الفصل العاشر

الفن

إن فنَّ كل أمَّة يتأثر بأمور:
  • (١)

    الذوق العام للأمة.

  • (٢)

    التقليد للأمم المختلفة، خصوصًا الأمم التي حكمتها كفرس، أو روم، أو غير ذلك.

  • (٣)

    الدين الذي تعتنقه الأمة، فبعض الأديان تميل إلى شيء، وتنصرف عن شيء.

وكان العرب في جاهليتهم بدائيين في ثقافتهم، منتقلين في حياتهم، وهذا التنقل والبدائية جعلاهم غير مترفين في حياتهم وأدواتهم، وغير ملتفتين إلى الجمال الفني، فكانت حتى معبوداتهم من اللات والعزى، وغيرهما معبودات بسيطة الشكل، بل قد يعبدون حجرًا على طبيعته الأصلية، وما كان عندهم من فن فهو — حتى اسمه — مستعار من الأمم الأخرى، فكلمة نجار، وأسلحة، وصانع مأخوذة من اللغة الآرامية، وكلمة مصحف، وشباك، وسوار، وحداد مأخوذة من اللغة الحبشية، وما ورد من الفن في الشعر فبدائي أيضًا، كتشبيه عمرو بن كلثوم في معلقته أرجل امرأة جميلة بأعمدة من الرخام، وصدرها بقطعة من العاج، وحتى لما احتاجوا إلى إصلاح الكعبة، اعتمدوا على أناس من الأمم الأخرى، فقالوا: إنهم اعتمدوا في إصلاحها على نجار رومي صادف أن كان على ظهر سفينة مارة بجدة، ساعده صانع قبطي، فلما جاء الإسلام، وفتح المسلمون البلاد المتحضرة من فرس وروم رأوا ما عندهم من الفنون فتأثروا بها، ودعاهم الترف إلى أن يتذوقوها، ويقلدوها، حتى الشعر تأثر بهذا الفن، كقول رجل في العهد الأموي على ما أظن:

بيضاء باكرها النعيم فصاغها
بلباقة فأدقَّها وأجلَّها

وكان من أثر هذه الفتوح، وغِنَى الدولة الإسلامية، ووضع المسلمين أيديهم على القصور الفخمة، والمعابد العظيمة، والتحف النادرة، أن تحضَّروا هم أيضًا، وأخذوا ينشئون الفنون الجميلة، كالمسجد الأموي، وما فيه من زينة تدل على استعانة الأمويين بغيرهم ممن سبقوهم إلى هذه الفنون، وكالقصور الجميلة التي بناها الخلفاء الأمويون في صحراء الشام، واكتُشفت حديثا، فدلت على تقدم كبير في الفن، حتى إذا جاءت الدولة العباسية عظم غناها، وغنم تأثرها بالفن، فبنيت بغداد بناء فنيًّا، وبنيت فيها القصور الفخمة للخلفاء والأمراء والأعيان.

وكان أثاثها من فراش، ورياش جميلًا فخمًا، يناسب جمال القصور وفخامتها. ويحدثنا ابن بشار عن كأس صورت عليه تصاوير لكسرى، يعلم من هذه التصاوير مقدار ما يوضع في الكأس من الخمر، وما يمزج بها من الماء … إلخ.

ومن الحق أن نقول: إن الإسلام حارب الأصنام والتماثيل، وأمعن في محاربتها، وشنع على عبَّادها، وكسَّر ما كان منها في الكعبة، وكرّه في التصوير والمصورين، فلم ينمُ التصوير والتمثيل في الإسلام نموًّا كافيًا، ولكن الطبيعة البشرية، وحبّها الشديد للفنِّ، حاولت دائمًا أن تجد لها منفذًا، فرأينا المسلمين يجوِّدون ما شاءوا في الخط، لما حُرموا التصوير، وفي الزَّار والذكر، لما حرموا الرقص، وفي الغناء بالقرآن لما حرموا الغناء، وهكذا.

ولذلك نراهم يصورون الأشجار والحيوانات، ويتحرجون من رسم الأشخاص، وبجانب ذلك اجتهدوا في الفنون الأخرى، كالصياغة، والحرف الأخرى.

ولما دخل الإسلام كثير من المتحضرين من الفرس والروم، وكان لهم ذوق نام في الفنون، ابتدءوا يقلدون ماضيهم القديم في الإسلام الجديد. وفي القرن الرابع ظهرت الصورة المجسمة للحيوانات، ولكنها كانت بعيدة عن الطبيعة. وربما منع المسلمين من التقدم في التصوير الشخصي نهي الإسلام عن التصوير، محافظة على عقيدة الوحدانية المطلقة، والناس لا يزالون حديثي عهد بالوثنية، خصوصًا وقد كان منتشرًا فيهم عبادة الأبطال والصالحين.

وجاء في الحديث عن عائشة «أن النبي لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه».١ وروى البخاري «أن النبي لما رأى الصور التي في البيت، لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، ورأى صورة إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام فقال: قاتلهم الله، والله إن استقسما بالأزلام قط».

وقال النووي: قال أصحابنا، وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بالوعيد الشديد، سواء ما كان في ثوب، أو بساط، أو درهم، أو دينار، أو إناء، أو حائط.

وأما تصوير صورة الشجر، وجبال الأرض، وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان، فليس بحرام، وقال بعضهم: إنما ينهى عن تصوير ما كان له ظل، ولا بأس بالصورة التي ليس لها ظل. وعن عائشة: «أنها نصبت سِترًا وفيه تصاوير، فدخل رسول الله ، فنزعها، قالت: فقطعته وسادتين، فكان يرتفق عليهما»؛ كأنه كان يجيز ذلك إذا امتُهن الشيء الذي فيه تصاوير، كأن استخدم في سجادة أو نحوها. وقال رسول الله: «أتاني جبريل فقال: إني كنت أتيتك الليلة، فلم يمنعني أن أدخل البيت الذي أنت فيه، إلا أنه كان فيه تمثال رجل»، وعن ابن عمر أن رسول الله قال: «الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم».

وإنما كان يباح تصوير الشجر، وما لا نفس له، وفي الحديث أيضًا: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا تمثال». والغرض من كل هذا الخوف من عبادة التصاوير، والأوثان، والتماثيل، والأبطال والصالحين، خصوصًا والناس قريبو عهد بهذه العبادة، وقد اختلف العلماء في ذلك، فقالوا: إن التحريم على الإطلاق، وقال آخرون: إنه تحريم لعِلَّة، وإذا زالت العلة زال التحريم.

وعلى كل حال، أثر هذا في المسلمين، فامتنعوا إلا قليلًا عن تصوير الإنسان والحيوان، وأباحوا تصوير الأشجار، والمناظر الطبيعية، ولذلك نبغوا في فن العمارة، وتفننوا في الجمادات كدواة وأبواب، ومشربيات، ونحو ذلك، ومع ذلك فقد مهر قوم من المسلمين في تصوير الأشخاص والحيوان، كما فعل بعض الفرس، حتى لقد سمعتُ محاضرة ألقاها بعض المستشرقين عن مصحف فارسي مصور صورت فيه مثلًا صورة يوسف وزليخا … إلخ.

ونما في هذا القرن تطعيم الأدوات والأواني المختلفة مثل: الخزف، والقاشاني، والنحاس، والخشب، بمواد ثمينة كالعاج، والصدف، وتزيينها برسوم مختلفة.

ورأى المسلمون ان يحوِّروا الرسوم المحرمة إلى نقوش غير محرمة، كرسوم هندسية ونباتية، وكثر ذلك في الدولة السلجوقية.

ووجدت عمائر كثيرة قد دخل فيها فن الزخرف، وإذا كان القرآن مقدسًا مبجلًا معظمًا، دار كثير من الفن حول المصاحف، من كتابة جميلة للمصحف، على ورق جميل، وتجليده بالجلد الفاخر، وتذهيبه وتحليته، كذلك بعث الدين على الإشادة بالحياة الأخرى، فكان من أثر ذلك بناء المقابر، وزخرفتها، وبناء الأضرحة فوقها … إلخ.

وقد زين المسلمون المحاريب بالنقش بالجص، وكلما أمعنوا في الترف أمعنوا في الزينة الفنية بعد أن كانوا يعيشون في الصدر الأول عيشة بسيطة ساذجة، ووجدناهم يستخدمون الذهب المذاب في طلاء الأواني الخزفية، وفي النحاس؛ ولكن على العموم لم يبلغوا في تزيين المساجد ما بلغه المسيحيون من الأرثُوذُكس، والكاثوليك في تزيين كنائسهم.

وبعد أن تحرر العرب من المؤثرات الأجنبية، وهضموا فنونها، صار لنقوشهم وعمارتهم طابع خاص، حتى لا يمكن نسبتها لغيرهم، فابتدعوا فنًّا جديدًا.

حتى في التحف الصغيرة كالدواة، والخنجر، ونقوش الغمد، وجلد القرآن، وأصبح لها طابع خاص، غير ما كان عند غيرهم، وليس يضرهم اقتباس فنها من الأمم الأخرى، إنما يضرهم وقوفهم عند تقليدهم المحض، وهو ما لم يفعلوه، فالعرب أنشئوا في سرعة حضارة جديدة، وفنًّا جديدًا، مختلفين عن الحضارات والفنون التي قبلهما، حتى إن الحكام الذين قهروا العرب، وأرغموهم لحكمهم، كالتتار وغيرهم، اعتنقوا دينهم، وأسسوا حضارتهم عليها، وكانت الحضارة الإسلامية، والفنون الإسلامية ذات أثر عظيم في العالم غربية وشرقية، ولا فرق بين أن يكون منشئو الحضارة عربًا، أو فرسًا، أو مغاربة، فكلها حضارة إسلامية، فليس يعود فضل العرب إلى أنهم نقلوا الفنون والعلوم اليونانية، بل إنهم زادوا عليها من مخترعاتهم ومبتكراتهم.

هوامش

(١) روى هذا الحديث البخاري، وأبو داود، وأحمد، والنسائي، مع خلاف بسيط في الألفاظ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١