الفصل الأول

الحياة الاجتماعية في الأندلس

في سنة (٩١ﻫ) أرسل موسى بن نصير عاملًا على إفريقيا فعزم على فتح الأندلس، وأرسل طارق بن زياد البربري الأصل لمباشرة الفتح أول الأمر، فعبر طارق البحر بقصد فتح الأندلس، وكان حُسن سمعة العرب في الفتح وشجاعتهم واستماتتهم في نشر الدعوة سببًا في انتصارهم، يضاف إلى ذلك سوء حكم الإسبانيين وما بين ولاتهم من ضغائن وإحن، وتمَّم موسى بن نصير ما بدأه طارق.

وقد كان الفاتحون من قبائل العرب المختلفة، فمنهم العدنانيون من هاشميين وأمويين، ومنهم اليمنيون كقبيلة كهلان والأزد، وانضم إلى هؤلاء في الفتح مصريون وشاميون وعراقيون وجمع كبير من البربر. وقد امتزج هؤلاء جميعًا ببعض أهل البلاد من قوط وإسبانيين وغيرهم إما بالمصادفة أو بالمصاهرة، ولكن مع الأسف أنه ما لبثت العصبية القديمة التي كانت ظاهرة في المشرق أن عملت عملها في المغرب، فكان إذا ولي الأمر قيسي نكل باليمنيين وقرَّب المضريين، وإذا ولي الأمر يمني نكَّل بالقيسيين وأعلى شأن اليمنيين، حتى سالت الدماء في كل مقاطعة، وحتى اصطلحوا أخيرًا على أن تكون الولاية في القيسية سنة، وفي اليمنية سنة.

وكل يوم نسمع واليًا هزم وواليًا نصِّب حتى بلغ عدد الولاة نحو أربعين واليًا في مدة وجيرة.

على كل حال كانت العناصر التي سادت الأندلس أربعة:
  • (١)

    العرب: وكانوا يحسون إحساسًا قويًّا بأرستقراطيتهم لغلبتهم على الإسبانيين والبربر وإدخالهم في الإسلام، وبلغتهم التي تفوق غيرها.

  • (٢)

    البربر: وهم يشاركون العرب في البداوة والإسلام والعصبية القبلية والشجاعة؛ ولذلك وجد منهم العرب الأمرَّين عند فتحهم للمغرب.

  • (٣)

    الإسبان: وهم مسيحيون كاثوليك، يرون أن البربر والعرب دخلاء عليهم وأنهم أحق بملك بلادهم.

  • (٤)

    المسلمون المولَّدون من تزاوج العرب بالبربر، أو العرب بالإسبانيات والصقالبة، وكان لذلك سبب كبير، وهو أن الجيش الفاتح كان من الرجال النازحين من الشرق الذين قطعوا مسافات بعيدة حتى وصلوا إلى الأندلس، فكان طبيعيًّا ألا يرحل معهم عدد كبير من النساء، فاضطرتهم الحاجة إلى أن يتزوَّجوا من الإسبانيات أو من البربر ويستولدوهن. وقد خرج من هذا الازدواج بين عربي وبربرية، أو عربي وإسبانية جيل جديد مولَّد، يشبه ما كان في الشرق من تزاوج بين عربي وفارسية، وقد عرف المولدون من النساء الإسبانيات بالذكاء والشجاعة والجمال، وكان لهم في تاريخ الأندلس تاريخ طويل.

وقد حبَّب العرب في هذا الزواج ما عرف عن الإسبانيات والبربريات من جمال وبياض بشرة، واصفرار شعر وزرقة عيون، وهي صفات يحبها العربي كثيرًا؛ لأنها جديدة عليه.

وقد دخل كثير من أهل البلاد في الإسلام وتكلموا العربية، وتعصبوا لها ضد لغتهم وديانتهم، ولما رأى العرب والبرابرة الأندلس أعجبوا بها، وافتتنوا بمحاسنها حتى قال قائلهم:

إن للجنة بالأندلس
مُجْتَلَى مرأى وريَّا نَفَس
فَسَنا صُبْحَتِها من شَنَبٍ
ودجى ظلمتها من لعس
فإذا ما هبت الريح صبًا
صحت وا شوقي إلى الأندلس

ويقول آخر:

وليس في غيرها بالعيش منتفع
ولا تقوم بحق الأنس صهباء
وكيف لا يذهب الأبصار رؤيتها
وكل روض بها في الوشْي صنعاء
أنهارها فضة والمسك تربتها
والخزُّ روضتها والدر حصباء
وللهواء بها لطف يرِق به
من لا يرق وتبدو منه أهواء
فيها خلعت عِذاري ما بها عوض
فهي الرياض وكل الأرض صهباء

وقد وصف لسان الدين بن الخطيب عرب غرناطة وبرابرها وصفًا ينطبق على جميع عرب الأندلس تقريبًا وبرابرتهم، خصوصًا بعد مضي زمن من بدء الفتح، فقال: «أحوال هذا القطر في الدين وصلاح العقائد أحوال سُنة … صورهم حسنة، وأنوفهم معدلة غير حادة، وشعورهم سود مرسلة، وقدودهم متوسطة معتدلة إلى القصر، وألوانهم زهر مُشْربة بحمرة، وألسنتهم فصيحة عربية، يتخللها إعراب كثير، وتغلب عليهم الإمالة … ولباسهم الغالب على طرقاتهم الفاشي بينهم المِلَفُّ المصبوغ شتاء … فتبصرهم في المساجد أيام الجُمع كأنهم الأزهار المفتحة في البطاح الكريمة، وأنسابهم العربية ظاهرة، يكثر فيها القرشي، والفهري، والأموي، والأنصاري، والأوسي، والقحطاني، والحميري، والمخزومي، والتَّنُوخي، والغسَّاني، والأزدي، والقيسي … إلخ.

وجندهم صنفان: أندلسي وبربري، والأندلسي منهم يقودهم رئيس من القرابة، وحصيُّ من شيوخ١ المماليك … وزيهم في القديم شبه زي أقيالهم وأضدادهم من جيرانهم الفرنج، إسباغ الدروع، وتعليق الترس، واتخاذ عراض الأسنة … إلخ، والبربري يرجع إلى قبائله المرينية، والزنانية … إلخ، والعمائم تقل في زي هذه الحضرة، إلا ما شذَّ في شيوخهم وقضاتهم وعلمائهم … ومواسمهم متوسطة، وأعيادهم حسنة، مائلة إلى الاقتصاد، والغنى بمدينتهم فاشٍ، وقُوتُهم الغالب البرُّ الطيب عامة العام، وربما اقتات في فصل الشتاء الضعفة والبوادي والفعَلة في الفلاحة والذرة العربية، وفواكههم اليابسة متعددة، يدخرون العنب سليمًا من الفساد إلى شطر العام، إلى غير ذلك من التين والزبيب والتفاح والرمان والقَسْطل٢ والجوز واللوز إلى غير ذلك مما لا ينفد ولا ينقطع إلا مدة. وصرفهم فضة خالصة وذهب إبريز … وعلى عهدنا في شق — يعني من النقود الفضية: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وفي شق: لا غالب إلا الله … ودينارهم في شق منه: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ، إلى بِيَدِكَ الْخَيْرُ؛ ويستدير به قوله تعالى: وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ (البقرة: ١٦٣). وفي شق اسم الأمير، ويستدير به: لا غالب إلا الله.
وعادة أهل المدينة البروز إلى الفحوص٣ بأولادهم وعيالهم، معوِّلين في ذلك على شهامتهم وأسلحتهم … وحريمهم حريم جميل، موصوف بالحسن، وتنعم الجسوم، واسترسال الشعور، ونقاء الثغور، وطيب النشر، وخفة الحركات، ونبل الكلام، وحسن المجاورة، إلا أن الطول يندر فيهن. وقد يبلغن في التفنن في الزينة، والمظاهرة بين المصبَّغات، والتنافس بالذهبيات والديباجيات، والتماجن في أشكال الحلي إلى غاية».

لهذا اختلف أهل الأندلس عن أهل الشرق، فبيئة الأندلس الطبيعية والاجتماعية مختلفة عن بيئة الشرق في كثير من الشئون، وبذلك اختلف النتاج الأندلسي عن النتاج المشرقي.

على كل حال ظلت ولاية الأندلس ولاية تابعة للخلافة الأموية في دمشق، يرسل الخلفاء الأمويون الوالي على الأندلس من قِبَلهم، أو يرسل والي إفريقيا واليًا تابعًا لهم إلى الأندلس، وظل الحال كذلك حتى سقطت الدولة الأموية، وتتبع الخليفة العباسي السفاح بني أمية يقتلهم وينكل بهم، ففر حفيد لهشام بن عبد الملك، وهو عبد الرحمن الملقب بالداخل وبصقر قريش إلى الأندلس، وانتهز فرصة الخلاف بين القيسية واليمنية فتغلب على الولاة، وبايعه الناس بالإمارة وجعل قرطبة عاصمة إمارته، ولم يسلم من ثورة عدد كبير عليه، من عرب وبربر، حتى شارلمان مؤسس الإمبراطورية الفرنجية الكبيرة، أراد أن يتقرب إلى هارون الرشيد بالتنكيل بعبد الرحمن، وبالفعل بعث جنده غازيًا الأندلس ولكنه لم ينجح، فردَّ عبد الرحمن جنوده، ونزلت بشارلمان هزيمة كبيرة في عودته، وشاء الحظ أن تطول مدة عبد الرحمن الداخل فاستطاع أن يؤسس دولته على أسس متينة ثابتة الأركان، كما فعل أبو جعفر المنصور في الدولة العباسية، وخدم بهذا أبناءه من بعده، فلما مات سلَّم لابنه هشام دولة قوية يؤيدها جيش قوي، ولكن لم يستطع عبد الرحمن الداخل، ولا أبناؤه من بعده، أن يقضوا قضاءً تامًّا على الإسبانيين في جزء من الشمال، فظلوا شوكة في جنب المسلمين، يتحركون ويحاربون كلما سنحت لهم الفرصة، ينهزمون مرة وينتصرون مرة، حتى تم لهم النصر أخيرًا. وظلت الإمارة الأموية في الأندلس حتى جاء عبد الرحمن الناصر، فتجرأ ولقب نفسه أمير المؤمنين، ونقل عبد الرحمن هذا مظاهر الترف والنعيم التي كانت في الدولة العباسية إلى الأندلس، وتبعه بعد ذلك في تدعيم الترف أبناؤه خصوصًا على يد زرياب، واستطاع عبد الرحمن الناصر أن يصبح أعظم الأمراء الأمويين في إسبانيا، وشاء له الحظ أن يحكم خمسين سنة، أمكنه فيها أن ينشر السلام في البلاد، ويرضي الخاصة والعامة، وفي عهده حاول الفاطميون أن ينشروا تعاليمهم، ويثيروا البلاد لينشروا مذهبهم الفاطمي، فلم يمكنهم من ذلك، وقضى على مؤامرتهم.

وقلد عبد الرحمن الناصر الخليفة العباسي المعتصم، فإن المعتصم أنشأ جيشًا من الأتراك يعتمد عليه لما تعب من العرب، فكذلك أنشأ عبد الرحمن الناصر جيشًا من المماليك يوطد به سلطته، ولكن المماليك هنا كانوا يسمون الصقالبة، وهو اسم كانوا يطلقونه على أسرى الحرب من جميع البلاد الأوربية، وعلى من وقع من أيدي المسلمين من الرقيق، وذلك أن تجارة الرقيق كانت منتشرة، وكان بعض البيزنطيين يقدمون للمسلمين في الأندلس أنواعًا أخرى من الرقيق من غزواتهم لشواطئ البحر الأسود، وكانت هناك إلى ذلك كله مراكب لقرصان إسبانيين يغزون السواحل، ويصيدون بعض الناس، ويبيعونهم في سوق الرقيق بالأندلس، وكان اليهود أهم من يقوم بتجارة الرقيق هذه.

وعظمت منزلة الصقالبة كثيرًا، كما عظم الأتراك في عهد المعتصم ومن بعده، حتى كان كثير منهم من الأرستقراطيين في المال والجاه، وكان عبد الرحمن الناصر يثق بهم أكثر مما يثق بالعرب والبربر، حتى لقد يعهد بقيادة جيش كبير إلى صِقِلِّبي. ومن أجل هدوء البلاد وطمأنينتها وطول عهد عبد الرحمن استطاعت الحضارة الأندلسية أن تزهو وتزدهر، حتى كانت قرطبة تفوق كثيرًا من مدن أوربا، وازدهرت التجارة والزراعة، حتى بلغ دَخْل الدولة السنوي من طريق الضرائب والمكوس في عهد عبد الرحمن الناصر ٢٠ مليون دينار، ويقول الأستاذ بروفنسال: إنها بلغت فيما بعد ٤٠ مليونًا، والدينار لا يصح أن يقارن بالجنيه اليوم؛ لأن قيمة كل منهما إنما هي في قدرته على الشراء، وكانت قدرة الدينار إذ ذاك أكبر، وربما كان وصف العمارة التي أنشئت في عهد عبد الرحمن من أكبر الدلائل على حضارته، كالأوصاف البديعية التي وصفوا بها مدينة الزهراء التي بناها عبد الرحمن هذا، وأسماها باسم جارية حَظِيَّة عنده. قالوا: إنه عمل في بنائها عشرة آلاف عامل في خمس وعشرين سنة. وبُني فيها قصر للخليفة ومنازل للموظفين، إلى البساتين والقاعات من الذهب والرخام ذي الألوان المتعددة، وبجانب هذه الحضارة المادية كانت الحضارة الفكرية من شعر وفلسفة وتصوف وحركات دينية وعلمية، وسيأتي وصفها فيما بعد.

وبعد أن ضعفت الدولة الأموية في الأندلس جاءت الدولية العامرية، فزلزلت البيت الأموي، ولولا قوة شخصية ابن أبي عامر، وطفولة الأموي المرشح للخلافة، وألاعيب أمِّه لظل الناس متمسكين بالبيت الأموي مدة طويلة.

ثم تفتَّتَت الدولة الأندلسية وتغلب عليها ملوك الطوائف، فكل ملك ثار في بلد، واستولى عليها، فتعددت الملوك، وتفرق أهل البلاد، وأصبح في كل بلد أمير ومنبر، حتى أهل البيت الواحد انقسموا فيما بينهم، ولم يمكنوا الحاكم من الاستمرار، فبعضهم ينزل الأمير عن عرشه، ويستولي هو، وبعضهم يحالف ملوك إسبانيا ضد الأمراء من أهل بيته، حتى انتهى كل هذا إلى خروجهم جميعًا من الأندلس، وسقوطها في يد الإسبانيين بعد حكم دام نحو ثمانية قرون.

وقد حاول أمراء المغرب من مرابطين وموحدين أن يعيدوا الأندلس إلى الوحدة والترابط، ولكن مع الأسف سرعان ما ضعفوا أيضًا. ولم يكونوا من سعة الأفق والعراقة في المدنية والحضارة، بحيث يستطيعون أن يحكموا الأندلس طويلًا، فزلزلت الأرض من تحتهم، فسقطوا وزال ملكهم سريعًا، وخلفهم دويلات صغيرة كانت أعجز من أن تقاوم الإسبانيين وتقف أمامهم، فانهزموا تباعًا إلى أن رحلوا أخيرًا من غرناطة، وتركوا الديار تنعي من بناها.

نعود إلى ما كنا فيه فنقول: إن العرب والبربر الفاتحين تغلبوا على الإسبانيين ولم يتغلبوا بالسيف وحده، بل كذلك تغلبوا أيضًا بروحهم ولغتهم ودينهم، حتى دخل كثير من الإسبانيين في الإسلام، وتقمَّصوا النفسية العربية، ونسوا لغتهم اللاتينية، وتعاليمهم النصرانية، وتعددت شكوى القسِّيسين من أن الإسبانيين ينسون دينهم ولغتهم، ويقبلون على الإسلام ولغته. ولعل من أسباب ذلك أن اللغة العربية كانت فضلًا عن أنها لغة الفاتحين تزخر بالعلوم والمعارف التي افتقرت إليها لغتهم.

وعرفت للأندلسيين صفات خاصة، فمثلًا اشتهروا بالنظافة، حتى إن بعضهم ليفضل أن يكون نظيفًا في ملبسه ومأكله ولو بسيطًا، عن أن يأكل أكلًا فخمًا قذرًا، وقد اعتادوا أن يسيروا في الشوارع ورءوسهم عارية، حتى لقد ترى القاضي أو المفتي وهو عاري الرأس، ويندر أن يتعمم، واعتادوا أيضًا أن يلبسوا البياض عند الحداد، وقال القائل:

يقولون: البياض لباس حزن
بأندلس فقلت: من الصواب
ألم تَرَني لبست بياض شعري
لأني قد حزنت على الشباب

وكان الأندلسيون شديدي التعصب لبلادهم، تلحظ ذلك في تراجم علمائهم، فهذا يلقب بالمالقي، وهذا بالبلنسي، وهذا بالغرناطي، أو بالشاطبي، أو الجيَّني، أو نحو ذلك، كما كان الحال في الشرق مثل: البغدادي، والبخاري، والهمذاني، والبصري، والواسطي، وكانوا يميلون في كلامهم إلى الإمالة، حتى ليقولون في كتاب: كِتيب تقريبًا، كلغة أهل حَمَاة وحلب.

ويحدثنا ابن خلدون وأبو بكر بن العربي أن للأندلسيين طريقة في التعليم غير طريقة أهل الشرق، فإنهم في المشرق يحفظون القرآن أولًا قبل أن يستطيع الصبي فهم معناه، ثم يعلمون اللغة العربية، وعيب هذه الطريقة أن الحافظ للقرآن من غير معنًى عرضة لفهم المعاني الخاطئة التي قد تبقى في ذهنه على مر الأيام، أما في الأندلس فيعلمون اللغة أولًا، ثم يحفظون القرآن بعد القدرة على الفهم، وعيب هذه الطريقة التعرض لأن يتخلف بعض المتعلمين عن حفظ القرآن أو يتعلمون العلوم العربية، ثم ينقطعون عن التعلم؛ ولذلك نصح بعضهم أن يحفظ الطفل القرآن أول الأمر ولو من غير فهم ثم يتعلم العلوم العربية، ثم يعود إلى القرآن ثانية وقد استطاع الفهم.

وشهروا بعلو الهمة حتى لقد يفرطون في ذلك فيطمح كثير منهم أن يكونوا ملوكًا فتنشب الفوضى في البلاد، كما اشتهروا بالرغبة في العلم، حتى لقد وضع ابن حزم رسالة فضل علماء الأندلس، وعاب على أهل الأندلس تقصيرهم في تخليد أخبار علمائهم ومآثر فضائلهم مع كثرتهم، ووفور أدبائهم، وجلالة ملوكهم، وقد تُدُورِكَ هذا فألف بعده كثير من كتب تراجم علماء الأندلس وأدبائها، وما أكثرهم، وقد عد في رساله هذه الكتب المؤلفة في الحديث وفي الناسخ والمنسوخ، وكتب الفقه المؤلفة على مذهب الإمام مالك، وفي اللغة ككتاب «البارع» و«المقصور والمهموز»، وكتاب «الأفعال» لابن القوطية، وفضل كتاب «الأمالي» على كتاب «الكامل» للمبرد؛ لأنه أكثر لغة وشعرًا، وكتاب «الحدائق» لأبي عمر أحمد بن فرج على كتاب «الزهرة» لابن داود، وكتاب «التشبيهات»، وكتب ألفت مقصورة على شعراء الأندلس، كالكتب التي ألفت مقصورة على شعراء المشرق، كما ألفوا كتبًا كثيرة في التاريخ.

وقال ابن حزم أيضًا: «إنه رأى كتبًا في الفلسفة لسعيد بن فتحون السَّرقُسْطِي، ولأبي عبد الله المذحِجِي، وفي الطب لابن الهيثم في الخواص والسموم والعقاقير ما لا يقل عن كتب المشرق». وقد اعترف بأن الأندلسيين في الحساب والهندسة لم يجاروا المشرقيين. قال: «وأما علم الكلام فإن بلادنا وإن كانت لم تتجاذب فيها الفِصَل، ولا اختلفت فيها النِّحل؛ لذلك قلَّ تصرفهم في هذا الباب. وقد كان فيهم قوم يذهبون إلى الاعتزال ويؤلفون على أصوله». وقال: «وبلدنا هذا على بعده من ينبوع العلم ونأيه من مَحِلة العلماء، فإن له من تآليف أهله، ما إن طُلب مثلها بفارس والأهواز وديار مضر، لم يوجد، ولو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلا ابن درَّاج القَسْطَلِي، لما تأخر عن شأو بشَّار وحبيب والمتنبي، وكيف ولنا معه فحول آخرون؟» وعلى كل حال فصاحب البيت أدرى بما فيه، وابن حزم رجل واسع الاطلاع، صادق الحكم.

وخلاصة رأي ابن حزم: أن الأندلسيين لا يقلون عن المشرقيين في سائر العلوم، ما عدا علم الكلام، لقصر نفسهم في الجدل، وإلا في الحساب والهندسة. والضعف في علم الكلام لا يضيرهم؛ لأنه في المشرق ملأ العقول آراء لا طائل تحتها، وعلم الناس السفسطة، ولعل سبب انتشاره في المشرق دون الأندلس أن المشارقة من قديم ورثوا آراء قديمة عن زرادشت، ومَزدك وغيرهما، وعن فلاسفة الهند والصين والفرس، حتى وصل بهم الجدل إلى آراء غريبة. أما الأندلسيون فلم يكن لديهم هذا الميراث الثقيل، وأما قصورهم في الحساب والهندسة، فقلة استعداد في الغالب، كالذي نراه عند أرسطو، والجاحظ، وابن سينا، وأخيرًا السيوطي، فقد اعترف السيوطي بأنه لا يحسن حل المسائل الحسابية ولو كانت بسيطة.

وأما الشُّقندي فله رسالة أخرى تعصب فيها للأندلسيين على طول الخط في كل علم وفن، فقال: «إن الإجماع حصل على فضل الأندلس، وقد نشأ فيهم من الفضلاء والأدباء والشعراء ما اشتهر في الآفاق إلى أن ذهبوا، وذهبت أخبارهم، ودرسوا ودرست آثارهم.

جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم
بعد الممات جمال الكُتب والسِّيَر

وليس منهم إلا من بذل وسعه في المكارم، وكان من ملوكهم العلماء: المنصور بن أبي عامر، وبنو عبَّاد، وبنو صُمادح، وبنو الأفطس، وبنو ذي النون، وبنو هود. ومن أعظم ما يحكى عنهم أن أبا غالب اللغوي ألف كتابًا فبُذل له فيه ألف دينار فقال: «كتاب ألَّفْته لينتفع به الناس، لا يصح أن آخذ عليه أجرًا» … وكان لبني عبَّاد من الحنو على الأدب ما لم يقم به بنو حمدان في حلب، وكانوا هم وبنوهم ووزراؤهم صدورًا في بلاغتي النظم والنثر، مشاركين في فنون العلم، ولم يكن لغيرهم في الفقه مثل: عبد الملك بن حبيب، وأبي الوليد الباجي، وأبي بكر بن العرب، وأبي الوليد بن رشد؛ وليس في المشرق في الحفظ مثل ابن حزم الذي زهد في الوزارة ومال إلى رتبة العلم، ورآها فوق كل رتبة، ولا مثل ابن عبد البر، وليس في حفَّاظ اللغة كابن سيده، صاحب كتاب المحكم، ولا في النحو مثل: أبي محمد بن السيد، وأبي علي الشلوبيني، ولا في علم الفلسفة كابن باجة، ولا في علم النجوم كالمقتدر بن هود، ولا في الطب مثل ابن طفيل، ومثل بني زهر، ولا في الأدب كابن عبد ربه صاحب العِقد، ولا في تخليد مآثر قومه كابن بسَّام صاحب الذخيرة، ولا في بلاغة النثر كالفتح بن عبيد الله بن خاقان الذي إن مدح رفع، وإن ذم وضع؛ وقد ظهر له من ذلك كتاب القلائد، ولا في الشعر مثل المعتمد بن عبَّاد، وقد ألف المظفر بن الأفطس ملك بَطليوس كتابًا في نحو مائة مجلد، ولم تشغله الحروب ولا المملكة عن همَّة الأدب. وليس في الوزراء مثل ابن زيدون، ولا في الشعر مثل ابن درَّاج الذي قال فيه الثعالبي في اليتيمة: «إنه في الأندلس كالمتنبي في الشام»، ثم عدَّد المعاني اللطيفة التي وردت على لسان الشعراء، ثم قال: «وهل في النساء من برعن في الأدب مثل ولادة صاحبة ابن زيدون، وزينب بنت زيادة؟» ثم عدد فضائل البلاد الأندلسية، كإشبيلية، وقد قارن بين نهرها وبين نيل مصر، فقال: «هي غابة بلا أُسْد، ونهرها نيل بلا تمساح، وليس لمثلها ما لها من أدوات الطرب، نعم في البلاد الأخرى مثلها، ولكن إشبيلية تفوقها، وأما قرطبة فكرسي المملكة في القديم، ومركز العلم، ومنار التقى، ومحل التعظيم والتقدير. وبلاد جيّان أكثر البلاد زرعًا، وأصرمها أبطالًا، وأعظمها متعة؛ وأما غرناطة، فإنها دمشق بلاد الأندلس، ومسرح الأبصار، ومطمح الأنفس، ولم تخلُ من أشراف أماثل، وعلماء أكابر، وشعراء أفاضل، نبغ فيها من الشواعر ما لا يحصى. وأما «مالقة» فقد جمعت بين منظر البر والبحر، وكثرة المراكب البحرية، وقد خصت بطيب الشراب، حتى قيل لأحد الخلفاء، وقد أشرف على الموت: اسأل ربك المغفرة، فرفع يديه، وقال: رب، أسألك من جميع ما في الجنة، خمر مالقة، وزبيب إشبيلية.

واشتهر أهل «المريَّة» باعتدال المزاج، ورقة البشرة، وحسن الوجوه والأخلاق، والحصى الملوَّن العجيب الذي يتزين به. واشتهر أهل «مُرْسِيَه» بالصرامة والإباء والنواعير المطربة الألحان، والأطيار المغردة، والأزهار المنضدة، وكان أهل الأندلس يقصدونها لتجهيز العروس. واشتهرت «بلنْسِيه» بكثرة بساتينها، وأن أهلها أصلح الناس مذهبًا، وأمتنهم دينًا … إلخ إلخ».

وعلى كل حال اشتهر أهل الأندلس بالعلم في كل ميدان، وكانوا يعجبون ببلادهم، ويفتخرون بها، كما اشتهروا بالجد في التحصيل، والرغبة في التفوق.

ومما لا شك فيه أن المنهج الذي سلكه ابن حزم، والشقندي، ليس منهجًا علميًّا دقيقًا، إنما هو كلام يقال، فمن الصعب جدًّا الحكم بأن فردًا أذكى من فرد، فكيف الحكم بأن أمَّة أذكى من أمَّة، بل إنها أذكى من الأمم، ومسلكهما الذي سلكاه هما وغيرهما أنهما يحكمان حكمًا كليًّا، ثم يستدلان عليه بمسألة جزئية، فيقولون: إن أهل الأندلس عرفوا بعلو الهمة، أو الاعتناء بالنظافة أو شدّة الحفظ والذكاء، ويستدلون على ذلك بحادثة حدثت لرجل أو من رجل، فكيف يصح هذا في العقل؟ إنما المنهج الصحيح هو مثلًا في توزيع مقياس الذكاء على الناشئين، وعمل ذلك في أمة أخرى، والمقارنة بينهما، ونحو ذلك؛ وبذا تطمئن النفس بعض الشيء عند النتيجة. أما القول جزافًا بأن أمة أذكى والاستدلال بأن فلانًا ألف كتابًا قيِّمًا، فبرهان قاصر؛ ومحال أن تكون أمة كبيرة العدد، كالأمة الأندلسية لا ينتج منها علماء أعلام، وأدباء فطاحل. كل ما في الأمر أنهما لم يأتيا ببرهان واضح حازم، وإنما أتيا بشيء أصح أن يستأنس به فقط.

وقد وصف المقدسي سيد الجغرافيين الأندلس في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»، ولكنه لم يذهب إليها، وإنما اعتمد في وصفه على السماع من أهلها، ويقول عن الأندلس: «إنه إقليم جليل، كبير طويل، كثير النخل والزيتون، به مواضع الحر، ومعادن البرد، كثير اليهود، جيد الهواء والماء … وأهل الأندلس على مذهب مالك، وقراءة نافع، وهم يقولون: لا نعرف إلا كتاب الله، وموطأ مالك، فإن ظهروا على حنفي أو شافعي نفوه، وإن عثروا على معتزلي أو شيعي ربما قتلوه … يدخلون الحمامات بلا مآزر إلا القليل، وكل مصاحفهم ودفاترهم في رقوق … وأهل الأندلس أحذق الناس في الوراقة، خطوطهم مدوَّرة … وبه تجارات تحمل من برقة ومن صقلية ومن فاس. وبالأندلس السَّفَن٤ يتخذ منه مقابض للسيوف، ويقع إليهم من البحر المحيط عنبر كثير في وقت من السنة» … إلخ إلخ.

وقال الحِجَاري: «كانت قرطبة في الدولة المروانية قبة الإسلام، ومجتمع أعلام الأنام، بها استقر سرير الخلافة المروانية، وفيها تمخضت خلاصة القبائل المعدية واليمانية، وإليها كانت الرحلة في الرواية، إذ كانت مركز الكرماء، ومعدن العلماء، وهي من الأندلس بمكان الرأس من الجسد، ونهرها من أحسن الأنهار، مكتنف بديباج المروج، مطرز بالأزهار، تصدح في جنباته الأطيار، وتنْعَر النواعر … وإن كان قد أخنى عليها الزمان، وغيَّر بهجة أوجهها الحسان … وسل الخورنق والسدير وغمدان».

ولما دخل الأندلس أمير الموحدين يوسف بن تاشفين، وأمعن النظر فيها وتأمل وصفها وحالها: قال: «إنها تشبه عقابًا مخالبه طليطلة، وصدره قلعة رباح، ورأسه جيان، ومنقاره غرناطة، وجناحه الأيمن باسط إلى المغرب، وجناحه الأيسر باسط إلى المشرق».

وقد وصف الشريف الإدريسي الأندلس وصفًا مطوَّلًا نختصره فيما يأتي: قال: «إن الأندلس في ذاتها شكل مثلث بها يحيط بها البحر من جميع جهاتها الثلاث … والأندلس طولها ألف ومائة ميل، وعرضها ستمائة ميل، وجزيرة الأندلس مقسومة من وسطها في الطول بجبل طويل … وفي جنوب هذا الجبل تأتي مدينة طليطلة، وهي مركز لجميع بلاد الأندلس، وكانت في أيام الروم مدينة الملك، ومدارًا لولاتها … وما خلف الجبل في جهة الشمال يسمى قشتالة».

وقد عدَّد هنا المدن، وذكر مواقعها، ومزايا كل مدينة، والبعد بين كل مدينة وأخرى بالمراحل أو الأيام، وأبدع ما وصف وصفه لمسجد قرطبة إذ قال: «وفيها — أي: قرطبة — المسجد الجامع الذي ليس بمساجد المسلمين مثله بِنْيَة وتنميقًا، وطولًا وعرضًا، وطول هذا الجامع مائة باع مرسلة، وعرضه ثمانون باعًا، ونصف مسقف، ونصفه صحن للهواء، وعدد قسِي مُسَقَّفه تسعة عشر قوسًا، وفيه من السواري ألف سارية، وفيه ١١٣ ثريَّا للوقيد أكبرها واحدة تحمل ألف مصباح، وأقلها تحمل ١٢ مصباحًا … وجميع خشب هذا المسجد من عيدان الصنوبر الطرطوشي … وبين العمود والعمود ١٥ شبرًا، ولكل عمود منها رأس رخام، وقاعدة رخام … ولهذا المسجد الجامع قبلة يُعجز الواصفين وصفُها، وفيها إتقان يُبهر العقول تنميقها، وكل ذلك من الفُسَيفِساء والمذهَّب والملون، مما بعث صاحب القسطنطينية إلى عبد الرحمن الناصر، وعلى وجه المحراب أنواع كثيرة من التزيين والنقش، وفي عضادتي المحراب أربعة أعمدة، اثنان أخضران، واثنان لازورديَّان لا تقوَّم بمال، وعلى رأس المحراب خُصَّة رخام قطعة واحدة مشبوكة محفورة، منمَّقة بأبدع التنميق، ومن الذهب واللازورد وسائر الألوان، وعلى وجه المحراب مما استدار به حظيرة خشب بها من أنواع النقش كل غريبة، وعن يمين المحراب المنير الذي ليس بمعمور الأرض مثله … صنع في نجارته ونقشه سبع سنين. وكان عدد صُنَّاعه ستة رجال غير من يخدمهم، وعن شمال المحراب بيت فيه عدد وطشوت ذهب وفضة، ومسك لوقيد الشمع، في ليلة سبع وعشرين من رمضان. وفي هذا المخزن مصحف يرفعه رجلان لثقله فيه أربع أوراق من مصحف عثمان وفيه نقط من دمه، وهذا المصحف يخرج في صبيحة كل يوم جمعة …

وفضائل أهل قرطبة أشهر من أن تذكر، ومناقبهم أظهر من أن تسطَّر، وإليهم الانتهاء في الثناء والبهاء، بل هم أعم البلاد، وأعيان العباد، ذكروا بصحة المذهب، وطيب المكسب، وحسن الزيّ في الملابس والمراكب، وعلو الهمة في المجالس والمراتب، وجميل التخصص في المطاعم والمشارب … ولم تخل قرطبة قَطُّ من أعلام العلماء، وسادات الفضلاء، وتجارها مياسير لهم أموال كثيرة وأحوال واسعة، ولهم مراتب سنية، وهمم علية، وهي في ذاتها مدن خمس يتلو بعضها بعضًا. بين المدينة والمدينة سور حاجز، وفي كل مدينة ما يكفيها من الأسواق والفنادق، والحمامات، وسائر الصناعات». وكل هذه الأخبار تعطينا صورة من صور الأندلس؛ مما يدل على حضارتها وثروتها، وجميل موقعها.

وإذا كانت البيئة الاجتماعية في الأندلس تتفق مع المشرق من نواحٍ غير النواحي التي تختلف فيها، ظهرت الشعوبية هنا وهناك، والسبب فيها واحد وهو أن العرب تخلقوا بالأخلاق الأرستقراطية وشمخوا بأنوفهم على من عداهم؛ لأنهم ناشرو الدين وأصحاب اللَّسَن، وزعموا أنهم خير الأمم، فاضطرت الأمم الأخرى أن تدافع عن نفسها بقولهم: إن لكل أمة مزايا وعيوبًا، وليست الفضائل كلها مقصورة على العرب، بل فيهم بعضها، وفي غيرهم بعضها. وكان من ذلك في المشرق حركة جدال عنيف بين العلماء، ووجهت الأسئلة الكثيرة إليهم أي الأمم أفضل؟ فوجهت مثلًا إلى ابن المقفع، وإلى أبي سليمان المنطقي وغيرهما، ووجد في الأندلس من يقول بالشعوبية من أشهرهم ابن غرسية، واسمه يدل على أنه من أصل أجنبي.

وما لبث الأندلسيون بعد أن اختلط العرب بالإسبانيين وظهر نَشْء مولد بسبب التزاوج أن وجدت لهم لغة عامية بحكم صعوبة الإعراب، وأثر البيئة في الألسنة والحناجر. فيحدثوننا أن أبا علي الشلوبيني كان نحويًّا كبيرًا، طبقت شهرته الآفاق في النحو ومع ذلك كان لحَّانًا، وكان لا يكاد يُبين.

واشتهرت بعض البلاد بأنواع من الفواكه والصناعات، فقالوا: التين المالقي والزبيب المنكبي، ونحو ذلك. وبالأندلس مقاطع للرخام الأبيض الناصع اللون والخمري، وفي البلدة المسماة (ناشرة) مقطع للعمد، واشتهرت المرية بحصاها الذي يشبه الدر في رونقه؛ وله ألوان عجيبة. قال ابن سعيد: «اختصت المرية ومالقة ومرسيه بالموشى المذهَّب الذي يتعجب من صنعته أهل المشرق. و… وبالمرية ومالقة الزجاج الغريب العجيب، وفخار مزجج مذهب، ويصنع بالأندلس نوع من المفضض المعروف بالمشرق بالفسيفساء، ونوع يبسط به في قاعات ديارهم يعرف بالزليجي، يشبه المفضض، وهو ذو ألوان عديدة، يقيمونه مقام الرخام الملون، وفي إشبيلية من دقائق الصنائع ما يطول ذكره، واشتهرت المرية أيضًا بأنها كانت مرسى للأسطول الإسلامي في الأندلس، وفيها دار للصناعة. قالوا: وكان في المرية ألف إلا ثلاثين فندقًا مقيدة في ديوان الخراج».

وذكر ابن سعيد أيضًا أن الأرض الشمالية الغربية فيها المعادن السبعة، وأن أعظم معادن للذهب في الأندلس في جهة شنت ياقوب قاعدة الجلالقة على البحر المحيط، وفي جهة قرطبة الفضة والنحاس في شمال الأندلس كثير، والصفر الذي يكاد يشبه الذهب، وغير ذلك من المعادن المتفرقة في أماكنها … إلخ … إلخ.

وقد اعتاد الأندلسيون والشرق أيضًا ألا يحكموا أنفسهم بأنفسهم، ولا يعتمدوا على أنفسهم في النظام وتدبير الشئون، وإنما اعتادوا الاعتماد على رجل قوي حازم يحكمهم ويقودهم. هذا في الأندلس، ومثله في الشرق؛ ولذلك نرى أن الأمور تستقيم ما دام على رأس المملكة رجل قوي حازم، فإذا زال كان الاضطراب والفوضى، وكان هذا في الأندلس أقوى؛ لأن سكانها ذوو عناصر مختلفة، فهؤلاء العرب بقبائلها، وهؤلاء البربر، وهؤلاء الصقالبة، وهؤلاء الإسبان، فما لم يثبت الحاكم كفايته للضغط على هذه العناصر المتباينة أخرجت هذه الشعوب كلها أنيابها للفتنة والاضطراب، فضلًا عن اختلاف بعضهم وبعض في الدين بين نصراني كاثوليكي في الشمال ومسلم في الجنوب؛ ولهذا كان تاريخ الأندلس حوادث متعاقبة تختلف في النظام والفوضى، فتستقر عند وجود الحاكم الحازم وتضطرب عند عدمه، والقارئ لتاريخهم يعجب من ازدهار الحضارة والعلم في وسط هذا الاضطراب، ويفسر هذا شيئان:
  • الأول: أن بعض الأمراء الحازمين حكموا مدة طويلة كخمسين سنة، أو نحو ذلك استقامت فيها الأمور وازدهرت فيها الحضارة والعلم؛ كعبد الرحمن الداخل، وعبد الرحمن الناصر، والمنصور بن أبي عامر ونحو ذلك.
  • والثاني: أنه يظهر أن العملاء أو بعضهم كانوا يكوِّنون لأنفسهم جوًّا هادئًا يسود فيه العلم، ويبتعدون فيه ما أمكن عن السياسة رغم الفتن والقلاقل التي حولهم، وربما شهدت الأندلس أكثر من غيرها تحاسد الزعماء، ووجود عدد كبير من العتاة من البربر والعرب والصقالبة والإسبان، وقليل من الأمراء من استطاع أن يصون وحدة المملكة مدة طويلة، فإذا هدأت البلاد قليلًا كانت ثورة إما من زعيم يريد أن يتغلب، وإما من النصارى في الشمال يريدون أن يسترجعوا بلادهم، وإما من بربر يحز في نفوسهم غلبة العرب، إلى غير ذلك.

وكان للأندلسيين خطط لتنظيم أعمال الحكومة وهي التي نسميها التنظيم الإداري، فوظيفة القضاء عندهم أكبر الوظائف وأسماها لتعلقها بالدين؛ ولأن القضاة كانت لهم سلطة كبيرة، حتى ليستطيع القاضي إحضار الخليفة أو الأمير ليسمع كلامه، وعلى رأس القضاء قاضٍ كبير كان يسمى قاضي الجماعة، وله الحق أن يأمر بالقتل على من استحق القتل من غير رجوع إلى السلطان، وهو الذي يحدُّ على الزنا وشرب الخمر، وكان بجانب وظيفة القضاء وظيفة (الحسبة) يتولاها عالم وجيه فطن، وكان صاحب هذه الوظيفة يمر على الأسواق راكبًا، ومعه موازينه وأعوانه، فيزن الخبز، ويمتحن الأسعار، ويراقب البطاقات على السلع إذ كانت البطاقات توضع على الخبز واللحم، وقد يرسل المحتسب إلى البائع من يمتحنه سرًّا فإن عهدت عليه خيانة ضرب أولًا وجُرِّسَ، فإن لم يرتدع نُفي من البلد، وكان في كل بلد محافظ يطوف بالليل، وكان المحافظون يسمون بالدَّرَّابين؛ لأن بلاد الأندلس لها دروب بأقفال تقفل عليها، ولكل زقاق خفير يخفره وسراج يعلق على باب الزقاق، وكلب يحرسه وسلاح معد لوقت الحاجة … وأهل الأندلس من أكثر الناس محافظة على الشعائر الدينية والاستنكار لمن يعطلها، وهم أكره ما يكونون للتسول، فإذا رأوا شخصًا صحيح الجسم قادرًا على العمل وهو يتسول، سَبُّوه ونصحوه بأن يبحث له عن صناعة يرتزق منها … إلخ.

وكانت هناك وظائف كتابية، والكتابة عندهم على ضربين: كاتب الرسائل وكاتب الزمام. فكاتب الرسائل كاتب أديب، يتولى كتابة الرسائل الرسمية وغير الرسمية. وأما كاتب الزمام فهو كاتب حسابي. وكانوا يلاحظون ألَّا يكون كاتب الزمام يهوديًّا ولا نصرانيًّا؛ لأن عظماء الناس ووجوههم يحتاجون إليهم، وهم يأنفون أن يحتاج المسلم لمن ليس من دينه.

والشعر عندهم له حظ عظيم، والشعراء من ملوكهم وجاهة، والمجيدون منهم ينشدون في مجالس عظماء ملوكهم، ويوقع لهم بالصلات على أقدارهم … وإذا كان الشخص بالأندلس نحويًّا أو شاعرًا، فإنه يعظم في نفسه لا محالة ويسخف، ويظهر العجب، عادة قد جبلوا عليها».٥

وكانت لهم عناية كبرى بالشرطة (البوليس) ورئيسهم يعرف بصاحب المدينة أو صاحب الليل. قالوا: وإذا كان عظيم القدر عند السلطان كان له القتل لمن وجب عليه دون استئذان، كالذي للقاضي ولا يكون ذلك إلا نادرًا.

ومن الصعب تحديد عدد سكان الأندلس في العصور المختلفة. ويروي بعض المؤرخين أنهم كانوا في أيام الرومان بين ثلاثين وأربعين مليونًا، ولكن ليس هناك وثائق تاريخية تؤكد ذلك، ولم نقف على عددهم في أيام العرب. وقالوا: «إن هذه السكة لدار ضربها ثلاثة آلاف درهم وأربعمائة دينار»، وأيًّا ما كان فإن عدد السكان قد قلَّ لما انتصر الإسبانيون على المسلمين، وتفرق كثير منهم ورحلوا إلى المغرب والمشرق، وسبب آخر لهبوط العدد، وهو اكتشاف أمريكا على يد الإسبان والبرتغال وهجرة كثير منهم إليها؛ حتى إنه في سنة (١٧٦٨ﻫ) كان عدد السكان تسعة ملايين ومائة وستين ألفًا، وفي أوائل القرن الثامن عشر كانوا نحو عشرة ملايين، وبلغوا الآن اثنين وعشرين مليونًا وثلاثمائة وثلاثين ألفًا. ومعدل كثافة السكان بالنسبة إلى مساحة الأرض هو أربعون نسمة في الكيلو متر المربع الواحد. وعلى الجملة فهذا يعطينا فكرة ولو ساذجة عن سكان العرب في إسبانيا.

وتمتاز الأندلس بأنها كانت بدخول العرب والمغاربة فيها مسكن كثير من الأوربيين والأسيويين. فقد تجمع فيها العرب والبربر، كما تجمع فيها الإسبانيون والفرنسيون ويهود أمم مختلفة؛ وبعبارة أخرى تجمع فيها العنصر السامي والعنصر الآري. وإسبانيا هي كذلك إلى الآن، ولا عبرة بخروج العرب والبربر من بينهم، فإن دم العرب سرى في عروق الإسبان إلى الآن مما جعلهم أمة فيها العنصر الشرقي والعنصر الغربي، ويظهر ذلك في لغتهم وموسيقاهم وعاداتهم وتقاليدهم. وقد يعلل السائحون ذلك بأنها أمة منعزلة عن سائر الأمم، ولكن التعليل الصحيح أن في دمهم بقايا العرب والبربر، حتى إن المقاطعات البعيدة كأهل قشتالة لا يزال فيهم أثر الدم العربي والعادات العربية.

وقد تلاقى في الأندلس جملة أمم: الإيبيريون، والسلتيون، واللاتينيون، واليونانيون من العنصر الأوربي، والقرطاجنيون، والفينيقيون، واليهود من العنصر الأسيوي؛ وطرأت على إسبانيا أمم جرمانية مثل: الفندال، والقوط، وهؤلاء القوط كانوا هم الطبقة السائدة عندما فتحها العرب.

ولما جاء العرب دخلها آلاف منهم ومن البربر، وبذلك اختلطت فيها أوربا، وآسيا وإفريقيا وامتزجوا امتزاجًا غربيًّا؛ وهذا هو ما يمثلها حتى الآن. والعنصر الأوربي، أو السلالة الآرية، هو العنصر الغالب على القسم الشمالي الغربي من الأندلس، وأجسامهم قوية وعضلاتهم صلبة، وكانوا هم الشوكة الكبرى في جنب المسلمين أيام دولتهم، ومن هؤلاء القشتاليون الذين يعدون أنفسهم محرري البلاد، وفيهم حمية شديدة، وتعصب قوي؛ ويشبههم في هذه الحمية أهل أراغون؛ ولذلك لما تزوج ملك قشتالة بملكة أرغون — أي: تزوج فرديناند بإيزابلا — كان أهل المملكتين قوة كبيرة اجتاحت المسلمين، أما سكان جنوب الأندلس فيقول جوسه صاحب كتاب جغرافية إسبانيا والبرتغال: «إنهم أهل ذكاء وجمال ومرح وترف، وبلاد الأندلس تتصل بأوربا ببرزخ، وهو جبال البرانس، وكثيرًا ما ذكر هذا الاسم في تاريخهم».

ويظهر أن نشأة العلوم في البيئات كلها كانت متشابهة أو متقاربة، فتبدأ الأرض جرداء لا نبات فيها، ثم تمهد الأرض، ثم توضع البذرة، وتسمد بالغذاء الصالح، وتتعاهد بالسقي حتى تنمو، وبعد ذلك تثمر. هذا ما حدث للعلم في المشرق، وهذا بعينه ما حدث للعلم في الأندلس.

لقد جاء الإسلام في المشرق، فمهد الأرض للنبات، ثم وضعت بذور العلوم الدينية من تفسير، وحديث، وسيرة، وتاريخ، ومضى على ذلك زمن طويل، تتطور فيه هذه العلوم، ثم زادت الحضارة، وأُتي بالكتب من كل مكان، وترجم غير العربي إلى العربية، فعكف أهلها عليها يتفهمونها، ثم هضموها، وأخرجوا نتاجًا عظيمًا، حتى في العلوم التي لم يكن لهم بها عهد، ومثل ذلك حدث في الأندلس، فقد دخل المسلمون الأندلس واصطدموا بالإسبان، وكانت صدمة عنيفة أذهلت العقول من البحث في العلوم، وكثر بين المسلمين الخلاف بسبب العصبيات من يمنية ومضرية، وانقسم اليمنيون أنفسهم إلى عصبيات، وكذلك المضريون. وكان الخلاف بين العرب والبرابرة، وبين العرب والإسبان مما لا يجعل للعلم مكانًا، حتى إذا بدأت الأمور تهدأ، بدءوا يفكرون في العلم، وأول ما فكروا فيه الدين، وتلا ذلك بعد زمان العلوم الداخلية كالفلسفة والرياضيات.

ولما هدءوا وفكروا في العلم كان لذلك وسائل كثيرة:
  • (١)

    أن يُدعى قوم من المشرق إلى الأندلس فيملئُوها أدبًا ولغة، كما فعل أبو علي القالي، فقد كان مشرقيًّا، ورحل إلى الأندلس بدعوة من أميرها، وكان قد تثقف ثقافة واسعة في المشرق، وأخذ كثيرًا عن شيوخه، وخاصة ابن دريد، وكانت لابن دريد أخبار طريفة بعضها صحيح، وبعضها مصطنع، مثل وصايا الأعراب لأبنائهم وبناتهم، وما قيل فيها من كلام لطيف، خلقه ابن دريد على الأرجح؛ ولذلك ينسب إليه أنه واضع أصول المقامات قبل بديع الزمان، وكان المشرقيون قد قطعوا شوطًا بعيدًا في جمع اللغة، وجمع الأشعار، وأخذوا ينتقون منها المختارات المختلفة، كما فعل الأصمعي، والمفضل الضبي، فحوى ذلك كله أبو علي القالي، وسافر بعلمه إلى الأندلس، وكان رجلًا عالمًا، وقورًا، حافظًا، فنشر ما شاء الله أن ينشر في الأندلس، وأخذ يروي مختارات حيثما اتفق، ثم يشرح ما احتاج إلى الشرح نظمًا كان أو نثرًا.

    نعم إنه روي عنه أنه أرتج عليه حينما حاول أن يخطب أول أمره، كما أُخذ عليه أنه روى أول أمره بيتًا غير مستقيم الوزن، ولكن يظهر أن اختصاصه كان في رواية ما تعلمه عن شيوخه في المشرق، ويكفي العالم نبوغه في ناحية واحدة من النواحي لا في كل النواحي، كالذي روى عن صاعد وقد رحل من المشرق إلى الأندلس، أيضًا أنه أخطأ في وزن كلمة عويصة، وأخطأ في فهم مسألة من كتاب سيبويه، وقد يكون ذلك صحيحًا، ولكن مهارته ونبوغه كانا في حسن بديهته الأدبية، ورواياته الشعرية.

    وانتشر علم أبي علي القالي وصاعد، بين تلاميذهما، ومن تلاميذهما إلى تلاميذهم، وهكذا، وكانا من أول من وضعا أساس الثقافة المشرقية في الأندلس في اللغة والأدب.

    ثم نشأت طائفة من أهل الأندلس نفسها تؤلف كما ألَّفا، كابن عبد ربه المالقي في العقد، فقد اختار زبدة أدب المشرقيين واعتمد على كتبهم، وخصوصًا كتاب ابن قتيبة المسمى «عيون الأخبار» وبوَّبه تبويبًا أشبه بتبويبه، إلا أنه سمى كل باب بنوع من الأحجار الكريمة، وجعله كالقلادة، وكان قصده منه أن ينقل إلى الأندلسيين أدب الشرقيين. وقد قال الصاحب بن عبَّاد لما قرأه: «إن بضاعتنا ردت إلينا»؛ لأنه رأى فيه علوم المشرق التي يعرفها، وابن عبد ربه معذور، والصاحب مخطئ، فإنه لم يرد جمع مختارات أدباء الأندلسيين كما فعل ابن بسام في الذخيرة، وإنما أراد تعريف الأندلسيين بعلوم المشارقة.

  • (٢)

    أما الوسيلة الثانية: فقد رحل بعض الأندلسيين إلى المشرق، وندبوا أنفسهم لتحصيل علم من علومه، والتبحر فيه، ثم الرجوع إلى الأندلس لنشر ذلك العلم بين أهله. ومن خير الأمثلة على ذلك: يحيى بن يحيى الليثي، فقد رحل إلى المدينة، وتتلمذ للإمام مالك، وأخذ عنه الموطأ، ولازمه، وخدمه كما سافر إلى مصر وأخذ من الليث بن سعد. وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم، وكان يحيى معروفًا بالأمانة والدين، معظَّمًا عند الأمراء، متعففًا عن الولايات، ثم نشر علمه في الأندلس، ومع تعففه عن القضاء أسند إليه اختيار القضاة، فكان يختار من كان على مذهب مالك، وألف حوله مجلسًا يسمى مجلس الشورى، عين أعضاءه، ووكل إليهم أمر الفتيا، وإن كنا لم نعرف الكثير عن نظام مجلس الشورى؛ لأنه لم يذكر في كتاب التاريخ إلا لمامًا. وكان عظيم الجاه، حتى قال أحد مؤرخيهم: «إنه لم يُعْطَ أحد من أهل الأندلس منذ دخلها الإسلام ما أعطي يحيى من الحظوة، وعظم القدر، وجلالة الذكر، هذا إلى صراحة في التزام الحق، وفي تنفيذ الحقوق، وإقامة الحدود».

    ومثل ذلك كثير، فمنهم من رحل لتعلم الفقه، ومنهم من تعلم النحو، والصرف، والتفسير، والحديث والقراءات … إلخ. ويجد القارئ في النفح ثبتًا طويلًا بأسماء من رحلوا من الأندلس إلى الشرق للتزود بالعلم، وبلغ من إقبالهم على ذلك أن كان الشخص يعاب بأنه لم يرحل إلى الشرق.

    ومن هؤلاء جميعًا ظهرت بعد ذلك طبقة من الأندلسيين أنفسهم يتقنون العلم، ويحملون عبء نشره، حتى نرى فيهم مثل ابن القوطية، وكنيته تدل على أنه قوطي الأصل، وفي الحقيقة كانت جدته أميرة قوطية، وقد نبغ في اللغة حتى فاق كثيرًا من المشرقيين، وألف لنا كتاب «الأفعال» وغيره من الكتب التي تدل على علمه وفضله، وأمثاله كثيرون في كل فرع من فروع العلم كما سيأتي بيانه.

  • (٣)

    جمع الكتب: ذلك أن الكتب أيضًا من أهم وسائل الحركة العلمية، وقد روي عن الأندلسيين أنهم أدركوا ذلك كل الإدراك، ومن أبرزهم في ذلك الخليفة الحَكم الثاني المعروف بالمستنصر من خلفاء بني أمية في الأندلس، ملك من سنة ٣٥٠ إلى سنة ٣٦٦ﻫ، فقد انتدب نفسه للعناية بالعلوم (واستجلب من بغداد ومصر وغيرهما من ديار المشرق والمغرب عيون التأليف والمصنفات الغربية في العلوم القديمة والحديثة، وجمع منها ما كاد يضاهي ما جمعته ملوك بني العباس في الأزمان الطويلة، وتهيأ له ذلك لفرط محبته في العلم، وبُعد همته في اكتساب الفضائل، وسمو نفسه إلى التشبه بأهل الحكمة من الملوك، فكثر تحرك الناس في زمانه إلى قراءة كتب الأوائل، وتعلم مذاهبهم، حتى بلغت مكتبته الآلاف من الكتب).

على كل حال، كانت الأندلس والمشرق أشبه برقعة واحدة يسير فيها النمل ذهابًا وجيئة، وتتقابل النمال فتتسار، علماء يضيق بهم الشرق من الفاقة فيرحلون إلى الغرب، وعلماء من الغرب يعوزهم العلم فيرحلون إلى الشرق، منهم من تقصر رحلته، فيكتفي بالرحلة إلى المغرب، فإذا زاد شيئًا رحل إلى مصر، ومنهم من له جرأة ومقدرة على الرحلة الطويلة، فيرحلون إلى المغرب، ومصر، والشام، والعراق وما إلى ذلك، وهؤلاء الرحالون كانوا يتبحرون في علوم مختلفة، فمنهم من يقصد في رحلته الفقه، والتفسير، والحديث، والقراءات وهم العدد الكثير، أمثال عبد الملك بن حبيب السلمي، وقد كان فقيهًا مشهورًا، رحل إلى المشرق وجمع من الأحاديث ما شاء الله أن يجمع، وطوف في البلاد ما شاء الله أن يطوف، ثم عاد وألَّف نحو ألف كتاب، وسمي عالم الأندلس، وكان علمه بحرًا يزخر، وألَّف في الفقه كتابًا مشهورًا اسمه «الواضحة»، وربما قورن بيحيى بن يحيى الليثي الذي مَرَّ ذكره؛ ومثل القاضي أبي عبد الله محمد بن عيسى، ولي القضاء بقرطبة بعد رحلة رحلها إلى المشرق، وكان يتغنى بالعراق، إذ حمد المقام به أيام طلبه للعلم؛ ومنهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، وقد وقف وقفة مشهورة، وهي وقفته أمام عبد الرحمن الناصر، لما أراد أن يشتري بيتًا لأيتام ليوسع به قصره، فما زال يمانعه، حتى دفع فيه الناصر مبلغًا كبيرًا؛ وكالقاضي أبي بكر بن العربي، وبقي بن مخلد، وقاسم بن أصبغ.

ومنهم من طلب الفقه والكلام، كابن حزم العالم المشهور، ويرجح بعض المستشرقين أن أصله من جهة الأم إسباني، وقد كان واسع العلم، غلب عليه المذهب الظاهري، فكان يدعو إليه ويدافع عنه، وله في الكلام باع واسع، ونَفَس طويل في الجدل، وكان أرستقراطي الأصل، إذ كان أبوه وزيرًا، وكان هو نفسه وزيرًا فلم يعبأ بذلك، ولم يعبأ بالاضطهاد ممن اضطهده، ولا بنفيه، ويقولون: إنه خلف نحو أربعمائة مؤلف. ولما أحرق المعتضد بن عباد كتبه بإشبيلية قال:

فإن تحرقوا القرطاس لم تحرقوا الذي
تضمنه القرطاس بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلَّت ركائبي
وينزل إن أنزل ويدفن في قبري

وكان إلى علمه في الفقه والكلام أديبًا، قوي العاطفة، حسن التعبير عما في نفسه كالذي يدل عليه كتابه «طوق الحمامة».

ومنهم من رحل يطلب الأخلاق، وعلم السياسة، كابن أبي رندقة الطرطوشي، صاحب كتاب «سراج الملوك»، ومنهم من رحل في طلب الأدب كالشريشي وابن عبد ربه صاحب العقد، ومنهم من رحل للتبحر في النحو والصرف كابن مالك صاحب الألفية، ومنهم من رحل للتصوف كمحيي الدين بن عربي، وأبي العباس المرسي، وياقوت العرشي، ومنهم من رحل لطلب الفلسفة والعلوم الدخيلة كابن زهر.

وبعض هؤلاء الرحالين استقر في البلد الذي رحل إليه، فقد أعجبه فلم يعد إلى بلاده، ولكن الأكثر عاد إلى بلاده، وتحلى بصفة المعلم، ووضعوا أيديهم في أيدي من رحل إليهم من المشرق، وكوَّنوا مدرسة واسعة، حدودها حدود الأندلس، فأخذوا يدرِّسون، ويؤلفون، ويترجمون، وكانت هذه هي النواة الأولى التي أنتجت العلماء في الأندلس من كل صنف، وكانت هذه الرحلات منها وإليها، لها منفعة ومضرة؛ فمنفعتها أنها نشرت العلم ما شاء أن ينشر، وكوَّنت علماء نابغين، ووسعت الثقافة بين الشعب الأندلسي، ولكن مضرتها أنها صبت العلم الأندلسي في قالب يشبه القالب الشرقي، ولو نشأ بعيدًا عن التأثر الشرقي لرأينا علمًا مبتكرًا له منحى خاص، وهذا مع الأسف لم نره، فالجداول التي مر بها العلم في المشرق، هي بعينها الجداول التي مر بها العلم في الأندلس، ولا نعثر على ابتكار إلا قليلًا، وكانت هذه القوالب المشرقية أقوى من البيئة الأندلسية، فمع اختلاف بيئة الأندلس عن بيئة المشرق، سواء كانت بيئة طبيعية أو اجتماعية، كانت قوالب المشرق العلمية أقوى من البيئة الأندلسية. وكما قلد علماء المشرق الأقدمين منهم، فساروا في نفس طريقهم، قلد الأندلسيون علماء المشرق، فساروا في نفس الطريق؛ ولذلك نقرأ الكتب المؤلفة في الأندلس فكأنك تقرأ كتب المشرق في لغتها وأبوابها وفصولها.

وربما كان الأدب مع تأثره أيضًا بالأدب المشرقي أميز من سائر العلوم في الابتكار؛ لأن الأدب يتأثر بالعواطف الشخصية، والحوادث المحلية أكثر من تأثر العلم، ولكن حتى هذا مع الأسف كان الاختلاف فيه في الشكل لا في الجوهر، مثل شكل الموشحات، واللعب بالتشبيهات، أما موضوعات شعرية أو نثرية لم تعرف عند المشرقيين، فهذا لم نره، وشأن العلم الأندلسي في ذلك شأن العلم والأدب في مصر، والمغرب، والشام، فكلها قلدت العراق في علمه، وأدبه؛ حتى إنه لما عهد إلينا تدريس الأدب المصري في الجامعة، صرفنا زمنًا طويلًا في تعرف الشخصية المصرية الأدبية، وما تمتاز به عن غيرها من الآداب. فلم نعثر إلا بعد جهد، ولم نعثر بعد الجهد إلا على القليل. فإن قلت: إن العلم الإسلامي سار في طريق واحدة، وأهمل البيئات المختلفة لم تبعد عن الصواب؛ وربما كان السبب في ذلك أن الحياة الدينية من فقه وتفسير وحديث اعتمدت على القرآن، فكان طبيعيًّا وقد اتحد المصدر، أن تتحد النتيجة أو تتقارب، فإذا وصلنا إلى العلوم الدخيلة من فلسفة، وطب وتنجيم، وطبيعة، وكيمياء، وإلهيات، رأينا أنها اعتمدت هي الأخرى في الأندلس على الفلسفة اليونانية، والتعاليم الهندية، وما إلى ذلك، إما عن الترجمات اليونانية إلى العربية مباشرة، وإما عن طريق ما ترجمه المشارقة، فاتحدت النتيجة في العلوم الدخيلة أيضًا، ولو كانت الأصول التي اعتمد عليها مختلفة لاختلفت النتائج.

ثم كان من أسباب هذا الاتحاد أن العالم الإسلامي كله كان معتبرًا دارًا واحدة، فالعالم كله كما قال الفقهاء: «دار حرب ودار إسلام»، ودار الإسلام كلها مشرقًا ومغربًا معتبرة وطنًا واحدًا للعلماء، فإذا رحل الأندلسيون إلى المشرق، أو رحل المشارقة إلى الأندلس فإنما يرحلون في دارهم، وتحت جو واحد مشبع بالروح الإسلامية. وسواء من دخل من الفرس والهند في الإسلام، ومن دخل من الإسبان في الإسلام، فهم إنما يستنشقون هواءً إسلاميًّا واحدًا، ويتكونون تحت تأثير لغة عربية واحدة.

إن العلماء المحدثين يجعلون أكبر المؤثرات في تكوين الأمم دينها ولغتها، ونظامها الاجتماعي الاقتصادي، وكانت هذه كلها في العالم الإسلامي متقاربة، فلا بد أن تكون الحياة العقلية والعلمية والنفسية متقاربة. وتعجبني حكاية قرأتها أن الغزال الشاعر الأندلسي، والسفير الأندلسي لدى بعض الأمم الأجنبية، لما رحل إلى العراق، وأسمع العراقيين شعره، فضَّلوا عليه شاعرهم أبا نواس مع أنهم فهموه حق الفهم، ولكنهم قالوا: إنه وأمثاله من الأندلسيين لم يبلغوا في الشعر مبلغ أبي نواس فرد عليهم، وفي يوم من الأيام أتاهم بقطعة من شعره، وقد نسبها إلى أبي نواس، فاستحسنوها، فقال لهم: إنما هي لي.٦

فهذه قصة تدل على تعصب كل من المشارقة والمغاربة لشعره، كما تدل على أن ما يقوله الأندلسي يفهمه المشرقي ويتذوقه، وما ينسب إلى المغربي قد ينسب إلى المشرقي فتجوز نسبته.

وما دام المؤذنون يؤذنون في المساجد بألفاظ واحدة، فالصدى يكون واحدًا، وكذلك العلم والأدب.

وقد كان الأندلسيون يدينون بمذهب الأوزاعي، متأثرين في ذلك بالشاميين الذين كانوا في الجند الذي فتح الأندلس، إذ كان الأوزاعي بيروتيًّا، وكان إمامًا كبيرًا، وفقيهًا معدودًا، ثم انتقلوا إلى مذهب الإمام مالك كما ذكرنا، ويظهر أن السبب في ذلك أمور:
  • (١)

    أن مذهب مالك أقرب لمزاجهم، فهو يعتمد على الحديث وعلى إجماع أهل المدينة، أكثر مما يعتمد على القياس والعقل وهذا المنهج أكثر ملاءمة وأوفق لعقلية الأندلسيين.

  • (٢)

    أن رجالًا عظامًا كيحيى بن يحيى الليثي الذي ذكرناه من قبل تتلمذ لمالك في المدينة، وأخذ عنه، ومنحه الله من القوة والسلطان ما مكَّنه من نشر مذهب مالك، وعهد إليه في اختيار القضاة فكان يختارهم على مذهبه.

وقد تأثر الأندلسيون بمذهب مالك في الشدة والعصبية، ووقاهم الله ما كان في العراق وغيره من البلاد المشرقية في الخلاف المذهبي، كالذي كان بين الشافعية والحنفية، والذي كان بين الشافعية والحنابلة. وربما كان هذا أيضًا سببًا في قلة الفرق الدينية، فلم يكن بين الأندلسيين ما كان لأهل العراق من مذاهب مختلفة في العقائد كشيعة وخوارج، وغير ذلك، والسبب الأول في هذا أن العراق كان حتى قبل الإسلام مملوءًا بالمذاهب المختلفة؛ كالمزدكية، والزرادشتية، ومذاهب الهنود في التناسخ ونحوه. فلما جاء الإسلام واستقر في العراق ظهرت هذه المذاهب بلونها الأصلي أو بلون معدل، وتفرق من أجلها الناس إلى فرق كثيرة، ولعل من أسباب عدم ظهورها أيضًا في الأندلس اتحادهم في اعتناق مذهب مالك، وهو مذهب سني يعتمد على الحديث، فلا حاجة للأمة التي تعتنقه إلى اعتناق غيره. نعم إنه ظهر في الأندلس بعض الناس يعتنقون الاعتزال، وبعضهم يتشيعون، وبعضهم يعتنق مذهب الظاهرية، ولكن كان كل هؤلاء قليلين بالنسبة لمن يعتنق مذهب مالك.

وكانت نساؤهم على العموم أشبه بنساء المشرق أكثرهن أميات، وفيهن الجواري اللائي يُحسنَّ الغناء والموسيقى، ويُبَعْنَ بعد أن يتعلمن بأثمان غالية.

وكان يغلب على الحرائر من النساء الحجاب، كأهل المشرق، بل ربما كان حجابهن أعنف، ولكن يُتسامح في الحجاب مع الإماء والسراري؛ ولذلك لما سفرت ولَّادة بنت المستكفي وجلست في مجلس الرجال، وشاركت في الشعر والأدب، وكانت أرستقراطية من البيت المالك، قوبل سفورها بشيء من الاستغراب، وما حدث في المشرق حدث نظيره في المغرب، فقد رحلت إلى الأندلس فرقة من الجواري المشرقيات اللائي أُخِذْنَ من إبراهيم الموصلي، واتخذن إمامهن زريابًا الذي سبقهن إلى الأندلس، فكوَّنَّ نواة لمجالس الغناء في الأندلس، وعلمن الفتيات الأندلسيات الغناء والموسيقى والرقص، كما علم أبو علي القالي اللغة والنحو؛ ولذلك لم يخل عصر من عصور الأندلس فيما بعد من مغنيات أندلسيات وموسيقيات، وراقصات، وكان هذا يشبه أن يكون تقليدًا في البيوت الأرستقراطية، وحتى في بيوت الأوساط، وتدل الحكايات الكثيرة الأندلسية على أن الأندلسيين كانوا شغوفين بالسماع، حتى ليفضلون الضروري من العيش مع السماع، على العيش المترف مع الحرمان.

وكانت البيوت الأندلسية حتى القصور الملكية مملوءة بالحرائر والإماء من الإسبانيات وغيرهن، والبيت يتعدد فيه الأولاد من هؤلاء وهؤلاء، والبيوت مملوءة بالحقد والنزاع بين الأحرار والإماء، ثم يسري ذلك إلى أولادهن، بل كثيرًا ما تدخلت النساء في السياسة، فكان أهلهن إسبانيات مسيحيات، وتظاهرن بحب العروبة والإسلام، ولكنهن في الحقيقة لم ينسين نصرانيتهن، ولا إسبانيتهن، فكان بعضهن جاسوسات على الخلفاء، ينقلن لقومهن دقائق الأمور، ويوقعن المسلمين في أشد أنواع الحرج.

وهن كالمشرقيات نبغ منهن عدد محصور في الأدب، مثل ولَّادة مع ابن زيدون، وأم الكرام بنت المعتصم، وحفصة بنت الحاج، واعتماد جارية المعتمد، ونحوهن، فكان يعد في كل مدينة أندلسية أديبات مشهورات، يُعْدَدن شذوذًا في الحياة الاجتماعية العامة.

وبلغ من تأثيرهن أن قال بعض مؤرخي الإفرنج: إن عبد العزيز بن موسى بن نصير الذي استخلفه أبوه على الأندلس، قد تنصَّر من أجل امرأة، ولكن الذي ذكره مؤرخو العرب يدل على أن عبد العزيز لم يتنصر، وبعيد ذلك حقًّا؛ لأن واليًا كبيرًا وابن فاتح عظيم يبعد أن يغير دينه من أجل امرأة. وقد اشتهر المسلمون بالأندلس بعصبيتهم لدينهم، وصعوبة تحولهم إلى غيره، وهذا في العامة فضلًا عن الخاصة، والذي ذكره المسلمون أن عبد العزيز تزوج زوجة الأمير لذُريق، وهو الذي فتح العرب في أيامه بلاد الأندلس، وقد صالحت على نفسها، وأقامت على دينها إلى أن تزوجها عبد العزيز، فتمكنت منه تمكنًا كبيرًا، وتكنَّت بأم عاصم. ويقال: إنه سكن معها في كنيسة بإشبيلية، وهذا بعيد أيضًا. ويقال: إنها قالت له: لِمَ لا يسجد لك أهل مملكتك، كما كان يسجد للذريق أهل مملكته؟ فقال لها: إن هذا حرام في ديننا. فلم تقتنع منه بذلك، وفهم أنه إن لم يفعل ذلك نزل قدره عندها، مع أنه يحبها حبًّا جمًّا، فاتخذ بابًا صغيرًا قبالة مجلسه، فإذا دخل عليه الناس اضطروا إلى الانحناء، وأفهمها أن ذلك كالسجود، ويقال: إنها قالت له: إن الملوك إذا لم يتوَّجوا فلا مُلك لهم، فهل أعمل لك ما بقي عني من الجواهر والذهب تاجًا؟ فقال لها: ليس هذا في ديننا. فقالت له: من أين يعرف أهل بيتك ما أنت عليه في خلوتك؟ فلم تزل به حتى فعل فرآه خلسة ومصادفة بعض الجند، فقالوا: تَنَصَّرَ. ثم هجموا عليه فقتلوه.

وعلى كل حال، فهذا يدل على تأثير الإسبانيات في أزواجهن من الأمراء، فكيف بمن دونهم؟ ومن الأدلة على ذلك ما حُكي عن عبد الرحمن الناصر أنه بنى الزهراء على اسم حظية له، وأنفق فيها أموالًا لا تُحصى، وتفنن فيها ما شاء أن يتفنن، وقالوا: إن المعتمد بن عباد تلقب بهذا اللقب من أجل جارية له إسبانية الأصل كانت تسمى اعتماد.

وقد حكى عبد الواحد المراكشي في كتابه «المعجب» أنه كان بمدينة قرطبة نحو ١٥٠ امرأة تكتب القرآن بالخط الكوفي، فكيف بغيرها؟

وكما عني الأندلسيون بالعلوم عنوا أيضًا بالفنون؛ ولقربهم من الفنون الإيطالية، والفنون الإسبانية والفرنسية، طبعت عمارتهم بطابع خاص غير طابع الفنون المشرقية. وآثارهم الباقية في جميع مدن الأندلس تدل على عظمة ذوقهم، في قرطبة، وغرناطة، وطليطلة، وغيرها. وقد بنى عبد الرحمن الناصر لجاريته الزهراء مدينة سماها كما ذكرنا باسمها، وجعلها متنزهًا ومسكنًا له ولحاشيته، ونقش صورتها على الباب، وكان الأندلسيون يجلبون الصور والتماثيل من البلاد الأخرى كالقسطنطينية، وقلدوا بعض النقوش التي رأوها في كنائس إسبانيا وصقلية، وروى بعض المؤرخين أن ثلاثة أعمدة في مسجد قرطبة كانت عليها نقوش وصور، كان على أحدها صورة عصا موسى، وعلى الثاني صورة أهل الكهف، وعلى الثالث غراب نوح، وأكثروا من عمل الآنية والأثاث، ورسم الأشكال الهندسية العجيبة على الأبواب، وفي السقوف، مما لا تزال آثاره باقية حتى اليوم، مع تفننهم العظيم في الموسيقى، والغناء، وربما كان الفضل الأول في ذلك لزرياب الذي قدم من المشرق سنة (٢٠٦ﻫ)، فأجزل الخليفة عبد الرحمن بن الحكم العطاء له، وأسكنه، وأجرى عليه في كل شهر مائة دينار، وعلى من حضر معه عشرين دينارًا لكل شخص. وقد زاد زرياب في العود وترًا خامسًا، وكان يحفظ الأصوات التي قبله، فقالوا: إنه كان يحفظ عشرة آلاف صوت، وكان له جارية اسمها متعة، أدَّبها وعلَّمها، فصارت تحسن أغانيه، ومن رغبته الشديدة في الغناء والأصوات أنه كان يحلم بالصوت، وكيفية توقيعه، فكان يقوم في الليل بعد أحلامه يسمعها لجواريه، حتى إذا حفظنها نام، ولم يكتفِ بتعليم الغناء، بل كان له حظ عظيم من آداب اللياقة في مأكله وملبسه وعوائده، بثها في الأندلسيين، وأعجبوا بها حتى قلدوها، وإلى الآن ينسب نوع من الحلوى إليه في الشرق ويسمونه «زلابيا»، والغالب أنه تحريف عن «زريابيا»، وقد عرف عنه أنه كان يقيم الولائم العظيمة يتفنن في ترتيبها، وكان ذاك كله هو النواة الأولى في فخامة قصور الأمراء الأندلسيين وبيوت الأغنياء وأناقتهم.

وكان زرياب إلى ذلك كله مثقفًا ثقافة واسعة، فهو عالم في النجوم والجغرافيا والطبيعة والسياسة، وكان له خصوم أقوياء خصوصًا من الفقهاء، وكان من خصومه المقتدر بن يحيى الغزال، فقد هجاه هجاءً مقذعًا، فنفاه عبد الرحمن الأوسط إلى العراق، ولولا أن خلفاء زمانه أخذوا بيده ونصروه على خصومه لذهب ضحيتهم. ولرقة عواطف الأندلسيين أغرموا بالغزل، واستعانوا عليه بالموسيقى، والغناء والرقص، فكنت تسمع في كثير من الأحياء حين تمر بالليل صوت الغناء والموسيقى في كثير من البيوت.

وكثر بجانب مجالس الغناء مجالس الأدب، وربما حضرها النساء أيضًا … قال بعضهم يصف مجلسًا:

وفتية كالنجوم حُسنًا
كلهم شاعر نبيل
منفذ الجانبين ماض
كأنه الصارم الثقيل
في مجلسه زانه التَّصابي
وطاردت وصفه العقول

ومن أعجب العجب ما رووه في صنعة الأندلسيين وفنهم عن عباس بن فرناس، فقد اخترع فن الطيران، وقالوا: إنه عمل آلة لها جناحان، فطار بها مسافة لا بأس بها، وسقط عند النزول؛ لأنه لم يحسن تصميم الذيل عند النزول.

وقد أثرت الأندلس في العالم الأوربي بعلومها وفنونها أكثر مما أثر المشرق؛ لأنها قريبة من أوربا؛ ولأنه كان يقصدها كثير من الأوربيين، فيتثقفون على العرب، ويتعلمون منهم، ويشاهدون حركاتهم، ويقلدونها في بلادهم. وكان كثير من اليهود يتعلمون العربية والعلوم والآداب وينقلونها إلى أوساط أخرى؛ ولأن الأندلسيين غزوا جنوب فرنسا، وفتحوه إلى بلدة «بواتييه»، والأفكار سريعة الانتقال سرعة البرق، فلو قلنا: إن الحضارة الأوربية طارت من على أكتاف الحضارة الإسلامية، وخاصة الأندلس، لم نكن بعيدين عن الصواب.

والتاريخ كل يوم يبين سلسلة من الأحداث يتشابه نتاجها مع نتاج العرب، ولا يجعل مجالًا للشك في أن أصولها مستمدة من العرب، في اللاهوت، وفي القصص، وفي الطبيعة، والكيمياء، وفي الرياضة والهندسة، وغير ذلك. والعصبية الأوربية تحول كثيرًا بين الاعتراف بالحق، ولكن التاريخ كفيل بكشف الحقيقة.

وكانت المدة الطويلة التي عاشتها الحضارة الأندلسية، إذ بلغت ثمانية قرون كفيلة بقوة الاحتكاك بين الشرق والغرب، واستفادة الغرب منها. هذا مع ما عرف عن الأندلسيين من نزاع شديد على الخلافة وغيرها، وكثرة الثورات، والثوار، ولو أنه أتيح لها الاستقرار، وقَلَّ هجوم الإسبانيين عليها كل حين، وخروجهم هم على أنفسهم لأتت بأضعاف ما أتت، واستفاد العالم من حضارتها أضعاف ما استفاد، ولكن لله في خلقه شئون.

وفي الحق أن الأندلسيين كالمشرقيين أنتجوا في الأدب أكثر مما أنتجوا في العلوم، سواء النثر أو الشعر، وأكثروا من وصف الحياة الاجتماعية، وما تستدعيه مجالس اللهو والغناء والشراب، والعلاقة بالنساء، والحروب، والقول في ألم الفراق، والرقص، والراقصات، والمناظر الطبيعية، والملاحم في تاريخ الأندلس، وغير ذلك؛ ولكل هذا مع ما عرف من طبيعة العرب من كثرة القول وطواعية اللسان، مما جعلهم ينتجون من الأدب أكثر مما ينتجون في العلوم الرياضية والطبيعية، وتقرأ تراجم علمائهم فترى كأن كل عالم شاعر، حتى الفلاسفة والفقهاء. والطبيعة العربية في الأندلس كالطبيعة العربية في المشرق، ما هو إلا أن يتجه الذهن إلى شيء، حتى يدر القول، وينساب الكلام.

ولقد كانت واقعة «شارل مارتل» وقعة فاصلة بين المسلمين في الأندلس، والنصارى في أوربا. إذ لولا هزيمة المسلمين لتقدموا حتى فتحوا أوربا كلها، واستفاد الفاتحون مما يرون من أخلاق وعادات وفنون، ولاستفاد الأوربيون من دين العرب ولغتهم وعلمهم، ولكان العالم أشبه ما يكون بوحدة، ولكن شاء الله أن يقفوا عند هذا الحد؛ ورأى النصارى تمجيد «شارل مارتل»؛ لأنه حماهم من غزو العرب، واعتقدوا أنه لو غلبهم المسلمون لما كانت نهضتهم، ولا استقلالهم، ولا علمهم، ولا فنهم.

ومن يدرينا؟ فالعالم كله ليس يتسع لسلطة واحدة، ولا لجنس واحد، واختلاف الناس إلى أجناس وشعوب وأديان يجعل الاحتكاك أتم، والصراع أشد، والتسابق إلى الفضائل أقوى. ومن كل ذلك يكسب العالم رقيًّا وتقدمًا، ألا ترى أن الحروب على شدتها وويلاتها وكوارثها تسفر آخر الأمر عن تقدم عظيم في العلوم والفنون، كما أسفرت الحرب الأخيرة عن تقدم في الطيران، والعقاقير الطبية، والعمليات الجراحية، والشئون الاقتصادية، بل وفي كل مرفق من مرافق الحياة. والتجارب علمتنا أن ليس هناك خير محض، ولا شر محض، وأن الشر الكثير قد يأتي بخير كثير.

ولما تقسمت الدولة الأندلسية إلى طوائف، كانت ملوك كل مدينة تزهى بالعلماء، وتقربهم، وتعتقد أنهم أحسن دعاية لهم؛ وقد ساعد على ذلك أن البلاغة، وإتقان الأدب، كانا أيضًا وسيلة للوزارة، كذلك كان الخلفاء في الأندلس في حاجة شديدة إلى الطب والتنجيم، فقربوا الأطباء والمنجمين، وكان الطب والتنجيم المدخل إلى الفلسفة.

واشترك اليهود في الحياة الثقافية مشاركة فعالة، وكانوا منبثين في طول البلاد وعرضها، ومنهم من اشتغل بالطب، ومنهم من أمسك مالية الدولة مثل «حَسْدَاي بن شَبْروط» الذي كان يسيطر على مالية الدولة في عهد عبد الرحمن الناصر، ومنهم من ارتقى إلى منزلة الوزارة مثل «إسماعيل بن نَغْزِلَة» في ظل الأمير البربري «حَبَوس» في غرناطة، وكان لليهود تأثير كبير في مساعدة بعض الأمراء، وخذل بعضهم.

وأحيانًا يضيق المسلمون ذرعًا بسوء تصرفهم، وتعسفهم، فيضطهدونهم، وينكلون بهم.

وكانت المملكة الإسلامية بالنسبة للعلماء والرحالين كرقعة شطرنج، يذهبون فيها ويجيئون من غير مراقبة أو تشديد؛ لذلك سرعان ما رأينا علماء من المشرق يذهبون إلى الأندلس، وعلماء من الأندلس يذهبون إلى المشرق، وهم لا يستقرون على حال واحدة وهم كلما حلوا في بلدة استفادوا وأفادوا؛ ولذلك تجد في تراجم كثير من العلماء الرحلة من هنا إلى هناك، وبالعكس.

ولما ضعف شأن أمراء الأندلس بتفرقهم، وكثرة حروبهم، وغلبة النصارى عليهم، استنجدوا بأهل المغرب، فأولًا: استنجدوا بالمرابطين فكان في المغرب قبيلة اسمها «لمتونة» إحدى قبائل صِنهاجة، وهي قبيلة ضاربة في الجنوب، حتى بلاد السنغال، ومسيطرة على الشعوب الزنجية المجاورة، حتى آل أمر هذه القبيلة «ليوسف بن تاشْفين»، فلما استدعي لمعاونة الأندلسيين عدَّى البحر بجنوده، وصار إلى إشبيلية، فحارب الإسبان وغلبهم، وتغلب على أكثر بلاد الأندلس، حتى لقد عزل الملوك المسلمين لضعفهم، وعدم قدرتهم على الدفاع عن بلادهم. وكان يوسف بن تاشفين ذا نزعة دينية تخالف نزعة الغزالي، وكره منه إفراطه في الدعوة إلى محاسبة النفس، فأصدر قاضي قرطبة وزملاؤه فتوى بأن الغزالي مبتدع زنديق، وعلى ذلك أحرقوا كتابه «إحياء علوم الدين» في قرطبة على مرأى من الشعب، وفرضت عقوبة الإعدام على كل من يقرؤه، واضطهدوا اليهود حتى فَرَّ كثير منهم، ودعوا إلى تفسير جميع الآيات المجسمة للذات العلية، كوجه ربك، ويداه مبسوطتان، تفسيرًا حرفيًّا، وسفهوا رأي المعتزلة في تأويل كل هذه الآيات.

ثم حدث أن رحل إلى بغداد رجل اسمه «محمد بن تومرت» من قبيلة (مصمودة) البربرية، ومن أبناء جبل السوس في الجنوب الغربي من مراكش، بعد أن قضى مدة في قرطبة، شهد فيها إحراق كتب الغزالي، وقرأ فيها كتب ابن حزم، وفي بغداد وقف على تعاليم الأشعري واعتنقها، فلما رجع إلى المغرب، أعلن حربًا شعواء على مذهب المرابطين في التجسيم، ودعا إلى التأويل والتنزيه، وقد عرف أتباعه بالموحدين، كما عرف أتباع يوسف بن تاشفين بالمرابطين. واستولى هو على الأندلس، ونشر تعاليمه بين أفرادها.

قال في المعجب: «وفي عهد المرابطين عظم أمر الفقهاء؛ لأن أمراءهم لم يكونوا يقطعون أمرًا، ولا يبتون في صغير من الأمور ولا كبير، إلا بمحضر أربعة من الفقهاء، فبلغ الفقهاء في أيامهم مبلغًا عظيمًا لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح الأندلس … فكثرت لذلك أموالهم، واتسعت مكاسبهم. وفي ذلك يقول بعض الشعراء:

أهل الرياء لبِسْتُمو نامُوسَكم
كالذئب أدلج في الظلام العاتم
فملكتم الدنيا بمَذهب مالك
وقسمتم الأموال بابن القاسم
وركبتم شهب الدواب بأشهب
وبأصْبَغ صُبِغت لكم في العالم»٧
وفيه أيضًا: «أن الفقهاء قرروا في مجالس أمراء الموحدين تقبيح علم الكلام، وكراهة السلف له، وهجرهم من ظهر عليه شيء منه، وأنه بدعة من الدين، وربما أدى أكثره إلى اختلال في العقائد، وكتبوا إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء منه، وتوعد مَن وجد عنده شيء من كتبه. ولما دخلت كتب الغزالي المغرب، أمر أمير المسلمين بإحراقها، وتقدم بالوعيد الشديد من سفك الدم واستئصال المال إلى من وجد عنده شيء منها».٨ «ثم اختلت أحوالهم اختلالًا شديدًا، فظهرت في البلاد مناكير كثيرة، واستولى النساء على الأحوال وأسندت إليهن الأمور، وصارت كل امرأة من أكابر لمتونة مشتملة على كل مفسد وشرير، وقاطع سبيل، وصاحب خمر وماخور. وأمير المسلمين في ذلك يتزيد تغافله، ويقوى ضعفه، ويقنع باسم إمرة المسلمين».٩
«ولما رأى أعيان بلاد الأندلس ما ذكرناه من ضعف أحوال المرابطين، أخرجوا مَن كان عندهم من الولاة، وكادت الأندلس تعود إلى سيرتها الأولى، وقام بغرب الأندلس دعاة فتن واستفزوا عقول الجهال واستمالوا قلوب العامة»،١٠ فكان ذلك سببًا في دخول الموحدين، وحلولهم محل المرابطين، وكان زعيم الموحدين محمد بن تومرت، وفي أيامه انتشر الصالحون والمتبتلون وأهل علم الحديث فقامت لهم سوق … وفي أيامه انقطع علم الفروع وخافه الفقهاء، وأمر بإحراق كتب المذهب … فأحرق منها جملة في سائر البلاد. قال صاحب المعجب: «وقد شهدت ذلك وأنا بمدينة فاس، يؤتى منها بالأحمال، فتوضع ويطلق فيها النار، وتقدم إلى الناس في ترك الأشغال بعلم الرأي، والخوض في شيء منه، وأمر جماعة ممن كانوا عنده من علماء المدينة بجمع أحاديث من المصنفات المشهورة في الأحاديث، كالبخاري ومسلم، فجمعوا ما أمرهم بجمعه، فكان يمليه بنفسه على الناس، ويأخذهم بحفظه».١١

وفي عهد دولة الموحدين هذه ظهر ابن طفيل وابن رشد الفيلسوفان الكبيران، ولكن دولة الموحدين التي انتظمت الأندلس والمغرب إلى تخوم مصر، واتسعت اتساعًا لم يكن له نظير من قبل أصابها الانحلال، وانغمس خلفاؤها في الترف، بينما كان الإسبان يقوَون شيئًا فشيئًا، ويتسلطون على البلاد شيئًا فشيئًا. وأعقب المرابطين والموحدين في السيادة على غرناطة (بنو نصر) ويسمون بني الأحمر، وكان أجداد بني الأحمر هؤلاء من قبل ملوكًا على سرقسطة، فتصدروا بعد خروج الموحدين لجهاد الإسبانيين، ولم يكونوا يقاومون النصارى وحدهم، بل كانوا يقاوموا أيضًا بعض الملوك المسلمين الذين يهاجموهم، حتى اضطروا أخيرًا إلى أن يكونوا في حماية فردينند الثالث ملك قشتالة. وازدهرت العلوم والآداب في عهد بني الأحمر، ومن أشهر رجالهم، وأكبر أدبائهم «لسان الدين بن الخطيب» الذي ألف فيه المقري نفح الطيب، وكان ابن الخطيب وزيرًا لأحد ملوك بني الأحمر، وقد ألف كتبًا كثيرة، وهو الذي كانت بينه وبين ابن خلدون مكاتبات وصداقة، عكرها التنافس بينهما؛ إذ كان ابن خلدون قد سفر لبني الأحمر إلى صاحب قشتالة ونجح في سفارته، فلما أحس بتغير قلب ابن الخطيب هاجر ابن خلدون إلى إفريقيا ثم مصر. هذا إلى غير ابن الخطيب من العلماء والخطباء.

ثم كان من مفاخر بني الأحمر ظهور النابغتين المشهورين وهما: ابن بطوطة، وابن جبير. فابن جبير أبحر من جزيرة طريف إلى الإسكندرية ومكة، ولما فرغ من حجه انقلب إلى العراق، فالموصل، فحلب، فدمشق، فعكه؛ ومن ثَمَّ ركب البحر إلى صقلية، وكان في القاهرة أيام صلاح الدين، فوصف ما شاهده وصفًا دقيقًا، وكان من توفيق الله له أن طاف هذه البلاد والحضارة الإسلامية في أشد ازدهارها، فوصفه بحق يعد وصفًا دقيقًا للحضارة الإسلامية في عهدها.

وابن بطوطة رحل، واستغرقت رحلته نحوًا من خمس وعشرين سنة، وطاف في أمصار فارس، وآسيا الصغرى، وشبه جزيرة القرم، ثم القسطنطينية، ثم الهند، وشغل سنين منصب قاضٍ في دلهي، ووفق بعد إلى رحلة أخرى إلى الصين، فزار سوتُنْج وكانْتُون، ثم قفل إلى جزيرة العرب من طريق سومَطْرا، حتى بلغ فارس، ثم رحل رحلة أخرى إلى بلاد الزنوج، واستقر بعدها في مراكش، وربما عُد زعيم الرحالين إذ لم يبلغ أحد مبلغه.

وبعد أن ازدهر بنو الأحمر في حروبهم وعلومهم وفنونهم، عدا عليهم الزمان، فأنزل أواخرهم من عروشهم، وأفقدهم سلطانهم، وماتوا في حسرة على عزهم، وسطوتهم، وأبَّهتهم، وعظمتهم، وكانوا آخر من ملك بالأندلس. وذلك أنه لما فتح المسلمون الأندلس، تركوا جزءًا منها في الشمال، في جبال البرانس، وكان جزءًا وعرًا، يسكنه بعض النصارى البدو الأجلاف، فتركهم المسلمون، ولم يعبئوا بهم، ولكن ظلوا يقوون شيئًا فشيئًا، واستطاع هذا العدد القليل أن يضم حوله كثيرًا من نصارى إسبانيا، وفرنسا، وغيرهما، وكانوا يحمسونهم بإثارة العاطفة الدينية، فكانوا شوكة دائمًا في جنب المسلمين، يخرجون عليهم من حين لآخر، وكانوا ينكمشون إذا أحسوا من الأمير الأندلسي قوة، كعبد الرحمن الداخل، وعبد الرحمن الناصر، والمنصور بن أبي عامر، أما إذا شموا أية رائحة ضعف، فإنهم يعيثون في الأرض فسادًا، وظلوا يقوون شيئًا فشيئًا، والمسلمون يضعفون شيئًا فشيئًا بتخاذلهم، وكل يوم تسقط في أيديهم إحدى المدن، حتى وقعت الأندلس كلها في قبضة أيديهم. فهذا القسم الصغير الذي تركه المسلمون في الشمال استصغارًا لشأنه، ووعورة مسلكه، جر على المسلمين فيما بعد الوبال.

فالدولة الأندلسية كانت أشبه ما تكون بشجرة مقلوبة فروعها في الأرض، وجذورها في السماء، فجذورها أول ما عرفت الأندلس المسلمين هم الجنود والولاة الذين كان يرسلهم الخلفاء الأمويون من بعد الفتح إلى دخول عبد الرحمن، وذلك من سنة ٩٢ إلى سنة ١٣٨ﻫ. وفي هذه الفترة لم يكن تقررت في الأندلس قواعد الملك، ولا ثبتت جذوره، ولا وضع للثقافة منهج معروف، بل كانت نتفًا هنا أو هناك. وكانت تكثر الخلافات بين العرب أنفسهم من يمنية ومضرية، وبين العرب والبربر من ناحية، والمولدين من ناحية أخرى؛ ولذلك كانت الإمارة مقلقة مضطربة.

وجذع الشجرة هو الخلافة الأموية من عهد عبد الرحمن الداخل إلى سقوط الأمويين، ومجيء عصر الطوائف، والأمويون هم الذين وضعوا دعائم الدولة، ووضعوا لها نظمًا ثابتة، ساروا عليها حياتهم، من أهمها وحدة البلاد، فلا يصح لداخلي ولا خارجي أن يقتطع جزءًا منها إلا ما يضطرون إليه بحكم الانهزام في الحرب. ولما استقلوا عن العباسيين حافظوا على استقلال البلاد من أي تدخل داخلي أو أجنبي، ثم كان أمامهم مطمح سعوا إليه، وهو أن تكون البلاد كلها مسلمة أولًا، مالكية المذهب ثانيًا. ثم لما كانوا من نسل الأمويين في الشرق، وكانت دعامة الأمويين في الشام، وعاصمتهم في الشرق دمشق، وكان عدد كبير من الفاتحين من الشاميين آثروا نقل التقاليد الشامية إلى الأندلس، وهي تخالف التقاليد العراقية، والتقاليد المصرية، والمدينية، وغيرها.

وقد مجَّدوا هذه التقاليد، حتى عرف أن من أراد الخروج عليهم خرج عليها، كما يفعل الخارجون على بني العباس بلبس البياض؛ ولذلك رأينا خارجين عليهم يتخذون علامة خروجهم الخروج من مذهب مالك، أو الانضمام إلى العباسيين، أو محاولة الاستقلال، أو نحو ذلك. وكان من أمجد أعمالهم اتجاههم نحو الثقافة، فعبد الرحمن الناصر مثلًا وضع فكرة انتداب العلماء من المشرق، والحكم ابنه وضع فكرة إنشاء مكتبة عظيمة في الأندلس، وغيرهما وضع فكرة تشجيع العلماء وتقديرهم، وهكذا؛ ولذلك إذا أرَّخْنا الحياة الفكرية في الأندلس وجب أن نسند الفضل الأكبر إلى الأمويين، فالحق أن ازدهار العلم أيام ملوك الطوائف يرجع إلى سببين هامين:
  • (١)

    أن البذرة الأولى التي وضعها الأمويون نضجت فيما بعد في عهد الطوائف.

  • (٢)

    أن انقسام الدولة في عهد ملوك الطوائف جعل الأمراء يتنافسون على تزيين إماراتهم بالعلم والأدب، كالذي حدث في المشرق عند انقسام الدولة العباسية بين طولونية، وفاطمية، وحمدانية وغيرها. فهذان العاملان أكبر ما رأينا في تنشيط الحركة العلمية في الأندلس، ولعل أصدق شاهد على ذلك نبوغ ابن حزم وابن شهيد في أواخر عهد الأمويين، وأوائل الدولة العامرية، فالذي يستحق فضل ظهورهما هم الأمويون، وكلاهما معروف أنه كان له ميول أموية، وإن ازدهر آخر وقته في عهد العامريين.

أما فروع الشجرة فنجدها عند ملوك الطوائف، فقد كان جذر الشجرة قد تأسس ولم يبقَ إلا عامل عرضي، وهو تشجيع الملوك للحركة الثقافية، فهؤلاء أمراء يميلون للأدب، كبني الأفطس، فتزدهر الآداب في عهدهم، وهؤلاء يميلون إلى الاجتهاد وحرية الفكر وحب الفلسفة فيزدهر ذلك عندهم، وهؤلاء يميلون إلى الفقه فيزدهر الفقه، كبني جهور. وبذرة هذه الشجرة دخول الفاتحين، وحكم الولاة من قِبَل الأمويين والعباسيين من سنة ٩٢ إلى سنة ١٣٨ﻫ، ثم تولاها ملوك أمويون من سنة ١٣٨ إلى سنة ٤٢٤ﻫ، ثم تولاها ملوك الطوائف، ومن أشهرهم بنو عباد في إشبيلية، وبنو جَهْوَر في قرطبة، وبنو هود في سرقسطة، وبنو نصر في غرناطة، وبنو ذي النون في طليطلة، وظلت ملوك الطوائف هذه تسقط واحدة بعد أخرى، وكان آخرها سقوط غرناطة، وانتهاء الأندلس سنة ٨٩٨ﻫ.

وقد توقع بعض المؤرخين والفقهاء سقوط الأندلس، لما رأى أن النصارى يزدادون قوةً وتوحدًا، والمسلمين يزدادون ضعفًا وتفرقًا، حتى إن ابن حيان مؤرخ الأندلس الكبير توقع سقوط الأندلس من عهد بعيد، فإنه لما رأى سقوط بربشتر في يد النصارى في سنة ٤٥٦ﻫ قال: «وقد استشففنا١٢ بشرح هذه الحالة الفادحة، مصائب جمة، مؤذنة بوشك القُلَعة١٣ …» ولما سقطت طليطلة قال شاعرهم:
يا أهل أندلس شدوا رواحلكم
فما المقام بها إلا من الغلط
السلك يُنْثر من أطرافه وأرى
سلك الجزيرة منثورًا من الوسط
من جاور الشر لا يأمن بوائقه
كيف الحياة مع الحيات في سَفَط

وقد ساعد الإسبان دعوتهم النصرانية الواسعة وحماستهم الدينية لطرد المسلمين أعدائهم في الدين، واعتبارهم المسلمين دخلاء على البلاد يجب طردهم منها، وإعادتها كما كانت. أما من ناحية المسلمين، فكانوا على العكس من ذلك متخاذلين، ينظر كل أمير إلى شخصه، لا إلى المصلحة العامة، ولعلنا نستطيع أن نعرض على القارئ صفحة من مظاهر هذا:

فمثلًا كان ابن هود أميرًا على مرسية، ودعا إلى تحرير الأندلس من الموحدين والنصارى على السواء، وكان المأمون الموحدي أميرًا على بلنسية، فوقع العداء بين ابن هود والمأمون، واضطر ابن هود أن يتحالف مع ملك قشتالة النصراني وأن يتنازل له في نظير ذلك عن عدد من القواعد والحصون، وأن يتعهد بمنح النصارى في أرضه بعض الامتيازات. وكانت بلنسية في يد الموحدين، وتولى إمارتها أبو عبد الله محمد أخو المأمون، وتلقب بالعادل، فلما رأى لجوء ابن هود إلى ملك قشتالة لجأ هو أيضًا إلى الاستغاثة بملك أرجوان، وتعهد له بأداء الجزية، فلما رأى سخط شعبه عليه من أجل ذلك، التجأ إلى ملك أرجوان واعتنق النصرانية، وكذلك فعل أبو جميل الزيَّان أمير مرسية إذا طلب حماية ملك قشتالة، ووقَّع معه عقد مهادنة، ولما ظهر بنو الأحمر في غرناطة واستولوا عليها، خاصم ابن الأحمر عتبة بن يحيى المُغيلي، وكان المغيلي هذا يأمر بسب ابن الأحمر على المنابر، فوقع بين الخصمين قتال عنيد. ثم رأينا والي مرسية، ووالي لقَنت وأريولة، وغيرها يعقدون الصلح مع ملك قشتالة على أن يعترفوا بطاعته، ويؤدوا له الجزية، وأن يظلوا في ظله، يحكمون ويستأثرون بموارد بلادهم تحت حمايته، ولما كثرت المعارك بين ابن الأحمر، وملوك النصارى، وأمراء الولايات اضطر ابن الأحمر إلى لقاء ملك قشتالة في معسكره وتقديم الطاعة له، وتأدية جزية له قدرها مائة وخمسون ألف قطعة من الذهب، واشترط ملك قشتالة على ابن الأحمر أن يعاونه في حروبه ضد أعدائه، وأن يحضر المجلس النيابي لقشتالة مثل سائر الأمراء التابعين للعرش.

هذه صفحة صغيرة ترينا كيف كان الأمراء يعبثون في وقت الجد، وكيف كان العداء بين بعض الأمراء المسلمين وبعض، يجعلهم يهرعون إلى ملوك النصارى يعاهدونهم، وينزلون لهم عن بعض أرضهم، ويؤدون لهم الجزية، والعدو يستخدم هذه المعاهدات والمخالفات في ضرب بعض المسلمين بعضًا، ولم تقتصر هذه المأساة على فعل أمير واحد، بل قلد بعضهم بعضًا، وسار من العادات المألوفة أن الأمير المسلم إذا اضطر لجأ إلى ملك من ملوك النصارى.

وحدث مرة أن تولى غرناطة الأمير إسماعيل من بني الأحمر، وانتصر في عدة مواقع، وسقط في يده كثير من المدن والقلاع. وكان من أكبر سبب نصرته استعمال الحديد والنار من آلات قاذفة، تشبه المدافع كانت تدك الحصون، وتوقع الناس فتوحات له متعاقبة، فلما عاد مرة من انتصار رائع قُتل بباب قصره غيلة بعد ثلاثة أيام من رجوعه؛ قتله ابن عمه؛ لأنه اختلف معه على فتاة رائعة الحسن، كانت من السبايا في إحدى المواقع.

ثم حدث أن كان بلاط بني الأحمر في آخر أيامهم في أسوأ حالة، فمن ذلك أن أمير غرناطة وهو أبو الحسن تزوج بابنة عمه التي تسمى عائشة الحرة، وكان من أشجع الناس وأذكاهم، وظل معها زمنًا طويلًا، وولدت منه ولدين، أكبرهما أبو عبد الله وهو الذي سقطت الأندلس في عهده، والثاني أبو الحجاج يوسف، ولكن تزوَّج أبو الحسن هذا في آخر أيامه بفتاة جميلة نصرانية، اسمها ثريا، وكان اسمها النصراني إيزابيلا، كانت قد أُسِرَتْ واتخذت مولاة في دار أبي الحسن، ثم تزوجها، وحظيت عنه، وفضلها على السيدة العجوز عائشة، وأولدها ولدين أيضًا، وتدخلت في شئون الدولة، وعُرفت بالدهاء وسعة الحيلة، ولا نستبعد أنها كانت جاسوسة على البيت الغرناطي المالك للنصارى المحاربين؛ حنانًا إلى أصلها، وإن كنا لم نر نصًّا في ذلك. وأصبح البيت المالك بذلك قطعة من نار، الزوجة تكره ضرتها، وأولاد كل زوجة يعادون أولاد الزوجة الأخرى، وما لبثت غرناطة نفسها أن انقسمت انقسام البيت المالك، حتى أصبح أبو عبد الله يعادي أباه، ويعمل لمناهضته، وكذلك يفعل الأب، وكل يستنصر بملوك النصارى ليعاونوه على خصمه، فكيف بعد كل هذا الفساد تقوم مملكة؟

وزاد الطين بِلّة أن المسلمين كانوا قد أجادوا استعمال النفات وهي آلات تشبه المدفع في أبسط أشكاله، واستخدموه في حروب الصليبيين وأتقنه الأندلسيون وأخذه الإسبانيون عنهم وزادوا في تحسينه، واتخذوه وسيلة فعالة لدك الحصون، فكان هذا قوة كبرى في انتصار الإسبان إلى ضعف المسلمين وسوء تصرفهم، وفساد علاقاتهم.

يضاف إلى ذلك أن المسلمين بالأندلس استنجدوا بملوك المسلمين في أنحاء العالم من مغاربة ومصريين وأتراك، فلم يغيثوهم، ونظرت كل مملكة إلى نفسها، والاقتصار على مشاكلها، بينما كان النصارى في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وغيرها يتعاونون على طرد المستعمرين من الأندلس، وإعادتها مملكة نصرانية كما كانت، فاجتمعت الألفة والقوة والحماسة على الضعف والتفرق والتخاذل، فكانت النتيجة طبيعية، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.

فمثل هذه الأمور هي التي جعلت بعيدي النظر من أهل الأندلس يرون الخاتمة محققة، وهي طردهم من البلاد واستيلاء الإسبانيين عليها، وقد كان …

هذه خلاصة وجيزة لحالة الأندلس الاجتماعية، وحياتها الفكرية، نفصلها فيما يأتي إن شاء الله.

هوامش

(١) رجل معروف بالعقل.
(٢) أبو فروة.
(٣) الفحوص: جمع فحص، وهو المرعى يملكه فرد أو جماعة، ويستعمل في الجزائر ومراكش بمعنى الضاحية.
(٤) السفن: جلد متين كجلد التماسيح.
(٥) نفح الطيب (١ / ١٠٥) نقلًا عن ابن سعيد.
(٦) انظر: القصيدة والقصة في ترجمة الغزال.
(٧) انظر: المعجب ص١٧١.
(٨) المصدر المذكور ص١٧٥.
(٩) المعجب ص١٧٧.
(١٠) المصدر المذكور ص٢١٢.
(١١) المصدر المذكور ص٢٧٨.
(١٢) وردت هذه العبارة غامضة في الأصل هكذا «وقد أشفينا» بدل «استشففنا» و«جليلة» بدل «جمة»، ولم نفهم لهما معنى. واستشف الشيء: تبينه من بعد.
(١٣) القلعة: الضعيف إذ بطش به ولم يثبت.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١