الفصل الخامس

بلاد المغرب

لما فتح المسلمون بلاد المغرب كلها كانوا يقسمونها إلى ثلاثة أقسام: مملكة إفريقية، وهي المغرب الأدنى، وقاعدتها القيروان؛ وسمي أدنى لأنه أدنى إلى بلاد العرب ومركز الخلافة، والمغرب الأوسط، وقاعدته تلمسان والجزائر، والمغرب الأقصى، وقاعدته فاس في مراكش.

وكان العرب يطلقون على سكان كل هذه البلاد البربر.

وقد افتتحها المسلمون من أوائل عهد الفتح، ولقوا في فتحها عناءً كبيرًا، وبذلوا في ذلك ضحايا كثيرة من سنة ٢٦ﻫ إلى سنة ٨١ﻫ.

وكان أهل هذه البلاد لسذاجتهم مرتعًا خصيبًا للدعاة الخارجين على الدولة. ولكل داع بمذهب ديني جديد، قال ياقوت: «البربر أجفى خلق الله، وأكثرهم طيشًا، وأسرعهم إلى الفتنة، وأطوعهم لداعية الضلالة، وأصغاهم لنمق الجهالة، ولم تخلُ أجيالهم من الفتن وسفك الدماء قط … وكم من ادعى فيهم النبوة فقبلوا، وكم زاعم فيهم أنه المهدي الموعود به فأجابوا دعوته ولمذهبه انحلوا، وكم ادعي فيهم مذهب الخوارج فإلى مذهبه بعد الإسلام انتقلوا.» وقامت به دول مختلفة متعاقبة؛ فقد خرج على المغرب الأقصى إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب سنة ١٦٩ﻫ، ونشر الدعوة به، وأسلم على يده خلق كثير، فبويع له بالخلافة سنة ١٧٢ﻫ، وأسس دولة تسمت دولة الأدارسة استمرت إلى سنة ٣٧٥ﻫ فاكتسحتها دولة العبيديين «الدولة الفاطمية».

وقام بنو الأغلب بتونس ودولتهم تنسب إلى إبراهيم بن الأغلب التميمي، حكمت من سنة ١٨٤ﻫ. وقد عظمت دولتهم وأنشئوا أسطولًا قويًّا في البحر الأبيض فتحوا به صقلية ومالطة وسردينيا، وكان عهدهم عصر سيطرة قوية على البحر، واستمروا في الحكم إلى ٢٩٦ﻫ، حيث استولى عليهم العبيديون أيضًا.

ثم جاءت الدولة الفاطمية، وكان منشؤها بالمغرب، فبسطت سلطانها على جميع بلاد المغرب من حدود مصر إلى المحيط الأطلنطي مضافًا إليها صقلية وسردينيا، وقد بدأ ملكهم على يد أبي محمد عبيد الله المهدي سنة ٢٩٦ﻫ، واستمر الملك في أولاده حتى تولَّى منهم المعز، فلما انتقل إلى مصر سنة ٣٦٢ﻫ، وتتابعت فتوحهم في الشام والحجاز واليمن، وقوي سلطانهم فيها، ضعف سلطانهم في الغرب.

فجاء بنو زيري الصنهاجيون بتونس والجزائر، وأصلهم من البربر، وكانوا عمالًا للفاطميين، ولما سار المعز إلى مصر استعمل على تونس يوسف بن بُلكين، ثم استفحل أمر يوسف واستقل بمملكته، وأسس دولة نسبت إليه استمرت من سنة ٣٦١ﻫ–٥٤٢ﻫ، واشتهر من رجالها باديس بن يوسف، وابنه المعز، وهو أول من حمل الناس بإفريقية على مذهب مالك، وكانوا قبلُ على مذهب أبي حنيفة، ثم ابنه تميم بن المعز الشاعر الكبير، وسيأتي ذلك.

ومن أول الفتح والمسلمون يعملون أقصى ما وفي وسعهم لإدخال البربر في الإسلام، وتفقيههم وتحضيرهم، وتوالى على بلاد المغرب أمراء عظام عملوا في هذه السبيل أعمالًا جليلة، فحسان بن النعمان الغساني عامل عبد الملك بن مروان على إفريقية هو الذي دون الدواوين بها باللغة العربية، وغزا موسى بن نصير المغرب، وكان معه سبعة وعشرون ألفًا من العرب، واثنا عشر ألفًا من البربر، وأمر موسى العرب أن يعلموا البربر القرآن والفقه … ثم أسلم بقية البربر على يد إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر سنة ١٠١ﻫ أيام عمر بن عبد العزيز١ … وقد أرسل عمر بن عبد العزيز عشرة من التابعين يفقهون أهل المغرب في الدين.
وفي أيام هشام بن عبد الملك فر قوم من خوارج العراق إلى المغرب، وبثوا فيه مبادئهم، فسرت دعوتهم في البربر، وأعجبهم من تعاليمهم أن الخليفة ليس يجب أن يكون قرشيًّا، فانتفض البربر على العرب يريدون أن تكون لهم دولة من أنفسهم، وساعد على ذلك ما لقيه البربر أيام ولاية عبد الله بن الحبحاب من الظلم والفساد، وكان خوارج المغرب على مذهب الإباضية والصفرية، وكان لدعوة الخوارج أثر كبير في المغرب في إيجاد عصبية بربرية ضد العصبية العربية، وكثر عدد الخوارج من البربر حتى بلغوا في الثورة أيام عمر بن حفص — عامل الخليفة المنصور — أكثر من أربعين ألفًا من الصفرية، وخمسة وعشرين ألفًا من الإباضية.٢

وفي أيام هارون الرشيد ولي على المغرب يزيد بن حاتم بن المهلب بن أبي صفرة. قال ابن خلدون: «وفي أيامه انخضدت شوكة البربر، واستكانوا للغلب وطاعوا للدين، فضرب الإسلام بجرانه، وألقت الدولة المضرية على البربر بكلكلها.»

وفي عهد العباسيين أخذ أهل المغرب بمذهب أهل العراق «مذهب أبي حنيفة» في الأصول والفروع؛ لأن ذلك المذهب يومئذ هو مذهب الخلفاء بالمشرق، والناس على دين ملوكهم، قال القاضي عياض: «ظهر مذهب أبي حنيفة بإفريقية ظهورًا كبيرًا إلى قرب سنة أربعمائة ثم انقطع منها.» وللمعز بن باديس الصنهاجي المتوفى في أواسط المائة الخامسة أثر كبير في ذلك؛ فقد كان هو وأصحابه على مذهب الشيعة أخذًا من أسلافهم الفاطميين أيام استيلائهم على المغرب، ثم قطع المعز دعوة الشيعة، ودعا لبني العباس وحمل الناس على التمسك بمذهب مالك، وكان مذهب مالك معروفًا في هذه البلاد من قبل، ولكن أهله كانوا في محنة حتى نصرهم المعز هذا.٣

وانتشر مذهب أهل السنة يزاحم الشيعة والخوارج.

هذه الأحداث العظمى من دخول العدد الكبير من العرب، وفتح البلاد، ونشر الإسلام واللغة العربية فيها، وتثقيف الناس بالدين الإسلامي والأدب العربي، وجعل البلاد جزءًا من المملكة الإسلامية يدخلها التجار من جميع الأجناس، ويتبادلون مع أهلها المعاملات والسلع، واختلاط العرب وغيرهم من المسلمين بأهل البلاد بالتزاوج والتوالد، ووقوعها بين البلاد المتحضرة، وخاصةً بين مصر والأندلس، وكثرة العلاقات والرحلات بين هذه البلاد بعضها وبعض، كل هذا نقل بلاد المغرب من برابرة جفاة — كما يعبر ياقوت — إلى أمة لها مدنية ولها حضارة ولها ثقافة، فلا عجب بعدُ إذا رأينا في البلاد حركة عقلية تؤرخ، ويكون لها شأن يذكر.

وقد اشتهرت بلدان في المغرب بتقدمها في الحضارة والعمران والعلم والأدب، كالقيروان والمهدية وتاهرت وسجلماسة وفاس.

فأما «القيروان»؛ فقد أسسها عقبة بن نافع سنة خمسين، قال ابن خلدون: «اختط عقبة القيروان، وبنى بها المسجد الجامع، وبنى الناس مساكنهم ومساجدهم، وكان دورها ثلاثة آلاف وستمائة باع، وكملت في خمس سنين، وكان يغزو ويبعث السرايا للإغارة والنهب، ودخل أكثر البربر في الإسلام، واتسعت خطة المسلمين، ورسخ الدين.» وهي عاصمة إفريقية.٤ وفي القرن الرابع كانت «مصرًا بهيًّا عظيمًا قد جمع أضداد الفواكه، والسهل والجبل، مع علم كثير، لا ترى أرفق من أهلها، ليس بينهم غير حنفي ومالكي مع ألفة عجيبة، لا شغب بينهم ولا عصبية، فهي مفخرة المغرب، ومركز السلطان، وأحد الأركان، أرفق من نيسابور، وأكبر من دمشق، وأجل من أصبهان … جامعها بموضع يسمى السماط الكبير … وهو أكبر من جامع ابن طولون بأعمدة من الرخام، ومفروش بالرخام.٥

والمهدية؛ وهي مدينة من أعمال تونس اختطها المهدي رأس الفاطميين، وبينها وبين القيروان مرحلتان، أسسها سنة ٣٠٠ﻫ، وفرغ منها سنة ٣٠٥ﻫ، وهي على ساحل البحر الأبيض داخلة فيه كهيئة كف متصلة بزند، وسوَّرها سورًا محكمًا بأبواب من الحديد المصمت، وجلب إليها الماء من قرية على مقربة من المهدية، وجعل لها مرسى يسع ثلاثين مركبًا.

وبنى على المرسى برجين بينهما سلسلة من حديد، فإذا أريد إدخال سفينة أرسل الحراس أحد طرفي السلسلة حتى تدخل ثم يمدونها كما كانت، ولما أتم ذلك قال المهدي: «اليوم أمنت على الفاطميات.» — يعني بناته — وارتحل إليها وأقام بها، ثم عمَّر فيها الدكاكين، ورتب فيها أرباب المهن، كل طائفة في سوق، فنقلوا إليها أموالهم … وينسب إلى المهدية جماعة وافرة من العلماء في كل فن،٦ وكان من إحدى قرى المهدية هانئ أبو ابن هانئ الأندلسي، وفي المهدية هذه ولد المعز فاتح مصر، ومؤسس القاهرة.
وتاهرت؛ بلد كبير من أعمال الجزائر قد أحدقت بها الأنهار، والتفت بها الأشجار، ينتعش فيها الغريب، ويستطيبها اللبيب، رشيق الأسواق، جيد الأهل، قديم الوضع، محكم الرصف، عجيب الوصف٧ … وكانت قديمًا عش الإباضية، وقد أخرجت كثيرًا من حفاظ الحديث، وثقات المحدثين.٨
وسجلماسة؛ قصبة جليلة على نهر بمعزل عنها، شديدة الحر والبرد جميعًا، صحيحة الهواء، كثيرة التمور والأعناب والفواكه والحبوب، كثيرة الغرباء … وهم أهل سنة … بها علماء وعقلاء٩ … ولنسائهم يد صناع في غزل الصوف؛ فهن يعملن منه كل حسن عجيب من الأُزُر تفوق القصب الذي بمصر … وأهلها من أغنى الناس وأكثرهم مالًا؛ لأنها على طريق من يريد «غابة» التي هي معدن الذهب، ولأهلها جرأة على دخولها.١٠
وفاس؛ بلدان جليلان كبيران، كل واحد منهما محصن، بينهما واد جرار عليه بساتين وأرحية، قد استولى على أحدهما الفاطمي، وعلى الآخر الأموي، وكم ثم من حروب وقتال وغلبة، كثير الخيرات، قليل العلماء، كثير الغوغاء.١١ وقال أبو عبيد البكري: «مدينة فاس مدينتان: عدوة القَرَويين، وعدوة الأندلسيين، وعلى باب دار الرجل، رحاه وبستانه بأنواع الثمر … وهي أكثر بلاد المغرب يهودًا يختلفون منها إلى جميع الآفاق.»١٢

ولما وصف المقدسي إقليم المغرب جملة عند زيارته فيما يهمنا من الناحية العلمية، قال: «إنه إقليم كبير طويل … أهله لا يعرفون مذهب الشافعي إنما هو أبو حنيفة ومالك، وكنت يومًا أذاكر بعضهم في مسألة، فذكرت قول الشافعي فقال: اسكت، من هو الشافعي؟! إنما كانا بحرين أبو حنيفة لأهل المشرق، ومالك لأهل المغرب أفنتركهما ونشتغل بالساقية؟ … وما رأيت فريقين أحسن اتفاقًا وأقل تعصبًا منهم …

وسألت بعضهم: كيف وقع مذهب أبي حنيفة إليكم، ولم يكن على سابلتكم؟ قالوا: لما قدم وهب بن وهب من عند مالك، وقد حاز من الفقه والعلوم ما حاز، استنكف أسد بن عبد الله أن يدرس عليه؛ لجلالته وكبر نفسه، فرحل إلى المدينة ليدرس على مالك فوجده عليلًا، فلما طال مقامه عنده قال له: ارجع إلى ابن وهب فقد أودعته علمي، وكفيتكم به الزحلة. فصعب ذلك على أسد، ثم سأل: هل يعرف لمالك نظير؟ فدُل على محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، فرحل إليه، وأقبل محمد عليه إقبالًا لم يقبله على أحد لما رأى منه من فهم وحرص، فلما رأى محمد أنه قد بلغ مراده سيبه إلى المغرب، فلما دخلها اختلف إليه الفتيان ورأوا فروعًا حيرتهم، ودقائق عجبتهم، ومسائل ما طنت على أذن ابن وهب، ففشا مذهب أبي حنيفة بالمغرب …

وهناك القسم الثالث المذهب الفاطمي … ولهم تصانيف يدرسونها، ونظرت في كتاب الدعائم، فإذا هم يوافقون المعتزلة في أكثر الأصول، ويقولون بمذهب الإسماعيلية، ولهم فيه سر لا يعلِّمونه لكل أحد إلا من وثقوا به بعد أن يحلفوه ويعاهدوه؛ وإنما سموا باطنية لأنهم يصرفون ظاهر القرآن إلى بواطن وتفاسير غريبة، ومعان دقيقة، وهذه الأصول مذاهب الإدريسية وغلبتهم بكورة السوس الأقصى.١٣
وقد اشتهرت بلاد المغرب بالعناية بالحديث والفقه، وتقصيرها في العلوم النظرية من الفلسفة وفروعها؛ قال المقري التلمساني: «وأما ملكة العلوم النظرية فهي قاصرة على البلاد المشرقية، ولا عناية لحذاق القرويين والإفريقيين إلا بتحقيق الفقه فقط، ولم يزل الحال كذلك إلى أن رحل الفقيه ابن زيتون١٤ إلى المشرق، فلقي تلاميذ الفخر بن الخطيب، ولازمهم زمانًا حتى تمكن من ملكة التعليم، وقدم إلى تونس فانتفع به أهلها.»١٥

وقد اشتهر من المغرب كثير من الفقهاء وخاصةً في الفقه المالكي من أشهرهم وأولهم أسد بن الفرات، وهو نيسابوري الأصل، قيرواني الدار، أخذ عن مالك موطأه في المدينة، ورحل إلى العراق فأخذ من أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة، وأخذ عن أبي يوسف الأسئلة التي كان يثيرها الحنفية، ويضعون لها الأحكام على مقتضى مذهبهم، فجردها أسد بن الفرات من أحكامها، وعرضها على ابن القاسم، وتلقى منه أحكامها على مذهب مالك، أو اجتهاد ابن القاسم نفسه، أو اجتهاد أشهب، ودون ذلك كله في الكتاب المشهور المسمى «بالمدوَّنة»، فالمسائل المجرَّدة مسائل الحنفية، والأحكام أحكام مالك وصحبه، وتشتمل على نحو ستة وثلاثين ألف مسألة.

وقد حمل أسد بن الفرات ذلك كله إلى القيروان ونشره بالمغرب، وتولى القضاء بها زمنًا، كما تولى قيادة الجيش الذي فتح صقلية لبني الأغلب، وقد قتل وهو محاصر لسرقوسة سنة ٢١٣ﻫ.

ثم سُحْنون؛ وهو عبد السلام بن سعيد، عربي من تنوخ، كان أبوه من العرب الذين نزلوا القيروان، تعلم على علماء القيروان، ورحل فأخذ العلم عن ابن القاسم وأشهب وابن وهب وغيرهم.

وقد أخذ مدونة أسد بن الفرات التي ذكرنا، وأعاد قراءتها علي بن القاسم وصححها عليه، وعاد بها إلى القيروان، فأقبل عليها الناس في المغرب والأندلس وتولى قضاء إفريقية، وجد في نشر مذهب مالك، وتعلم عليه كثيرون حتى عد العلماء الذين تخرجوا عليه بنحو سبعمائة.

قال ابن حارث: «قدم سحنون «إفريقية» بمذهب مالك، واجتمع له في ذلك فضل الدين والورع والعفاف والانقباض، فبارك الله فيه للمسلمين، ومالت إليه الوجوه، وأحبته القلوب، وصار زمانه كأنه مبتدأ قد انمحى ما قبله، فكان أصحابه سرج أهل القيروان … ابنه عالمها وأكثرهم تأليفًا، وابن عبدوس فقيهها، وابن غافق عاقلها، وابن عمر حافظها، وابن جبلة زاهدها، وحمديس أصلبهم في السنة وأعداهم للبدعة، وسعيد بن الحداد لسانها وفصيحها، وابن مسكين أرواهم للكتب والحديث، وأشدهم وقارًا وتصاونًا — كل هذه الصفات مقصورة على وقتهم.١٦

وتوفي سنة ٢٤٠ﻫ عن ثمانين عامًا، ولما مات رجت القيروان لموته. واشتهر ابنه محمد بن سحنون بالتآليف الكثيرة في الحديث والفقه، ومات سنة ٢٥٦ﻫ.

ثم أبو بكر محمد بن محمد المعروف بابن اللباد اشتهر بالحفظ والإتقان وسعة العلم، وسعيه لنشر المذهب المالكي في المغرب، وتكوين علماء حملوا علمهم وأفادوا به الناس. وقد اضطهده الفاطميون أيام سطوتهم؛ لأنه لم يتابعهم في آرائهم فسجنوه ومات سنة ٣٣٣ﻫ.

ثم أبو ميمونة دراس بن إسماعيل الحراوي الفاسي، وهو الذي أدخل فقه مالك في المغرب الأقصى بعد أن كان أهله على مذهب أبي حنيفة، وكان من الحفاظ المعدودين، والفقهاء المشهورين مات بفاس سنة ٣٥٧ﻫ.

ثم أبو محمد عبد الله بن أبي زيد النفزي القيرواني، إمام المالكية في زمنه، كثير التأليف واسع الفقه حتى سمي «مالك الصغير». رحل إليه العلماء للرواية عنه والتفقه به، له كتاب «الزيادات على المدونة»، وله «مختصر المدونة» توفي سنة ٣٨٦ﻫ.

وأبو عبد الله بن محمد بن محمود الهواري، قاضي فاس وإمامها، يضرب به المثل في عدله وورعه، له تعليقات على «المدونة» مات سنة ٤٠١ﻫ … إلخ.

والقابسي علي بن محمد المعروف بابن القابسي، كان واسع الرواية، عالمًا بالحديث ورجاله، فقيهًا مالكيًّا أصوليًّا متكلمًا مؤلفًا مجيدًا، له كتاب «الممهد في الفقه»، و«المنقذ من شبه التأويل»، وكتاب «المعلمين والمتعلمين»، وكتاب «رتب العلم وأحوال أهله» … إلخ. مات بالقيروان سنة ٤٠٣ﻫ.

واشتهر من فقهاء الحنفية محمد بن عبدون، ولي القيروان بعد سحنون، فاضطهد المالكية … إلخ.

ولما تغلبت الدولة الفاطمية نشرت فقهها الشيعي ودعوتها الشيعية في المغرب، كما نشرتهما بعد في مصر، واضطهدت الفقهاء السنيين، وقد عرضوا التشيع على كثيرين منهم فأبوا فعذبوهم «وقد قتلوا في وقعة أبي يزيد مخلد بن كيداد خمسة وثمانين من نخبة علماء القيروان».١٧

على الجملة فقد كانت الحركة الدينية الفقهية في المغرب حركة قوية نشيطة، أكثر ما خدمت فقه الإمام مالك.

•••

والعلم النظري أو الفلسفة — وإن لم ينمُ كثيرًا في بلاد المغرب — لم يخل ممن عكف عليه، فيذكر ابن أبي أصيبعة أن إسحاق بن عمران، كان بغدادي الأصل، مسلم النحلة، ودخل إفريقية في دولة زيادة الله بن الأغلب، وكان قد استجلبه؛ «وإنما دعاه لحاجته على الطب، والطب كان دائمًا مقرونًا بالفلسفة»، وبه ظهر الطب بالمغرب، وعرفت الفلسفة، وكان طبيبًا حاذقًا متميزًا بتأليف الأدوية، بصيرًا بتفرقة العلل، أشبه الأوائل في علمه، وجودة قريحته، استوطن القيروان حينًا. وقد ألف كتبًا كثيرة كلها في الطب. وقد تتلمذ له في القيروان إسحاق بن سليمان الإسرائيلي، وأصله من مصر. ثم سكن القيروان، ولازم إسحاق بن عمران، وكان إسحاق بن سليمان مع فضله في صناعة الطب بصيرًا بالمنطق، متصرفًا في ضروب المعارف، وعمر عمرًا طويلًا إلى أن نيف على مائة سنة، وقد ألف في الطب والحكمة والمنطق، وقد خدم الأغالبة والفاطميين ومات نحو سنة ٣٢٠ﻫ.

وأنجب هؤلاء الوافدون من الأطباء أطباء من أهل البلاد نفسها، مثل أحمد بن إبراهيم، المعروف بابن الجزار من أهل القيروان، وقد اشتهر بالطب وخدمة العامة به. قالوا: وكان عنده نحو خمسة وعشرين قنطارًا من كتب طبية وغيرها، وكان إلى اشتغاله بالطب وتأليفه فيه مؤلفًا في التاريخ، فألف في علماء زمانه، وفي أخبار الدولة الفاطمية … إلخ.

•••

ثم كان حظهم من الأدب كبيرًا، وقد مر المغرب بالدور الذي مرَّت به مصر عند اختلاط العرب بسكان البلاد، من وقوف الشعر إلا القليل الضعيف حتى إذا زالت روعة الفتح وكثر دخول العرب واتصالهم بالبربر، وانتشرت اللغة العربية، ووجد جيل نشأ في المَربَى العربي أخذ الشعر يجود، وربما كان خير موطن له دولة الأغالبة، ودولة الفاطميين، ودولة الصنهاجيين «بني زيري»؛ ففي دولة الأغالبة كان كثير من أمرائهم أدباء؛ فإبراهيم بن الأغلب نفسه كان شاعرًا، فمن شعره يفخر بانتصاره:

ما سار عزمي إلى قوم وإن كثروا
إلا رمى شعبهم بالحزم فانصدعا
ولا أقول إذا ما الأمر نازلني:
يا ليته كان مصروفًا وقد وقعا
حتى أجلِّيَه قهرًا بمعتزم١٨
كما يجلي الدجى بدرٌ إذا طلعا
قومًا قتلت وقومًا قد نفيتهمُ
ساموا الخلاف بأرض الغرب والبدعا
كلًّا جزيتهمُ صدعًا بصدعهمُ
وكل ذي عمل يجزى بما صنعا

وكذلك حفيده أبو العباس بن أبي عِقال بن إبراهيم، وهو الذي ولَّى سحنونًا الفقيه قيادة الجيش الذي فتح صقلية، ومن شعره يقول في الفخر أيضًا:

أنا الملك الذي أسمو بنفسي
فأبلُغ بالسمو بها السحابا

•••

أُظلُّ عشريتي بجناح عِزِّي
وأمنحها الكرامة والثوابا
وأصطنع الرجال وأصطفيهمْ
وأغفر للمسيء إذا أنابا

•••

أنا ابن الحرب ربتني وليدًا
إلى أن صرت ممتلئًا شبابا
لعمر أبيك ما إن عبت قومي
وما أخشى بقومي أن أعابا
بنيت لهم مكارم باقيات
إذا ما صارت الدنيا خرابا

وقد اشتهر من شعراء هذه الدولة بكر بن حماد الزناتي، وقد رحل إلى المشرق فدخل البصرة والكوفة وبغداد، ولقي بعض كبار شعرائها كدعبل الخزاعي وأبي تمام، وعاد إلى القيروان، وغلب على شعره الوعظ والزهد كقوله:

قف بالقبور فناد الهامدين بها
من أعظُم بليت فيها وأجساد

•••

أين البقاء وهذا الموت يطلبنا
هيهات هيهات يا بكر بن حمَّاد!
بينا ترى المرء في لهو وفي لعب
حتى تراه على نعش وأعواد

•••

فكلنا واقف منها على سفر
وكلنا ظاعن يحدو به الحادي
في كل يوم ترى نعشًا نشيعه
فرائح فارق الأحباب أو غاد١٩

أما الدولة العبيدية فكان فيها الشعر أرقى وأضخم للأسباب التي ذكرناها عند الكلام في الأدب الفاطمي في مصر، وحسبها أن أنجبت في الشعر ابن هانئ الأندلسي، وقد نسب إلى الأندلس لإقامته هناك بعض الوقت وإلا فهو إفريقي من قرية من قرى المهدية، وكان في شعره للمعز، كما كان أبو الطيب لسيف الدولة يصف حروبه وأسطوله، ويدون وقائعه، وينشر دعوته، ويمجد خلاله، وقد تقدم ذكر طرف عنه، وكان كذلك حوله شعراء ابتلعهم كما ابتلع المتنبي من حوله، فكان في بلاط المعز بالمهدية من الشعراء أبو الحسن علي بن محمد بن الأيادي التونسي، وقد كان شاعرًا كبيرًا اتصل بالفاطميين أيام القائم والمنصور والمعز. وكذلك علي بن عبد الله التونسي، ومقداد بن الحسن الكتامي، وابن هانئ نفسه يفخر على هؤلاء الشعراء وأمثالهم، ويستصغر منزلتهم منه فيقول:

أرى شعراء الملْك تنحَتُ جانبي
وتنبو عن الليث المخاضُ الأوارك٢٠
تخبُّ إلى ميدان سبقي بطاؤها
وتلك الظنون الكاذبات الأوافك
رأتني حمامًا فاقشعرت جلودها
وإني زعيم أن تلين العرائك
تسيء قوافيها وجودك محسن
وتنشد إرنانًا ومجدك ضاحك٢١
وتجدى وأكدي والمناديح جمة
فمالي غني البال وهي الصعالك٢٢
أبت لي سبيل القوم في الشعر همة
طموح ونفس للدنية فارك٢٣

وفي الدولة الصنهاجية كان العمران قد استحكم، والصلة بين المغرب وبين الأندلس ومصر والعالم الإسلامي كله قد تمكنت، والحضارة قد ازدهرت.

قال ابن خلدون: «كان ملكهم أضخم ملك عرف للبربر بإفريقية وأترفه وأبذخه.» فرقيت العلوم والفنون، ومنها الأدب.

ومن أشهر ملوكهم المعز بن باديس قالوا: «إنه اجتمع بحضرته من أفاضل الشعراء ما لم يجتمع إلا بباب الصاحب بن عباد.» وذكر أكثرهم ابن رشيق في كتابه «أنموذج الزمان في شعراء قيروان».

وكان من الأمراء الصنهاجيين شعراء مجيدون من أشهرهم تميم بن المعز بن باديس — وهو غير تميم بن المعز المصري — مَلَكَ إفريقية وما والاها، وكان محبًّا للعلماء والشعراء مقربًا لهم، ومن شعره:

إن نظرت مقلتي لمقلتها
تعلم مما أريد نجواه
كأنها في الفؤاد ناظرة
تكشف أسراره وفحواه

وكان من شعرائه الحسن بن رشيق وغيره.

وقد نبغ في هذه الدولة كثير من الشعراء والأدباء مثل عبد الكريم النهشلي، وكان شاعرًا أديبًا ناقدًا، عارفًا باللغة خبيرًا بأيام العرب وأشعارها. مات سنة ٤٠٥ﻫ، وقد أكثر ابن رشيق من النقل عنه في العمدة، وذكر أن له كتابًا في الشعر.

ومثل علي بن أبي الرجال رئيس ديوان الإنشاء في الدولة الصنهاجية، واشتهر بالكرم وتشجيع الأدب، وهو الذي ربى المعز بن باديس وحبب إليه الأدب، وهو الذي ألف له ابن رشيق كتاب «العمدة»، وألف له ابن شرف «رسائل الانتقاد». مات سنة ٤٢٥ﻫ.

ومثل أبي عبد الله محمد بن جعفر القزاز القيرواني كان إمامًا في اللغة، ألف كتاب «الجامع» في اللغة، وهو يقارب «التهذيب» للأزهري، وهو شيخ ابن رشيق، وهو ينقل في كتابه العمدة أقواله وما جرى له في مجلسه من أدب، وكان يطرح على تلاميذه عويصات المسائل ويكلفهم حلها. مات سنة ٤١٢ﻫ.٢٤
وأبو عبد الله عبد العزيز بن أبي سهل الخشني الضرير، وهو كذلك من شيوخ ابن رشيق في الأدب. قال عنه: «كان مشهورًا بالنحو واللغة جدًّا، مفتقَرًا إليه فيهما، بصيرًا بغيرهما من العلوم. وكان شاعرًا مطبوعًا سلك طريقة أبي العتاهية في سهولة الطبع ولطف التركيب، ولا غناء لأحد من الشعراء الحذاق عن العرض عليه والجلوس بين يديه. مات سنة ٤٠٦ﻫ، وقد زاد على السبعين.»٢٥
ومن كبار المؤلفين في الأدب إبراهيم بن علي الحصري القيرواني، وهو صاحب كتاب «زهر الآداب» وكتاب «المصون في سر الهوى المكنون»؛ قال فيه ابن رشيق: «كان شبان القيروان يجتمعون عنده ويأخذون عنه، ورَؤُسَ عندهم، وشَرُفَ لديهم، وسارت تأليفاته، وانثالت عليه الصلات من الجهات وله ديوان شعر.»٢٦ مات سنة ٤١٣ﻫ.

وكتابه «زهر الآداب» يدل على ذوق في الأدب رقيق، واطلاع واسع على ما أنتجه الأدباء من الجمل الروائع، والرسائل البليغة.

وله ابن خالة هو أبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري القيرواني، كان عالمًا بالقراءات، وشاعرًا ظريفًا، وهو صاحب القصيدة المشهورة:

يا ليل الصب متى غده
أقيام الساعة موعده
رقد السمار فأرقه
أسف للبين يردده

وقد حازت شهرة كبيرة، وعارضها كثير من الشعراء في مختلف الأمصار إلى عصرنا هذا.

وظهرت في المغرب حركة جيدة في النقد الأدبي، وردت أول الأمر نتفًا في كتب الأدب عندهم كقول عبد الكريم النهشلي: «قد تختلف المقامات والأزمنة والبلاد، فيحسن في وقت ما لا يحسن في آخر، ويستحسن عند أهل بلد ما لا يستحسن عند أهل غيره، ونجد الشعراء الحذاق تقابل كل زمان بما استجيد فيه وكثر استعماله عند أهله، بعد ألا تخرج من حسن الاستواء وجد الاعتدال وجودة الصنعة، وربما استعملت في بلد ألفاظ لا تستعمل كثيرًا في غيره، كاستعمال أهل البصرة بعض كلام أهل فارس في أشعارهم ونوادر حكاياتهم … إلخ.»

ومثل قول إبراهيم الحصري: «الشعر مطبوع ومصنوع: فالمطبوع الجيد الطبع مقبول في السمع، قريب المثال، بعيد المنال، أنيق الديباجة، رقيق الزجاجة … يطرد ماء البديع على جنباته، ويجول رونق الحسن في صفحاته … وحمل الصانع شعره على الإكراه في التعمل بتنقيح المباني دون إصلاح المعاني، يعفي آثار الصنعة، ويطفي أنوار الصبغة، ويخرجه إلى فساد التعسف، وقبح التكلف … وأحسن ما أجري إليه، وأعول عليه هو التوسط بين الحالين، والمنزلة بين المنزلتين من الطبع والصنعة.»

ثم ارتقى هذا حتى صار موضوعًا قائمًا بنفسه، وتوجت هذه الحركة بكتاب «العمدة» لابن رشيق، و«أعلام الكلام» لابن شرف،٢٧ وهما من خير الكتب في النقد الأدبي.

وقد نقل ابن رشيق في كتابه «العمدة» فن النقد من نقد شاعر خاص أو شعراء معينين — كما فعل صاحب الموازنة والوساطة — إلى نقد للشعر عامة، وقد قال فيه ابن خلدون: «وهو الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعة وأعطاها حقها، ولم يكتب فيها أحد قبله ولا بعده مثله.»

وبعد العمدة ألف ابن رشيق كتابه «قراضة الذهب»، وأكثر ما يتعرض فيه للسرقات الشعرية، ومتى تجوز، ومتى لا تجوز، وأين تحسن وأين لا تحسن،٢٨ كما وضع ابن شرف كتابه «أعلام الكلام»، وموضوعه مقامة طويلة كمقامات الحرير، تعرَّض بطلها لمشهوري الشعراء من المتقدمين والمحدثين يصفه في قول قصير، ويبين مزاياه وعيوبه في إيجاز.٢٩

وقد كان كلاهما من القيروان، وكانا من ندماء المعز بن باديس وشعرائه وجلسائه، ولما أغار الهلالية القادمون من مصر على القيروان فرَّا وقالا القصائد في رثاء القيروان، وذهب ابن رشيق إلى صقلية حيث مات بها سنة ٤٥٣ﻫ، وذهب ابن شرف على الأندلس ومات بها سنة ٤٦٠ﻫ.

وقد كانا صديقين ثم دبت بينهما الخصومة فتساجلا في الأدب كتلك المساجلة التي كانت بين الخوارزمي، وبديع الزمان الهمذاني.

وعجيب أمر المسلمين في هذه العصور، فما استقر فرارهم في المغرب حتى أنشئوا أسطولًا قويًّا في البحر الأبيض فتحوا به صقلية وسائر الجزائر حولها، وكان فتح صقلية على يد الأغالبة، وقد كان بها ثلاثمائة ونيف وعشرون قلعة، ولكنها لم تثبت أمام قوة المسلمين.

قال ابن خلدون: «كان فتح صقلية أيام زيادة الله الأول بن إبراهيم بن الأغلب على يد أسد بن الفرات شيخ الفتيا … ثم قال: وكان المسلمون لعهد الدولة الإسلامية قد غلبوا على بحر الروم «البحر الأبيض» من جميع جوانبه وعظمت صولتهم وسلطانهم فيه، فلم يكن للأمم النصرانية قبل بأساطيلهم بشيء من جوانبه، وامتطوا ظهره للفتح سائر أيامهم؛ فكانت لهم المقامات المعلومات من الفتح والغنائم، وملكوا سائر الجزائر المنقطعة عن السواحل مثل: ميورقة ومنورقة وسردانية وصقلية ومالطة وأقريطش وقبرص … والمسلمون خلال ذلك قد تغلبوا على الأكثر من لجة هذا البحر، وسارت أساطيلهم فيه جائية وذاهبة، والعساكر الإسلامية تجيز البحر في أساطيلهم من صقلية إلى البر الكبير المقابل لها … وانحازت أمم النصرانية بأساطيلهم إلى الجانب الشمالي الشرقي منه من سواحل الإفرنجة والصقالبة لا يعدونها — وأساطيل المسلمين قد ضربت عليهم ضراء الأسد بفريسته.»

ولما فتحوا صقلية فسرعان ما نشروا دينهم وعلمهم ولغتهم، بل إن قائد الجيش في الفتح كان هو أسد بن الفرات العالم المالكي المشهور ومعه جماعة من وجوه أهل العلم في تسعمائة فارس وعشرة آلاف راجل، وما زال يفتح في قلاعها حتى أصيب بجروح بالغة مات متأثرًا بها، فأتم خلفاؤه الفتح. ثم «صار أكثر أهلها مسلمين، وبنوا بها الجوامع والمساجد»،٣٠ وانتشر بها العلم، وأصبحنا نسمع عن كثير من العلماء يُنسبون إليها؛ فيقولون: فلان الصقلي. يرحل إليها علماء المسلمون يعلمون الدين واللغة، والأدباء يشعرون، والخليعون يقولون في الخمر ورهبان الأديار وبناتها. فتجد المقريزي — مثلًا — يقول: محمد بن الحسن بن علي الكركنتي الفقيه المالكي تفقه بصقلية وإفريقية، وقدم الإسكندرية — وكركنت مدينة بصقلية.

والعماد الأصفهاني يعقد بابًا طويلًا في القسم الثاني من الجزء الحادي عشر في ذكر محاسن فضلاء جزيرة صقلية، ويروي فيه شعرًا صقليًّا بعضه على أوزان جديدة، كقول أبي الحسن بن أبي البشر في راقصة:

وغزالٍ مشنَّفِ
قد رثى لي بعد بُعدي
لمَّا رأى ما لقيت
مثل روض مفوَّفِ
لا أبالي وهْو عندي
في حبه إذا ضنيت
وجهه البدر طالعًا
تاه لما حاز وُدِّي
فإنني قد سقيت

… إلخ.

ولا ننسى القائد الكبير جوهر الصقلي فاتح مصر، وباني الأزهر، ومدوخ المغرب كله لمولاه المعز، وهو غلام رومي الأصل من مواليد صقلية، صار مولى للمنصور ثم للمعز، وكان من أكفأ القواد الذين عرفهم التاريخ. بل نجد من النحاة محمد بن خراسان الصقلي، كان مولى لبني الأغلب، ورحل إلى مصر، وتعلم النحو على أبي جعفر النحاس، وروى عنه مصنفاته، وعاد إلى صقلية يدرس النحو، ومات بها سنة ٣٨٦ﻫ عن ست وسبعين سنة.٣١

ومحمد بن علي بن الحسن بن عبد البر الصقلي التميمي اللغوي، ولد بصقلية، ورحل عنها في طلب العلم ثم عاد إليها، وكان موجودًا سنة ٤٥٠ﻫ، وهو أستاذ ابن القطاع الصقلي.

وفي العصر المتأخر عن عصرنا هذا أخرجت صقلية ابن حمديس الصقلي الشاعر المشهور، والإمام المازري المحدث الكبير صاحب كتاب «المعلم بفوائد كتاب مسلم»، وهو منسوب إلى مازر Mazzard بلدة بصقلية، والإدريسي الجغرافي الشهير، وابن ظفر الأديب مؤلف كتاب «سلوان المطاع»، وابن القطاع أحد أئمة الأدب واللغة والنحو والعروض، ومؤلف «الدرة الخطيرة»، و«المختار من شعراء الجزيرة» … إلخ.

هوامش

(١) تاريخ ابن خلدون.
(٢) انظر «الاستقصاء»: ١ / ٨٥.
(٣) انظر الاستقصاء: ١ / ٦١.
(٤) إفريقية كان يستعملها العرب فيما يشمل المغرب الأدنى والأوسط، فيشمل طرابلس وتونس والجزائر.
(٥) المقدسي ٢٢٦ وما بعدها.
(٦) انظر معجم ياقوت في مادة المهدية.
(٧) المصدر نفسه: ص٢٢٨.
(٨) معجم ياقوت في مادة تاهرت.
(٩) المقدسي: ٢٣١.
(١٠) ياقوت في مادة سجلماسة.
(١١) المقدسي: ٢٢٩.
(١٢) ياقوت في مادة فاس.
(١٣) المقدسي: ص٢٣٦ وما بعدها.
(١٤) هو أبو القاسم بن أبي بكر الشهير بابن زيتون، عاش من (٦٦٦ﻫ–٧٣٠ﻫ).
(١٥) أزهار الرياض: ٣ / ٢٦.
(١٦) الديباج: ص١٦٢.
(١٧) انظر الحجوي في «تاريخ الفقه الإسلامي». ومخلد هذا ثائر بربري هاجم إفريقية سنة ٣٣٣ﻫ، وأخذها من يد الفاطميين، ثم ظفر به المنصور بن القائم العبيدي سنة ٣٣٦ﻫ.
(١٨) يريد بالمعتزم الفرس الجامح.
(١٩) انظر «المنتخب المدرسي من الأدب التونسي» للأستاذ حسن حسني عبد الوهاب.
(٢٠) تنحت جانبي: تطعن فيَّ. والمخاض: الحوامل من النوق. والأوارك: التي ترعى الأراك، ورعي الأراك من دلائل الضعف. يقول إن الشعراء يطعنون في، وهم أمامي كالنوق الضعيفة أمام الأسد.
(٢١) الإرنان: رفع الصوت بالبكاء، وهذا علامة الضعف.
(٢٢) يقول: يعطون الكثير وأعطي القليل، ومع ذلك أنا غني القلب، وهم صعاليك.
(٢٣) فارك: كارهة.
(٢٤) ترجم له ياقوت وابن خلكان.
(٢٥) انظر ابن رشيق للميمني.
(٢٦) ابن خلكان.
(٢٧) نشر الأستاذ عبد العزيز الميمني كتاب «النتف من شعر ابن رشيق وابن شرف»، كما وضع رسالة قيمة في ابن رشيق وابن شرف، فانظرهما.
(٢٨) وقد طبع في مصر.
(٢٩) طبع كذلك في مصر.
(٣٠) معجم ياقوت في صقلية.
(٣١) انظر بغية الوعاة للسيوطي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١