الفصل السادس

الأخلاق

كانت الأخلاق من أول عهد الإسلام مبنية على الدين، فالصبر حميد؛ لأن الله تعالى يقول: إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، اصْبِرُوا وَصَابِرُوا، والعدل مطلوب؛ لقوله تعالى: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ، وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا، وكان بجانب ذلك حكم وأمثال وصلت إلى العرب من تجارب الزمان.

فلما دخل كثير من الفرس في الإسلام، وكانت لهم ثروة كبيرة من الحكم والأمثال في جميع مرافق الحياة نقلوها إلى العربية، وكان على رأس هؤلاء ابن المقفع، فقد نقل حكم الفرس وأمثالهم، وقصصهم، والقصص الرمزية التي تشير إلى الأخلاق ككليلة ودمنة، وملأ اللغة العربية بهذه الجمل اللطيفة الرشيقة التي تدل على عقل واسع، وتجربة ناضجة، هذه حكم في الأخلاق الفردية، وهذه حكم في الأخلاق الاجتماعية، وهذه حكم في السياسة، وفي الملك، وما يلزمهما، وفي البلاط، وما يتصل به كرسالة الصحابة التي يعنى بها صحابة الملك أو الخليفة، أو بعبارة أخرى بلاطه.

ثم حدث بعد ذلك أن نقلت كتب اليونان إلى اللغة العربية، فتدُوولت فيما بين المسلمين، وكان من هذه الكتب كتب في الأخلاق ككتاب «الأخلاق» لأرسطو وغيره، فهضمها المسلمون، وأرادوا بعد ذلك أن ينقلوها، أو يحذوا حذوها، ويفلسفوا الأخلاق، ومنهم من من يعمل في الأخلاق ما عمل بعض الفلاسفة في الفلسفة؛ إذ عرضوا علم الأخلاق هذا على الإسلام، فما لم يقبله الإسلام رفضوه، وما قبله تقبلوه، ومزجوا ذلك بالدين.

ولعل أشهر المؤلفين في الأخلاق في عصرنا هذا ابن مسكويه، ومحمد بن أبي بكر الرازي، وإخوان الصفاء، فابن مسكويه — أو مسكويه فقط كما يرجحه أكثرهم — هو أحمد بن محمد بن يعقوب، وهو أصل مجوسي، وقد تبحر في الأخلاق الفارسية لفارسيته، وفي الأخلاق اليونانية لثقافته بها، صحب أولًا الوزير المهلبي في أيام شبابه ولازمه.

وقد مكنته هذه الصحبة من معرفته بالطبقة الأرستقراطية، وطبقة بعض الأدباء، ومعرفته بالناس، ثم اتصل بخدمة الملك عضد الدولة، وكان خازنًا لمكتبته، كاتمًا لأسراره، رسولًا إلى نظرائه، ويظهر أنه عُني من الفلسفة اليونانية بالناحية العملية من الأخلاق، وما إليها، وقصر في الإلهيات، ومن أجل ذلك وصفه أبو حيان في «الإمتاع والمؤانسة» بأنه «فقير بين أغنياء، وعيي بين أبيناء لأنه شاذ؛ وإنما أعطيته فيه هذه الأيام صفو الشرح لإيساغوجي، وقاطيغورياس، فلم يكن له فيهما حظ؛ لأنه كان مشغولًا بطلب الكيمياء، مفتونًا بكتب أبي زكريا، وجابر بن حيان»، وقد عاب عليه أنه كان في الري مع أبي الحسن العامري، وهو ما هو علمًا وفلسفة، فلم ينتفع منه، وعابه ابن سينا في بعض كتبه بأنه شرح له مسألة فلسفية، ثم أعادها عليه، فلم يفهمها، ودفع إليه مرة جوزة كانت في يده، وقال له: امسح هذه، أي أخرج مساحتها، فألقى إليه مسكويه أوراقًا، وقال له: أصلح بهذه أخلاقك؛ مما يدل على أن مسكويه كان متجهًا إلى الناحية الخلقية لا الإلهية، فعابوه على ذلك من غير حق.

وشاء الله أن ينبغ في الأشياء التي هو مستعد لها، وقد ألَّف في الأخلاق كتبًا كثيرة مثل: «تهذيب الأخلاق»، و«الفوز الأصغر»، وكتاب «جاويدان خرد» بمعنى العقل الخالد، إلى غير ذلك من كتب تدور كلها حول الأخلاق.

وكانت مصادره في الأخلاق:
  • (١)

    الفلسفة اليونانية.

  • (٢)

    الكتاب والسُّنة.

  • (٣)

    تعاليم الفرس، وحكمهم.

  • (٤)

    تجاربه الشخصية؛ فقد عمر طويلًا، وكان في شبابه منغمسًا في الحياة، مستمتعًا بها، ثم كان صديقًا للوزير المهلبي، ومن جلسائه، والوزير المهلبي هو ما هو في ترفه ونعيمه، ينفق ما يشاء على الثلج، والورد، والشراب، ثم كان من أتباع عضد الدولة، ومصاحبًا له في سفره وإقامته، ومشتغلًا بالكيمياء، يخالط المشتغلين بها من صادقين ودجالين، ثم عُمِّر طويلًا حتى بلغ نحو المائة، كل هذا مزجه مزجًا غريبًا، وأخرج من هذا المزيج كتبه في الأخلاق.

وكان أيضًا قد اطلع على فلسفة الكندي والفارابي، ففلسف الأخلاق بعد أن كانت حكمًا؛ وعني بمعرفة النفس، وقرأ فيها كثيرًا، وحلَّلها كثيرًا، وبنى فلسفته الأخلاقية على العلم بالأمور النفسية أيضًا، واطلع في الأخلاق على آراء أفلاطون، وأرسطو، وجالينوس، واتبع مذهب أرسطو في نظرية «الأوساط» أيضًا التي شرحناها في إخوان الصفاء.

وبدأ بالكلام في ماهية النفس؛ وعنده أن النفس جوهر بسيط غير محسوس لحاسة من الحواس، تدرك وجود ذاتها بذاتها، وتعلم أنها تعلم، وأنها تعمل، وهي ليست جسمًا، والدليل على ذلك أنها تقبل صور الأشياء المتضادة، فتقبل معنى الأبيض والأسود، ومعنى الشجاعة والجبن، مع أن الجسم لا يقبل في وقت واحد إلا شيئًا واحدًا كالسواد أو البياض، والنفس بطبيعتها تواقة إلى المعرفة، بل هي تكذب الحواس، وتميز منها الصادق والكاذب، وهي وحدة يكون فيها العقل والعاقل والمعقول شيئًا واحدًا، ويعرف الخير بأنه ما به يبلغ الكائن المريد غاية وجوده، والناس مختلفون في الاستعداد للأخلاق؛ فمن الناس من هم أخيار بطبعهم، وهم قليل، ولا يتقبلون الشر بحال.

ومن الناس من هم أشرار بطبعهم، وهم كثير، ولا يستطيعون أن يصدر عنهم الخير ألبتة، وقوم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، مستعدون لأن ينتقلوا إلى الخير أو الشر بالتربية، وله نظرة صوفية: أن الله هو الخير المطلق، والأخيار جميعًا يسعون في الوصول إليه، وهو يفرق بين الخير والسعادة، فالخير هو الذي يقصده الكل للشوق إليه، وهو الخير العام للناس من حيث هم ناس، أما السعادة فهي خير ما لواحد ما، والإنسان يكون سعيدًا إذا تحققت مقتضيات طبيعته.

ويرى أن أساس الفضائل هي محبة الإنسان كافة، وبدون هذه المحبة لا تقوم جماعة قط، والإنسان لا يبلغ كماله إلا مع أبناء جنسه، وبمعونتهم.

وهذه المحبة لا تظهر آثارها إلا في جماعة أو مدينة، فإذا كان الرجل معتزلًا أو راهبًا ناسكًا لا نستطيع أن نحكم على أعماله بالخير أو الشر، وهو في هذا يقول كما قال إخوان الصفاء، وله كلام طويل في تحليل المحبة، وتقسيمها إلى صداقة، ومودة، وعشق، ويبين أسبابها ودرجاتها، ومدة بقائها، وهي أنواع: أرقاها محبة العبد لخالقه، ثم محبة الحكماء بعضهم لبعض، ثم محبة عامة الناس. وكان الكلام في المحبة شائعًا في هذا العصر، يتداوله الصوفية، والفلاسفة، والأدباء، ويؤلف فيه أبو حيان «الصداقة والصديق» إلى غير ذلك.

واجتهد في أن يوفق بين المذاهب اليونانية المختلفة، ودين الإسلام، وهو من حين لآخر يعرج على النفس، ويزيدها إيضاحًا، مما يدل على تبحره في علم النفس، وله أحيانًا كلام في الأخلاق يشبه كلام ابن المقفع؛ ولذلك عُني بكتاب «جاويدان خرد» الذي ترجم بعضه الحسن بن سهل، وترجم بعضه الآخر مسكويه، مثل قوله: «إذا آنستك السلامة فاستوحش من العطب، وإذا فرحت للعافية فاحزن للبلاء؛ وإذا بسطك الأمل فاقبض نفسك بقرب الأجل، الحيلة خير من الشدة، والتأني أفضل من العجلة، والجهل في الحرب خير من العقل، والتفكير هناك في العاقبة مادة الجزع … إلخ إلخ».

وله مع أبي حيان كتاب «الهوامل والشوامل»، وهو عبارة عن أسئلة من أبي حيان، وأجوبة من مسكويه، وهو إذا تعرض لمسألة خلقية أو نفسية أفاض فيها؛ وكان شيعيًّا بحكم خدمته للوزراء والملوك الشيعيين؛ ولذلك نرى في ثنايا كلامه في الكتاب آثارًا شيعية، وإن كانت مختفية وراء المظاهر. ومما يدل على كثرة تجاربه الخاصة والعامة، أو بعبارة أخرى الفردية والجماعية، أنه في الفردية ألَّف كتاب «تهذيب الأخلاق»، وفي الجماعية ألَّف كتاب «تجارب الأمم» الذي سيأتي ذكره، وقد كان على ما يظهر رجلًا فاضلًا نبيلًا، خصوصًا في آخر أيامه. وقد أثرت عنه وصية أوصى بها من يأتي بعده، تعد من خير الوصايا، تدل على أنه كان حي الضمير، يحاسب نفسه، ويتمنى الخير والتهذيب لمن يأتي بعده. جرى فيها على وصية قس بن ساعدة ولقمان، وغير ذلك مما أثر عن الحكماء، ولا نطيل بذكرها؛ فهي مبثوثة في الكتب؛ وروي له شعر كان فيه متأثرًا بمبادئه الخلقية، وكتابته في الأخلاق، مثل:

لا يعجبنك حسنُ القصر تنزله
فضيلة الشمس ليست في منازلها
لو زيدت الشمس في أبراجها مائة
ما زاد ذلك شيئًا في فضائلها

ويقول:

والناس في العين أشباه وبينهمُ
ما بين عامر بيت الله والخرب
في العود ما يقرن المسك الذكي به
طيبًا، وفيه لقى مُلقَى مع الحطب
لا تطيلوا المال من حول ومن حِيل
فربما جاء مطلوب بلا طلب

ويقول:

ولقد نفضت بهذه الدنيـ
ـا يدي وحسمت دائي
ماذا يغرني الزما
ن وقد قضيتُ به قضائي

ويعتب على أبي العباس الغني فيقول:

ما كان أغنى أبا العباس عن شره
إلى لحوم سباع كن في الأجم
إني وإن كنت لا أرضى الخنا لفمي
ولا أحط لقول فاحش هممي
لا يستريح إلي القول أحوجه
حر السكوت إلى الترويح بالنسم

… إلخ.

وعلى الجملة، فقد نقل الأخلاق نقلة جديرة بفلسفتها؛ وإن كان شاركه في ذلك العمل غيره، مثل: محمد بن أبي بكر الرازي، وإخوان الصفا — لقد بدأ قبله الجاحظ في فلسفة الأخلاق، كما فعل في رسالة «الحاسد والمحسود»، وكما فعل في تحليل نفس أحمد بن عبد الوهاب، وكالذي نجده من حين إلى حين في بعض رسائله، وفي كتاب «الحيوان»، ولكن مزية مسكويه أنه وضع للأخلاق نظامًا شاملًا، وفلسفة كلية، أما الجاحظ وأمثاله فنتف هنا، ونتف هناك من غير تبويب، ولا ترتيب.

ولقد كان مسكويه — على ما يظهر — متدينًا يحافظ على العقائد الإسلامية في أثناء كتابته، ولا يقبل من الفلسفة اليونانية، والفلسفة الوثنية على العموم إلا ما يتفق والإسلام.

والرازي هذا من الرجال المعدودين في قوة العقل، وكِبر الأثر، ولد في الري، ويقول الشهرزوري: «إنه اشتغل بالكيمياء حتى أثرت العقاقير المستعملة في عينيه، وذهب إلى طبيب ليعالجهما، ففرض عليه خمسمائة دينار، فدفعها إليه، وأدرك ما في الطب من مكسب، فقال: «هذا هو الكيمياء لا ما ذهبت إليه».

ثم اشتغل بالطب حتى تقدم على من سبقه من الأطباء، وبلغ الغاية في فحص البول، ومرضى الجدري والحصبة، قالوا: إنه كان شيخًا كبير الرأس، مسفط الوجه، وكان يجلس للتعليم بعظمة، ودونه التلاميذ، وكان كريمًا متفضلًا بارًّا بالفقراء، وكان يجري عليهم الجرايات الواسعة، وقد ألَّف للمنصور كتابًا في الطب الجسماني، ثم ألَّف على نمطه كتابًا في الطب الروحاني، ويعني بالطب الروحاني، الأخلاق، واعتمد الفرنج كثيرًا على كتابه في الطب المسمى ﺑ «الحاوي»، وترجم له بالفرنسية رسالة في الحصوة في المثانة والكُليتين، وترجم له إلى الألمانية رسائل كثيرة، وله شعر عليه طابع الفلسفة، كشعر أبي العلاء، وابن الشبل البغدادي، مثل قوله:

لعمري ما أدري وقد أَذِنَ البلا
بعاجل تِرحالي إلى أين تَرحالي
وأين محل الروح بعد خروجِه
من الهيكل المنحل والجسد البالي

وكان يعتقد في النشوء، والارتقاء العلمي، وأنه أرقى من أرسطو وجالينوس، وسيخلفه من يكون أرقى منه على مر الزمان.

وقد قالوا: إنه اعتقد بعض العقائد الشاذة من أستاذيه البلخي، وعليّ بن رَيَن، وقالوا: إن الحلاج قد اعتقد بعض آراء فلسفية له، وقد نقده الفارابي، وابن الهيثم في بعض آرائه، وقد ترجم له البيروني ترجمة وافية.

ويظهر أنه كان من العقليين الذين يؤمنون بالله، وينكرون النبوة، فقد رويت لنا مناقشة حادة بينه وبين أبي حاتم الرازي، يستفاد منها إنكاره للنبوة، ورد أبي حاتم عليه، ولذلك نرى أن مسكويه يدعم نظرياته في الأخلاق بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية؛ على حين أن الرازي هذا يعتمد في كتابته في الأخلاق على العقل البحت، وربما كان لهذا السبب بدأ مسكويه في كتابه «تهذيب الأخلاق» في بحث في النفس وقيمتها، بينما بدأ الرازي في البحث في العقل وقيمته.

وإذ كانت أبحاثه عقلية محضة، وأبحاث المعتزلة عقلية دينية، فقد نقدهم كثيرًا، كما لم يرض عن إخوان الصفاء؛ لأنهم فلاسفة دينيون أيضًا، وهو فيلسوف محض، وقد غذت أقواله المتطرفة في النبوة، القرامطة من المسلمين، والملاحدة من النصارى، وقالوا: إنه ألف كتاب اسمه «نقض النبوة» يذكر فيه أن النبوات أضرت الناس، في كسلهم، وعاداتهم السيئة، وضيق عقولهم، وأنها هي السبب في العداوة بين الناس، وإثارة الحروب بينهم.

ومن أجل ذلك كان المتدينون أعداء للفلسفة، وأن أمثال أفلاطون، وأرسطو، وإقليدس أفادوا الإنسانية أكثر من الأنبياء إلخ إلخ.

والذي يهمنا هنا نظراته الخلقية، فقد أسس الأخلاق على العلم كمسكويه، وزاد عليه أنه في كتابه — كما قلنا — عقلي لا نقلي.

ومن أحسن ما في كتابه بحث طويل عميق في اللذة والألم، وهو يرى أنهما أساس الفضائل والرذائل، وقد سبق بمئات السنين في ذلك بنتام، وجون استوارت مِل في تأسيس مذهب المنفعة على اللذة والألم.

فعندهما وعنده أن الفضيلة إنما عدت فضيلة لرجحان منافعها على مضارها، أو بعبارة أخرى رجحان ما ينتج عنها من اللذائذ، على ما ينتج عنها من الآلام، والرذيلة بالعكس، وفضيلة تفضل فضيلة لكثرة لذائذها، وعمل يفضل عملًا، بما ينتج عنه من لذائذه.

وليست للفضيلة، ولا للرذيلة قيمة ذاتية، وعند الرازي أنه ليس هناك لذة إيجابية، وإنما اللذة عدم الألم، فالجوع مثلًا مؤلم، والأكل لذيذ؛ لأنه يضيع ألم الجوع، وهكذا: إذا نحن حللنا كل لذة، وجدناها عبارة عن دفع ألم.

وله في العادات رأى لطيف أيضًا، فيقول: «ينبغي أن يحتفظ بالعادات، ويجري مجازيها، إلا أن تكون مفرطة في الرداءة، فإذا كانت كذلك، فلينتقل عنها قليلًا قليلًا بالتدرج منها، وليحذر أن تجري العادة، وتتأكد بلزوم طعام أو شراب أو اجتنابهما، أو بنوم، أو بحركة، فإنها إذا تأكدت هذا التأكد، عظم الضرر من الإخلال بها، وليعتد الإنسان أن يمرن نفسه على لقاء الحر والبرد، والحركة والأغذية التي لا بد له منها، وتبديل أوقات النوم واليقظة» إلخ إلخ.

وبعد أن ذكر مجمل الأخلاق ذكر تفاصيلها، عاقدًا فصلًا لكل فضيلة أو رذيلة، فمثلًا: فصل في قمع الهوى، وفي تعرف الرجل عيوب نفسه، وفي دفع العشق والإلف، وفي دفع العجب والحسد والغضب، وفي إطراح الكذب، وفي إطراخ البخل، إلخ. ولعلمه بالجسم، وتشريحه استطاع أن يشرح أثر الرذيلة في الجسم فيقول مثلًا في قمع الهوى: «إن أول فضل للناس على البهائم هو ملكة الإرادة، وإطلاق الفعل بعد الروية؛ وذلك أن البهائم واقفة عند ما تدعوها إليه الطباع، وذلك أنك لا تجد بهيمة تمسك عن أن تتناول ما تغتذي به مع حاجتها إليه، وفضل الإنسان في ذم الطبع، فمن أراد أن يزين نفسه، ويكمل لها هذه القضية، فقد رام أمرًا صعبًا شديدًا، ويحتاج أن يوطن نفسه على مجاهدة الهوى، ومجادلته، ومخالفته.

والهوى والطباع يدعوان أبدًا إلى اتباع اللذات الحاضرة، وإيثارها من غير فكر، ولا روية في عاقبة؛ لأنهما لا يريان إلا حالتهما التي هما فيها لا غير» إلخ.

ويقول مثلًا في تعرف الإنسان عيوب نفسه: «إن كل واحد منا لا يمكنه مع الهوى، ومحبة نفسه أن ينظر بعين العقل الخالصة المحضة إلى خلائقه وسيرته، وينبغي أن يسند الرجل أمره إلى رجل عاقل كثير اللزوم له، والكون معه، ويسأله ويضرع إليه، ويؤكد عليه أن يخبره بكل ما يعرف فيه من المعايب، ويعلمه أن ذلك أحب الأشياء إليه، فإذا أخذ الرجل المشرف يخبره، ولم يظهر له اغتمامًا، بل أظهر له سرورًا بما يستمع، وتشوقًا إلى ما لم يستمع، وينبغي أن يستخير، ويتحسس ما يقوله فيه جيرانه، ومعاملوه، وإخوانه، وبماذا يمدحونه، وبماذا يعيبونه». وقد كتب في هذا المعنى جاكينوس كتابًا عنوانه: أن الأخيار ينتفعون بأعدائهم، ويعيب العشق، والمبالغة فيه، فإن العقلاء إذا رأوا آلام العشاق نفروا منه، وأنه لا يغرق فيه إلا الخنِثُون من الرجال، والرذلون، والفرار، والمترفون، ولا سيما إن أكثروا النظر في قصص العشاق، ورواية الرفيق الغزل من الشعر، وسماع الشجي من الغناء والألحان، واللذة التي يتصورها العشاق، وسائر من كلف بشيء، وغرم به، كالعشاق للرياسة، والتملك، وهي أن ينالوا المطلوب مع عظم ذلك في أنفسهم، ولو فكروا في وعورة هذا الطريق وخشونته، ومهاويه ومهالكه، لمرَّ عليهم ما حلا، وصغر عندهم ما يحتاجون في جنب مقاساته ومكافحته.

والعشاق يجاوزون البهائم في عدم ضبط النفس، وذم الهوى، وهم لا ينالون من ملاذهم شيئًا إلا بعد أن يمسهم الهمُّ والجهل، ويأخذ منهم، وأما احتجاجهم بكثرة من عشق من الأدباء والشعراء، فحجة واهية؛ لأن الشعر والفصاحة والأدب، ليست أشياء لا تكون إلا مع كمال العقل والحكمة، بل قد تكون مع نقصهما، فالعشاق قد يكونون من أهل النفس في عقولهم وحكمتهم، وأما قولهم: إن العشق يدعو إلى النظافة واللباقة، والهيئة والزينة، فما يسمح بجمال الجسد، مع قبح النفس، وهل يحتاج إلى الجمال الجسماني، ويجتهد فيه إلا النساء، وذوو الحنف من الرجال»، ويقول في الحسد: «إن الحسد يتولد من اجتماع البخل والشره؛ والحاسد هو من اغتم من خير يناله غيره؛ من حيث لا مضرة عليه منه ألبتة، ومن الغريب أنا نرى الرجل الغريب يملك أهل بلد ما، ولا يكادون يجدون في أنفسهم كراهة لذلك، ثم يملكهم رجل من بلدهم، فلا يكاد أن يتخلص ولا واحد منهم من كراهته، وقد كان الرجل المالك القريب لهم أرأف بهم، وأنظر إليهم من المالك الغريب. وإنما يؤتى الناس في هذا الباب من فرط محبتهم لأنفسهم، فمن أجل حب الرجل لنفسه يجب أن يكون سابقًا لا مسبوقًا، فإذا هو رأى من كان بالأمس معه سابقًا له اليوم، مقدمًا عليه، اغتم لذلك، واشتد عليه سبقه إياه، ولذلك يكثر التحاسد بين الأقرباء والمعاشرين والمعارف». ويعقد فصلًا للاتصال الجنسي يرى فيه أنه يضعف البصر، ويهد البدن، ويقلقه، ويسرع بالشيخوخة والهرم، ويضر بالدماغ والأعصاب، ويسقط القوة ويوهنها، «وهو كلام طبيب»، وله ضراوة شديدة كضراوة سائر الملاذ، بل أقوى وأشد منها، والإقلال منها يحفظ على الجسد رطوبته، فتطول مدة النشوء والنماء، وتبطئ الشيخوخة والجفاف، فينبغي للعاقل أن يذم نفسه عنها، ويمنعها منه، ويجاهدها على ذلك؛ لئلا تغرى به، وتَضرَى عليه إلخ.

ويختم الكتاب بالكلام على فلسفة الموت، والخوف منه، فيقول: إن علاج الخوف منه، هي أن تقنع النفس أنها تصير بعد الموت إلى ما أصلح لها مما كانت فيه؛ لأن الإنسان لا يناله بعد الموت شيء من الأذى ألبتة؛ لأن الأذى حسي، والحس ليس إلا للحي، وهو في حال حياته مغمور بالأذى، فالحالة التي لا أذى فيها أصلح من الحالة التي فيها الأذى، فالموت إذًا أصلح للإنسان من الحياة، فإن قيل: «إن الإنسان وإن كان يصيبه الأذى في الحياة، فإنه يناله من اللذات ما ليس يناله في حال موته، فنقول له: إن الميت ليس بضره ألا ينال اللذت؛ لأن الحي هو الذي يحتاج إلى اللذة، دون الميت»، وقد أطال في ذلك.

وقد سقنا هذه الأمثلة لنبين منها منهجه في التأليف، وأسلوبه في التعبير، ومنحاه في الإدلاء بالحجج.

وقد وضع رسالة سماها «السيرة الفلسفية»، رسم فيها المثل الأعلى لأخلاق الفيلسوف.

وأما إخوان الصفاء فتكاد الأخلاق عندهم تشبه الأخلاق عند مسكويه، وعند الرازي، وعندهم أن الأخلاق نوعان: أخلاق فردية، وأخلاق جماعية، فالأخلاق الفردية يقولون: إنها تعرف بالعقل، فما أمرنا الله به فهو خير، وما نهانا عنه فهو شر، ويرون أن لبعض الناس عقولًا يعرفون بها الخير ويأتونه، والقبيح ويبعدون عنه، وهؤلاء هم الحكماء والفلاسفة، أما غيرهم فقد يرى الخير ولا يفعله، والشر ويأتي به، وأرقى أنواع الأخلاق عندهم فعل الخير للخير، لا من أجل أي نفع عاجل أو آجل، كما يقول الصوفية، قالوا: أما الأخيار، فهم الذين يعملون ما رسم لهم في النواميس الإلهية، ويفعلون ما أوجبته العقول السليمة، ولا يطلبون على ذلك عوضًا، من جر منفعة إلى أجسادهم، أو دفع مضرة عنها، فعند ذلك يقال لهم: أخيار على الإطلاق، وأنهم من أبناء الآخرة، ويقولون في العادة: «يجب أن تعود نفسك عمل الخير؛ لأنه خير لا تريد بفعلك عوضًا، ولا يحملك على فعله خوف، فمتى فعلت لطلب المكافأة، لم يكن عملك خيرًا، وكذلك إذا أردت من عمل الخير، الذكر والاسم، كنت منافقًا، والمنافق لا يستأهل أن يكون في جوار الروحانيين».

ويقولون كما أشرنا قبل: «إن الفضيلة وسط بين الإفراط والتفريط، وإن الفضائل من مواهب، هي من أخلاق الملائكة»، ويجعلون للإرادة والرياضة قسطًا كبيرًا في نيل الفضائل، أما الأخلاق الاجتماعية، فعمادها البيئة، والمجتمع، وقد قالوا: إن من البيئة الأجرام السماوية، فلها تأثير كبير في الإنسان وأعماله، وبعض هذه التأثيرات خير أو شر، وقد قسموا الأقاليم إلى أقسام، وجعلوا كل إقليم له أثر في طباع الناس وأخلاقهم، وخير الناس من كان إقليمه أعدل إقليم، والناس يحتفلون من يوم الولادة، فأولاد ملوك، وأولاد تجار، وأولاد الفقراء والمساكين، وكل هؤلاء يتأثرون تأثرًا كبيرًا بطبقتهم.

والناس محتاجون إلى التعاون، ولذلك شاع بين الناس: الإنسان مدني بالطبع، والإنسان مشتق من الأنس، لا من النسيان، قالوا: إن الإنسان الواحد لا يقدر أن يعيش وحده، إلا عيشًا نكدًا؛ لأنه محتاج إلى طيب العيش، مع إحكام صنائع شتى، ولا يمكن الإنسان الواحد أن يبلغها كلها؛ لأن العمر قصير، والصنائع كثيرة، فمن أجل هذا، اجتمع في كل مدينة، أو قرية أناس كثيرون لمعاونة بعضهم بعضًا، وقد أوجبت الحكمة الإلهية، والعناية الربانية، أن يشتغل جماعة منهم بإحكام الصناعات، وجماعة في التجارب، وجماعة في تدبير السياسات إلخ.

ومما يؤثر في الأخلاق الاجتماعية الدولة، وقد ذكرنا قبل رأيهم في الدولة، وأن لكل دولة عمرًا محدودًا، وأنها تنهار في آخر أيامها، وتؤثر في أهلها أثرًا سيئًا، وأنهم يؤملون قيام دولة رؤساؤها أهل خير، حتى ينصلح الشعب بهم، ويرون أن الدين والدولة لا يفترقان، والناس محتاجون في صلاح أمرهم إلى ملك، ولا بد لهم من سلطان يملكهم ويرأسهم، ويحكم بينهم فيما يختلفون فيه ويتنازعون، ويمنع الظالم القوي من التعدي على الضعيف المظلوم، وتأمن من خوفه السبل.١
وقد يكون الملك نفسه جائرًا، ومع ذلك فلا مندوحة عن قبول حكمه، ولكن عمره يكون عادة قصيرًا؛ لأن الله قاصم كل جبار عنيد، ومهلك كل مارد معتد، وهو ينصف المظلوم من الظالم٢ والسياسات أنواع؛ سياسة خاصة، وهي معرفة كل إنسان كيفية تدبير منزله، أو أمر معيشته إلخ، وسياسة ذاتية، وهي معرفة كل إنسان نفسه وأخلاقه، وتفقد أفعاله وأقاويله في حال شهوته وغضبه ورضاه، والنظر في جميع أموره، ثم تنقسم إلى قسمين: سياسة جسمانية، وهي تدبير الجسم، وحفظ العافية عليه، وسياسة نفسانية، وهي السياسة التي يحتاج إليها في معاشرة الناس، ومراقبة نفسه إلخ إلخ.

فترى من هذا أنهم نقلوا الأخلاق أيضًا إلى علم ذي أبواب وفصول، ونراهم في الحقيقة أيضًا قد مزجوا بين العقل والدين، وبين الأخلاق، والنفس، والاجتماع، والاقتصاد، شأنهم في ذلك شأن أهل القرون الوسطى جميعًا، وكانت كلها فروعًا من فروع الفلسفة، حتى الطب كان أحد فروعها، ثم أخذت العلوم تنفصل عن الفلسفة، فعلم خاص بالنفس، وعلم خاص بالاجتماع، وعلم خاص بالأخلاق.

وعلى الجملة، كان لمسكويه، والرازي، وإخوان الصفاء فضل في نقل الأخلاق من نصائح أدبية إلى علم بأصول، كما فعل الفرنج اليوم، ولكن الفروق بين هؤلاء الثلاثة فروق دقيقة، لا نري فيها مذاهب، كالذي نراه اليوم بين مذهب المنفعة، ومذهب اللقانة، ومذهب النشوء والارتقاء إلخ. فقد كان مصدرهم كله الفلسفة اليونانية، غاية الأمر أن منهم من مزجها بالدين كإخوان الصفاء ومسكويه، ومنهم من حكَّم فيها العقل فقط غير ناظر إلى الدين كالرازي.

وعلى الجملة، فهناك منحيان للأخلاق: أحدهما الجمل الخلقية، والأمثال والقصص، كقصص كليلة ودمنة، وقد مهر في هذا النوع الأحنف بن قيس، والحسن البصري، وابن المقفع، وغيرهم، ونوع أسس على العلم خصوصًا بعد نقل الفلسفة اليونانية، ﮐ «تهذيب الأخلاق» لمسكويه، وقد شاهدت في حياتي هذين النوعين، فكان يدرس لنا الأخلاق أستاذ من دار العلوم يدرس لنا «أدب الدنيا والدين»، وهو على نمط الحكم والأمثال، ثم درس لنا أستاذ متشبع بالثقافة الإنجليزية، فدرس لنا كتاب الأخلاق لماكنزي، وهو يعرض النظريات المختلفة في الأخلاق وأسسها، ثم يبني عليها دراسة الفضائل مفصلة، ودرس لنا أيضًا كتاب «مذهب المنفعة» لجون استوارت مل، ومذهب «النشوء والارتقاء» لسبنسر، ونحو ذلك، فهذان المنحيان ظلا يعملان في العصور المختلفة، وربما كان الغزالي جامعًا بين المذهبين في كتابه «الإحياء»، فهو يبدأ الكلام في كل فضيلة أو رذيلة بالآيات والأحاديث، وما روي عن كبار الصحابة والتابعين، ثم يتبع ذلك بالتحليل النفسي للفضائل والرذائل.

وقد جمع بين المذهبين، كما حاول الجمع بين الفقه والتصوف، وبين الفلسفة والدين، وكثير من الأخلاق من النوع الأول عبرت عنه أشعار، كما فعل المتنبي وأبو نواس في حكمهما، وسايرهما من جاء بعدهما.

ومن الملاحظ أن المنحى الأول يسير إلى المنحى الثاني، ومن ظواهر المنحى الأول اعتماده على الدين كثيرًا، وعلى الحكم الدينية، وأما المنحى الثاني فيميل إلى الاعتماد على العقل كثيرًا، ولكل فضل؛ فالمنحى الأول يستقبل من الجماهير استقبالًا حسنًا لاعتماده على الدين … والدين في أعماق كل نفس تقريبًا، والمنحى الثاني يستقبل استقبالًا حسنًا من الفلاسفة وأمثالهم؛ لأنهم يميلون إلى استناد كل شيء على المبرر العقلي …

هوامش

(١) ج١ ص١٩٥.
(٢) ج٣ ص١٧٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١