ ويقول: عَضَّ ساعدي بأكثر قوتك. فأمتنع، فيقول: إنه لا يضرُّني! فأورم ذلك فإذا هو لا تعمل فيه الأسنة فضلًا عن الأسنان!»٣ فدعته العصبية التركية والتشابه الخلقي أن يفكر في استدعاء الأتراك ففعل.
    استكثر المعتصم من الأتراك حتى ملئوا بغداد وضايقوا أهلها، قال المسعودي: «كانت الأتراك تؤذي العوام بمدينة السلام بجريها بالخيول في الأسواق وما ينال الضعفاء والصبيان من ذلك، فكان أهل بغداد ربما ثاروا ببعضهم فقتلوه عند صدمه لامرأة أو شيخ كبير، أو صبي أو ضرير؛ فعزم المعتصم على النقلة معهم … فانتهى إلى موضع سامَرَّا، فأحضر الفَعَلَة والصناع وأهل المهن من سائر الأمصار، ونقل إليها من سائر البقاع أنواع الغروس والأشجار، فجعل للأتراك مواضع متميزة، وجاورهم بالفراغنة والأشروسنية … وأقطع أشْناس التركي وأصحابه من الأتراك الموضع المعروف بكرخ سامرَّا … إلخ».٤ كان من هؤلاء الأتراك مسلمون أسلموا على أثر فتح المسلمين لبلادهم في العصر الأموي، ومنهم مجوس وثنيون أخذوا يسلمون عند استقدام المعتصم لهم، وكانوا يتكلمون التركية، فأخذوا يتعلمون العربية، وقد عرفوا بالشجاعة والصبر على القتال كما عرفوا بخشونة البداوة وقسوة الطبيعة؛ وحافظ المعتصم على دمائهم أن تبقى متميزة، فجلب لهم نساء من جنسهم زوَّجهن لهم، ومنعهم أن يتزوجوا من غيرهم.

مكَّن المعتصم للأتراك في الأرض، وكانوا في أول أمرهم قوة للدولة، وبسببهم — على الأكثر — يرجع انتصارهم على الروم في وقعة عمورية سنة ٢٢٣ﻫ، فكانت القيادة العليا في يد الأتراك وعلى رأسهم أَشْنَاس.

من ذلك التاريخ دخل في نزاع العصبية عنصر قوي جديد، فقد كان النزاع قبلُ بين الفرس والعرب، فأصبح بين العرب والفرس والترك؛ وكان العرب قد ضعف أمرهم في نزاعهم مع الفرس، فجاءت قوة الترك ضغثًا على إبَّالة، وتوجَّهت قوة الترك أولًا — لإضعاف شأن هؤلاء الفرس المستبدين بالسلطان. وأخذ التاريخ الإسلامي يصطبغ بالصبغة التركية، وبعد أن كانت الأحداث تتصل بأعلام الفرس، كأبي مسلم الخراساني والبرامكة والحسن بن سهل والفضل بن سهل، وعبد الله بن طاهر وأمثالهم؛ ظهر التاريخ مرتبطة أحداثه بأشناس، وإيتاخ، وبُغَا الكبير، وبغا الصغير، وابن طولون وأمثالهم من الأتراك؛ إذ كانوا القابضين على زمام الدولة والمتصرفين في شئونها.

وبدأت العصبية ضد الأتراك من عهد دخولهم بغداد، فقد شكا أهل بغداد للمعتصم وقالوا له: تحوَّل عنا وإلا قاتلنا! قال: وكيف تقاتلونني وفي عسكري ثمانون ألف دارع؟! قالوا: نقاتلك بسهام الليل — يعنون الدعاء — فقال المعتصم: والله ما لي بها طاقة! فبنى لذلك سُرَّ مَن رأى وسكنها.٥

وهجا دِعْبِلٌ الخُزاعي المعتصم لتعصبه للأتراك وحمايته إياهم فقال:

لقد ضاع أمرُ الناسِ حيث يسوسهم
وصِيفٌ وأشْنَاسٌ وقد عظم الخطبُ
وإني لأرجو أن ترَى من مغيبها
مطالعُ شمس قد يَغَصُّ بها الشَّرْبُ
وهمُّك تُرْكي عليه مَهانةٌ
فأنت له أمٌّ وأنتَ له أبُ
بل يظهر أن المعتصم نفسه — وهو جالب الأتراك — قارن بين خدمة الفرس للخلفاء قبله وخدمة الترك له، فحمد الأولى وذم الثانية؛ فقد روى الطبري أن المعتصم، دعا أبا الحسين إسحاق بن إبراهيم،٦ وبعد حديث طويل، قال المعتصم: يا إسحاق! في قلبي شيء أنا مفكر فيه منذ مدة طويلة. فقال إسحاق: قل يا سيدي فأنا عبدك وابن عبدك. قال المعتصم: نظرت إلى أخي المأمون وقد اصطنع أربعة أنجبوا، واصطنعت أنا أربعة لم يفلح أحد منهم! قال إسحاق: ومَن الذي اصطنعهم أخوك؟ قال: طاهر بن الحسين؛ فقد رأيتَ وسمعتَ، وعبد الله بن طاهر؛ فهو الرجل الذي لم يُر مثله، وأنت؛ فأنت والله الذي لا يعتاض السلطان منك أبدًا، وأخوك محمد بن إبراهيم؛ وأين مثل محمد؟! وأنا فاصطنعت الأفشين؛ فقد رأيتَ إلى ما صار أمره، وأشناس؛ ففشلٌ أيُّه! وإيتاخ؛ فلا شيء، ووصيف؛ فلا مغنى فيه! فقال إسحاق: أجيب يا أمير المؤمنين على أمان من غضب؟ قال: قل. قال إسحاق: يا أمير المؤمنين، نظر أخوك إلى الأصول فاستعملها فأنجبت فروعها، واستعمل أمير المؤمنين فروعًا لم تنجب، إذ لا أصول لها! قال: يا إسحاق لَمقاساة ما مرَّ بي في طول هذه المدة أسهل عليَّ من هذا الجواب.٧
وكره أهل بغداد مجيئهم إذ كانوا شؤمًا عليهم في حلِّهم وترحالهم، فلما أقاموا بينهم كانت خيولهم تصيب الضعفاء والمرضى، ولما رحلوا عنهم إلى القاطول٨ ثم سامرا أثَّر ذلك أثرًا سيئًا في بغداد من حيث تجارتها وحضارتها، فقال بعضهم في ذلك يعيِّر المعتصم:
أيا ساكن القاطول بين الجرامِقة
تركتَ ببغدادَ الكِباشَ البطارِقة
وأخذ المحدثون يضعون الأحاديث في ذمِّ الترك تعبيرًا عن شعورهم وشعور الناس، فرووا أن النبيَّ قال: «الترك أول من يسلُب أمَّتي ما خُوِّلوا.» وعن ابن عباس أنه قال: «ليكونن الملك — أو قال الخلافة — في ولدي حتى يغلب على عزِّهم الحمر الوجوه، الذين كأن وجوههم المَجانُّ المُطرَّقة.» وعن أبي هريرة أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى يجيء قوم عراض الوجوه صغار الأعين، فُطْس الأنوف، حتى يربطوا خيولهم بشاطئ دجلة.»٩
زاد نفوذ الأتراك شيئًا فشيئًا، بكثرة ما كان يرد على عاصمة الخلافة من بلادهم، وبما أبدوا من بسالة في حروبهم، وبما تزاوجوا وتناسلوا، وبتأييد الخلفاء لهم؛ فالواثق بعد المعتصم «استخلف سنة ٢٢٨ﻫ على السلطنة أشناس التركي، وألبسه وشاحين مجوهرين وتاجًا مجوهرًا. وأظنُّه أول خليفة استخلف سلطانًا، فإن الترك إنما كثروا في أيام أبيه».١٠
وفي أيامه نكَّل قواد الأتراك بكثير من الأعراب في مواضع مختلفة من جزيرة العرب، فمرة حول «المدينة»، ومرة باليمامة، وكان على رأس الجيش بُغَا الكبير التركي. واحتقر الأعرابُ أول أمرهم هؤلاء الترك وقالوا لمن استنجد بهم: ما هؤلاء العبيد والعلوج؟ تقاتلنا بهم؟! والله لنرينَّك العبر!» ولكن هؤلاء العبيد والعلوج انتصروا عليهم، وكان بغا يُحضر الواحد من أسرى بني نمير ويضربه ما بين الأربعمائة إلى الخمسمائة وأقل من ذلك وأكثر. وعاد بغا ومعه الأسرى من قبائل مختلفة من العرب،١١ ولهذه الحادثة وأمثالها أثر في ضعف نفسية العرب أمام الترك.
وكان مما فعله المعتصم متمِّمًا لاعتماده على الأتراك أن كتب إلى واليه على مصر كَيْدُر، واسمه نصر بن عبد الله، يأمره بإسقاط من في الديوان من العرب١٢ وقطع أعطياتهم. فلما قطع العطاء عنهم خرج يحيى بن الوزير الجَرَوِي في جمع لَخْم وجذام وقال: «هذا أمر لا نقوم في أفضل منه؛١٣ لأنه منعنا حقنا وفيئنا.» واجتمع إليه نحو من خمسمائة رجل. فتوجه إليهم مُظَفَّر بن كيدُر في بحيرة تِنيس، فأسر يحيى بن الوزير وتفرق عن أصحابه، فانقرضت دولة العرب من مصر وصار جندها العجم والموالي من عهد المعتصم، إلى أن ولي أحمد بن طولون التركي، فاستكثر من العبيد وبلغت عدتهم زيادة على أربعة وعشرين ألف غلام تركي، وأربعين ألف أَسْوَد وسبعة آلاف حر مرتزق.١٤

ولا شك أن هذه الحادثة أيضًا أضعفت من شأن العرب وخاصةً في مصر.

وتولَّى المتوكل سنة ٢٣٢ﻫ، فكان قد مضى على مجيء الأتراك اثنتا عشرة سنة تمكنوا فيها من الأرض وعرفوا الناس والبلاد، وخدمتهم الحوادث في إعلاء سلطانهم؛ فرأينا إيتاخ التركي هو الذي بيده معظم الأمور.

وإيتاخ هذا غلام تركي كان طباخًا فاشتراه المعتصم، وكان ذا رجولة وبأس «فرفعه المعتصم ومن بعده الواثق حتى ضم إليه من أعمال السلطان أعمالًا كثيرة، وكان من أراد المعتصم أو الواثق قَتْله، فعند إيتاخ يُقْتل وبيده يحبس، منهم محمد بن عبد الملك الزيات، وأولاد المأمون». فلما ولي المتوكل كان إيتاخ في أعلى مرتبته، إليه الجيش والمغاربة والأتراك والموالي والبربر والحجابة ودار الخلافة،١٥ حتى لقد خرج المتوكل مرة متنزهًا إلى ناحية القاطول وشرب وعربد على إيتاخ، فهمَّ إتياخ بقتله، فلما أصبح أُخبر المتوكل بذلك فاعتذر إلى إيتاخ وقال له: «أنت أبي وربَّيتني.»١٦ نعم إن المتوكل دبَّر له مكيدة فقتله، ولكن هذا لم يضعف شأن الأتراك في شيء، بل أوغر صدرَهم على المتوكل.

أصبحت أمور الدولة في يد الأتراك، وأصبحوا مصدر قلق واضطراب، فهم يكرهون الفرس والعرب، وهم أنفسهم ليسوا في وفاق بعضهم مع بعض، وهم لا ينقطعون عن المؤامرات والدسائس، وتعصَّب كل فريق لقائد منهم، وهم كثيرو الطمع في الأموال لا يشبعون، وعلى الجملة فقد أصبحت «دار السلام» وما حولها ليست دار سلام.

لا بد أن يكون المتوكل قد شعر بهذا الجو الحائق بما يثيره الأتراك من شرور، ولا بد أن يكون قد أحس الخطر على حياته منهم، ففكر أن ينقل عاصمة الخلافة من العراق إلى دمشق، وأن يعود إلى عاصمة الأمويين لعلَّه يجد فيها من العنصر العربي من يغنيه عن العنصر التركي؛ ففي سنة ٢٤٣ﻫ؛ أي بعد خلافته بإحدى عشرة سنة، رحل إلى دمشق، ولكنه لم يطل مقامه بها، فلم يستطب جوَّها كما قالوا. وهو مع هذا لم يسلم من شغب جنود الشام عليه، «فاجتمعوا وضجُّوا يطلبون الأعطية، ثم خرجوا إلى تجريد السلاح والرمي بالنشاب»،١٧ فعاد إلى سامرا، وكان بين خروجه منها وعودته إليها ثلاثة أشهر وسبعة أيام، وبعد أربع سنوات من عودته قتله الأتراك.
لقد رأى المتوكل أن يتخلص من الأتراك ويعيد الدولة سيرتها الأولى، ولكن كان ابنه المنتصر يشايعهم، «فعزم المتوكل أن يفتك بالمنتصر، ويقتل وصيفًا وبغا وغيرهما من قواد الأتراك ووجوههم»،١٨ وعزموا على الفتك به؛ فكان ذلك مفترق الطرق، فإن نجح زالت دولة الأتراكِ وعادت غلبة الفرس، ورجعت الأمور إلى ما كانت عليه، ولكن شاء القدر أن ينجحوا هم، فتقدم باغر التركي حارس المتوكل ينفذ مؤامرة من القواد الأتراك على رأسهم بغا الصغير، ومعه عشرة غلمان من الأتراك وهم متلثِّمون والسيوف في أيديهم، وصعدوا على سرير الملك، وضرب باغر «المتوكل» بالسيف فقدَّه إلى خاصرته، ثم ثناه على جانبه الأيسر ففعل مثل ذلك، وأقبل الفتح «بن خاقان» يمانعهم فبعجه واحد منهم بالسيف في بطنه فأخرجه من متنه، فلفَّا في البساط الذي قتلا فيه، وطرحا ناحية، فلم يزالا على حالتهما في ليلتهما وعامة نهارهما، حتى استقرت الخلافة للمنتصر فأمر بهما فدفنا.

كان قتل المتوكل أول حادثة اعتداء على الخلفاء العباسيين، فكل من كان قبله مات حتف أنفه «إلا الأمين فقد قتل بعد هزيمته في الحرب». ولم يكن قتل المتوكل اعتداءً على المتوكل وحده، بل هو قتل لسلطان كل خليفة بعده، ولم يكن قتله بيد باغر وحده بل بيد الأتراك. وكان في قتله حياة الأتراك وسلطانهم، وإنذار عام للبيت المالك أن من أراد أن يلي الخلافة فليذعن إذعانًا تامًّا للأتراك، ومن حدَّثته نفسه — من الخليفة فمن دونه — أن يناوئهم فليوطِّن نفسه على القتل.

وهكذا كانت هذه الحادثة مصرعَ الخلافة، ومجد الأتراك، فكان الخليفة بعده خاتمًا في أصبعهم أو أقل من ذلك، حتى قنع بالسكة والخطبة، «وصار يُضرب ذلك مَثلًا لمن له ظاهر الأمر، وليس له من باطنه شيء، فيقال: قنع فلان من الأمر الفلاني بالسكة والخطبة، يعني قنع منه بالاسم دون الحقيقة»،١٩ وفي هذا المعنى يقول بعضهم في الخليفة المستعين:
خَليفةٌ في قفَص
بين وَصِيفٍ وبُغَا
يقولُ ما قالا له
كما يقول البَبَّغا

لقد شهد البحتري مقتل المتوكل وكان نديمه وجليسه، وفزع لذلك، ووصف مقتله في قصيدته الرائية المشهورة، يقول فيها:

ولم أنس وحشَ القصر إذ رِيع سِرْبُهُ
وإذ ذُعرت أطلاؤه وجآذِرُه
وإذ صِيح فيه بالرحيل فُهتِّكتْ
على عجل أستارُه وستائرُه

وفيها:

حُلومٌ أضلَّتها الأماني ومدة
تناهت وحتف أوشكتُه مقادِرُه
ومغتصَبٍ للقتل لم يُخش رَهطُه
ولم تُحتشم أسبابُه وأواصرُه
صريع تقاضاه السيوفُ حشاشةً
يجود بها والموت حُمْرٌ أظافرُه
أدافع عنه باليدين ولم يكن
لِيَثْنِي الأعادي أعزلُ الليل حاسره
ولو كان سيفي ساعة الفتك في يدي
درى الفاتك العجلان كيف أُساوره
حرامٌ عليَّ الراح بعدَك أو أرى
دمًا بدم يجري على الأرض مائره
وهل أرتجي أن يطلب الدم واترٌ
يَدَ الدهر والموتور بالدم واتره؟

… إلخ.

بل يُخَيَّلُ إِليَّ أن البحتري هاله ما فعله الأتراك بسيده المتوكل وهو الذي مجَّده في كثير من قصائده، وأسبغ عليه فيها نوعًا من التقديس.

وشبيه النبي خَلْقًا وخُلْقًا
ونسيب النبيِّ جَدًّا فجَدَّا
يا ابن عم النبي حقًّا ويا أز
كى قريش دِينًا ونفسًا وعِرْضا
بنْتَ بالفضل والعلوِّ فأصبحـ
ـت سماء وأصبح الناس أرضا

ولم يستطع أن يهجو الأتراك في صراحة وإقذاع، وهم الذين بيدهم السلطان، وآلمه ما آل إليه أمر الدولة وقد غلب عليها الأتراك، وما كانت عليه الدولة أيام كان السلطان سلطان الفرس، فحنق على الأولى، وحمد الأخرى. فيخيَّل إليَّ أنه قال «بمظاهرة» طريفة يرضي بها شعوره، وهي أنه حج إلى إيوان َكسرى رمز سلطان الفرس، ووقف أمامه شاكيًا باكيًا، وقال سينيته البديعة المشهورة يندب حظه ويبكي أمسه:

حَضرتْ رحْليَ الهُموم فوجَّهـ
ـتُ إلى أبيضِ المدائن عنْسي
أتسلَّى عن الحظوظ وآسَى
لمحلٍّ من آل ساسان دَرْسِ
ذَكرتْنِيهُمُ الخطوب التوالي
ولقد تُذكر الخطوبُ وتُنسي

•••

وهْو ينْبيك عن عجائبِ قومٍ
لا يُشابُ البيانُ فيهم بلَبْسِ

•••

ليس يُدْرَى أصنعُ إنسٍ لجنٍّ
سَكَنُوهُ أم صُنعُ جنٍّ لإنس
غير أني أراه يشهد أنْ لم
يك بانيه في الملوك بِنُكْسِ

بل هو يصرح بعد ذلك أن الفرس ليسوا قومه، ولكن لهم فضل على العرب بما أيدوا من ملكهم، وما خدموا في دولتهم (أي وليس كذلك الترك). وفضلًا عن ذلك فإنه يألف الأشراف من كل جنس، ويحب الأصول من كل قوم:

ذاك عندي وليست الدار داري
باقتراب منها ولا الجِنس جِنْسي
غير نُعْمَى لأهلها عند أهلي
غرسوا من ذكائها خير غرس
أيَّدُوا مُلكنا وشدُّوا قواه
بكماة تحت السِّنورِ حُمْسِ
وأراني من بعدُ أكلف بالأشرا
ف طُرًّا من كل سِنْخٍ وأسِّ

فهذه القصيدة ليست نزعة شعوبية من البحتري كما يرى بعضهم، ولكنها — فيما أرى — حسرة على عهد الفرس بعد أن رأى عهد الأتراك، وبكاءٌ على عصر كان الفرس فيه يحتفظون بأبهة الخليفة وعظمته، ويعملون ما عملوا في خدمته، وألَمٌ من عصر الأتراك الذي محَوا فيه سلطة الخليفة وسلبوه سلطانه، وأخضعوه لإشارتهم، وجعلوه تابعًا لأمرهم ونهيهم، وأخيرًا فعلوا فعلتهم الشنعاء فقتلوه أشنع قِتلة، ولم يرعوا له ولا للخلافة أية حرمة.

وقد خلف لنا الجاحظ رسالة في موضوع العصبية عند مجيء الترك، وهي رسالة كتبها للفتح بن خاقان التركي في مناقب الترك، تمثِّل لنا أصدق تصوير العصبية بين الجنود المختلفة لمَّا جُند الأتراك، وما يقال عن الجنود يصح أن يقال عن غيرهم. وقد ذكر في هذه الرسالة أنه ألفها أيام المعتصم جالب الأتراك، وأنه أراد أن يوصلها إليه فلم تصل، لأسباب يطول ذكرها، ولم يبين لنا شيئًا من هذه الأسباب، والظاهر أنها لم تصل إليه؛ لأن من كان في قصر المعتصم من الفرس والعرب عملوا على ألا تقع في يده فتعظم عصبيته للترك.

ويظهر أنه أعاد كتابتها من جديد على ضوء ما كان من عظمة الترك، وقدَّمها للفتح بن خاقان وزير المتوكل، وكل قوم من الجند في ذلك العصر كان لهم أدباء وعلماء ومتحدثون، يتكلمون في مناقب قومهم وميزتهم عن غيرهم. أما الأتراك فلم يكن لهم شيء من ذلك، فتعاون الفتح بن خاقان والجاحظ على أن يسدَّا هذا النقص، ويبيِّنا مناقب الترك؛ فكتب الجاحظ رسالته في ذلك وحكى فيها بعض أقوال الفتح. وقد استعمل الجاحظ عقله وقلمه وفلسفته في إعلاء شأن الترك؛ تقربًا لذوي النفوذ، وإظهارًا لمزيته البلاغية، بقطع النظر عن كونه يعتقد ما يقول أو لا يعتقد.

والرسالة قيِّمة جدًّا من ناحية حكاية ما كان يجول بخاطر الجند على اختلاف أنواعهم ونوع عصبيتهم. ويقول فيها إنه لا يريد أن يذكر مناقب الأتراك ويتبعه بمعايب غيرهم، بل يكتفي بذكر المناقب قصدًا إلى الألفة وتوحيد القلوب، ولكنه بسط مناقب الترك وبالغ في إعلاء شأنهم، وأسبغ عليهم، بقلمه السيَّال وأسلوبه الواسع؛ عظمة وأبهة تكفيان في إشعار القارئ أن الترك أعظم جند، وأشجع قوم؛ فهو بهذا الأسلوب الماكر رفع من شأن الترك، ووضع من غيرهم تحت ستار الدعوة إلى الألفة.

حكى في صدر الرسالة حكاية الفتح بن خاقان من أنه سمع رجلًا يَقسم الجند في عهد المتوكل إلى أقسام: خراساني، وتركي، ومولِي، وعربي، وبَنَوي.٢٠ فاعترض عليه الفتح وأبى هذا التقسيم، ودعا إلى أن ينظر إلى الجند كوحدة لا كأجناس، وأن هذا الجند مع اختلاف أجناسه متقارب الأنساب، فالخراساني والتركي متقاربان في الشبه والصقع، وأن القرب بينهما أكثر مما بين العدنانيين والقحطانيين مع أن كلهم عرب، وأن البنويين خراسانيون؛ لأن نسب الأبناء نسب الآباء، وأن الموالي أشبه بالعرب وأقرب إليهم، وهو عرب في المدعَى وفي العاقلة وفي الراية، وقد جاء: «مولى القوم منهم»، و«الولاء كلحمة النسب»، وأن الأتراك صاروا من العرب لهذا المعنى؛ لأن الأتراك موالي الخلفاء، فهم موالي لباب قريش. وحكي عن الفتح، أن هذه الأجناس بهذا المعنى يجب أن يكونوا متوازرين متكاتفين محبين للخلفاء … إلخ إلخ.

وهو كلام جيد نظريًّا، ولم يكن واقعًا عمليًّا، فالدعوة الجنسية كانت بالغة أشدَّهَا، والعداوة بينهم متغلغلة في أعماق صدورهم.

ثم حكى الجاحظ عن «الفتح» أن هذا القائل ذكر مناقب لكل جنس من الجنود وألغى ذكر الأتراك، فذكر أن الخراسانيين يفخرون ويقولون: إنا دعاة الدولة العباسية ونحن النقباء والنجباء وأبناء النجباء، وبنا زال ملك بني أمية، ونحن الذين تحملوا العذاب وبُضعوا بالسيوف الحداد، ندين بالطاعة ونقتل فيها، ونموت عليها؛ ونحن قوم لنا أجسام وأجرام، وشعور وهام، ومناكب عظام، وجباه عراض، وسواعد طوال، وأبداننا أحمل للسلاح، ونحن أكثر مادة ونحن أكثر عددًا وعدة، ومتى رأيت مواكبنا وفرساننا وبنودنا التي لا يحملها غيرنا علمت أنَّا لم نخلق إلا لقلب الدول وطاعة الخلفاء وتأييد السلطان؛ ونحن أرباب النهى وأهل الحلم والحجى؛ وأهل النجابة في الرأي، والبعد من الطيش، وليس في الأرض صناعة عراقية ولا حجازية، من أدب وحكمة، وحساب وهندسة وارتفاع بناء، وفقه ورواية، نظرت فيها الخراسانية إلا فرعت فيها الرؤساء وبذَّت فيها العلماء … إلخ إلخ.

والعرب يفخرون بالأنساب وبالشعر الموزون الذي يبقى بقاء الدهر، ويلوح ما لاح نجم، وبالكلام المنثور والقول المأثور وتقييد المآثر، إذ لم يكن ذلك من عادة العجم — قالوا — ونحن أصحاب التفاخر والتنافر، والتنازع في الشرف والتحاكم إلى كل حَكَم مقنع، وكاهن شجاع، ونحن أصحاب التعاير بالمثالب والتفاخر بالمناقب، نقاتل رغبة لا رهبة. ثم ردُّوا على الخراسانيين بأن أكثر النقباء في الدعوة العباسية كانوا من العرب … إلخ.

وفخر الموالي بأنهم موضع الثقة عند الشدة، وأن شرف السادة راجع إليهم، إذ هم منهم، ثم لهم الطاعة والخدمة والإخلاص وحسن النية — قالوا — ونحن أشكل بالرعية، وأقرب إلى طباع الدهم، وهم بنا آنس، وإلينا أسكن، وإلى لقائنا أحنُّ، ونحن بهم أرحم، وعليهم أعطف … إلخ.

وقال البنوي: إنا أصلنا خرساني وهو مخرج الدولة، ومطلع الدعوة، ولنا بعدُ في أنفسنا ما لا ينكر، من الصبر تحت ظلال السيوف القصار، والرماح الطوال، ولنا مُعانقة الأبطال عند تحطم القنا وانقطاع الصفائح، ونحن أهل الثبات عند الجولة، والمعرفة عند الخبرة، مع حسن القدِّ، وجودة الخرط، ثم لنا الخطُّ والكتابة، والفقه والرواية، ولنا بغداد بأسرها تسكن ما سكنَّا وتتحرك ما تحركنا؛ ونحن تربية الخلفاء وجيران الوزراء، وُلِدْنا في أفنية ملوكنا، ونحن أجنحة خلفائنا، أخذنا بآدابهم، واحتذينا على مثالهم.

فأخذ الجاحظ بعدُ يشِيد بفضل الترك، فيزعم أن كل الأجناد يرجعون إلى شيء واحد كما قال «الفتح»؛ فالبنوي خراساني، والخراساني مولِي، والمولِي عربي بالولاء، والأتراك خراسانية (أي بحكم القرب والجوار)، فصار البنوي والخرساني والمولي والعربي والتركي شيئًا واحدًا، فصار فضل التركي إلى الجميع راجعًا، وصار شرفهم زائدًا في شرفهم، ورجا أنه إذا عرف سائر الأجناد ذلك تسامحت النفوس، ومات الضغن وانقطع سبب الاستثقال.

بدأ الجاحظ دفاعه عن الأتراك بحكاية قصَّها عن قوم أيام المأمون تذاكروا أي الاثنين أشجع: الخارجي أم التركي؟ وكان الخوارج معروفين بين الناس إذ ذاك بأنهم أشجع جند وأصبر الناس على قتال، وانتهى من هذه القصة بنتيجة هي أن التركي أشجع من الخارجي؛ لأن الخوارج عرفوا بعشر مزايا في القتال، والتركي يفضلهم فيها جميعًا؛ لأنه أثبت عزمًا حتى لقد عوَّد برذونه ألا ينثني، وهو أصدق رماية؛ فالتركي يرمي الوحش والطير والناس في سرعة وإصابة، والخوارج إذا ولَّوْا فقد ولَّوْا، ولكن التركي إذا ولَّى فهو السمُّ الناقع؛ لأنه يصيب بسهمه وهو مدبر كما يصيب بسهمه وهو مقبل.

والتركي في حال شدته معه كل شيء يحتاج إليه لنفسه ولسلاحه ولدابته، والتركي هو الراعي وهو السائس، وهو الرائض وهو النخَّاس وهو البيطار، وهو الفارس، وهو أصبر على السير وعلى الصعود في ذُرى الجبال، والتركي في بلاده لا يقاتل على دين، ولا على تأويل، ولا على مُلك، ولا على خراج، ولا على عداوة، ولا على وطن، وإنما يقاتل على السلب، فكيف إذا انضم إلى ذلك غضب أو تدين، أو عَرَض له بعض ما يصحب القاتل من العلل والأسباب، والأتراك قوم وُضع بنيتهم على الحركة وليس للسكون فيهم نصيب، وهم أصحاب توقُّد واشتعال وفطنة، وهم يرون الاكتفاء بالقليل عجزًا، وطول المقام بلادة، والراحة غفلة، والقناعة من قصر الهمة.

ويقول بعد: إن كل أمة امتازت بشيء، فأهل الصين في الصناعات، واليونان في الحكم والآداب، والفرس في المُلْك والسياسة؛ والعرب لم يكونوا تجارًا ولا صناعًا ولا أطباءً ولا حُسَّابًا، ولا طلبوا المعاش من ألسنة المكاييل والموازين، ولم يحتملوا ذلًّا قط فيميت قلوبهم، ويصغِّر عندهم أنفسهم، وكانوا سكان فيافٍ، وتربية عراء، فوجَّهوا قواهم إلى قول الشعر، وبلاغة المنطق، وتثقيف اللغة، وتصريف الكلام، وحفظ النسب، والاهتداء بالنجوم، والاستدلال بالآثار، والبصر بالخيل والسلاح، والحفظ لكل مسموع، والاعتبار بكل محسوس، وإحكام شأن المناقب والمثالب ومزية الأتراك في الحروب، وهم كذلك أصحاب عمد، وسكان فياف، وأرباب مواش، وهم أعراب العجم، كما أن هذيلًا أكراد العرب، لم تشغلهم الصناعات ولا التجارات، ولا الطبُّ والفلاحة والهندسة، ولا غراس ولا بنيان، ولا شقُّ أنهار، ولا جباية غلَّات، ولم يكن همُّهم غير الغزو والغارة والصيد، وركوب الخيل، ومقارعة الأبطال، وطلب الغنائم، وتدويخ البلاد، لذَّتهم في الحرب، وهي فخرهم وحديثهم وسمرهم، وقد اتصفوا بالصفات التي تستتبع النجدة والفروسية، من الكرم وبعد الهمَّة وطلب الغاية، والحزم والعزم والصبر.

وبذلك انتهت رسالته الطويلة التي أوجزناها إيجازًا تامًّا.

ومنها نستدل على أن العصبية في هذا العصر كانت شديدة قوية؛ كل عنصر يعدِّدُ مزاياه، ويُدل بها على من سواه؛ فعربي يفخر بلسانه وسيفه، وفارسي يفخر بسياسته ومُلكه … إلخ؛ وأن الأتراك كانت مزيتهم حسن القتال وما يستتبعه من صفات، فلم يفخروا بعلم ولا سياسة ولا بسابقة دين ولا شيء من ذلك، فلما كان هذا شأنهم في قوة القتال، غلبوا على كل سلطان.

أراد الفتح بن خاقان والجاحظ أن ينشرا عقيدة الوحدة بين الجنود وتناسي الأجناس، ولكن أنَّى لهما ذلك، والدين نفسه لم يستطع أن يمحو هذه العصبية، وعمل الأتراك أنفسهم باستبدادهم وطغيانهم يحيي العصبية ويجعلها وسيلة للدفاع عن النفس، بل وطريقة الجاحظ التي سلكها في مناقب الأتراك من شأنها أن تقوي العصبية لا أن تضعفها؟!

كان طبيعيًّا أن يزداد نفوذ الأتراك بقتلهم المتوكل وتنصيبهم المنتصر. وقد حكى الطبري «أن المنتصر عزم على أن يُغْزِي وصيفًا التركي؛ الثغر الشامي، فقال أحمد بن الخصيب للمنتصر: «ومن يجترئ على الموالي — الأتراك — حتى تأمر وصيفًا بالشخوص؟!»»٢١ وأمر الأتراك المنتصر أن يخلع أخويه المعتز والمؤيد من الخلافة خوفًا أن ينتقما — إذا ولِّيَا — من قتلة المتوكل، وكان لذلك كارهًا، فدعاهما المنتصر، والأتراك وقوف وقال: «أترياني خلعتكما طمعًا في أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع له؟ والله ما طمعت في ذلك ساعة قط، وإذا لم يكن في ذلك طمع، فوالله لأنْ يليها بنو أبي أحب إليَّ من أنْ يليها بنو عمي، ولكن هؤلاء — وأومأ إلى سائر الموالي؛ يريد الأتراك — ألحُّوا عليَّ في خلعكما، فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم بحديدة فيأتي عليكما.»٢٢

فلما مات المنتصر بعد خلافته بستة أشهر، وقبل أن يستخلف خليفة بعده، استُحلف القواد الأتراك والمغاربة والأشروسنية على أن يرضوا بمن يرضى به بغا الكبير وبغا الصغير وأتامش، وجميعهم أتراك، وهؤلاء قد اختاروا أحمد بن محمد المعتصم، ولقَّبوه المستعين فبايعه سائر الناس.

ضايق الأتراك المستعين بعد ذلك، وضايقوا الناس حتى ضجَّ وضجُّوا، ودبَّروا المؤامرات لاغتياله، فهرب من سامرا إلى بغداد، فذهبوا إليه يعتذرون، فقال لهم: «أنتم أهل بغي وفساد واستقلال للنعم، ألم ترفعوا إليَّ في أولادكم فألحقتهم بكم، وهو نحو من ألفي غلام؟! وفي بناتكم، فأمرت بتصييرهن في عداد المتزوجات، وهن نحو أربعة آلاف امرأة؟! وفي المدركين والمولودين، وكل هذا قد أجبتكم إليه، وأدررت لكم الأرزاق حتى سبكت لكم آنية الذهب والفضة، ومنعت نفسي لذتها وشهوتها؛ كل ذلك إرادة لصلاحكم ورضاكم، وأنتم تزدادون بغيًا وفسادًا، وتهددًا وإبعادًا.»٢٣
وهاج أهل بغداد «لما بلغهم مقتل عمر بن عبيد الله الأقطع، وعلي بن يحيى الأرمني، وكانا نابين من أنياب المسلمين، شديدًا بأسهما، عظيمًا غناؤهما عنهم، في الثغور التي هما بها، وقرب مقتل أحدهما من مقتل الآخر، مع ما لحقهم من استفظاعهم من الأتراك قتل المتوكل واستيلائهم على أمور المسلمين، وقتلهم من أرادوا قتله من الخلفاء، واستخلافهم من أحبوا استخلافه، من غير رجوع منهم إلى ديانة، ولا نظر للمسلمين، فاجتمعت العامة ببغداد بالصراخ والنداء بالنفير».٢٤

هذا إلى أن الأتراك أنفسهم انشق بعضهم على بعضهم، وتكونوا أحزابًا: هذا حزب داغر، وهذا حزب بغا ووصيف … إلخ، وقتلوا داغرًا، وحارب بعضهم بعضًا.

فلما لم يذعن لهم المستعين، بايعوا المعتز بالله، وانضم إليه أغلب الأتراك، وكان مركزه سامرا؛ وظل أهل بغداد على ولائهم للمستعين وبيعتهم له، ومعه ابن طاهر الفارسي الأصل وقليل من الأتراك، وكانت سنة شديدة على الناس عذبوا فيها عذابًا شديدًا من السلب والنهب والقتال.

وكان من حسن حظ الترك أن غَلبوا أخيرًا، ودخلوا بغداد منتصرين، وخلعوا المستعين ثم قتلوه، فكانت هذه خطوة أخرى في سبيل سيادة الأتراك، وفي ذلك يقول رجل من أهل سامرا — وقيل إنها للبحتري:

لله دَرُّ عصابة تُركية
رَدُّوا نوائبَ دهرهم بالسَّيف
قتلوا الخليفة أحمد بن محمد
وكسوا جميع الناس ثوب الخوف
وطَغَوْا فأصبح مُلكنا متقسِّمًا
وإمامُنا فيه شبيهَ الضيف
ومع هذا سرعان ما ضيَّقوا على المعتز، وشعر منهم بالشَّرِّ، فكان لا يلتذ بالنوم، ولا يخلع سلاحه لا في ليل ولا في نهار خوفًا من بغا، وقال: «لا أزال على هذه الحالة حتى أعلم لبغا رأسي أو رأسه لي.» وكان يقول: «إني لأخاف أن ينزل عليَّ بغا من السماء أو يخرج علي من الأرض.»٢٥ ومن ناحية أخرى عزم المعتز على قتل رؤسائهم، وأعمل الحيلة في فنائهم، فخلعوه وقتلوه.

وقد أكثر الشعراء في ذلك العصر من وصف ما أصاب البلاد من سوء الحال، وتحكم الأتراك في الخلفاء، وما عمَّ الناس من الفوضى والاضطراب، فقال في ذلك بعض شعراء العصر في مقتل المعتز:

بكرَ التركُ ناقمين عليه
خَلَعَتْهُ، أَفْدِيه من مخلوع
قتلوه ظلمًا وجَورًا فألفَو
ه كريم الأخلاق غير جزوع
لم يَهابوا جيشًا ولا رَهبوا السيـ
ـف فَلَهْفِي على القتيل الخليع
أصبح الترك مالكي الأمر، والعا
لَمُ ما بين سامع ومطيع
ونرى الله فيهُم مالك الأمـ
ـر سيجزيهمُ بقتلٍ ذريع

وقال آخر:

قتلوه ظلمًا وجَورًا وغَدْرًا
حين أهدوْا إليه حتفًا مُريحا
نَضَّر الله ذلك الوجه وجهًا
وسَقَى الله ذلك الرُّوح روحا
أيها الترك تُلَقَّون للدهر
سيوفًا لا تَسْتبِلُّ الجريحا
فاستعدُّوا للسيف عاقبةَ الأمـ
ـر فقد جئتمُ فَعالًا قبيحًا

وقال آخر:

ألزموه ذنبًا على غير جُرْمٍ
فثوى فيهمُ قتيلًا صريعًا
وبنو عمه وعم أبيه
أظهروا ذلة وأبدوا خضوعًا
ما بهذا يصحُّ مُلك ولا يُغـ
ـزَى عدو ولا يكون جميعا

ويقول: عبد الله بن المعتز في أرجوزته التاريخية المشهورة:

وكلَّ يوم ملك مقتول
أو خائف مُرَوَّعٌ ذليل
أو خالع للعَقد كيما يَغْنَى
وذاك أدنَى للردى وأدنى
وكم أمير كان رأس جيش
قد نغَّصوا عليه كل عيش
وكم فتاةٍ خرجت من منزِل
فغصَّبوها نفسَها في المحفِل

•••

ويطلبون كلَّ يوم رِزقًا
يرونه دَيْنا لهم وحَقا
كذاك حتى أفقروا الخلافة
وعوَّدُوها الرعب والمخافة

شعر الناس بسوء الحالة العامة من سلطة الأتراك، وحاولوا التخلُّص من سلطانهم، وقويت هذه الفكرة عند الخليفة المهتدي، وقد كان شجاعًا قويًّا، مثله الأعلى عمر بن الخطاب؛ فظن أنه يستطيع القضاء على سلطة الأتراك، وأن الشعب يؤيده، ولكنه لم ينجح.

لقد أكثر الترك من مصادرة الناس في أموالهم، وكان من مصائب الرجل أن يكون غنيًّا؛ صادروا الكتَّاب وصادروا الأمراء الكبار، وأخيرًا صادروا زوجة المتوكل وهي أمُّ المعتز بعد أن قتلوا ابنها، وكان المتوكل سمَّاها قبيحة لحسنها وجمالها كما يسمى الأسود كافورًا، وكان لها أموال كثيرة، وهربت على مكة، وسُمعت وهي تدعو بصوت عال تقول: اللَّهم أخزِ صالحًا٢٦ كما هتك ستري، وقتل ولدي، وشتَّت شملي، وأخذ مالي، وغرَّبني عن بلدي وركب الفاحشة مني.٢٧

دبَّر الأتراك مؤامرة لقتل المهتدي؛ لأنه لم يعجبهم في نزعته. وانتشر الخبر في العامة أنهم قد اتفقوا على خلع المهتدي والفتك به، وأنهم قد أرهقوه، فكتب العامة الرقاع ورموها في الطرق والمساجد مكتوبًا فيها: «يا معشر المسلمين ادعوا الله لخليفتكم العدل الرضا المضاهي لعمر بن الخطاب أن ينصره الله على عدوه، ويكفيه مؤنة ظالمه، ويتمَّ النعمة عليه وعلى هذه الأمة ببقائه، فإن الأتراك قد أخذوه بأن يخلع نفسه.»

ولما وصل خبر المؤامرة إلى المهتدي تحول من مجلسه متقلدًا سيفًا، وقد لبس ثيابًا نظافًا وتطيب، ثم أمر بإدخال هؤلاء الأتراك المتآمرين عليه، فقال لهم: «بلغني ما أنتم عليه ولست كمن تقدمني مثل المستعين والمعتز، والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنِّط، وقد أوصيت إلى أخي بولدي، وهذا سيفي، والله لأضربن به ما استمسك قائمه بيدي، والله لئن سقطت مني شعرة ليهلكن وليذهبن أكثركم، أما دين! أما حياء! أما رِعَيَة! كم يكون هذا الخلاف على الخلفاء والإقدام والجرأة على الله، سواء عليكم من قصد الإبقاء عليكم، ومن كان إذا بلغه هذا عنكم دعا بإرطال الشراب فشربها مسرورًا بمكروهكم وحبًّا لبواركم، خبِّروني عنكم هل تعلمون أنه وصل إليَّ من دنياكم هذه شيء؟ أما أنك تعلم يا بايكباك أن بعض المتِّصلين بك أيسر من جماعة إخوتي وولدي؟! تَعَرَّف ذلك فانظر هل ترى في منازلهم فرشًا، أو وصائف أو خدمًا أو جواري أو لهم ضياغ أو غلات؟ سوأة لكم!»٢٨ ولكن ماذا يغني إشهار سيفه، والتهديد خطبته، وقد أراد أن يضرب الأتراك بعضهم ببعض حتى يخلص منهم جميعًا، ولكنه لم ينجح في هذا أيضًا، ودارت الدائرة عليه فقتلوه.

ومع هذا فقد كانت لحركة المهتدي أثر في استرداد البيت العباسي بعض سلطانه، وكان من أسباب ذلك أيضًا انتقال الخليفة من سامرا — وهي حصن الأتراك — إلى بغداد، وفيها عناصر كثيرة تريد أن تحمي الخلافة من شرورهم؛ ولذلك رأينا سلسلة من الخلفاء بعده يقبضون على كثير من السلطان، ويموتون حتف أنوفهم، فقد تولَّى بعد المهتدي المعتمد؛ نعم إنه كان مسلوب السلطان محجورًا عليه، وقال في ذلك أبياته المشهورة:

أليس من العجائب أنَّ مِثْلِي
يرى ما قَلَّ ممتنِعًا عليه
وتُوكَلُ باسمه الدنيا جميعًا
وما من ذاك شيء في يديه
إليه تُحمل الأموال طرًّا
ويُمنع بعض ما يُجْبَى إليه

ولكن الذي كان يحجر عليه هذه المرة هو أخوه الموفق، لانصراف المعتمد إلى لهوه وملذاته، والموفق في أيامه كان بطلًا، ترك لأخيه المعتمد الخطبة والسكة والتسمي بإمرة المؤمنين، وأمسك هو بزمام الأمر والنهي، وقوْدِ العساكر، ومحاربة الأعداء؛ ومرابطة الثغور، وترتيب الوزراء والأمراء، وكبح غير قليل من جماح الأتراك.

فلما جاء المعتضد بن الموفق سار سيرة أبيه، وزاد في رفع شأن الخلافة، والأخذ على يد الأتراك بقدر ما يستطيع، قال الفخري: «كان المعتضد شهمًا عاقلًا فاضلًا، حُمدت سيرته، ولِيَ والدنيا خراب، والثغور مهملة، فقام قيامًا مرضيًا حتى عمرت مملكته، وكثرت الأموال، وضبطت الثغور، وكان قوي السياسة شديدًا على أهل الفساد، حاسمًا لمواد أطماع عساكره عن أذى رعيته، محسنًا إلى بني عمه من آل أبي طالب.»٢٩ وقد كثرت الفتن والأحداث في أيامه نتيجة للفساد الذي كان قبل أيامه، فجاهد فيها ما استطاع.

وقد نظم فيه «ابن المعتز» ابن عمه قصيدة طويلة هي صورة مصغَّرة لنمط الملاحم كالإلياذة والشاهنامه، سدَّت بعض النقص في الشعر العربي في هذا النوع، بدأها بذمِّ الأتراك وما جنوا على البلاد، ذكرنا طرفًا منه فيما سبق، ثم عدَّد أعمال المعتضد، وما قام به من حروب وما أتى به من إصلاح. وهي تعدُّ بجانب مزيتها الأدبية وثيقة تاريخية هامة للأحداث في عهد المعتضد.

واستبشر الشعراء بهمته، فقال ابن الرومي:

هنيئًا بني العباس إنَّ إمامَكم
إمامُ الهُدَى والناسِ والجودِ أحمدُ
كما بأبي العباس أنشئ مُلككم
كذا بأبي العباس أيضًا يُجدَّد

وقال ابن المعتز:

أما ترى مُلك بني هاشم
عاد عزيزًا بعدما ذلَّلا
يا طالبًا للملك كن مِثْله
تستوجب المُلك وإلَّا فلا

وعلى الجملة، فقد مات بعد نحو عشر سنوات من حكمه، خلف فيها الخلافة على حال أحسن بكثير مما كانت منذ وفاة الواثق.

وسار ابنه المكتفي بسيرة أبيه، ولكن الفتن التي بدأت في عهد أسلافه استفحلت، وعظم أمرها، من إسماعيلية، وقرامطة، وفاطمية، وانتهى القرن الثالث الهجري والفتن قائمة، والثورات مشتعلة، وعلى الخلافة المقتدر بن المعتضد، فعادت الخلافة إلى ضعفها الأول، وعاد الأتراك إلى قوتهم.

ويظهر أن الأتراك والوزراء سئموا من اختيار الخلفاء القادرين الأكْفاء، أمثال المهتدي، والمعتضد، والمكتفي، فأرادوا أن يعدلوا عن هذه السنَّة ويولُّوا عديم الكفاية؛ ولذلك طال اجتماعهم وتفكيرهم بعد موت المكتفي، وكان من أول المرشحين للخلافة عبد الله بن المعتز، وهو كفء عالم أديب قادر، فانصرفوا عنه إلى المقتدر، وهو طفل عاجز، فولَّوه حتى تتم لهم الرياسة. حكى مسكويه أن وزير المكتفي العباس بن الحسن استشار ابن الفرات فيمن يلي الخلافة، فقال له: «اتق الله ولا تنصِّب في هذا الأمر من قد عرف دار هذا، ونعمة هذا، وبستان هذا، وجارية هذا، وفرس هذا، ومن لقي الناس ولقوه، وعرف الأمور، وتحنَّك وحسب حساب نعم الناس.٣٠ قال الوزير: فبمن تشير؟ قال ابن الفرات: بجعفر بن المعتضد (هو المقتدر). فقال الوزير: جعفر صبي! قال ابن الفرات: إلا أنه ابن المعتضد، ولِمَ تجيء برجل يأمر وينهى، ويعرف ما لنا، وبمن يباشر التدبير بنفسه ويرى أنه مستقل؟ ولم لا تسلِّم هذا الأمر إلى من يدعك تدبِّره أنت؟»

وحكى الصُّولي «أنه عُهد إليه بتربية الراضي بالله وأخيه هارون، فكان يلقاهما مرتين في الأسبوع وقد رآهما فطنَين عاقلَين، إلا أنهما خاليان من العلوم. قال الصولي: «فحبَّبت العلم إليهما، واشتريت لهما من كتب الفقه والشعر واللغة والأخبار قطعة حسنة، فتنافسا في ذلك، وعمل كل واحد منهما خزانة لكتبه، وقرآ عليَّ الأخبار والأشعار.» فكان مما قرأه لهما الصولي كتاب «خلق الإنسان» للأصمعي، فوشى الخدم، وقالوا: «إن الصولي يعلِّمهما أسماء الفرج والذكر.» فاجتهد الصولي في نفي هذه التهمة، وأراهم الكتاب.

ثم لما تقدم الصولي في تعليمهما، وتطلع إلى مكافأته على ما عمل، قيل له على لسان أهل القصر: «ما نريد أن يكون أولادنا أدباء ولا علماء، وهذا أبوهما قد رأينا كل ما نحب فيه، وليس بعالم.» فلما سمع الصولي أتى نصرًا الحاجب وأخبره بما قيل، فبكى، وقال: كيف نفلح من قوم هذه نياتهم؟!»٣١
وحكى في موضع آخر، أن الراضي بالله، قبل أن يلي الخلافة، كان يقرأ عليه — على الصولي — شيئًا من شعر بشار، وبين يديه كتب لغة، فجاء خدم من خدم جدته، فأخذوا جميع ما بين يديه من الكتب، فجعلوه في منديل، فغضب الراضي، فسكَّنت غضبه وقلت: ليس ينبغي أن ينكر الأمير هذا؛ فإنه يقال لهم إن الأمير ينظر في كتب لا ينبغي أن ينظر في مثلها. فقال لهم الراضي: قولوا لمن أمركم: إن هذه الكتب إنما هي حديث وفقه وشعر ولغة وأخبار، وليست من كتبكم التي تبالغون فيها مثل عجائب البحر، وحديث سندباد، والسنور والفار.٣٢

فترى من هذا كيف كانوا يريدون الحجر على من يرشَّح للخلافة لينشأ جاهلًا غرًّا، فينصرف إلى لهوه ولذته، ويترك لهم زمام الأمور والتصرُّف في شئون الدولة.

وكان من المؤيدين لتولية هذا الطفل مؤنس الخادم، ومؤنس الخازن، وغيرهما من الأتراك.

نعم كان مع ابن المعتز بعض الأتراك، ولكن الغلبة والقوة كانتا في جانب الذين مع المقتدر، فتم الأمر للمقتدر، وقتل ابن المعتز.٣٣
روي أنه لما اختلف أمر الناس، وبايع بعضهم لابن المعتز، سأل ابن جرير المؤرِّخ الكبير، وكان في آخر أيامه: ما الخبر؟ قالوا: بويع ابن المعتز. قال: فمن رشِّح للوزارة؟ قالوا: محمد بن داود. قال: فمن ذُكِر للقضاء؟ قالوا: أبو المثنَّى. فأطرق ثم قال: هذا الأمر لا يتمُّ. قيل له: وكيف؟ قال: كل واحد ممَّن سمَّيتموهم متقدم في معناه، عالي الرتبة، والزمان مدبر، والدنيا مولِّية، وما أرى هذا إلا إلى اضمحلال، وما أرى لمدته طولًا.٣٤

كان المقتدر صبيًّا في الثالثة عشرة من عمره لا يعرف من أمور الدنيا شيئًا، ومع ذلك لقَّبوه بالمقتدر! ولما شبَّ عكف على لذائذه، وتوفَّر على المغنين والنساء، وترك أمور الدولة لغيره وعلى رأسهم مؤنس التركي، فبلغت الحال من بله الخليفة وسوء رجاله أقصى حدٍّ.

وأخيرًا بعد حكم فاسد دام نحو خمس وعشرين سنة، قتل المقتَدرَ رجلٌ من أصحاب مؤنس، أضجعه فذبحه وسلب ثيابه حتى سراويله، وتركه مكشوف العورة، إلى أن مر به رجل من الأكرة فستر عورته بحشيش، ثم حفر له في الموضع، ودفن حتى عفا أثره.٣٥
قال المسعودي في المقتدر: «أفضت الخلافة إليه وهو صغير غِرّ تَرِف، لم يعان الأمور ولا وقف على أحوال المُلك، فكان الأمراء والوزراء والكتَّاب يدبِّرون الأمور ليس له في ذلك حل ولا عقد، ولا يوصف بتدبير ولا سياسة، وغلب على الأمر النساء والخدم وغيرهم، فذهب ما كان في خزائن الخلافة من الأموال والعدد بسوء التدبير الواقع في المملكة فأداه ذلك إلى سفك دمه؛ واضطربت الأمور بعده، وزال كثير من رسوم الخلافة٣٦ … وكانت في أيامه أمور لم يكن مثلها في الإسلام: منها أنه ولي الخلافة ولم يلِ أحد قبله من الخلفاء وملوك الإسلام في مثل سنِّه؛ لأن الأمر أفضي إليه وله ثلاث عشرة سنة وشهران وثلاثة أيام، ومنها أنه ملك خمسًا وعشرين سنة إلا خمسة عشر يومًا، ولم يملك هذا أحد من الخلفاء وملوك الإسلام قبله، ومنها أنه استوزر اثني عشر وزيرا، فيهم من وزر له المرتين والثلاث، ولم يعرف فيما قبله أحد استوزر هذه العدة، ومنها غلبة النساء على الملك والتدبير، حتى إن جارية لأمه تعرف بثَمِل القهرمانة كانت تجلس للنظر في مظالم الخاصة والعامة، ويحضرها الوزير والكاتب والقضاة وأهل العلم.٣٧
ولم تكن خلافة القاهر خيرًا من خلال المقتدر. وأخيرًا اجتمع بعض قواد الجند وقبضوا على القاهر وهو سكران، واستحضروا بختيشوع بن يحيى المتطبِّب وسألوه أن يدلَّهم على من يُحسن أن يَسمُل، فذكر لهم رجلًا، فأحضر وسمَل٣٨ عيني القاهر، ولم يسمل قبله أحد من الخلفاء، وقد سملوا بعده الخليفة المتقي واسمه إبراهيم، فقال القاهر:
صرت وإبراهيمُ شيخي عَمًى
لا بد للشيخين من مُصْدِرِ
ما دام تُورُون له إمرة
مُطاعة فالمِيلُ في المِجْمَرِ
وقد وقف القاهر يومًا — بعد أن سُمل وحبس وبويع غيره ثم أطلق — في جامع المنصور بين الصفوف وعليه مبطنة بيضا، وقال: تصرَّفوا عليَّ فأنا من قد عرفتم.٣٩
وحدَّث أبو الحسن العروضي مؤدب الخليفة الراضي، قال: اجتزت في يوم مهرجان بدجلة بدار بَجْكم٤٠ التركي، فرأيت من الهرج والملاهي واللعب والفرح والسرور ما لم أر مثله، ثم دخلت إلى الراضي بالله، فوجدته خاليًا بنفسه قد اعتراه همٌّ، فوقفت بين يديه، فقال لي: ادْنُ. فدنوت، فإذا بيده دينار ودرهم، في الدينار نحو من مثاقيل، وفي الدرهم كذلك، عليه صورة «بجكم» شاك في سلاحه، وحوله مكتوب:
إنما العزُّ فاعلم، للأمير المعظَّمْ
سيد الناس بَجْكَمْ

ومن الجانب الآخر الصورة بعينها، جالس في مجلسه كالمفكِّر المطرق. فقال الراضي: أما ترى صنع هذا الإنسان وما تسمو إليه همته، وما تحدِّثه به نفسه؟! فلم أجبه بشيء، وأخذت به في أخبار من مضى من ملوك الفرس وغيرها، وما كانت تلقى من أتباعها، وصبرهم عليهم، وحسن سياستهم لذلك حتى تصلح أمورهم، وتستقيم أحوالهم، فسلا عما عرض لنفسه، ثم قلت: يمتِّع الله أمير المؤمنين أن يكون كالمأمون في هذا الوقت حيث يقول:

صِلِ النُّدمان يومَ المِهْرَجان
بصافٍ من مُعَتَّقَة الدِّنان
بكاسٍ خُسْرُوانِي عتيق
فإن العيد عيد خُسْرُوانِي
وجنِّبني الزَّبِيبيين طرًّا
فشأنُ ذوي الزبيب خلاف شاني
فأشربها وأزعمها حرامًا
وأرجو عفو رب ذي امتنان
ويشربها ويزعمها حلالًا
وتلك على الشقيِّ خطيئتان

فطرب وأخذته أريحية وقال لي: صدقت، ترْك الفرح في مثل هذا اليوم عجز!

وأمر بإحضار الجلساء، وقعد في مجلس التاج على دجلة، فلم أر يومًا كان أحسن منه في الفرح والسرور.٤١

هذا في إيجاز تام حال الأتراك من حيث علاقتهم بالخليفة والخلافة وشئونها.

وللأتراك في هذا العصر ناحية أخرى اجتماعية لها أثر كبير في حياة المسلمين، فقد كان لقبض الأتراك على زمام الحكم أثر في دخول كثير منهم في الإسلام، وانتشارهم في المملكة الإسلامية، فمسكويه يذكر في حوادث سنة ٣٤٩ﻫ أنه في هذه السنة أسلم من الأتراك نحو مائتي ألف خِرْكَاه،٤٢ والخركاه هي الخيمة التي تسكنها الأسرة؛ أي أن من أسلم نحو مائتي ألف أسرة، فإذا كان متوسط الأسرة خمسة أشخاص كان مجموع ذلك نحو ألف ألف شخص، ولا شك أن هذا العدد، ومن أسلم قبله، ومن أسلم بعده، في اندماجهم في المسلمين؛ يؤثر أثرًا كبيرًا.

كان هؤلاء الأتراك أقوياء أشدَّاء أصحاء كما تستلزمه طبيعة بلادهم، وبداوة معيشتهم. وقد ذكر لنا الجاحظ فيما سبق أن أطلق على الأتراك «أعراب العجم»، ويعني بالأعرابية البداوة، وهذه البداوة تكسبهم قوة في البدن وخشونة في الطبع، وقد تجلَّى هذا في معاملتهم الناس، فضجَّ منهم أهل بغداد في عصر المعتصم. ولكن مرور الأزمان عليهم، واستيلاءهم على البلاد المنعمة المترفة، وكثرة الأموال في أيديهم، حضَّرهم، وعلمهم النعيم والبذخ، وحمل بعضهم على العبث بالأخلاق. حكى التنوخي أن شيخًا من التجار كان له على بعض القواد مال جليل يماطله به، ولم يستطع الظلامة إلى الخليفة المعتضد؛ لأنه كان إذا جاء حجبه القائد واستخف به غلمانه، فدلُّوه على خياط في سوق الثلاثاء، فأمر الخياطُ القائد بدفع ما عليه للتاجر ففعل؛ فعجب التاجر من هذا الذي رأى، وألحَّ عليه في السؤال عن سبب خضوع القائد! فقصَّ عليه أنه مرّ مرة في الطريق فرأى تركيًّا على داره، وقد اجتازت امرأة جميلة عليه فتعلَّق بها وهو سكران ليدخلها داره، وهي ممتنعة تستغيث، وليس أحد يغيثها، وتقول: إن زوجي قد حلف بالطلاق ألا أبيت خارج بيته، فإن بيَّتني هذا، أخرب بيتي مع ما يرتكبه مني من المعصية، ويلحقه بي من العار.

قال الخياط: فجئت إلى التركي ورفقت به وسألت تركها، فضرب رأسي بدبوس كان في يده فشجَّني وآلمني، وأدخل المرأة داره، فجمعت جمعًا وجئنا فضججنا على بابه، فخرج إلينا في عدة من غلمانه فأوقع بنا الضرب، وذهبت إلى بيتي ولم أزل أفكر في هذه المرأة حتى انتصف الليل، فقلت: هذا التركي قد شرب طول ليلته ولا يعرف الأوقات، فإن أذَّنتُ لوقع له أن الفجر قد طلع، فيُطْلِق المرأة فتلحق بيتها قبل الفجر فتسلم من أحد المكروهَين، ولا يخرب بيتها مع ما قد جرى عليها.

فخرجْتُ إلى المسجد وصعدت المنارة فأذَّنت، وجعلت أتطلَّع منها إلى الطريق أترقب خروج المرأة فلم تخرج، وإذا الشارع امتلأ خيلًا ورجالًا ومشاعل، وهم يقولون: من هذا الذي أذَّن الساعة؟! ففزعتُ، ثم صحتُ من المنارة: أنا أذَّنتُ. فقالوا لي: انزل، فأجب أمير المؤمنين. ثم ذُهبَ بي إلى المعتضد، وقص عليه القصة، فأحضر التركي والمرأة، فلما تحقق من صحة قولي أمر بردِّ المرأة إلى زوجها، وأن يتمسَّك بها ويحسن إليها.

وقال للتركي: كم عطاؤك؟ قال: كذا وكذا. وكم وظائفك؟ قال: كذا وكذا. وجعل المعتضد يعدد ما يصل إليه، والتركي يقرُّ بشيء عظيم، ثم قال له: فكم جارية لك؟ قال: كذا وكذا. قال: أفما كان فيهن وفي هذه النعمة العريضة كفاية عن ارتكاب معاصي الله، وخرق هيبة السلطان؟! ثم أمر به فقُتل. قال الخياط: وأمرني المعتضد إذا رأيت مثل هذا العمل أن أؤذِّن. وانتشر الخبر، فما سألْنا أحدًا منهم بعدها إنصافًا إلا فعل.٤٣

ورأينا كثيرًا من قواد الأتراك — عند استيلائهم على الدولة — شرِهين، وكان مظهر شرههم كثرة مطالبتهم للخلفاء بالأموال من حين لحين؛ فإذا نصَّبوا خليفة فسرعان ما ينقلبون عليه يطالبونه بالأموال، فإن أعطاهم سكتوا قليلًا ثم عادوا إلى المطالبة وإلا قتلوه؛ ومن أجل ذلك كثر إخفاء المال في سرداب أو حفرة في الأرض، أو بناء حوائط عليه أو نحو ذلك؛ خوفًا من إلحاحهم. نسوق مثلًا لذلك ما فعلوه مع المعتز، «فقد هجم قوادهم عليه وقالوا: أعطنا أرزاقنا، فطلب من أمه مالًا فأبت عليه، ولم يكن في بيوت المال شيء، فاجتمع الأتراك حينئذ على خلعه».

ومظهر آخر من إفراطهم في حب المال، وهو ما نقرأ في تاريخ ذلك العصر من كثرة المصادرة للأموال، نعم كان قبل ذلك في العصر العباسي الأول شيء من هذا القبيل، ولكنه قليل، أما في هذا العصر فأصبح العادةَ المتبعة، وكان أول مظهر لهذه الكثرة في عهد المتوكل، وهو أول عهد استيلاء الأتراك؛ فقد صادر محمَّد بن عبد الملك الزيات، وأخذ ما في منزله من متاع ودواب وجوارٍ وغلمان، وكذلك فعل مع أهل بيته، وقبض على عمر بن فرج الرُّخَّجي، وكتب في قبض ضياعه وأمواله، وغضب على أبي الوزير وأخذ منه ستين ألف دينار، وضرب إبراهيم بن الجنيد النصراني حتى أقرَّ بسبعين ألف دينار فأخذها منه؛ وعزل يحيى بن أكثم وقبض منه ما كان له ببغداد، ومبلغه خمسة وسبعون ألف دينار، وغضب على بختيشوع وقبض ماله، وصادر أموال أحمد بن أبي دؤاد، مع أنه سبب خلافته، واستصفى أمواله وأموال أبنائه، فحُمل إليه من ذلك مائة ألف درهم، وعشرون ألف دينار، وجواهر بقيمة عشرين ألف دينار.٤٤ وهكذا افتتح عهد الأتراك بكثرة المصادرات، واستمرت طوال هذا العصر، حتى لم يرحموا قبيحة أم المعتز فسلبوها كل مالها، وكانت خبأته، وكان الخليفة أحيانًا يضطر إلى كثرة المصادرات لتلبية مطالب القواد.

وكان كثير من أمراء البلدان في هذا العصر من الأتراك، كما هو الشأن في مصر؛ فمن سنة ٢٤٢ هجرية وحكام مصر أتراك، وذلك منذ وُلِّي على مصر يزيد بن عبد الله بن دينار التركي، وقبل ذلك بنحو عشرين عامًا كانت مصر تُمنح لحاكم تركي في الغالب يقيم في بغداد، ويستخلف عنه أميرًا يقيم في مصر ويديرها نيابة عنه كأشناس وإيتاخ، واستمرت سيادة الأتراك في مصر طول مدة الطولونيين الأتراك والإخشيديين الأتراك أيضًا، فكان بيد هؤلاء الولاة الأتراك السلطان والقوة والمال.

وهناك لون آخر مما لوَّنوا به الحياة الاجتماعية، وهو ما عرف عنهم من جمال ونظافة فكان ذلك سببًا في كثرة الجواري المماليك الأتراك في قصور الخلفاء والعظماء والأغنياء، حتى إن بعض الخلفاء أنفسهم في هذا العصر كانت أمه جارية تركية؛ فالمعتصم أمه تركية، والمتوكل كذلك أمه خوارزمية، والمكتفي بالله أمه تركية اسمها چيچك، والمقتدر بالله أمه أم ولد، قيل تركية، وقيل رومية … إلخ.

كما اشتهر في بيوت الأمراء جوار تركيات، واشتهرت سمرقند بأنها مركز هام لتجارة الرقيق الأبيض، وقد وصف ابن بطلان في رسالته في الرقيق الجواري التركيات فقال: إن «التركيات قد جمعن الحسن والبياض، ووجوههن مائلة إلى الجهامة، وعيونهن مع صغرها ذات حلاوة، وقد يوجد فيهن السمراء الأسيلة، وقدودهن ما بين الربع والقصر، والطول فيهن قليل؛ ومليحتهن غاية، وقبيحتهن آية؛ وهن كنوز الأولاد، ومعادن النسل، قلما يتفق في أولادهن وحش ولا رديء التركيب، فيهن نظافة ولباقة … لا يكاد يوجد فيهن نكهة متغيرة … وفيهن أخلاق سمجة، وقلة وفاء».

وتغزَّل الشعراء في ذلك بغلمان من الأتراك، وكان منهم في القصور ودور العظماء كثيرون، فرووا أنه في وقعة بين عزِّ الدولة وعضد الدولة البويهيَّيْن أُسر غلام تركي لعز الدولة، فجُنَّ عليه واشتد حزنه وامتنع من الأكل، وأخذ في البكاء واحتجب عن الناس، وكتب إلى عضد الدولة يسأله أن يرد الغلام إليه، فصار ضحكة بين الناس، وعوتب فما ارعوى لذلك، وبذل في فداء الغلام جاريتين عُوديتين كان قد بذل له في الواحدة مائة ألف، وقال للرسول: إن توقف عليك في ردِّه، فزد ما رأيت ولا تفكر، فقد رضيت أن آخذه وأذهب إلى أقصى الأرض! فردَّه عضد الدولة عليه.٤٥

وروى أبو إسحاق الصابي أنه كان لمعز الدولة غلام تركي يدعى تكيز الجامدار، أمرد رومي الوجه، منهمك في الشرب لا يعرف الصحو ولا يفارق اللعب واللهو، ولفرط ميل معز الدولة إليه وشدة إعجابه به، جعله رئيس سَرِية جرَّدها لحرب بني حمدان، وكان المهلبي يستظرفه ويستحسن صورته، ويرى أنه من عُدَد الهوى لا من عُدد الوغى، فقال فيه:

ظَبْيٌ يرقُّ الماء في
وَجَناته ويروق عوده
ويكاد من شبه العذا
رى فيه أن تبدو نهوده
ناطوا بمعقد خصره
سيفًا ومِنْطَقَةً تؤوده
جعلوه قائد عسكر
ضاع الرعيل ومَن يقوده
فما أسرع أن كانت الدائرة على هذا القائد.٤٦

وكان لسيف الدولة الحمداني مملوك تركي جندي اسمه يَماك، مات بحلب سنة ٣٤٠ﻫ فحزن عليه حزنًا شديدًا، وقال المتنبي قصيدة يعزِّيه فيها، مطلعها:

لا يُحْزِنِ الله الأمير فإنني
سآخُذُ من حالاته بنصيب

وفيها:

لأَبَقى يَمَاكٌ في حشاي صبابة
إلى كل تُرْكي النِّجار جَليب
وما كلُّ وجه أبيضٍ بمبارَك
ولا كل جفن ضيّق بنَجيب

وفيها:

وإن الذي أمست نزارٌ عبيدَه
غنيٌّ عن استعباده لغريب

وقال أبو تمام، وقد أهدى له الحسن بن وهب غلامًا خزريًّا:

قد جاءنا الرَشأُ الذي أهديتَه
خِرْقًا٤٧ ولو شئنا لقلنا المركبُ
لدْنُ البنان له لسان أعجم
خُرْس معانيه ووجه مُعْرَبُ
يرنو فيثلمُ في القلوب بطَرفه
ويَعِنُّ للنظر الحَرُون فيُصْحِب٤٨
قد صرَّف الرابون خمرة خدِّه
وأظنها بالريق منه ستُقْطَب٤٩

وأحب مهذب الدين الطرابلسي غلامًا مملوكًا له اسمه «تتر»، فبعث مرة هدايا إلى الشريف المرتضى نقيبِ الأشراف مع هذا الغلام، فتوهم الشريف أنه من جملة الهدايا، فأخذه، فساءت حال مهذب الدين وكان شيعيًّا، فقال قصيدته المشهورة التي مطلعها:

عذَّبتَ طرَفي بالسهر
وأذبت قلبي بالفِكَر
ومزجتَ صفْو مودَّتي
من بعد بُعدك بالكدر

وفيها:

نفسي الفداء لشادِنٍ
أنا من هواه على خَطر
عذل العذول وما رآ
ه فحينَ عاينه عَذَر

وقد كان مهذب الدين هذا شيعيًّا، فهدد الشريفَ بأنه إن لم يرسل الغلام يهجر التشيع، ويدخل في مذهب أهل السنة، وفي ذلك يقول:

لئن الشريف الموسو
ي ابن الشريف أبي مضر
أبدى الجحود ولم يَرُ
دَّ إليَّ مملوكي تتر
وَالَيْتُ آل أمية الطُّـ
ـهر الميامين الغُرر
وجحدت بَيْعة حيدر
وعَدلت عنه إلى عمر٥٠

وأخيرًا قال الشاعر:

الله أكبر ليس الحُسن في العرب
كم تحت لِمَّةِ ذا التركي من عجب
أما من الناحية العقلية — وهي التي تهمنا هنا — فإنا نرى أن ابتداء سلطان الأتراك — وكان ذلك في عهد المتوكل — مصحوب بمظاهر جديدة تخالف كل المخالفة ما كان من قبل، أهمها ثلاثة:
  • (١)
    إلغاء سلطان المعتزلة وإعلاء شأن المحدِّثين، فنهى المتوكل عن القول بخلق القرآن والجدال في الكلام، «وأظهر الميل إلى السنّة ونصر أهلها، ورفع المحنة، وكتب بذلك إلى الآفاق، وذلك في سنة ٢٣٤ﻫ، واستقدم المحدِّثين إلى سامَرَّا، وأجزل عطاياهم وأكرمهم، وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية».٥١
    وكتب كتابًا على الأمصار يأمر بترك الجدال في القرآن، واضطهد رؤساء المعتزلة وضيَّق عليهم؛ فرئيس الاعتزال في مصر وهو محمد بن أبي الليث، جاء كتاب المتوكل بحلق رأسه ولحيته وضربه بالسوط، وحمْله على حمار بإكاف وتطوافه الفسطاط، ثم أخرج إلى العراق،٥٢ وأحمد بن أبي دؤاد رأس الاعتزال في العراق قد غضب عليه المتوكل، وعلى ابنه محمد وصادر أموالهما — وما أظن أن الجاحظ المعتزلي نجا من النكبة إلا لأنه مَرِن، وقد دفع عنه الشر بمرونته، وبما قدّم من رسالته في إعلاء شأن الأتراك، واتصال بالفتح بن خاقان — وفي الوقت نفسه أعلى المتوكل شأن المحدِّثين، فكرَّم أحمد بن حنبل، وفي عهده جلس أبو بكر بن أبي شيبة في جامع الرصافة يحدث الناس، فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس، وجلس أخوه عثمان في جامع المنصور، فاجتمع إليه أيضًا نحو من ثلاثين ألف نفس.٥٣
    وتبلور عداء الناس للمعتزلة في أبي الحسن الأشعري، فقد ولد بعد المتوكل بنحو اثني عشر عامًا، وتثقف ثقافة المعتزلة، ثم عاداهم وأعلن الحرب عليهم، ودعا إلى مذهب كلامي اعتنقه جمهور كبير من المسلمين، كما سيأتي، فالأشعري يمثل الموجة الحديثة التي أتت في عهد المتوكل تهاجم المعتزلة وتنصر المحدِّثين وأهل السنة، وهو ليس إلا معبِّرًا عن ميول عصره، وصدى لصوت زمانه. رجع عن الاعتزال «ورقي كرسيًّا في المسجد الجامع بالبصرة، ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله لا تراه الأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة، مخرج لفضائحهم ومعايبهم».٥٤ وقال أبو بكر الصيرفي: «كانت المعتزلة قد رفعوا رءوسهم حتى أظهر الله الأشعري فجحرهم في أقماع السمسم.» ولكن الحق أنه ما كان له هذا لولا ما كان من المتوكل من الحجر عليهم، والتنكيل بهم، وتأييد الجمهور — بتأثير المحدِّثين — لهذه الحركة.

    والواقع أن هذه الحركة، وأعني بها اضطهاد المعتزلة ونصرة المحدِّثين، كان لها أثر كبير في حياة المسلمين من ذلك العهد إلى اليوم، فقد لوَّنت حياتهم بلون خاص، ظلُّوا يحافظون عليه طوال العصور المختلفة.

    كانت طبيعة الاعتزال تدعو إلى التفلسف واتجاه العقل في مناح شتى من الحياة، وتحريره من كثير من القيود بعد الإيمان بالله ورسوله، والإيمان بالقرآن، وحصر الحديث في دائرة ضيقة — كما تقدم — وإشعار الإنسان بالمسئولية؛ لأن أعماله صادرة عنه، ولكنهم — مع الأسف — آمنوا بهذه الحرية وأرادوا أن ينفذوا الحرية بالقوة والسلطان، فكانت حرية بالإكراه.

    وطبيعة المحدِّثين تدعو إلى الوقوف عند النصوص والتزامها، وتضييق دائرة العقل، واحترام الرواية إلى أقصى حدٍّ، والبحث وراء ألفاظ الحديث ومعانيه وأسانيده؛ وهذا — مع اعترافنا بما له من مزايا — يستتبع نمطًا في التفكير خاصًّا يسود فيه تقديس النقل أكثر من تقديس العقل، والتقليد دون الاجتهاد، والوقوف عند النصوص دون التعمُّق في مغازيها ومراميها، والنظر إلى الفلسفة والبحث العقلي في الكليات نظر البغض والكراهة، وعدَّ المفكر على هذا النمط ملحدًا أو زنديقًا … إلخ.

    وهذا هو الذي ساد عقول كثير من المسلمين منذ خنق الاعتزال، فاحترمت نصوص الكتب أكثر مما احترم نقد العقل، واحترم العالِم واسع الاطلاع بالنصوص الدينية واللغوية، أكثر مما احترم قليل الحفظ واسع أفق العقل، وأكرم العالِم المقلِّد أكثر مما أكرم العالم المجتهد، ونظر إلى المحدث والفقيه بخير مما نظر إلى الفيلسوف والمفكِّر الناقد، وضاقت دائرة التفلسف إذا قيست بدوائر العلم في الفروع الأخرى.

    كل هذا وأكثر منه كان نتيجة لهذه الحركة، وأعتقد أن الأتراك في ذلك العصر مسئولون لدرجة كبيرة عن هذا؛ فطبيعة عامتهم لا تقبل الجدل الكلامي، ولا كثرة المذاهب الدينية؛ فالأتراك في جميع عصورهم قلَّ أن نرى منهم من اعتنق مذهبًا في الأصول غير مذهب أهل السنّة، وفي الفروع غير مذهب أبي حنيفة، وقلَّ أن نرى بين علمائهم خصومة في المذاهب كالتي كنا نراها في العراق من خوارج وشيعة ومرجئة ومعتزلة ونحو ذلك، إنما هو مذهب واحد يسود — غالبًا — ويتوارث، ومع هذا فلسنا ننكر أن فيهم أفذاذًا في سعة النظر وقوة التفكير — كما سيأتي بيانه — ولكن هذا هو النظر العام.

  • (٢)
    الإيقاع بالشيعة إيقاعًا بالغًا؛ ففي سنة ٢٣٦ﻫ «أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يُبْذَر ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه؛ فنادى بالناس في تلك الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة حبسناه في المطبق. فهرب الناس وتركوا زيارته، وخرب وزرع. وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب ولأهل بيته، وكان يقصد من يبْلغه عنه أن يتولَّى عليًّا وأهله بأخذ المال والدم، وكان من جملة ندمائه عُبادة المخنَّث، وكان يشدُّ على بطنه تحت ثيابه مخدَّة، ويكشف رأسه وهو أصلع، ويرقص بين يدي المتوكل والمغنُّون يغنون: قد أقبل الأصلع البطين، خليفة المسلمين. يحكي بذلك عليٌّ — عليه السلام — والمتوكل يشرب ويضحك»،٥٥ «وقيل: إن المتوكل كان يبغض من تقدمه من الخلفاء — المأمون والمعتصم والواثق — في محبة عليٍّ وأهل بيته، وإنما كان ينادمه ويجالسه جماعة قد اشتهروا بالنصب والبغض لعليٍّ، منهم علي بن الجهم الشاعر الشامي … وعمرو بن فرج الرُّخَّجِي، وأبو السمط من ولد مروان بن أبي حفصة … وابن أترجة، وكانوا يخوِّفونه من العلويين، ويشيرون عليه بإبعادهم والإعراض عنهم والإساءة إليهم، ثم حسنوا له الوقيعة في أسلافهم الذي يعتقد الناس علوَّ منزلتهم في الدين، ولم يبرحوا به حتى ظهر منه ما كان، فغطَّت هذه السيئة جميع حسناته».٥٦
    ورووا أن المتوكل كان قد اتصل به يعقوب بن إسحاق النحوي المعروف بابن السكِّيت، فسأله المتوكل: أيما أحب إليك، المعتز والمؤيد — ابنا المتوكل — أو الحسن والحسين؟ فتنقص ابنيه، وذكر الحسن والحسين — عليهما السلام — بما هما أهل له، فأمر الأتراك فداسوا بطنه، فحمل إلى داره فمات.٥٧

    وهذه الحوادث وأمثالها في التنكيل بالشيعة قد كان لها مثيل من قبل في العهدين الأموي والعباسي الأول، إلا أنا نريد أن نثبت هنا أن سلطان الأتراك لما ظهر صحبه عودة التنكيل بالشيعة، وكان قد هدأ في عهد المأمون والمعتصم والواثق.

    وهذه الظاهرة أيضًا لازمت الأتراك طول عهدهم، فكل تاريخهم مملوء بكراهيَّتهم للتشيُّع والشيعة، وبالحروب المتصلة بينهم — وهم سنِّيُّون — وبين الفرس — وهم شيعة.

    وكان تصرف المتوكل مع الشيعة سببًا كبيرًا من أسباب تدبير الشيعة للمؤامرات والدسائس، والفتن للخروج على الدولة العباسية في بغداد، وإقامة حكومات شيعية مستقلة عن خلفاء العراق كما سيأتي.

  • (٣)
    المظهر الثالث: اضطهاد اليهود والنصارى؛ فقد «أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذمة كلهم بلبس الطيالسة العسلية والزنانير، وركوب السروج بركب الخشب، وبتصيير زِرَّين على قلانس من لبس منهم قلنسوة مخالفة لون القلنسوة التي يلبسها المسلمون، وبتصيير رقعتين على ما ظهر من لباس مماليكهم مخالف لونهما الثوب الظاهر عليه، وأن تكون إحدى الرقعتين بين يديه عند صدره، والأخرى منهما خلف ظهره، وتكون كل واحدة من الرقعتين قدر أربع أصابع ولونها عسَليًّا، ومن لبس منهم عمامة فكذلك يكون لونها لون العسل، ومن خرج من نسائهم فبرزت فلا تبرز إلا في إزار عسلي … وأمر بهدم بِيَعهم المحدَثة، وبأخذ العُشْر من منازلهم، وإن كان الموضع واسعًا صيَّر مسجدًا، وإن كان لا يصلح أن يكون مسجدًا، صير فضاء، وأمر بأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة، تفريقًا بين منازلهم وبين منازل المسلمين، ونهى أن يستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التي تجري فيها أحكامهم على المسلمين، ونهى أن يتعلم أولادهم في مكاتب المسلمين، ولا يعلِّمهم مسلم، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض؛ لئلا تشبه قبور المسلمين وكتب إلى عمَّاله في الآفاق بذلك».٥٨ وقد علَّل عمله هذا في كتابه بأنه يريد إعزاز الإسلام، وإذلال الكفر، وليجعل الله الفوز والعاقبة للمتقين، والخزي في الدنيا والآخرة على الكافرين، وقال علي بن الجهم في ذلك:
    العَسَليات التي فَرَّقَتْ
    بين ذوي الرِّشدَةِ والغَيْ
    وما على العاقل إن يكثروا
    فإنه أكثر للفَيْ٥٩
    نعم، ربما كان هذا نتيجة لسوء العلاقة بين المسلمين والروم، ومهاجمة الروم لبلاد المسلمين من حين لحين، ولكن مهما كان الأمر فهي حالة سيئة تدلُّ على ضيق العقل، ومخالفته للنظر الواسع الحكيم الذي أمر به الإسلام، ونفذه خلفاء المسلمين الأولون، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب في حكمة ورفق! وكان هذا أيضًا مما أفسد قلوب عدد كبير من الرعية كان يُستخدم من قبل في مصلحة الدولة، وحرَّك عددًا منهم للثورة، كثورة نصارى أرمينية على محمد بن يوسف عامل المتوكل على أرمينية وأذربيجان، وقتلهم إياه٦٠ ونحو ذلك.

وقد أراد بعض من أتى بعد المتوكل من الخلفاء أن يزيلوا هذه المظاهر أو بعضها، كالذي فعل المنتصر، فقد أراد أن يعيد الاعتزال إلى سلطانه، وأراد أن يحسِّن صلته بالبيت العلوي، ولكن لم تطل مدته، ولم يمكنه الزمان ولا حالة الناس من تنفيذ ما أراد.

لم يكن لهذا النوع من الأتراك مدنية وحضارة قديمة؛ إذ كانوا بدوًا أو أشبه بالبدو، فلم يكن شأنهم عندما اندمجوا في المملكة الإسلامية شأن الفرس؛ فالفرس عندما فتحت بلادهم، وأسلم كثير منهم واندمجوا في المملكة الإسلامية، أعطوا وأخذوا، وانتفع بهم المسلمون من ناحية الثقافة: بمثل الكتب التي نقلت من الفارسية إلى العربية، ومثل الألفاظ الفارسية التي نقلت إلى العربية، ومثل نظم الحكم التي أتقنوها في مملكتهم، إلى غير ذلك مما شرحناه قبل، كما أخذوا هم عن العرب اللغة والدين، وكان من الفرس رجال مثقفون ثقافات واسعة كالبرامكة، والفضل بن سهل، والحسن بن سهل، وابن المقفع، فأثَّروا في الثقافة الإسلامية أثرًا كبيرًا بما مزجوا من الثقافتين الفارسية والعربية. أما الأتراك فجاؤوا بشجاعتهم وقوة أبدانهم، وبعاداتهم وتقاليدهم لا بحضارتهم وثقافتهم، فكانوا من ناحية الحضارة والثقافة قابلين لا فاعلين، جاؤوا لا يعرفون اللغة العربية فتعلموها في بطء، ولم يتقنها بعضهم إلا بعد ذهاب الجيل الأول منهم، فكانوا يتخاطبون بترجمان.

ويحدثنا الصُّولي أن «بجكم» أمير الأمراء في عهد الراضي والمتقي كان يحسن العربية فهمًا ولا يحسنها كلامًا، «وكان يقول: أخاف أن أتكلم العربية فأخطئ في لفظي، والخطأ من الرئيس قبيح؛ فلذلك أدع الكلام».٦١

ولم يتقنوها في سرعة ومهارة كما فعل الفرس، فما أتى الجيل الثاني والثالث على الفرس حتى رأيناهم قد أمسكوا بزمام الأدب شعرًا وكتابة وتأليفًا علميًّا، وليس كذلك الأتراك، فقلَّ أن نرى منهم شاعرًا أو ناثرًا بالعربية، وعلى الأخص في الأجيال الأولى من إسلامهم، وأسلم الأتراك الأولون فكان إسلامهم ذا لون خاص، فيه نواحي قوة ونواحي ضعف، فهو دين شديد لا يقبل جدالًا ولا مناقشة، ولا يقبل مذاهب مختلفة، وعلى العكس من ذلك الفرس، فكان إسلامهم فيه الجدل الشيعي وغير الشيعي، وفيه المقارنة بينه وبين المانوية والزرادشتية والمزدكية، وفي التزندق أحيانًا والتفلسف أحيانًا، وفيه المذاهب المختلفة التي ظهر أثرها في العراق أيام سلطانهم، أما مؤرخ الإسلام عند هؤلاء الأتراك فلا يرى مجال القول فسيحًا كما يراه عند الفرس، ولكل من هذين النوعين من التديُّن مزاياه ومضارُّه، كالفرق بين إيمان العجائز وإيمان الفلاسفة.

أخذت طائفة من الأتراك يتعلَّمُون اللغة العربية والدين، وربما كان من خير مثل لتعلُّم الطبقة الممتازة من الأتراك ما كان من أحمد بن طولون، فقد أخذ يتعلم على حين أن كثيرًا من أمثاله لا يعنون بالتعلُّم. قال المقريزي: «نشأ أحمد بن طولون نَشئًا جميلًا غير نشء أولاد العجم (يريد الترك)، فوصف بعلوِّ الهمة، وحسن الأدب، والذهاب بنفسه عما كان يترامى إليه أهل طبقته.»٦٢ فدرس العربية، وحفظ القرآن، وتفقَّه على مذهب أبي حنيفة، وكان ذلك كله وهو في بغداد، ثم خرج إلى طرسوس مرارًا، وأخذ الحديث عن كبار المحدثين فيها، «فظهر فضله واشتهر عند الأولياء، وتميَّز عن الأتراك».٦٣ فكان في هذا من خير الأتراك، بل كان هو نفسه «شديد الإزراء على الأتراك وأولادهم لما يرتكبونه في أمر الخلفاء، غير راض بذلك، ويستقلُّ عقولهم، ويقول: حرمة الدين عندهم منهوكة».٦٤

فإذا كانت ثقافة أحمد بن طولون هذه تعد ثقافة ممتازة بين الأتراك، استطعنا أن نستنتج ضيق ثقافة الأتراك عامة في هذا العصر.

ومع هذا فإنا نرى بعض الأتراك من أوائل هذا العصر، وبعده نبغوا في فنون مختلفة على قلة فيهم.

فنرى مثلًا «الفتح بن خاقان» التركي قال فيه ابن النديم: «كان في نهاية الذكاء والفطنة وحسن الأدب، وكان من أولاد الملوك، واتخذه المتوكل أخًا، وكان يقدمه على جميع أولاده، قتل مع المتوكل ليلة قتل بالسيوف لأربع خلون من شوال سنة ٢٤٧ﻫ.» وكانت له خزانة كتب لم ير أعظم منها كثرةً وحسنًا، وكان يحضر داره فصحاء العرب وعلماء الكوفيين والبصريين؛ وروى المبرِّد شيئًا من شعره، وكان يتعشَّق غلامًا له اسمه شاهك، وله فيه أشعار، منها:

أشَاهِكُ، ليلي مذ هجرتَ طويل
وعيني دمًا بعد الدموع تسيل
وبي منك — والرحمنِ — ما لا أُطيقه
وليس إلى شكوى إليك سبيل
أَشَاهِكُ لو يُجْزَى المحِبُّ بودِّه
جَرَيْتَ ولكن الوفاء قليل

ويروى له:

وإني وإيَّاها لكالخمر، والفتى
متى يستطع منها الزيادة يَزْدَدِ
إذا ازددتُ منها ازددت وَجدًا بقربها
فكيف احتراسي من هوًى متجدِّد
وقد روي له في كتب الأدب أبيات من هذا القبيل، وجمل ظريفة وأجوبة سديدة تدل على منزلته في الأدب.٦٥ وهو الذي قدم له الجاحظ رسالته في مدح الأتراك التي تقدم وصفها.

ونبغ من الأتراك أبو نصر الفارابي الفيلسوف الإسلامي الكبير، وأستاذ كل فيلسوف إسلامي بعده، فإنه من فاراب، وهي مدينة من مدن الترك نبغ منها جماعة كثيرة من العلماء. ونبوغ الفارابي من بين الأتراك مفخرة كبيرة لهم، فقد عني بفلسفة أرسطو، وأخرجها للمسلمين في شكل جديد، وكان له فضل على كل من اشتغل بالفلسفة من المسلمين بعده؛ فظهوره من الترك رجَّح من كِفَّتِهِمْ وكانت شائلة، وأثقل ميزانهم وكان خفيفًا. وسيأتي بسط لقيمته وفلسفته في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله، وقد مات بدمشق سنة ٣٣٩ﻫ.

كما نبغ من الأتراك في القرن الرابع إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي أيضًا، صاحب كتاب «الصحاح» من أهم كتب اللغة وأصولها، كان إمامًا في علم اللغة والأدب، كما كان يضرب به المثل في جودة الخط.

أخذ علم العربية عن أشهر علماء العراق، مثل أبي علي الفارسي، وأبي سعيد السيرافي، ثم سافر إلى الحجاز يأخذ اللغة عن أهلها بالسماع والمشافهة، وطوَّف في بلاد ربيعة مضر، وحقق ما يشك فيه مما يرويه العلماء، فيقول مثلًا: سألت أعرابيًّا بنجد من بني تميم، وهو يستقي، وبكرته نَخِيس، فوضعت إصبعي على النَّخَاس٦٦ فقلت: ما هذا؟ وأردت أن أتعرَّف منه الخاء من الحاء، فقال: نِخَاس بخاء معجمة، فقلت: أليس قال الشاعر:
وبَكْرة نِحاسُها نُحَاس

فقال: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين.

فلما استكمل دراسته ومشافهته وضع في اللغة كتابه «الصحاح» الذي يعد — بحق — من أسس كتب اللغة.

وكما اجتهد في تصحيح الألفاظ وضبطها كان له الفضل في اختراع الطريقة التي ألف عليها كتابه، وحذا حذوه فيها صاحب «القاموس» و«لسان العرب» وغيرهما من حصر الكلمات في أبواب حسب أواخرها، وتقسيم الأبواب إلى فصول حسب أوائلها، وكانت كتب اللغة قبله ترتَّب ترتيبًا مهوَّشًا، فتذكر الكلمة ثم يذكر مقلوبها، كما فعل صاحب كتاب «العين» «والجمرة»، وقد مات نحو سنة ٤٠٠ﻫ.٦٧

وعلى الجملة، فلئن كان أكثر العنصر التركي في المملكة الإسلامية إنما يمتاز بالجندية والخشونة مع ضعف الثقافة؛ فقد نبغ منهم علماء في فروع مختلفة حصَّلوا ما كان من الثقافة في عصرهم، وابتكروا بعقولهم.

العنصر الفارسي

لم يهدأ الفرس منذ رأوا الأتراك تحتل مراكزهم في الدولة العباسية وتستبدُّ بالسلطان دونهم، وتقصيهم عن أماكنهم. لقد كان الفرس في العصر العباسي الأول هم عماد الدولة، وبيدهم تصريف شئونها، وكان الخليفة يعتمد عليهم في أهم الأمور، وهم يحتفظون له بمظهر الأبَّهة والجلالة، ثم ينشرون سلطانهم، فإذا أحسَّ الخليفة منهم استبدادًا أوقع بهم، كما فعل الرشيد بالبرامكة، والمأمون بابن سهل، ولكنهم سرعان ما يستردون نفوذهم، فلما جاء الأتراك أبعدوهم عن منزلتهم، وغَلبوا على الخليفة دونهم، فانكمش الفرس على حنق، ولعبت بهم العصبية الفارسية، وأخذوا يدسُّون الدسائس ويدبِّرون المؤامرات، ويحصِّنون أنفسهم بالرجال والسلاح، ويرمون إلى اقتطاع البلاد والاستيلاء عليها — وخصوصًا بلادهم الفارسية — والاستقلال بها عن خلفاء بغداد، فإذا سنحت لهم فرصة بعدُ فليستولوا على العراق وعلى الخليفة، وليتسلَّطوا هم عليه، ويقضوا على سلطة الأتراك، وكذلك كان.

كانت هذه العصبيات تلعب في عقول الفرس والترك، كل يريد الغلبة ويريد القضاء على صاحبه؛ وكانت بغداد ساحة في كثير من الأوقات للقتال بين الديالمة والأتراك، ولعلَّ خير ما يمثل هذا ما روى الصُّولي في حوادث سنة ٣٢٣ من أن «مرداويج الفارسي الأصل (أمير الري وطبرستان، ومؤسس الدولة الزِّيَارِيَّة) جعل عسكره صنفين: صنف منهم جِيل وديلم،٦٨ وهم خواصه، وأهل بلده الذين فتح بهم الري ونواحيها، ومنهم صنف أتراك وأهل خراسان، ثم استخصَّ نفرًا من الأتراك، فوَجِد الديلم من ذلك، وعاتبوه عليه، فقال: إنما اتخذت الأتراك لأقيكم بهم، وأقدِّمهم يحاربون بين أيديكم، وأنتم خاصتي وأنا بكم ولكم. فبلغ ذلك الأتراك، فأجمع رأيهم على قتله، فأوصوا الغلمان الصغار الذين في خدمته، ووكَّدوا عليهم بالتركية أن يفتكوا به، فقتلوه في حمام، وجاءهم الذين واطئوهم على ذلك وأخرجوهم من الدار. وركبوا دوابه وساروا فاضطربوا، فقالوا: نجعل علينا رئيسًا. فرضوا ببَجْكَمْ، وأخذوا من داره مالًا عظيمًا، وآنية فضة وذهب. وكان (أي مرداويج) قد تكبَّر وتجبَّر، ووضع التاج على رأسه مكلَّلًا بأحسن الحَبِّ والياقوت، وجلس على سرير فضة حواليه ذهب، وكان مرصَّعًا بجوهر، وقال: «أنا أرُدُّ دولة العجم، وأبطل دولة العرب.»٦٩

نجح الفرس إلى حد كبير في اقتطاع أجزاء من الدولة والاستيلاء عليها، واستبدادهم بها، وقصر سلطة الخليفة على المظهر الاسميِّ؛ فمن قديم استولى الطاهرية على خراسان (٢٠٥–٢٥٩)، والصَّفَّارية على فارس (٢٥٤–٢٩٠)، والسامانية على فارس وما وراء النهر(٢٦١–٣٨٩)، والزِّيَارية على جرجان (٣١٦–٤٣٤)، ثم دولة بني بويه الفارسية أيضًا (٣٢٠–٤٤٧)، فقد استولوا على فارس ثم على العراق، وأخضعوا الخليفة لأمرهم، وأزالوا ولاية الترك عليه، وأقاموا سلطانهم، فكان شأن الخليفة منهم شأنه مع الترك قبلهم، مظهر ولا عمل، ولقب ولا أمر ولا نهي.

والواقع أن سلوك البويهيين الفرس مع الخلفاء لم يكن كسلوك آبائهم الفرس مع الخلفاء في العصر العباسي الأول. لقد كان الأوَّلون من الفرس يأتمرون بأمر الخليفة، ويرعون ولاءهم له وطاعتهم إياه، فلما جاء خلفهم من بني بويه لم يرعوا ولاءً ولا قلَّدوا سلفهم، إنما قلَّدوا الأتراك في التنكيل بالخليفة والاستهانة به، واستقلوا ضعفه فلم يعلوا شأنه بل زادوه ضعفًا.

ففي سنة ٣٣٤ﻫ سار معز الدولة بن بويه من الأهواز إلى بغداد في خلافة المستكفي فملكها، ومنحه المستكفي إمرة الأمراء، «وأعطاه الطوق والسوار وآلة السلطنة، وعقد له لواء، ولقبه معز الدولة، ولقب أخاه ركن الدولة، ولقب أخاه الآخر عماد الدولة، وأمر أن تضرب ألقابهم على الدينار والدرهم».٧٠

فما أن استتبَّ أمر معز الدولة ببغداد وقوي أمره حتى حجر على الخليفة المستكفي، وقدَّر له كل يوم خمسة آلاف درهم لنفقته.

وأوجس معز الدولة خيفة من المستكفي، فدخل معز الدولة عليه فوقف والناس وقوف على مراتبهم، فتقدم اثنان من الديلم إلى الخليفة فمد يده إليهما ظنًّا أنهما يريدان تقبيلها، فجذباه من السرير حتى طرحاه إلى الأرض وجرَّاه بعمامته، وهجم الديلم على دار الخلافة إلى الحرم ونهبوها فلم يبق منها شيء. ومضى معز الدولة إلى منزله، وساقوا المستكفي ماشيًا إليه وخلع وسملت عيناه، وولوا المطيع لله خليفة، وقرر له معز الدولة كل يوم مائة دينار فقط لنفقته.

كان معز الدولة يخرج للقتال ومعه المطيع — كأسير — ولما ماتت أخت معز الدولة نزل المطيع إلى داره يعزيه.

ومات معز الدولة فأقيم ابنه باختيار مكانه، فكان مع المطيع كأبيه، وزاد على ذلك أنه صادر المطيع، فقال المطيع: أنا ليس لي غير الخطبة، فإن أحببتم اعتزلت، فشدد عليه باختيار حتى باع قماشه، وأخذ منه أربعمائة ألف درهم. وأخيرًا خلع المطيع نفسه، وولَّي ابنه الطائع.

فاستجمع الأتراك قوتهم، وتجمعوا حول سُبُكْتِكِينَ التركي، وتجمَّع الديلم والفرس حول معز الدولة، فقدم عضد الدولة البويهي بغداد لنصرة عز الدولة على سبكتكين، فتمَّ لعضد الدولة النصر، وملك بغداد. وأخيرًا خلع الطائعُ على عضد الدولة خلعة السلطنة، وتوَّجه بتاج مجوهر، وطوَّقه وسورَّه وقلَّده سيفًا، وعقد له لواءين بيده: أحدهما مفضَّض على رسم الأمراء، والآخر مذهَّب على رسم ولاة العهود، ولم يعقد هذا اللواء الثاني لغيره قبله، وكتب له عهدًا وقرئ بحضرته.

وفي سنة ٣٦٨ﻫ أمر الطائع أن يضرب الدبادب٧١ على باب عضد الدولة في وقت الصبح والمغرب والعشاء، وأن يخطب له على منابر الحضرة٧٢ وزاد في ألقابه.

وجمع الطائع رجال الدولة ودخل عضد الدولة على الطائع وقبَّل الأرض بين يديه، ثم قبَّل وجلَّ الطائع، ثم أعلن الطائع إسناد الأمور كلها إلى عضد الدولة، فقال له: «قد رأيت أن أفوض إليك ما وكل الله إليَّ من أمور الرعية في شرق الأرض وغربها، وتدبيرها في جميع جهاتها سوى خاصَّتي وأسبابي.» فقال عضد الدولة: «يعينني الله على طاعة مولانا أمير المؤمنين وخدمته.»

وفي سنة ٣٧٠ﻫ خرج عضد الدولة من همذان يريد بغداد، فخرج الخليفة الطائع للقائه ولم تجر العادة بذلك.

بل قد جرى خلاف بين الطائع وعضد الدولة، فقطع عضد الدولة الخطبة للطائع في بغداد وغيرها، واستمر ذلك نحو شهرين، ثم سوَّي الخلاف وأعيدت الخطْبة للطائع.

بل طمع عضد الدولة في الخلافة لنسله، فزوَّج الطائعَ ابنته وعقد العقد بحضرة الطائع لله وبمشهد من أعيان الدولة، وكان الوكيل عند عضد الدولة أبا علي الفارسي النحوي، والذي خطب خطبة الزواج القاضي أبا علي المحسن التنوخي، وكان المهر مائة ألف دينار؛ ورمى عضد الدولة بذلك أن يرزق الطائع ولدًا من ابنته فيولَّى العهد وتصير الخلافة في بيت بني بويه، ويصير المُلك والخلافة في الدولة الديلمية.٧٣

وأخيرًا بعد كل هذا لم يرض البويهيون عن الطائع، فإن بهاء الدولة البويهي احتاج إلى مال فدبَّر خلع الطائع وأخْدَ أمواله، فأرسل إلى الطائع يسأله الإذن في الحضور ليجدِّد العهد به، فأذن له في ذلك وجلس له كما جرت العادة، فدخل بهاء الدولة ومعه جمع كثير، فلما دخل قبَّل الأرض وأجلس على كرسي، فدخل بعض الديلم كأنه يريد تقبيل يد الخليفة فجذبوه وأنزلوه عن سريره وهو يستغيث ولا يلتفت إليه أحد، وأخذوا ما في داره، ونهب الناس بعضهم بعضًا، ثم أمروه أن يخلع نفسه ففعل بعد أن نزل للبويهيين عن كل شيء.

وقد كان الشريف الرضي حاضرًا في المجلس الذي قبض فيه على الطائع، وقد خاف أن يعيد الفرس تمثيل دور الترك مع المتوكل فأسرع في الخروج، وكان أول خارج من الدار، ومكث من مكث من القضاة والأشراف فسلبوا ثيابهم وامتهنوا، وفي ذلك يقول قصيدته التي مطلعها:

لواعدُ الشوق تُخْطيهم وتُصميني
واللوم في الحب ينهاهم ويغريني

وفيها يقول:

اعجبْ لمسْكة نفسي بعدما رُميتْ
من النوائب بالأبكار والعُون
ومن نجائيَ يوم الدار حين هوى
غيري ولم أخلُ من حزم ينجِّيني
مرقْت منها مروق النجم منكدِرًا
وقد تلاقت مصاريع الردى دوني
وكنتُ أول طلَّاع ثنيَّتها
ومن ورائيَ شرٌّ غير مأمون
من بعدما كان رب المَلْك٧٤ مبتسمًا
إليَّ أدنوه في النجوى ويدنيني
أمسيت أرحم من أصبحت أغبطه
لقد تقارب بين العزِّ والهُون
ومنظر كان بالسراء يضحكني
يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني!
هيهات أغترُّ بالسلطان ثانية
قد ضلَّ ولَّاج أبواب السلاطين

وجاء القادر بالله بعد الطائع فظل سلطان بني بويه على الخليفة كما كان، قال الذهبي: «في سنة ولايته عقد مجلس عظيم حَلف فيه القادر وبهاء الدولة (البويهي) كل منهما لصاحبه بالوفاء، وقلده القادر ما وراء بابه مما تقام فيه الدعوة.»

من كل هذا نرى أن البويهيين من الفرس سلكوا مع الخلفاء ما سلكه الأتراك من قبلهم، بل زادوا عليه أحيانًا، ولكن أكبر التبعة تقع على الترك، فإنهم هم البادئون بانتهاك حرمة الخلافة، فلم يكن من اليسير بعدُ إعادة ما لها من جلال.

وزاد الأمرَ سوءًا في عهد البويهيين النزاع بين الشيعة والسُّنَّة؛ فقد كان الخليفة سنيًّا، والبويهيون شيعيين، فاختلفت المظاهر وكثر النزاع. ففي سنة ٣٥١ﻫ في عهد المطيع — مثلًا — كتبت الشيعة ببغداد على أبواب المساجد بلعن معاوية، ولعن من غصب فاطمة حقها من فَدَك، ومَن منع الحسن أن يدفن مع جدِّهِ، ولعن من نفى أبا ذر، فمحاه أهل السنة بالليل فأراد معز الدولة أن يعيده فأشار عليه الوزير المهلبي أن يكتب مكان ما محي: لعن الله الظالمين لآل رسول الله . وصرحوا بلعن معاوية فقط.

وفي سنة ٣٥٢ﻫ ألزم معز الدولة الناس يوم عاشوراء بغلق الأسواق، ومنع الطباخين من الطبخ، ونصبوا القباب في الأسواق، وعلقوا عليها المسوح، وأخرجوا نساء منتشرات الشعور يلطمن في الشوارع ويقمن المأتم على الحسين، وهذه أول مرة نيح فيها على الحسين ببغداد، واستمر هذا سنين، وفي ثاني عشر ذي الحجة من هذه السنة عمل عيد غدير خُمٍّ، وضربت الدبادب.

وفي سنة ٣٩٨ﻫ، وقعت فتنة بين الشيعة وأهل السنة في بغداد، فأرسل الخليفة القادر الفرسان الذين على بابه لمعاونة أهل السنة وهكذا.

وتعصب بعض شعراء الفرس في ذلك العهد لفارسيتهم، ومن أشهر هؤلاء مهيار الديلمي، فترى ديوانه قد ملئ بالتهنئة بيوم النيروز، ويوم المهرجان، وبمراسلة بعض البويهيين لقدوم بغداد والاستيلاء عليها، والعصبية الفارسية من مثل قوله:

أُعْجبت بي بين نادي قومها
«أمُّ سعد» فمضت تَسْأل بي
سرَّها ما علمت من خُلقي
فأرادت علمَها ما حسبي
لا تخالي نسبًا يخفضني
أنا من يُرضيكِ عند النسب
قوميَ استولوا على الدهر فتى
ومشَوْا فوق رءوس الحقب
عمَّموا بالشمس هاماتهِمُ
وبنوا أبياتهم بالشهب
وأبي كسرى على إيوانه
أين في الناس أبٌ مثل أبي؟
قد قبست المجد من خير أبٍ
وقبست الدين من خير نبي
وضممت الفخر من أطرافه
سؤدد الُفرس ودين العرب

وقد شرحنا أثر الفرس الاجتماعي في «ضحى الإسلام»، غير أننا نذكر هنا أن هذه الحروب بين الترك والبويهيين الفرس، وبين البويهيين بعضهم مع بعض، أثَّرت كثيرًا من الخراب في العراق وما حولها، حتى جاء عضد الدولة فاستقرت الأمور بعض الاستقرار، ومكَّنه ذلك وحبُّه للعمران أن يصلح بعض ما خرب.

قال مسكويه: «وكان ببغداد أنهار كثيرة … وكان منها مرافق للناس لسقي البساتين ولشرب الشَّفَة في الأطراف البعيدة من دجلة، فاندفنت مجاريها، وعفت رسومها، ونشأ قرن بعد قرن من الناس لا يعرفونها، واضطر الضعفاء إلى أن يشربوا مياه الآبار الثقيلة، أو يتكلفوا حمل الماء من دجلة في المسافة الطويلة، فأمر (عضد الدولة) بحفر عمدانها ورواضعها، وقد كانت على عمدانها الكبار قناطر قد تهدَّمت وأهمل أمرها، وقلَّ الفكر فيها، فربما انقطعت بها السبل، وربما عمَّرتها الرعيَّة عمارة ضعيفة على حسب أحوالهم، فلم تكن تخلو من أن تجتاز عليها البهائم والنساء والأطفال والضعفاء فيسقطون، فبنيت كلها جديدة وثيقة، وعملت عملًا محكمًا. وكذلك جرى أمر الجسر ببغداد، فإنه كان لا يجتاز عليه إلا المخاطر بنفسه، لا سيما الراكب لشدة ضيقه وضعفه، وتزاحم الناس عليه، فاختيرت له السفن الكبار المتقنة، وعرِّض حتى صار كالشوارع الفسيحة، وحصِّن بالدرابزينات، ووكل به الحفظة والحراس!»٧٥

كما أعاد الاطمئنان إلى أهل الذمة، وأذن للوزير نصر بن هارون في عمارة البِيَع والديرة، وإطلاق الأموال لفقرائهم.

كما أنشأ في بغداد سنة ٣٧١ﻫ، بيمارستانًا للمرضى سمِّيَ بعده البيمارستان العضدي، وأحضر له كل ما يلزم من الأدوية والآلات، ورتب له أربعة وعشرين طبيبًا، منهم الجراحون والكحالون والمجبِّرون، وكان فيه دراسة للطب أيضًا، وممن كان يدرس فيه إبراهيم بن بكس.٧٦

وبعد نحو مائتي سنة من بنائه زاره ابن جبير الرَّحَّالة، وقال: إنه على نهر دجلة، وتتفقَّده الأطباء كل يوم اثنين وخميس، ويطالعون أحوال المرضى به، ويرتِّبون لهم أخذ ما يحتاجون إليه، وبين أيديهم قَوَمة يتناولون طبخ الأدوية والأغذية، وهو قصر كبير فيه المقاصير والبيوت، وجميع مرافق المساكن الملوكية، والماء يدخل إليه من «دجلة»، وعلى الجملة فكان مستشفى كبيرًا ومدرسة للطب، ولكن عاد الأمر بعده إلى الفساد والخراب.

أما الحركة العقلية والأدبية في دولة بني بويه، فبلغت الغاية في التحصيل والإنتاج، وسنتكلم فيها في محلها من هذا الكتاب إن شاء الله.

عنصر العرب

بجانب هذا النفوذ التركي والنفوذ الفارسي، كان هناك النفوذ العربي، وأظهر ما كان ذلك في الشام والجزيرة، فالعرب الذين هاجروا من جزيرة العرب إلى الشام والعراق كانوا — دائمًا — قوة سياسية تحسب الخلفاء حسابها. نعم إنهم كانوا كل شيء في العهد الأموي، وضعُف سلطانهم في العهد العباسي، ولكنهم كانوا في كل الأحوال قوة لا يستهان بها، ولما ضعفت القوة المركزية في بغداد شرعت هذه القبائل الهائمة في صحراء الشام ووادي الفرات تحطُّ رحالها، وتنشئ مستعمرات ثابتة، وتحتل المدن والقلاع، وتكون دويلات؛ فكوَّنت قبيلة تَغْلِب دولة الحَمْدَانيين في الموصل وحلب (٣١٧ﻫ–٣٩٤ﻫ)، وكوّنت قبيلة كِلَاب دولة المِرْداسيين في حلب (٤١٤–٤٧٢)، وكوَّن بنو عُقَيل العقيليين في ديار بكر والجزيرة (٣٨٦ﻫ–٤٨٩ﻫ)، وكوَّن بنو أسد دولة المزْيَديين في الحِلَّة (٤٠٣ﻫ–٥٤٥ﻫ).

وهؤلاء العرب مع استيلائهم على المدن والقلاع لم ينبذوا عاداتهم القومية من البداوة وما إليها، واعتزازهم ببداوتهم واحتقارهم لأهل الحضر، ومن طريف ما يروى في ذلك أن قرواشَا العقيلي صاحب الموصل (من الدولة العقيلية) قال مرة: «ما في رقبتي غير خمسة أو ستة من البادية قتلتهم، وأما الحاضرة فلا يعبأ الله بهم.»

وأهم هذه الدول العربية التي تجلَّت فيها العصبية العربية، واشتبكت مع العصبية التركية والفارسية هي دولة بني حمدان التغلبية؛ فقد عظم نفوذها بالموصل وحلب، وأرادت الاستيلاء على بغداد وطرد النفوذ التركي والفارسي، واستخلاص الخليفة لهم، وجرت في ذلك سلسلة حروب طويلة.

فالخليفة المتقي بالله، احتمى بناصر الدولة بن حمدان وقلَّده إمرة الأمراء، وخلع عليه وعلى أخيه سيف الدولة بن حمدان، ودخل ناصر الدولة بغداد باحتفال عظيم، ولكن ثورة الأتراك — على رأسهم «توزون» — تغلَّبت على ابن حمدان، وولَّي الخليفة إمرة الأمراء لتوزون، واستمر العداء والقتال بين العرب وعلى رأسهم ابن حمدان، وبين الترك وعلى رأسهم توزون.

فلما استولى البويهيون الفرس على بغداد لم ينقطع الخلاف والقتال بين الحمدانيين والبويهيين، ولما رأى ناصر الدولة بن حمدان استيلاء معز الدولة على بغداد، وسلبهم جميع حقوق الخليفة، جهَّز جيشًا لقتال البويهيين، وساعده على ذلك فرق من الجيش التركي، ودام القتال طويلًا، وتقدم الحمدانيون إلي بغداد واستولوا على جانبها الشرقي، وأخيرًا انهزم ناصر الدولة الحمداني وعاد إلى مقرِّه.

وكذلك اشتبك الحمدانيون في قتال مع البويهيين أيام عضد الدولة، فهُزم الحمدانيون أيضًا.

وكانت حياة بني حمدان مظهرًا من مظاهر الحياة البدوية المتحضِّرة: حب للحرب، واستبداد السادة بالرعية، وكرم ومروءة، وشهامة ونجدة، وعصبية للعربية ضد الفرس والترك، وعصبية للقبيلة ضد بني كلاب وبني عقيل، وعصبية للإسلام ضد الروم، وصف الأزدي سيف الدولة الحمداني فقال: «كان معجبًا برأيه، محبًّا للفخر والبذخ، مفرطًا في السخاء والكرم، شديد الاحتمال لمناظريه، والعجب بآرائه، سعيدًا مظفرًا في حروبه، جائرًا على رعيته، اشتد بكاء الناس عليه ومنه.»

ظهرت عصبية الحمدانيين لعربيتهم في قتالهم المتواصل للترك وللفرس في العراق، وتَغنِّي شعرائهم كالمتنبي في الاعتزاز بعربيته وعربيتهم، فيقول — وقد تساءلوا عن أيهم أفضل: العرب أم الأكراد:

إن كنتَ عن خير الأنام سائلَا
فخيرُهم أكثرهم فضائلَا
مَن أنت منهم يا همامُ وائلَا
الطاعنين في الوغى أوائلا
والعاذلين في الندى العواذلا
قد فضلوا بفضلك القبائلا

ويقول ويأسف لحكم غير العربِ العربَ:

وإنما الناس بالملوك وما
تفتح عُرْبٌ ملوكها عَجَم
لا أدبٌ عندهم ولا حسبٌ
ولا عهودٌ لهم ولا ذمم
بكل أرض وَطَنتها أمم
تُرعى بعبدٍ كأنها غنم

ويدلُّ على عصبيتهم القبلية ما فعله سيف الدولة من إيقاعه ببني كلاب وبني عقيل، وقُشَير وبني عجلان، وبطشه ببني حبيب حتى خرجوا بذراريهم إلى الروم في اثني عشر ألف فارس وتنصَّروا بأجمعهم، ووقوف المتنبي بجانبه يشيد بذكره في حروبه هذه، فيقول حينما أوقع ببني كلاب قصيدته المشهورة التي مطلعها:

بغيرِك راعيًا عَبثَ الذئابُ
وغيرك صارمًا ثَلَم الضِّراب

ويذكر إيقاعه ببنى عقيل وقشير، وبني العجلان في قصيدته التي مطلعها:

تذكرت ما بين العُذَيب وبارق
مَجَرَّ عوالينا ومجرَى السوابق

ويدل على عصبيتهم الإسلامية قتالهم للروم، وصدُّهم عن بلاد الإسلام وحمايتهم للثغور، حتى غزا سيف الدولة الروم أربعين غزوة، ولولاه لاستولوا على الشام في غفلة العباسيين، وقد رووا أنه جمع من الغبار الذي أصابه في غزواته ما صنع منه لبنة بقدر الكفِّ أوصى أن يوضع خدُّه عليها في لحده.

بين هذه العصبيات الثلاث التركية والفارسية والعربية تقسمت المملكة الإسلامية؛ ولأجلها وقعت الحروب وسادت الفتن، فلا تكاد تخلو سنة من حروب بين فرس وترك وعرب، وأحيانًا ينضم بعض إلى بعض؛ فقد كان في جيش بني حمدان أحيانًا فرق من الجيش التركي، كما كان مع بعض بني بويه بعض الأتراك، والبلاد تخرب من القتال، والروم ينتهزون فرصة اشتباك أمراء المسلمين بعضهم مع بعض للإغارة على الثغور الإسلامية والتنكيل بها.

وقد اتخذت العصبيات في هذا العصر شكلًا واضحًا غير الذي كان في العصر العباسي الأول، فقد كان قبلُ عصبية فارسية وعصبية عربية، ولكنها كانت تعمل في الخفاء غالبًا، وكانت قوة الخلفاء تحول دون الطغيان، فإذا أحس الخليفة طغيانًا من الفرس نكل بهم، وردَّهم إلى حدودهم، فلما ضعفت الخلافة، وقتل المتوكل بيد الأتراك، لم يكن للخليفة من النفوذ ما يستطيع أن يصدَّ به هذا الطغيان، فانكشف العصبيات وأصبحت تعمل جهارًا، ووسيلتها الحروب.

وكان من نتيجة هذه العصبيات الثلاث، واستعمالها السيف في بسط نفوذها، وضعف الخلفاء عن كبح جماحها؛ انقسام المملكة إلى مناطق نفوذ، فلو نظرنا إلى المملكة الإسلامية في النصف الثاني من القرن الثالث وفي القرن الرابع الهجري، رأينا الأندلس يحكمها الأمويون وهم عرب، وبلاد المغرب يحكم بعضها الأدارسة وهم عرب، وبعض قبائل البربر، والفاطمية وهم عرب، ومصر والشام يحكمها الطولونيون والإخشيديون، وهم أتراك، ثم الفاطميون وهم عرب، والحمدانيون في الموصل وحلب وهم عرب، والعراق يحكمه الأتراك باسم الخليفة العباسي، وينازعهم السلطان عليه الحمدانيون وهم عرب، ثم يستولي عليه البويهيون وهم فرس، وفارس تتقسَّمها دول مختلفة: الدُّلَفِية في كردستان وهم عرب، والصَّفَّارية في فارس كلها وهم فرس، والسامانية في فارس وما وراء النهر وهم فرس، والزيارية في جرجان وهم فرس، والحسنوية في كردستان وهم أكراد، والبويهية في جنوبي فارس وهم فرس، والغزنوية بأفغانستان والهند وهم أتراك.

وكان كل جنس من هذه الأجناس يطبع البلاد التي يحكمها بطابعه الخاص، فطابع التركية حب للجندية والفروسية، والاستكثار من الجنود من جنسهم لتقوية حكمهم، ثم كثرة الخلافة فيما بينهم، وتعصب كل فريق لقائد كالبدو في تعصبهم للقبائل واعتزازهم بقبيلتهم، ونظرهم في شيء من الاحتقار إلى أهل البلاد المحكومة بهم، وانتصارهم لمذهب أهل السنة، وعدم ميلهم إلى الفلسفة والجدل في الدين، وتقريبهم علماء الدين وخاصة علماء التفسير والحديث، وحبُّهم للأموال يأخذونها من الرعية في غير حكمة وأناة ونظر بعيد، فبدل أن يعنوا بموارد المال من ريٍّ، ونظام ضرائب، وإصلاح أراض، وتنظيم تجارة، واستغلال منابع الثروة يجيلون أبصارهم في الناس، ويتعرَّفون ذوي الثروة، فينتهزون الفرصة لمصادرتهم أو التنكيل بهم أو نحو ذلك، ثم ينفقون ما تصل إليه أيديهم في الترف والنعيم، فإذا أسرفوا وخلت أيديهم من جديد ثاروا على من لديه المال، ترى تاريخهم في العراق في ذلك العهد سلسلة مطالبات للخليفة بالأموال، فإذا لم يعطهم خلعوه، وإن أعطاهم سكتوا عنه أن يفرُغ مالهم، ثم أعادوا الكرَّة، وهكذا فعلوا في الوزراء والكبراء والتجار، وهم مع كل هذا لا ينظرون إلى وسائل المال ليصلحوها؛ ولذلك سرعان ما ينضب معين الدولة لقد كان لدى الخلفاء ثروة هائلة تقدَّر بالملايين، فما زالوا يلحُّون عليهم في طلب المال، والخلفاء يفتدون أرواحهم بالعطاء حتى تركوهم ولا شيء في أيديهم، ومن أجل هذا نقرأ كثيرًا في تاريخ هذه العصور دفن الأموال في الأرض، وبناء الحوائط عليها، وتظاهر الأغنياء بالفقر، ونحو ذلك.

وطابع الفرس حب الفخفخة والظهور، قد ورثوا مدينة قديمة مملوءة بالتقاليد والأوضاع، فطُبعوا عليها بمحاسنها ومساويها؛ فلهم قدرة على تنظيم الحكم، ومعرفة واسعة بما يزيد الثروة ويَضْعَفُها، ولهم عقول مثقفة تتذوق الأدب والعلم وتهتز لهما، فهم يشجعون العلم لا بالمعنى الضيق الذي يشجعه التركي، ولكن بمعناه الواسع الذي يشمل الفلسفة بفروعها المختلفة، قد كثرت المذاهب الدينية القديمة عندهم من مانوية وزرادشتية ومزدكية، فكثرت في الإسلام مذاهبهم من زيدية واثني عشرية وسبعية وغير ذلك، وورثوا ما يرثه أبناء كل أمة تحضَّرت وهرمت من ميل إلى الترف والنعيم، وانهماك في اللذائذ، وأورثهم ضغط الدولة الأموية عليهم وتحقيرهم ميلًا كامنًا إلى الانتقام من العرب والأخذ بالثأر منهم في لين وهوادة، وعلَّمهم التشيعُ التقية، فمكروا وعملوا في الخفاء وتستَّروا، وأسسوا المؤامرات للقضاء على خصومهم بالثورات أحيانًا، وبالدعوة المقنَّعة بالعلم أحيانًا، إلى غير ذلك.

وطابع العرب ميل إلى البداوة، وحكم بالقبلية، واعتزاز بدمهم، واحتقار لغير جنسهم، وزهوهم بسيفهم ولسانهم، وقلقهم واضطرابهم، فإذا أحسُّوا ضعف رئيسهم فما أسرع ثورتهم! ثم هم أسرع ما يكون قبولًا للتأقلم والتحضر، فإذا تحضروا انغمسوا في النعيم، ومالوا إلى خصب العيش، وتأنَّقوا في المأكل والملبس والمشرب، كما كان شأن الفاطميين بعد انتقالهم من المغرب إلى مصر، وكما كان شأن من نزل من العرب في الأندلس، وكما كان شأن العرب الفاتحين لبلاد فارس والروم، وهم في أول أمرهم شجعان صرحاء بسطاء، فإذا انغمسوا في النعيم، وقعوا في سيئات الحضارة، ففقدوا صراحتهم وبساطتهم، أحب إليهم الأدب والشعر لا الفلسفة والعلم، إلا أن يستعينوا بغيرهم من الموالي في تجميل دولتهم بالفلسفة والعلم.

وكثيرًا ما كان يتعاقب على القطر الواحد هذه الأجناس الثلاثة أو جنسان منها، فتعاقب على العراق العرب والفرس والترك، وعلى مصر العرب والترك، وإذ ذاك يسقيه كل جنس بكأسه، ويتكوَّن لكل قطر مزاج هو نتيجة طبع الأمة مع من تعاقب عليها من الأجناس.

وهناك عنصران آخران كان لهما أثر في الحياة الاجتماعية في هذا العصر، وإن كان هذا الأثر في المنزلة الثانية، وأعني بهما الروم والزنج.

الروم

كان العرب يطلقون على المملكة البيزنطية «بلاد الروم»، ومن ثم أطلقوا على البحر الأبيض المتوسط «بحر الروم»، وعلى مرِّ الزمان كان أكثر ما يطلق اسم الروم على بلاد النصارى المتاخمين للمملكة الإسلامية؛ ولهذا كان أكثر ما يطلق على بلاد النصارى في آسيا الصغرى، وكانت تسمى الحدود التي بين الدولة الإسلامية والدولة البيزنطية «الثغور» ممتدة من ملطية إلى أعلى الفرات وإلى طرسوس، وكانت هذه الثغور محصَّنة من الجانبين، ومنقسمة إلى قسمين: ثغور الجزيرة، وثغور الشام، فمن الأول مَلْطية، وزِبَطْرة، وحصن منصور، والحَدَث، ومرعش، والهارونية، والكنيسة، وعين زَرْبَة، ومن الثاني: المصيصة، وأَذَنة، وطرسوس.

ومنذ فُتح الشام ومصر في عهد عمر بن الخطاب، والحروب قائمة بين المسلمين والروم، والذي نريد أن نعرض له الآن ما كان بين الروم والمسلمين في العصر الذي نؤرخه؛ فقد كثرت الحروب بين الفريقين، وكانت هذه الثغور بين حركتي مدٍّ وجزر باستمرار، فمن ابتداء هذا العصر حدثت وقعة عمورية المشهورة في عهد المعتصم، واستمرت بعد ذلك واشتدَّت بين الروم والحمدانيين، وعلى الأخصِّ أيام سيف الدولة الحمداني.

وليس يهمنا هنا تاريخ هذه الحروب، ولا جانبها السياسي، وإنما يهمنا ما كان لها من أثر اجتماعي أو عقلي.

فقد كانت هذه الحروب سببًا في أسر عدد كبير من الروم، واسترقاق كثير منهم؛ ففي وقعة عمورية «أقبل الناس بالأسرى والسبي من كل وجه، فأمر المعتصم أن يعزل منهم أهل الشرف، وقتل من سواهم، وأمر ببيع المغانم في عدة مواضع … وكان لا ينادي على شيء أكثر من ثلاثة أصوات ثم يوجب بيعه طلبًا للسرعة، وكان ينادي على الرقيق خمسة خمسة، عشرة عشرة، طلبًا للسرعة».٧٧ وكانت حرب بين الروم والمسلمين في صقلية سنة ٣٥٣ﻫ، فتقدم المسلمون إلى «رَمْطة» وملكوها عنوة وقتلوا من فيها، وسَبَوا الحُرم والصغار وغنموا ما فيها، وكان شيئًا كثيرًا عظيمًا».٧٨ وفي سنة ٣٤٣ﻫ غزا سيف الدولة الروم «فقَتل وأسَر وسبى وغنم»، فانهزم الروم وقُتل منهم وممن معهم خلق عظيم، وأسر صهر الدمستق وابن ابنته وكثير من بطارقته».٧٩ ومثل هذا كثير فالحروب تكاد تكون متصلة، والأسر من الجانبين متتابع. أنتجت هذه الوقائع نتائج كثيرة:

فمنها أنها خلفت لنا أدبًا عربيًّا حربيًّا قويًّا، كقصيدة أبي تمام في فتح عمورية: «السيف أصدق أنباءً من الكتب»، وقصائد المتنبي في حروب سيف الدولة للروم، كقصيدته يذكر الوقعة التي نكب فيها المسلمون بالقرب من بحيرة الحدَث: «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»، وقصيدته لما سار سيف الدولة يريد الدمستق: «نزور ديارًا ما نحب لها مغنى» … إلخ إلخ، وكالقصائد الروميات لأبي فراس، وهي قصائد من غرر شعره، قالها — لما أسره الروم — في الحنين إلى أهله وأصحابه، والتبرُّم بحاله من أسر ومرض وغربة إلى غير ذلك.

ومنها ما كان من انتشار الروم من رجال ونساء وغلمان في بيوت الناس والخلفاء والأغنياء كمماليك، حتى إن بعض الخلفاء في هذا العصر كانت أمهم رومية؛ فالمنتصر بالله ابن المتوكل أمه رومية، والمعتز بالله أمه رومية اسمها «قبيحة»، وقد اشتهرت في التاريخ بغناها وثروتها وتغلُّبها على عقل المتوكل، والمعتمد على الله أمه رومية اسمها «فتيان»، والمقتدر بالله أمه رومية على بعض الأقوال، وكان لها في أيام ابنها سلطان في تدبير الأمور، حتى أمرت قهرمانتها أن تجلس للمظالم وتنظر في رقاع الناس، وأم الراضي بالله رومية اسمها ظلوم … إلخ.

واستكثر الخليفة المقتدر من الخدم والمماليك من الروم والسودان، حتى قالوا إنه بلغ عددهم أحد عشر ألفًا، وكانوا في أول عهده ألفًا ومائة.

وفي المقريزي أن أحمد بن طولون — لما ولي مصر — اشترى العبيد من الروم والسودان … وصار من كثرة العبيد والرجال والآلآت بحال يضيق بها داره ولا يتسع له … فبنى القصر والميدان، «وتقدم إلى أصحابه وغلمانه وأتباعه أن يختطوا لنفسهم حوله، فاختطوا … ثم قطعت القطائع، فكان للنوبة قطعية مفردة تعرف بهم، وللروم قطيعة مفردة تعرف بهم».٨٠ «وكانت كل قطيعة لسكنى جماعات بمنزلة الحارات التي في القاهرة».٨١
ولما اختطَّت القاهرة اختطَّت الروم حارتين. «وفي سنة ٣٩٩ﻫ أمر الخليفة الحاكم بأمر الله بهدم حارة الروم فهدمت ونهبت».٨٢

كما كان في بغداد دار تسمَّى دار الروم بالشماسية، وكان لهم بهذا الحي كنيسة على مذهب النسطورية، ودير يسمى دير الروم.

وانتشرت الجواري الروميات في القصور، وكانت لهن ميزات. قال ابن بطلان: «الروميات بيض شقر، سباط الشعور، زرق العيون، عبيد طاعة وموافقة وخدمة، ومناصحة ووفاء وأمانة ومحافظة، يصلحن للخَزْن لضبطهن وقلَّة سماحتهن، لا يخلو أن يكون بأكفهن صنائع دقيقة.»

وتعشَق بعض الشعراء الغلمان الروم، فكان للبحتري غلام رومي اسمه «نسيم»، «كان قد جعله بابًا من أبواب الحيل على الناس، فكان يبيعه ويعتمد أن يصير إلى مِلْك بعض أهل المروءات ومن يَنفق عنده الأدب، فإذا حصل في ملكه شبَّب به وتشوَّق ومدح مولاه، حتى يهبه له، فلم يزل ذلك دأبه حتى مات «نسيم» فكفى الناس أمره».٨٣ وفي «نسيم» يقول البحتري:
دعا عَبرتي تجري على الجور والقصد
أظن نسيمًا قارف الهجر من بعدي
خلا ناظري من طَيفه بعد شخصه
فوا عجبًا للدهر فقدًا على فقد!

وقد أنجب هذا العنصر الرومي أدباء وعلماء، كان لهم في فنهم وعلمهم طابع خاص لم يكن مألوفًا في العقلية العربية والفارسية، من أشهر هؤلاء ابن الرومي الشاعر، وابن جني النحوي.

فابن الرومي من أصل رومي كما يدل عليه اسمه، فهو علي بن العباس بن جريج، وله في الشعر ميزات قلَّما اجتمعت لغيره من شعراء العربية، هي أشبه شيء بالروح الرومي؛ فهو طويل النفس في قصائده طولًا قلَّما يجارى، وهو يقع على المعنى فلا يزال يستقصي فيه حتى لا يدع فيه فضلة ولا بقية، وهو كثير التعليل لما يقول كما يفعل بالنظرية الهندسية والبرهان عليها من مثل قوله:

لِمَا تؤذن الدنيا به من صُروفها
يكون بكاء الطفل ساعةَ يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها
لأفسحُ مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهلَّ كأنه
بما سوف يلقى من أذاها يهدَّد

وقوله في مليح رمدت عيناه:

قالوا اشتكت عينُه فقلت لهم
من كثرة القتل مسَّها الوصب
حُمْرتها من دماء من قَتَلتْ
والدم في النَّصل شاهد عجب

ومثل ذلك كثير لا نطيل به.

وهو يصوِّر المهجُوَّ صورة فنية تستخرج عجبك وتستثير ضحكك، كقوله في بخيل:

يقتِّر عيسى على نفسه
وليس بباقٍ ولا خالد
فلو يستطيع لتقتيره
تنفَّس من مِنْخَر واحد

وقوله في ثقيل:

إذا بدا وجهه لقوم
لاذت بأجفانها العيون
كأنه عندهم غَريم
حلَّت عليهم له ديون

وقوله:

معشر فيهم نكول إن نَوَوْا
فعل خير، وعلى الشر مرودْ
ليتهم كانوا قرودًا فحكوا
شيم الناس كما تَحكي القرودْ
أما ابن جني، فهو كذلك رومي، أبوه جِنِّي كان مملوكًا روميًّا لسليمان بن فهد الأزدي، ولعل أصل «جني» Jonah٨٤ فعربها العرب إلى جني. وكان ابن جني هذا غريبًا في تصوره النحو والصرف، فهو ماهر في التصريف ماهر في التعليل والقياس. قال الباخرزي في دمية القصر: «ليس لأحد من أئمة الأدب في فتح المقفلات وشرح المشكلات ما له وسيَّما في علم الإعراب.» وكان المتنبي يقول فيه: «هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس.»

وقد قال هو نفسه في خصائصه:

وحُلْو شمائل الأدبِ
منيفُ مراتب الحسب
له كَلَفٌ بما كلِفتْ
به العلماء مِلْعَرب
يبيت يفاتش الأنقا
ب عن أسرارها الغَيَبِ٨٥
فمِن جَدَد إلى جَلَد
إلى صعد إلى صَبَب
ويفرع فكرهُ الأبكا
رَ منها من حِمَى الحجب
فيبردها كأن لها
وإن خفيت سنى لهب

•••

يجدُّ بها وتحسبه
للطف الفكر في لعب
سباطة٨٦ مذهب سُبكت
عليه ماءة الذهب

•••

وطردًا للفروع على
أصول وُطَّدٍ رتب
إذا ما انحط غائرها
سما فرعًا على الرتب
قياسًا مثل ما وقدت
بليلٍ بَرزة الشهب

ومنها في أصله الرومي:

فإن أُصبح بلا نسب
فعلمي في الورى نسبي
على أنِّي أؤول إلى
فروم سادة نُجُب
قياصرة إذا نطقوا
أرمَّ٨٧ الدهر ذو الخطب

فابن الرومي وابن جني وأمثالهما كانوا عربًا في المنشأ والمَرْبى، وكانوا رومًا بعقلهم الموروث، فجمعوا بين مزايا العقل المطبوع والعقل المصنوع، وأنتجوا منهما نتاجًا صالحًا ذا طعم خاص.

السود

ومن العناصر التي كثرت في هذا العصر، وكان لها أثر كبير؛ الزنج الذين كانوا يجلبون في الأكثر من سواحل إفريقيا الشرقية، ولا أدلَّ على كثرتهم وخطرهم من ثورتهم التي قاموا بها قرب البصرة، وهددوا بها الدولة العباسية، ودوَّخوها أربعة عشر عامًا وأربعة أشهر (من ٢٥٥ﻫ إلى ٢٧٠ﻫ)، وكانت حربًا بين الأجناس، بين السود والبيض، دعا إليها رجل ادَّعى نسبته إلى علي بن أبى طالب، فزعم أنه علي بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وأكثر المؤرخين يرون أنه دعيٌّ وأن أصله عربي من عبد القيس، وقد توجه هذا الرجل إلى البصرة وحرَّض الزنوج «الذين كانوا يكسحون السباخ» في أراضيها، فإن ملَّاك هذه الأرضي كانوا يملكون سودًا من السودان يعملون لهم في أرضهم فيعزقونها ويرفعون عنها الطبقة المالحة؛ ليصلوا إلى الأرض الخالية من الأملاح الصالحة للزراعة، وهو عمل شاقٌّ جدًّا في هذه المنطقة، فاستطاع هذ الذي لقِّب بعد بصاحب الزنج أن يؤلِّب هؤلاء العمال الزنوج بعد أن درس حالتهم وبؤسهم وأجورهم ونفسيتهم فأتاهم من الناحية الدينية فهي أفعل في نفوسهم، فادَّعى أنه متَّصل بالله على نحو ما، فاجتمع إليه خلق كثير، فوصف لهم بؤسهم وظلم سادتهم لهم، ورثى لعيشهم على السويق والتمر، ودعاهم إلى الخروج على هؤلاء الظالمين، «ومنَّاهم ووعدهم أن يقودهم ويرئِّسهم، ويملِّكهم الأموال، وحلف لهم الأيمان الغلاظ ألا يغدِرَ بهم ولا يخذلهم ولا يدع شيئًا من الإحسان إلا أتى إليهم».

من وقع في يده من هؤلاء السادة مالكي العبيد كان يسلمه لغلمانه ويأمر بضربه، فكانت حركته الأولى حركة ضد الملَّاك، ثم تطورت فصارت حركة ضد الدولة، وأن الخلفاء والولاة ظالمون ينتهكون حرمة الله، ودعا إلى مذهب الخوارج. قال المسعودي: «إنه كان يرى رأي الأزارقة من الخوارج؛ لأن أفعاله في قتل النساء والأطفال وغيرهم من الشيخ الفاني وغيره ممن لا يستحق القتل يشهد بذلك عليه؛ وله خطبة يقول في أولها: «الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، ألا لا حكم إلا لله.» وكان يرى الذنوب كلها شركًا.»٨٨ وكان عدد هؤلاء الزنوج كثيرًا، وفيهم شجاعة نادرة ومران على القتال. وفي بعض الوقائع الحربية انضمت الفرقة السودانية في الجيش العباسي إلى إخوانهم الزنوج فزادوهم قوة. وقد تملكوا في بعض الأحيان «الأبلة» و«عَبَّادَان»، والأهواز ثم البصرة، وواسط والنعمانة ورامهرمز.
وكانوا يهزمون الجيوش العباسية المرة بعد المرة، واغتنوا، وأصبح الزنوج يملكون البيض بل خير من البيض. يقول المسعودي: «وقد بلغ من أمر عسكره — أي عسكر صاحب الزنج — أنه كان ينادَى فيه على المرأة من ولد الحسن والحسين والعباس من ولد هاشم وقريش وغيرهم من سائر العرب، وأبناء الناس، تباع الجارية منهن بالدرهمين والثلاثة، وينادى عليها بنسبها هذه ابنة فلان الفلاني، لكل زنجي منهم العشرة والعشرون والثلاثون، يطؤهن الزنج ويخدمن النساء الزنجيات كما تَخْدُم الوصائفُ. ولقد استغاثت إلى علي بن محمد — صاحب الزنج — امرأة من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب كانت عند بعض الزنج، وسألته أن ينقلها منه إلى غيره من الزنج أو يعتقها مما هي فيه، فقال: هو مولاكِ وأولى بك من غيره.»٨٩
وأخيرًا تغلَّب عليهم الموفق — أخو الخليفة المعتمد على الله — وابنه أبو العباس — الذي صار فيما بعد خليفة ولقب بالمعتضد — وقتل صاحب الزنج بعد أن خرب الزنج كثيرًا من البلاد، وأفنوا كثيرًا من الناس. وقد قتلوا من أهل البصرة وحدها في وقعة واحدة ثلاثمائة ألف. «وقد تكلم الناس في قدر ما قتل — على يد الزنج — في هذه السنين — الأربع عشرة — من الناس فمكثر ومقل، فأما المكثر فإنه يقول: أفنى من الناس ما لا يدركه العد، ولا يقع عليه الإحصاء، ولا يعلم ذلك إلا عالم الغيب … والمقل يقول: أفنى من الناس خمسمائة ألف، وكلا الفريقين يقول في ذلك ظنًّا وحدسًا إذا كان شيئًا لا يدرك ولا يضبط».٩٠

وقد سقنا هذا كله للدلالة على قوة هذا العنصر الزنجي وخطره في ذلك العصر، وبجانب هذا كانت لهم ناحية اجتماعية لها قيمتها … وكانوا يطلقون كلمة السودان على ما يشمل الأحباش، وقديمًا اتصل هؤلاء السودان بالعرب فكان منهم بلال الحبشي مؤذن رسول الله، ومنهم سعيد بن جبير سيد التابعين الذي قتله الحجاج، وكان من أشعر شعرائهم في العصر الأموي الحَيْقُطَان، وقد هجا جريرًا وفخر عليه بالزَّنج، فقال:

والزَّنج لو لاقيتهم في صَفِّهم
لاقَيْت ثَمَّ جَحَاجِحًا أبطالا
وكان الزنج يفخرون بطلاقة اللسان، وكثرة الكلام، وشدة الأبدان، والسخاء، وقلة الأذى، وطيب النَّفس، وضحك السن، وحسن الظن.٩١ وقد عُيِّروا بصغر عقولهم، وضعف ذكائهم، وقلَّة علمهم، فأجابوا بأنكم لم تروا الزنج الحقيقيين، وإنما رأيتم السبي يجيء من السواحل هؤلاء ليس لهم جمال ولا عقول، ولو رأيتم كرام الزنج لرأيتم الجمال والكمال والعقل. قالوا: واعتبروا في ذلك بمن تَسْبُونهم من أهل السند والهند، فإنه لم يتفق لكم واحد ممن سبيتموهم له عقل وعلم مع ما اشتهر به أهل السند والهند من العلم بالحساب والنجوم، وأسرار الطب، والتصاوير والصناعات العجيبة.٩٢

وكانت طائفة من الجند من الزنج كما رأينا قبل، وكان منهم الكثير في خدمة القصر. وقد نبغ منهم كافور الإخشيدي الذي ملك مصر والشام، وخطب له على المنابر بمكة والحجاز، وكان عبدًا أسود أتي به من بلاد السودان واشتراه الإخشيد بثمانية عشر دينارًا، وقد مدح المتنبي سواده فقال:

فجاءت به إنسان عين زمانه
وخلَّت بياضًا خلفها ومآقيا

ثم ذم سواده حين هجاه فقال:

من علَّم الأَسْود المخصيَّ مكرمة
أقوْمُه البيض أم آباؤه الصيد
أم أذنه في يد النخَّاس داميةً
أم قَدره وهو بالفَلسين مردود
وذاك أن الفحول البيض عاجزة
عن الجميل فكيف الخصية السود

ومن قديم كان للبيض نساء من السود، فأعشى سليم كانت له «دنانير» بنت كعبوية الزنجي، وكانت زنجية، وقد رآها تكتحل فقال:

كأنها والكحل في مِرْوَدها
تَكْحَل عينيها ببعض جلدها

وقد تزوج الفرزدق أم مكية الزنجية، وترك ما عنده من النساء من أجلها. وقال فيها:

يا ربَّ خَوْدٍ من بنات الزَّنْجِ٩٣

وكثر ذلك في العصر العباسي، فامتلأت بهن القصور وبيوت الأوساط والفقراء؛ فقد كانت الجواري البيض أغلى ثمنًا، فكانت ما تكون في بيوت الأغنياء، أما السود فكثيرات ورخيصات.

وقد ذكر ابن بطلان خصائص السود فقال:

الزنجيات مساويهن كثيرة، وكلما زاد سوادهن قبحت صورهن، وتحددت أسنانهن، وقلَّ الانتفاع بهن، وخيفت المضرَّة منهن، والغالب عليهن سوء الأخلاق، وكثرة الهرب، وليس في خلقهن الغم، والرقص والإيقاع فطرة لهن، وطبع فيهن … ويقال: لو وقع الزنجي من السماء إلى الأرض ما وقع إلا بالإيقاع. وهم أنقى الناس ثغورًا لكثرة الريق، وكثرة الريق لفساد الهضوم؛ وفيهن جَلَد على الكدِّ، فالزنجي إذا شبع فصب العذاب عليه صبًّا فإنه لا يتألم له. وليس فيهن متعة لصنانهن وخشونة أجسامهن. أما الحبشيات فالغالب عليهن نعومة الأجسام ولينها وضعفها، يعتادهن السلُّ، ولا يصلحن للغناء ولا للرقص، دقاق لا يوافقهن غير البلاد التي نشأن فيها، وفيهن خيرية، ومياسرة وسلاسة انقياد، يصلحن للائتمان على النفوس … قصار الأعمار لسوء الهضم.

وكما تقاسمت المملكة الإسلامية العناصر الجنسية المختلفة، كذلك تقاسمتها المذاهب الإسلامية المختلفة والديانات المختلفة، ولنذكر في ذلك كلمة مجملة تصوِّر هذه الحال:

فقد كان الخلفاء سنيين، والأتراك سنيين غالبًا، والفرس شيعيين غالبًا، والعرب بين سني وشيعي؛ فالفاطميون شيعة، والحمدانيون يغلب عليهم التشيع، فمن آثارهم التي وصلت إلينا درهم لناصر الدولة الحمداني على أحد وجهيه:
لا إله إلا الله
المطيع لله
ناصر الدولة
وعلى الآخر:
محمد
رسول الله
علي ولي الله
ويروي المؤرخون أن سيف الدولة عثر في حلب على قبر للمحَسِّن بن الحسين فبنى عليه، وكتب على حَجَره:

عمَّر هذا المشهد المبارك؛ ابتغاءً لوجه الله وقربةً إليه على اسم مولانا المحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب — الأميرُ الأجلُّ سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان.

ورووا أن سيف الدولة زوَّج ابنته ست الناس لأبي تغلب الحمداني، وضرب لهذا الحادث دنانير على أحد وجهيها:

محمد رسول الله، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فاطمة الزهراء، الحسن، والحسين، جبريل.

وعلى الآخر:

أمير المؤمنين المطيع لله، الأميران الفاضلان ناصر الدولة وسيف الدولة، الأميران أبو تغلب، وأبو المكارم.

فهذا يرجح أن دولة الحمدانيين كانت شيعية.

فكانت المملكة الإسلامية مسرحًا للعصبيات الجنسية والعصبيات المذهبية. وأوضح الأمثلة لذلك حالة العراق في عهد الدولة البويهية؛ فقد كان مملوءًا بالأتراك والديلم، والأولون سنيُّون، والآخرون فرس شيعيُّون، والحروب والفتن والمصادرات وكبس البيوت لا تنقطع بينهما. وقد ذهب في سبيل ذلك ضحايا كثيرة من الوزراء والكتَّاب والعلماء، حتى حكى مسكويه في حوادث سنة ٣٦٠ﻫ أن بختيار البويهي «رأى لمعالجة هذه الفتن أن يعقد بين رؤساء الأتراك ورؤساء الديلم مصاهرات لتزول العداوات التي نشأت بينهم، فابتدأ بعقد مصاهرة بين المرزبان بن عز الدولة «البويهي»، وبين بختكين «التركي»، وفعل مثل ذلك بجماعة، وأصلح بين الديلم والأتراك، واستحلف كل فريق منهما لصاحبه، فحلفوا جميعًا … فزال الظاهر ولم يزُل الباطن».٩٤ وقال ابن الأثير في حوادث سنة ٤٤٣ﻫ: «في هذه السنة تجددت الفتنة بين السنة والشيعة، وعظمت أضعاف ما كانت قديمًا؛ وسببها أن أهل الكرخ عملوا أبراجًا كتبوا عليها بالذهب: «محمد وعليٌّ خير البشر.» وأنكر السنية ذلك، وادعوا أن المكتوب محمد وعلي خير البشر، فمن رضي فقد شكر ومن أبى فقد كفر. وأنكر أهل الكرخ الزيادة؛ فانتدب الخليفة القائم بأمر الله من حقَّق، فكتبوا بتصديق أهل الكرخ. وحمل الحنابلة العامة على الإغراق في الفتنة، وتشدد رئيس الرؤساء على الشيعة فمحوا «خير البشر» فقالت السنِّية: لا نرضى إلا أن يقلع الآجر الذي عليه «محمد وعلي»، وألا يؤذَّن «حي على خير العمل»، وامتنع الشيعة عن ذلك. وقتل رجل هاشمي من السنِّيَّة، فحمله أهله على نعش وطافوا به في الحربية وباب البصرة وسائر محلة السنِّية، واستنفروا الناس للأخذ بثأره، ثم دفنوه عند أحمد بن حنبل، فلما رجعوا من دفنه قصدوا المشهد فدخلوه، ونهبوا ما فيه من قناديل ومحاريب من ذهب وفضة، فلما كان الغد اجتمعوا وأضرموا حريقًا، فاحترق كثير من قبور الأئمة وما يجاورها من قبور بني بويه، وقصد أهل الكرخ الشيعيون إلى خان الفقهاء الحنفيين فنهبوه، وقتلوا مدرس الحنفية أبا سعد السرخسي وأحرقوا الخان ودور الفقهاء، وامتدت الفتنة إلى الجانب الشرقي.»٩٥ وقال في سنة ٤٤٤ﻫ: «في هذه السنة زادت الفتنة بين أهل الكرخ وغيرهم من السنِّية، وكان ابتداؤها أواخر سنة ٤٤٤ﻫ، فلما كان الآن عظم الشر واطرحت المراقبة للسلطان، واختلط بالفريقين طائفة من الأتراك، فلما اشتد الأمر اجتمع القواد، واتفقوا على الركوب إلى المحال، وإقامة السياسة بأهل الشر والفساد، وأخذوا من الكرخ إنسانًا علويًّا وقتلوه، فثار نساؤه ونشرن شعورهن واستغثن، فتبعهن العامة من أهل الكرخ، وجرى بينهم وبين القواد ومن معهم من العامة قتال شديد، وطرح الأتراك النار في أسواق الكرخ فاحترق كثير منها وألحقتها بالأرض.»
وقد اشتهرت الكوفة بالتشيُّع والبصرة بالتسنُّن،٩٦ فقال الجاحظ: إن الكوفة علوية، والبصرة عثمانية، ثم انتشر بعد الجاحظ التشيع في البصرة حتى كان فيها في القرن الخامس ما لا يقلُّ عن ثلاثة عشر مشهدًا للعلويين، أما الشام فمن قديم عرفت بالسنية، ويقول النسائي المتوفى سنة ٣٠٣ﻫ: «دخلت دمشق والمنحرف عن علي — رضي الله عنه — كثير، فأردت أن يهديهم الله بهذا الكتاب.» يعني كتاب «الخصائص» في فضل علي بن أبي طالب، وسئل وهو بدمشق عن معاوية وما روي من فضائله، فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأسًا برأس حتى يفضل؟! فما زال أهل دمشق يدفعون في حضنه حتى أخرجوه من المسجد، ثم حمل إلى الرملة فمات بها.٩٧

وتقسمت البلاد الشيعة والسنِّية، بل تقسم البلد الواحد التشيُّع والتسنُّن: فبلدة نابلس في النصف الثاني من القرن الرابع كان نصفها سنيين ونصفها شيعيين، قال المقدسي المتوفى سنة ٣٧٥ﻫ: «ونصف نابلس وأكثر عمان شيعة.»

وجزيرة العرب نفسها كذلك، «فمذاهبهم في مكة وتهامة وصنعاء وقرح سنية، وسواد صنعاء ونواحيها مع سواد عمان شُرَاة غالية، وبقية الحجاز وأهل الري بعمان وهجر وصعدة شيعة»،٩٨ «ونصف الأهواز شيعة»،٩٩ «وأهل قُم شيعة غالية قد تركوا الجماعات وعطلوا الجامع إلى أن ألزمهم ركن الدولة عمارته ولزومه».١٠٠
وحكى ياقوت أنه وُلِّي عليهم رجل سنِّي متشدِّد، فبلغه أن أهل «قم» لبغضهم الصحابة لا يوجد فيهم من اسمه أبو بكر أو عمر، فجمع رؤساءهم وقال لهم: إن لم تأتوني برجل منكم اسمه أبو بكر أو عمر لأفعلن بكم ولأصنعن. فاستمهلوه ثلاثة أيام، وفتشوا فلم يجدوا إلا رجلًا صعلوكًا حافيًا عاريًا أحول أقبح خَلْقِ الله منظرًا اسمه أبو بكر؛ لأن أباه كان غريبًا استوطنها فسماه بذلك، فجاؤوا به فشتمهم … إلخ.١٠١

وهكذا سادت العالم الإسلامي هاتان النزعتان — السنِّية والشيعة — تتعاديان وتتقاتلان، هذا عدا ما قام به الشيعة من مؤامرات لقلب الدول والاستيلاء عليها، وسياتي الكلام على ذلك في حينه.

وهناك نزاع آخر، وهو النزاع بين المذاهب الفقية قد كان الخلاف أيام أصحاب المذاهب، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل، خلافًا في الرأي والبرهان؛ غاية التعصُّب أن يعتقد أن مذهبه حق يحتمل الخطأ، ومذهب غيره خطأ يحتمل الصواب، وقلَّ أن نرى بين أئمة المذاهب عداءً حادًّا إلا قرع الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، وازداد بعض الشيء أيام أتباعهم، ولكنه قلَّ أن يتعدى ذلك إلى ضرب أو قتال، فلما انتهى هذا الطور أخذت العصبية تتزايد إلى أن بلغت القتال؛ ففي القرن الثالث والرابع نرى أن الحنابلة من حين لآخر يقومون بالثورات الكبيرة.

من أمثلة ذلك ما رواه ابن الأثير في حوادث سنة ٣٢٣ﻫ إذ قال: «وفيها عظم أمر الحنابلة «ببغداد» وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون دور القواد والعامة، وإن وجدوا نبيذًا أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء ومشْي الرجل مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه من هو، فإن أخبرهم وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة وشهدوا عليه بالفاحشة، فأرهجوا بغداد.١٠٢ وركب صاحب الشرطة ونادى في جانبي بغداد لا يجتمع من الحنابلة اثنان، ولا يناظَرون في مذهبهم، ولا يصلي منهم إمام إلا إذا جهر ﺑ «بسم الله الرحمن الرحيم» في صلاة الصبح والعشاءين، فلم يفد فيهم، وزاد شرُّهم وفتنتهم، واستظهروا بالعميان الذين كانوا يأوون المساجد.
وكانوا إذا مر بهم شافعي المذهب أغروا به العميان حتى يكاد يموت؛ فخرج توقيع الخليفة الراضي بما يقرأ على الحنابلة، ينكر عليهم فعلهم ويوبِّخهم باعتقاد التشبيه وغيره، [فمما جاء في هذا التوقيع]: تارة تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين، وهيئتكم الرذلة على هيئته، وتذكرون الكف والأصابع والرجلين والنعلين المذهبين، والشعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا، ثم طعنكم على خيار الأمة ونسبتكم شيعة آل محمد إلى الكفر والضلال، ثم استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة، والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن، وإنكاركم زيارة قبور الأئمة وتشنيعكم على زوَّارها بالابتداع، وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوام ليس بذي شرف ولا نسب ولا سبب برسول الله ، وتأمرون بزيارته وتدَّعون له معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء؛ فلعن الله شيطانًا زيَّن لكم هذه المنكرات وما أغواه! وأمير المؤمنين يقسم بالله قسمًا جهرًا يلزمه الوفاء به، لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوجِّ طريقتكم لَيُوسِعَنَّكم ضربًا وتشديدًا، وقتلًا وتبديدًا، وليستعلمن السيف في رقابكم، والنار في منازلكم ومحالِّكم.»١٠٣

وأمثال هذه الحادثة كثير في كتب التاريخ.

ثم الخلاف الشديد بين الحنفية والشافعية، حتى كان يؤول الأمر في بعض الأحيان إلى خراب البلد من جرَّاء هذا الخلاف. يقول «ياقوت» عند الكلام على «أصفهان» بعد أن ذكر مجدها القديم: «وقد فشا فيها الخراب في هذا الوقت وقبله في نواحيها لكثرة الفتن والتعصّب بين الشافعية والحنفية، والحروب المتَّصلة بين الحزبين، فكلما ظهرت طائفة نهبت محلة الأخرى وأحرقتها وخربتها، لا يأخذهم في ذلك إلٌّ، ولا ذمَّة؛ ومع ذلك فقلَّ أن تدوم بها دولة سلطان أو يقيم بها فيصلح فاسدها، وكذلك الأمر في رساتيقها وقُراها التي كل واحدة منها كالمدينة.»

ويقول عند الكلام على «الرَّيِّ»: كان أهل المدينة ثلاث طوائف: شافعية وهم الأقلُّ، وحنفية وهم الأكثر، وشيعة وهم السواد الأعظم؛ لأن أهل البلد كان نصفهم شيعة، وأما أهل الرستاق فليس فيهم إلا شيعة وقليل من الحنفية، ولم يكن فيهم من الشافعية أحد فوقعت العصبية بين السنة والشيعة فتظافر عليهم الحنفية والشافعية، وتطاولت بينهم الحروب، حتى لم يتركوا من الشيعة من يُعرف، فلما أفنوهم وقعت العصبية بين الحنفية والشافعية، ووقعت بينهم حروب كان الظفر في جميعها للشافعية؛ هذا مع قلَّة عدد الشافعية، إلا أن الله نصرهم عليهم. وكان أهل الرستاق — وهم حنفية — يجيئون إلى البلد بالسلاح الشاك ويساعدون أهل نحلتهم، فلم يغنهم ذلك شيئًا حتى أفنوهم١٠٤ إلى غير ذلك.

اليهود والنصارى

وربما كانت الدولة الإسلامية في هذا العصر أكثر الأمم تسامحًا مع المخالفين لها في الأديان، وخاصةً أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رغم ما كان يبدو بعض الأحيان من ظلم وعسف كالذي كان في عصر المتوكل، وقد سبق ذكره؛ وربما وقع على المسلمين من هذا الظلم ما وقع على غيرهم.

وقديمًا كان الامتزاج بين المسلمين واليهود والنصارى حتى في الأسرة الواحدة بما أباح الله للمسلمين أن يتزوَّجوا بالكتابيات.

ونرى في هذا العصر حركة اليهود والنصارى قد اتسعت عما كانت بسبب كثرة الاتصال التجاري والحربي والعلمي والمسلمون في كثير من مواقفهم يعدلون بينهم ويقرِّبون بضعهم، حتى لقد عفوا عن المال الذي يتركه النصراني من غير وارث وردُّوه إلى أهل ملَّته؛ فالخليفة المعتضد «أمر أن يرد تركة من مات من أهل الذِّمة ولم يخلف وارثًا على أهل ملَّته»، استنادًا إلى ما أفتى به يوسف بن يعقوب وعبد الحميد بن عبد العزيز القاضيان كانا بمدينة السلام من أن السنَّة جرت بأن أهل كل ملَّة يورِّثون من هو منهم إذا لم يكن له وارث من ذي رَحِمه.١٠٥

وانتشر اليهود والنصارى في نواحي المملكة الإسلامية وأطرافها وداخلها، فبلغ عدد اليهود في العراق وحدها حول سنة ١١٨٥م/سنة ٥٨١ﻫ على حسب تعداد بعض المؤرِّخين ستمائة ألف، وانتشروا في دمشق وحلب، وعلى شاطئ دجلة والفرات، وفي جزيرة ابن عُمَر والموصل والجلَّة والكوفة والبصرة وهمذان وأصفهان وشيراز وسمرقند. ويقول المقدسي: في خراسان يهود كثيرة، ونصارى قليلة. وكذلك يقول في همذان.

ويقول الرحَّالة بنيامين الذي رحل سنة ١١٦٥م/سنة ٥٦١ﻫ: إن في القاهرة سبعة آلاف يهودي، وفي الإسكندرية ثلاثة آلاف، وفي الوجه البحري ثلاثة آلاف، وفي الوجه القبلي ستمائة.١٠٦
وفي أوائل القرن الرابع كان في بغداد وحدها نحو من خمسين ألفًا من النصارى. ويقول المقدسي في الشام: «إن أكثر الجهابذة والصيَّاغين والصيارفة والدبَّاغين بهذا الإقليم يهود، وأكثر الأطباء والكتبة نصارى.»١٠٧

وانتشرت أديار النصارى في أنحاء المملكة، وكانت غنية ببساتينها وخمورها، واتصل الأدباء بها وأكثروا من القول فيها.

وكان لليهود والنصارى نفوذ كبير في بعض الدول في هذا العصر. وكان المسلمون في أول أمرهم لا يرضون باستخدامهم في شئون الدولة؛ فقد روي أنه ذكر لعمر بن الخطاب غلام كاتب حافظ من الحِيرة، وكان نصرانيًّا، فقيل له: لو اتخذته كاتبًا؟ فقال: «لقد اتخذت إذًا بطانة من دون المؤمنين.»١٠٨
فعمر بن الخطاب كان يحسن معاملتهم ولا يستعين بهم في الأعمال، ولكن ذلك لم يدم طويلًا، فاستُخدموا في الأعمال من عهد معاوية. وفي عصرنا هذا الذي نؤرِّخه كثر استخدامهم، وزاد سلطانهم؛ فيقول المقدسي: «وقلَّما ترى به (الشام) فقيهًا له بدعة أو مسلمًا له كتابة، إلا بطبرية فإنها ما زالت تخرِّج الكتَّاب، وإنما الكتبة به وبمصر نصارى.»١٠٩ وفي القرن الثالث ولِيَ في بعض الأحيان ديوان الجيش نصراني، وكان المسلمون يقبِّلون يده، قال الصابي في كتابه الوزراء: «إن علي بن عيسى قال لابن الفرات: ما اتقيت الله في تقليدك ديوان جيش المسلمين رجلًا نصرانيًّا، وجعلت أنصار الدين وحماة البيضة يقبّلون يده ويمتثلون أمره؟! فقال له ابن الفرات: ما هذا شيء ابتدأته ولا ابتدعته، وقد كان الناصر لدين الله قلَّد الجيش إسرائيل النصراني كاتبه، وقلَّد المعتضد ملك بن الوليد النصراني كاتب بدر!! فقال علي بن عيسى: ما فعلا صوابًا. فقال ابن الفرات: حسبي الأسوة بهما وإن أخطآ على زعمك.»١١٠
وذكر «عريب» في كتابه «صلة تاريخ الطبري» في حوادث سنة ٣٢٠ﻫ أن «أبا الجمال الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب كان يسعى دهرَه في طلب الوزارة، ويتقرب إلى مؤنس وحاشيته ويصانعهم، حتى جاز عندهم وملأ عيونهم، وكان يتقرَّب إلى النصارى الكتَّاب بأن يقول لهم: إن أهلي منكم، وأجدادي من كباركم، وإن صليبًا سقط من يد عبيد الله بن سليمان جدِّه في أيام المعتضد، فلما رآه الناس قال: هذا شيء تتبرّك به عجائزنا فتجعله في ثيابنا من حيث لا نعلم — تقربًا إليهم بهذا وشبهه — يعني إلى مؤنس وأصحابه».١١١
وكان لعضد الدولة البويهي في بغداد وزير نصراني اسمه نصر بن هارون، وقد أذن له عضد الدولة في عمارة البيع والديرة وإطلاق الأموال لفقراء النصارى.١١٢
وثارت لذلك مسألة فقهية، وهي: هل يجوز أن يكون الوزير من أهل الذمة أم لا؟ فقال صاحب «العقد الفريد للملك السعيد»: «وهل يشترط في هذا الوزير — أي وزير التنفيذ ولا وزير التفويض «الإسلام»، حتى لو أقام السلطان وزير تنفيذ من أهل الذمة كان جائزًا أم لا؟ اختلفت آراء الأثمة في ذلك؛ فذهب عالم العراق الإمام أبو الحسن علي بن حبيب البصري — رحمه الله — إلى جوازه، وذهب عالم خراسان إمام الحرمين أبو المعالي الجُوَيني إلى منعه، وعدّ تجويز ذلك من عالم العراق عثرة لن تقال، وخطأ فيما قال؛ وهذا بخلاف وزارة التفويض فإن هذه الشروط معتبرة من جملة ما تقدم بيانه من الأوصاف في حق المباشر لها».١١٣ واتسعت سلطة اليهود والنصارى في أيام الفاطميين بمصر، فمن أشهرهم يعقوب بن كِلِّس. قال ابن عساكر: «إنه كان يهوديًّا من أهل بغداد خبيثًا ذا مكر، وله حيل ودهاء، وفيه فطنة وذكاء. ونزل مصر أيام كافور الإخشيدي فرأى منه فطنة وسياسة ومعرفة بأمر الضياع؛ فقال: لو كان مسلمًا لصلح أن يكون وزيرًا! فطمع في الوزارة فأسلم … ثم هرب إلى المغرب واتصل بيهود كانوا مع المعز وخرج معه إلى مصر.» «وولي الوزارة للعزيز نزار بن المعز وعظمت منزلته عنده، وأقبلت عليه الدنيا، وانثال الناس عليه ولازموا بابه؛ ومهَّد قواعد الدولة وساس أمرها أحسن سياسة، ولم يبق لأحد معه كلام.»١١٤
وكان ابن كِلِّس يأخذ من العزيز في كل سنة مائة ألف دينار، ووجد له من العبيد والمماليك أربعة آلاف غلام، ووجد له جوهر بأربعمائة ألف دينار، وبزَّ من كل صنف بخمسمائة دينار.١١٥ وأكثرَ الشعراءُ مدائحهَ، قال ابن خلكان: ولقد نظرت في ديوان أبي الرقعْمَق الشاعر فوجدت أكثر مديحه في الوزير المذكور، وفيه يقول من قصيدة:
كل يوم له على نُوَبِ الدهـ
ـر وكرِّ الخطوب بالبذل غاره
ذو يدٍ شأنها الفرار من البخـ
ـل وفي حومة الندى كرَّاره
فاستجِرْه فليس يأمن إلا
من تفيَّا ظلاله واستجاره
وإذا ما رأيته مطرقا يُعـ
ـمل فيما يريده أفكاره
لم يَدَع بالذكاء والذهن شيئًا
في ضمير الغيوب إلا أثاره
لا ولا موضعًا من الأرض إلا
كان بالرأي مدركًا أقطاره
زاده الله بسطة وكَفَاهُ
خوفَه من زمانه وحِذارَه

«وفي أيام العزيز نزار كان بمصر شاعر اسمه الحسن بن بشر الدمشقي، وكان كثير الهجاء، فهجا يعقوب بن كِلِّس وزير العزيز وكاتب الإنشاء من جهته أبا نصر عبد لله بن الحسين القيرواني:

قل لأبي نصر صاحبِ القصر
والمتأتي: لنقض ذا الأمر
انقض عرا الملك للوزير تفز
منه بحسن الثناء والذِّكر
وأعط وامنع ولا تَخَف أحدًا
فصاحب القصر ليس في القصر
وليس يدري ماذا يُراد به
وهْو إذا ما درى فما يدري

ثم قال أيضًا وعرَّض بالفضل القائد:

تنصَّر فالتنصُّرُ دين حقٍّ
عليه زماننا هذا يَدُلُّ
وقل بثلاثة عزُّوا وجَلُّوا
وَعَطِّل ما سواهم فهو عُطْل
فيعقوب الوزير أبٌ وهذا الـ
ـعزيز ابنٌ وروح القدس فضل»١١٦
وقد وَلَّى العزيز نزار أيضًا عيسى بن نسطورس النصراني كتابته، واستناب بالشام يهوديًّا اسمه مَنَشَّا، فاعتزَّ بهما النصارى واليهود وآذوا المسلمين، فعمد أهل مصر وكتبوا قصة وجعلوها في صورة عملوها من قراطيس، فيها: «بالذي أعزَّ اليهود بمنشا، والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذل المسلمين بك إلا كشفت ظلامتي، وأقعدوا تلك الصورة على طريق العزيز والرقعة بيدها، فلما رآها أمر بأخذها، فلما قرأ ما فيها ورأى الصورة من قراطيس علم ما أريد بذلك فقبض عليهما، وأخذ من عيسى ثلاثماثة ألف دينار، ومن اليهود شيئًا كثيرًا».١١٧ ولكن الحاكم بأمر الله اضطهد النصارى واليهود في بعض نزواته، فأمرهم بشد الزنَّار ولبس الغيار، «وألبس اليهود العمائم السود، وأمر ألا يركبوا مع المسلمين في سفينة، وألا يستخدموا غلامًا مسلمًا، ولا يركبوا حمار مسلم، ولا يدخلوا مع المسلمين حمَّامًا، وجعل لهم حمامات على حدة؛ ولم يبق في ولايته ديرًا ولا كينسة إلا هدمها»،١١٨ «وأمر النصارى بأن تعلق في أعناقهم الصلبان، وأن يكون طول الصليب ذراعًا وزنته خمسة أرطال بالمصري؛ وأمر اليهود أن يحملوا في أعناقهم قَرَامِي الخشب في زنة الصلبان»،١١٩ «ومنع النصارى من ركوب الخيل، وأن يكون ركوبهم البغال والحمير بسروج الخشب، والسيور السود بغير حلية، وأن يشدوا الزنانير، ولا يستخدموا مسلمًا، ولا يشتروا عبدًا ولا أمة، وتُتُبعت آثارهم في ذلك فأسلم منهم عدة».١٢٠ ومع هذا فكان الكتَّاب والأطباء في قصره من النصارى.

وتولَّى الوزارة سنة ٤٣٦ﻫ للمستنصر بمصر «صدقة بن يوسف»، وكان يهوديًّا فأسلم، وكان معه أبو سعد التستري اليهودي يدبر الدولة، فقال بعض الشعراء:

يهود هذا الزمان قد بلغوا
غَاية آمالهم وقد مَلكوا
العزّ فيهم والمال عندهمُ
ومنهم المستشار والمَلِكُ
يا أهل مصر إني نصحت لكم
تهوَّدوا قد تهوَّد الفلك١٢١

هذه العناصر الجنسية من أتراك وفرس وعرب وروم وزنج وغيرهم، وما تستلزم من عصبيات؛ وهذه العصبيات المذهبية والطائفية من تسنَّن وتشيَّع، ومن حنابلة وشافعية وحنفية، ومن مسلمين ويهود ونصارى، وغير ذلك كانت كلها حركات تموج بها المملكة الإسلامية، تتعاون حينًا، وتتفاعل حينًا، وتؤثر في السياسة وفي الدين وفي العلم، وتنشأ عنها المؤامرات السرية أحيانًا؛ والقتال الصريح أحيانًا، وكان لها كلها أثر واضح في كل ناحية من النواحي الاجتماعية:

قد أثَّرت في الحالة المالية إما مباشرة وإما من طريق الحكم والسياسة، فعمَّرت في ناحية وخربت في أخرى، وعدلت في ناحية وظلمت في أخرى.

وأثَّرت في اللغة والأدب بدخول الأعاجم يتكلمون بلغاتهم، ويتعلمون اللغة العربية ويحمِّلونها أفكارهم وآدابهم.

وأثَّرت في المرأة بكثرة الأجناس المختلفة ذوات الخصائص المختلفة، وقد حمَل النساءُ من هذه الأجناس خصائص الجمال والقبح في المظهر وفي الأخلاق وفي العادات، وغزون البيوت بما كان يعرضه النخَّاسون منهن في سوق الرقيق، وبما كان يحمله الغزاة معهم في حروبهم مع الروم ومع الترك ومع الفرس ومع الزنج، وما كانوا يوزِّعونه على الجنود وعلى الأهل والأقارب، وما كانوا يتخلَّون عنه فيعرضونه في الأسواق.

وأثَّرت في الدين من كثرة الجدل بين الفقهاء، ومن إثارة مسائل يدعو إليها هذا الجدل لم تكن معروفة من قبل، ومن تدخُّل السياسة في الأمور الدينية والالتجاء إلى الفقهاء يسألونهم الحلول الفقهية فيما يعرض لهم من مشاكل سياسية واجتماعية، وبما أثاره النزاع الشديد بين السنية والشيعة، وغلبة التشيُّع في بعض الأماكن وتكوين دول شيعية لم تكن في العصور الماضية، فدعاها ذلك إلى أن تبلور التشيُّع وتستعمل عقولها في إيجاد نظام الحكم والدعوة التي تتفق وأصول الشيعة كما حصل ذلك في الدولة الفاطمية، وبما كان من الاحتكاك الشديد بين المسلمين واليهود والنصارى، وما كان بينهم من تسامح أحيانًا، وخصومة أحيانًا، وما كان من جدل ديني بين هذه الطوائف، وما أثارته هذه الظروف المختلفة من مسائل طائفية تعرض على الفقهاء، فيبدون فيها آراءهم في ضوء الحوادث الجديدة.

وأثّرت في العلم بما كان يحمله النصارى واليهود والفرس والهنود من علوم آبائهم، وجدهم في تقديم هذه الذخائر إلى الأمة الإسلامية باللغة العربية مما مكَّن الناطقين باللسان العربي أن يأخذ كل منهم حظه منها، ويهضمه ما استطاع ويزيد عليه ما استطاع، وتتعاون على الاستفادة منها وترقيتها العقولُ العربية والتركية والفارسية والرومية والهندية، ويؤلف بينها العلم بعد أن فرقت بينها العصبيات الجنسية والمذهبية؛ فيأخذ اليهودي والنصراني من العالم المسلم، ويأخذ المسلم من العالم اليهودي والنصراني، ويجلس الفارسي والتركي والهندي في حلقة العربي، ويتعاون الجميع في بناء الدولة العلمية غير آبهين بما كان من الساسة في تهديم الدولة من ناحيتها السياسية.

كل هذا وأمثاله كان من آثار هذه الحركات المختلفة، وكل ما ذكرته إشارة خاطفة لما كان لها من أثر قوي فعَّال سنحاول بعدُ شرحَ بعضه.

هوامش

(١) النجوم الزاهرة: ٢ / ٢٣٢.
(٢) طبري: ١٠ / ٣٠٤.
(٣) تاريخ الخلفاء: ١٣٣.
(٤) مروج الذهب: ١ / ٢٧٢ وما بعدها.
(٥) النجوم الزاهرة: ٢ / ٢٣٣.
(٦) هو والي بغداد للمأمون.
(٧) طبري: ١١ / ٨.
(٨) القاطول نهر كان في موضع سامرا قبل أن تعمر.
(٩) وردت هذه الأحاديث في معجم ياقوت مادة تركستان.
(١٠) الخلفاء: ١٣٥.
(١١) انظر هذه الأحداث بطولها في تاريخ الطبري: ١١ / ١٢ وما بعدهما.
(١٢) يراد بإسقاطهم من الديوان حذف أسمائهم من الدفاتر التي يقيد فيها أسماء الجنود الرسميين الذين يأخذون مرتبًا.
(١٣) أي لا يوجد سبب يدعو إلى الثورة أفضل منه.
(١٤) الولاة للكندي: ١٩٤، والخطط للمقريزي: ١ / ٩٤.
(١٥) الطبري: ١١ / ٣٣.
(١٦) المصدر نفسه.
(١٧) المسعودي: ٢ / ٢٠٤.
(١٨) الطبري: ١١ / ٦٣.
(١٩) الفخري: ٣٨.
(٢٠) في الأصل بنوني ولكن في أثناء الرسالة تأتي نبوي، والظاهر أن صحتها بنوي، والبنوي نسبة إلى الأبناء، وهو لفظ كان يطلق في العصر العباسي على ذرية دعاة الدولة العباسية في أول نشأتها.
(٢١) الطبري: ١١ / ٧٣.
(٢٢) طبري: ١١ / ٧٦.
(٢٣) طبري: ١١ / ٩٨.
(٢٤) طبري: ١١ / ٨٥.
(٢٥) المسعودي: ٢ / ٣٣٦.
(٢٦) هو صالح بن وصيف التركي.
(٢٧) ابن الأثير: ٧ / ٧٠.
(٢٨) الطبري: ١١ / ١٩٤.
(٢٩) ص٣٦٢.
(٣٠) يشير بهذا القول إلى ابن المعتز.
(٣١) انظر الأوراق في أخبار الراضي والمعتز ص٢٦.
(٣٢) المصدر نفسه ص٦.
(٣٣) تجارب الأمم: ٥ / ٢، ٣ طبعة مصر.
(٣٤) تاريخ الخلفاء: ١٥٢.
(٣٥) تجارب الأمم: ٥ / ٢٣٧.
(٣٦) التنبيه والإشراف: ٣٧٧.
(٣٧) التنبيه والإشراف: ٢٧٨.
(٣٨) سمل العين: فقؤها بحديدة محماة وقلعها. وقد نقلوا هذه العادة عن البيزنطيين.
(٣٩) كان ذلك في أيام المستكفي ليشنع عليه.
(٤٠) في الأصل يحكم وهو خطأ.
(٤١) مروج الذهب: ٢ / ٤١١.
(٤٢) تجارب الأمم: ٦ / ١٨١.
(٤٣) الحكاية بطولها في نشوار المحاضرة: ١ / ١٥٢، وما بعدها.
(٤٤) انظر هذه الأحداث كلها في تاريخ الطبري في خلافة المتوكل.
(٤٥) تاريخ الخلفاء: ١٦٣.
(٤٦) نزعة الجليس: ٢ / ٥٦.
(٤٧) الخرق: الفتى الحسن الخلقة.
(٤٨) النظر الحرون: الشارد. وأصبحت أنقاد بعد صعوبة: يريد أنه لو نظر إليه الخليُّ لوقع في شراكه.
(٤٩) صرف: شرب صرفًا. وتقطب: تمزج.
(٥٠) القصيدة بطولها في تزيين الأسواق لداود الأنطاكي: ٢ / ٢١.
(٥١) تاريخ الخلفاء: ١٣٨.
(٥٢) تاريخ الولاة والقضاة: ٤٦٥.
(٥٣) الخلفاء: ١٣٨.
(٥٤) ابن خلكان: ١ / ٤٦٤.
(٥٥) ابن الأثير: ٧ / ١٩.
(٥٦) ابن الأثير: ٧ / ٢٠.
(٥٧) ابن الأثير: ٧ / ٣١.
(٥٨) تاريخ الطبري: ١١ / ٣٦، وفيه نص هذا الكتاب الذي أرسله المتوكل للأمصار.
(٥٩) يريد الفيء.
(٦٠) انظرها في تاريخ ابن العبري ص٢٤٧.
(٦١) الصولي، أخبار الراضي والمتقي: ١٩٤.
(٦٢) الخطط: ١ / ٣١٣.
(٦٣) المصدر نفسه.
(٦٤) النجوم الزاهرة: ٣ / ٤.
(٦٥) انظر معجم الأدباء: ٦ / ١١٦ وما بعدها.
(٦٦) النخاس: شيء يلقمه خرق البكرة إذا اتسعت وقلق محورها، ويقال: بكرة نخيس اتسع ثقب محورها فنخست بنخاس، فيظهر أن بعض علماء اللغة رواها بالحاء المهملة، فحققها الجوهري بالخاء المعجمة.
(٦٧) انظر معجم الأدباء لياقوت: ٢ / ٢٦٦.
(٦٨) الجيل: سكان جيلان، وهي اسم بلاد كثيرة من وراء بلاد طبرستان والنسبة إليها جيلي وجيلاني، والعجم ينطقونها بالكاف. والديلم اسم يطلق على القسم الجبلي من جيلان وعلى سكان هذا القسم أيضًا. ولم يكن بنو بويه من الديلم، ولكن كان الديالمة أنصارهم؛ ولهذا لقبت دولتهمم بالديلمية والبويهية.
(٦٩) أخبار الراضي والمتقي: ٦٢.
(٧٠) الفخري: ٣٣٤.
(٧١) الدبادب: الطبلخانات.
(٧٢) تاريخ الخلفاء: ١٦٣.
(٧٣) انظر تجارب الأمم: ٦ / ٤١٤.
(٧٤) يعني الخليفة الطائع.
(٧٥) تجارب الأمم: ٦ / ٤٠٦.
(٧٦) ترجم له طبقات الأطباء.
(٧٧) ابن الأثير: ٦ / ١٨٠.
(٧٨) ابن الأثير: ٨ / ٢٠٠.
(٧٩) ابن الأثير: ٨ / ١٨٣.
(٨٠) خطط ١ / ٣١٥.
(٨١) ١ / ٣١٣.
(٨٢) ٢ / ٨.
(٨٣) معاهد التنصيص: ١١٠.
(٨٤) وفي بغية الوعاة أنها معرب كنى.
(٨٥) الغيب بفتحتين يقال: قوم غيب؛ أي غائبون.
(٨٦) سباطة المطر: سعته وكثرته.
(٨٧) أرم: سكت.
(٨٨) مروج الذهب: ٢ / ٣٤٤.
(٨٩) مروج الذهب: ٢ / ٣٥٠.
(٩٠) المصدر نفسه: ٢ / ٢٥٠.
(٩١) الجاحظ في رسائله.
(٩٢) انظر الرسالة الثانية للجاحظ من الرسائل الثلاث التي نشرها فان فلوتن ص٧٦، ٧٧.
(٩٣) انظرها في الأغاني جزء ١٩ ص٢١.
(٩٤) تجارب الأمم ٦ / ٢٨٢.
(٩٥) ابن الأثير: ٩ / ٢١٥ باختصار.
(٩٦) هذه صيغة اصطنعناها نسبة إلى أهل السنة.
(٩٧) ابن خلكان ١ / ٢٩.
(٩٨) المقدسي: ٩٦.
(٩٩) ص: ٤١٥.
(١٠٠) ص: ٣٩٥.
(١٠١) معجم ياقوت في مادة «قم».
(١٠٢) أصل أرهج أثار الغبار، ثم استعمل لإثارة الفتن.
(١٠٣) ابن الأثير: ٨ / ١٠٦.
(١٠٤) معجم ياقوت: ٤ / ٣٥٦.
(١٠٥) كتاب الوزراء للصابي: ص٢٤٨.
(١٠٦) نقلًا عن متز.
(١٠٧) ص١٨٣.
(١٠٨) عيون الأخبار ١ / ٤٣.
(١٠٩) ص١٨٣.
(١١٠) الوزراء ٩٥.
(١١١) عريب: ٨٥.
(١١٢) ابن الأثير: ٨ / ٢٥٥.
(١١٣) ص١٤٧، والفرق بين الوزارتين أن وزير التفويض هو أن يفوض السلطان إلى الوزير تدبير المملكة والدولة برأيه، ويجعل إليه إمضاء أمورها بمقتضى نظره، وأما وزير التنفيذ فسلطته تنفيذ ما يأمر به السلطان، والأولى بالبداهة أهم.
(١١٤) ابن خلكان: ٢ / ٤٩١ وما بعدها.
(١١٥) ابن خلكان: ٢ / ٤٤٩.
(١١٦) ابن الأثير: ٩ / ٤٣.
(١١٧) ابن الأثير: ٩ / ٤٢.
(١١٨) النجوم الزاهرة ٤ / ١٧٧.
(١١٩) ١٧٨.
(١٢٠) خطط المقريزي ٢ / ٢٨٧.
(١٢١) حسن المحاضرة: ٢ / ١١٧، وقد استفدت من إشارات للأستاذ متز إلى كثير من هذه المصادر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١