الفصل الخامس

الحركة الفلسفية والعلمية

يظهر أن منشأ الفلسفة في الأندلس كمنشئها في المشرق، فقد نشأت الفلسفة في المشرق من الطب والتنجيم لعناية الخلفاء بهما، إذ كانوا يحتاجون إليهما كثيرًا، وكان بعضهم يؤمن بالتنجيم، وبما سيحدث في الكون، وكان من الموظفين الرسميين أطباء ومنجمون، وكان الطب والتنجيم عند اليونان فرعين من فروع الفلسفة، كالطبيعيات والإلهيات، وكذلك كان الشأن في الأندلس. فقد احتاج الخلفاء الأولون إلى أطباء يداوونهم، خصوصًا أن الترف وكثرة الأكل أضعفا أجسامهم، وكان بعضهم يؤمن بالتنجيم. والاشتغال بالطب والتنجيم يُسلم إلى الفلسفة؛ لأن الطب — كما هو معروف — يحتاج إلى معرفة النباتات وخصائصها، والعقاقير وما إليها، وهو المسمَّى «بالأقرباذين»، ومتى سار الطبيب في ذلك، احتاج إلى المنطق لمعرفة الأقيسة والاستنتاجات الصحيحة في معالجة الأمراض، ومتى اتصل بذلك، اتصل بجالينوس وأفلاطون وأرسطاطاليس، فاتصل بالفلسفة اليونانية. كذلك من اشتغل بالنجوم اتصل ببطليموس، ورأى نفسه محتاجًا إلى رياضة دقيقة، وهندسة عميقة، فاتصل بأقليدس وفيثاغورس، ثم اتصل بأفلاطون وأرسطو كذلك.

ولذلك نرى الفلاسفة الأندلسيين الأولين أطباء فقط، مثل: الكرماني، وأبي جعفر أحمد بن خميس، وحمدين بن أبان، أو منجمين مثل: ابن السمينة، ومسلمة بن أحمد المجريطي، والزهراوي وغيرهم. وقد أعانهم على التفلسف عوامل مختلفة:
  • الأولى: أنه رحل إلى الأندلس في أول عهدها بعض البغداديين، فعلَّموا أهل الأندلس ما وصل إليه أهل بغداد في الطب، كالذي روي عن إسحاق بن عمران، وأنه كان بغدادي الأصل، وكان طبيبًا مشهورًا، إلى كثير غيره، وأنه رحل إلى الأندلس.
  • والثاني: أن الحَكَم كما قدمنا نقل كثيرًا من الكتب، ومنها الكتب الفلسفية التي ترجمت عن اليونانية، ولم يظهر كتاب عظيم في الفلسفة إلا وينقل فورًا إلى الأندلس؛ كالذي حدثنا ابن أبي أصيبعة من أن الكرماني من أهل قرطبة رحل إلى المشرق، وجلب معه عند عودته إلى الأندلس رسائل إخوان الصفاء.
  • والثالث: أن العلاقات كانت تحسن في بعض الأحيان بين خلفاء بني أمية الأندلسيين وبين القسطنطينية، فهؤلاء الأخيرون يهدون إلى خلفاء بني أمية بعض الكتب الفلسفية والأدبية. ومن أظرف ما كتب في ذلك ما ذكره ابن جلجل من أن «كتاب ديسقوريدس» في النبات كان قد ترجم ببغداد أيام المتوكل، ترجمه إسْطَفَنْ بن باسيل من اليونانية إلى العربية، وصحح الترجمة حنين بن إسحاق. وقد وضع إسْطَفَنْ للكلمات اليونانية أسماء عربية للنباتات التي يعرف لها اسمًا عربيًّا، وما لم يعرفه تركه. وورد هذا الكتاب إلى الأندلس أيام عبد الرحمن الناصر، وانتفع الناس بالمعروف منه، فلما اتصل عبد الرحمن بأرمانيوس ملك القسطنطينية نحو سنة ٣٣٨ﻫ أهداه أرمانيوس هدايا عظيمة، منها كتاب ديسقوريدس مصوَّرًا، وكان الكتاب مكتوبًا بالإغريقي الذي هو اليوناني، كما أهدى إليه كتاب هيروسيس في القصص والتاريخ، وقال له أرمانيوس: «إن ديسقوريدس لا تُجتنى إلا برجل يحسن اللسان اليوناني، ويعرف أشخاص تلك الأدوية. وأما كتاب هيروسيس فعندك في بلدك من اللاتينيين من يقرءوه باللسان اللاتيني، وينقله إلى اللسان العربي. فقال عبد الرحمن الناصر: إنه ليس عنده من يقرأ اللسان الإغريقي، وسأل الملك أن يبعث إليه رجلًا يتكلم الإغريقية ليعلم عبيدًا له. فبعث إليه أرمانيوس راهبًا كان يسمى نيقولا، فوصل إلى قرطبة سنة ٣٤٠ﻫ، فعلمهم ما جُهل من أسماء عقاقير ديسقوريدس، وحظي نيقولا الراهب عند عبد الرحمن الناصر، وفسَّر للناس العقاقير المجهولة، وتتلمذ له كثير من الأطباء».

فهذه العوامل كلها عملت في تكوين طبقة كانت تشتغل بالطب والتنجيم أولًا، ثم بمناسبة تغلغلهم في كتب اليونانيين اتصلت الأجيال التي أتت بعد الفلسفة على عمومها، والحق أن أهل الأندلس تلقوا الطب والتنجيم قبولًا حسنًا، ولكن لم يتلقوا الإلهيات هذا القبول الحسن؛ لميلهم إلى الفقه المتزمِّت، وتشددهم في التفسير والحديث وما إلى ذلك فقط؛ ولذلك لم يسلم فيلسوف خرج عن الطب والتنجيم إلى الفلسفة من رَمْي له بالزندقة والكفر والإلحاد، وطلب توقيع العقوبات الشديدة عليه كالإعدام. ويكاد تاريخ الفلاسفة الأندلسيين يكون سلسلة اتهامات من هذا القبيل إلى آخرهم، كالذي حدث لابن باجة وابن رشد، وأخيرًا لابن الخطيب.

وقد أخذ الطب والتنجيم يتبلوران إلى فلسفة مدة سنين، حتى ظفرنا بالفلاسفة الحقيقيين، وسنقتصر على ذكر أشهرهم على التتابع.

ويظهر أن الاشتغال بالفلسفة كان منوَّعًا إلى نوعين: نوع أميل إلى التصوف منه إلى الفلسفة البحتة، وهؤلاء اتبعوا من الفلاسفة أفلوطين، وربما عددنا من أوائلهم ابن مسرَّة، وقد ذكرنا المشتغلين بالتصوف متسلسلين في الحركة الدينية فانظرهم هناك.

ومن هذه المدرسة كان ابن سبعين، وهي تعتمد على الذوق والكشف ومراقبة النفس أكثر مما تعتمد على العقل والمنطق ومقدمات القياس ونتائجه.

والنوع الثاني: من اشتغلوا بالفلسفة الصرفة على النحو الذي سار عليه أرسطو، وربما عددنا من أولهم بمعنى الكلمة «ابن باجة» وهو بعينه المعروف بابن الصائغ، وقد وصف ابن طفيل الأندلسي حالة الفلسفة في بلده وحالة ابن الصائغ الفيلسوف وصف خبير، فقال: «إن هذا العلم — الفلسفة — أندر من الكبريت الأحمر، ولا سيما في هذا الصقع — يعني: صقع الأندلس — الذي نحن فيه؛ لأنه — أي: هذا العلم — من الغرابة في حد لا يظفر باليسير منه إلا الفرد بعد الفرد، ومن ظفر بشيء منه لم يكلم الناس إلا رمزًا، فإن الملة الحنيفية والشريعة المحمدية قد منعت من الخوض فيه وحذرت منه … ولا تظنَّنَّ أن أحدًا من أهل الأندلس كتب فيه شيئًا فيه كفاية، وذلك أن من نشأ بالأندلس من أهل الفطرة الفائقة، قبل شيوع علم المنطق والفلسفة فيها، قطعوا أعمارهم بعلوم التعاليم والرياضيات، وبلغوا فيها مبلغًا رفيعًا، ولم يقدروا على أكثر من ذلك … ثم خلف من بعدهم خلف زادوا عليهم بشيء من علم المنطق، فنظروا فيه، ولم يفض بهم إلى حقيقة الكمال، فكان فيهم من قال:

برَّح بي أن علوم الورى
اثنان ما إن فيهما من مزيد
حقيقة يعجز تحصيلها
وباطل تحصيله ما يفيد
ثم خلف من بعدهم خلف آخر أحذق منهم نظرًا، وأقرب إلى الحقيقة، ولم يكن فيهم أثقب ذهنًا، ولا أصح نظرًا، ولا أصدق رؤية من أبي بكر من الصائغ،١ غير أنه شغلته الدنيا، حتى اخترمته المنية قبل ظهور خزائن علمه، وبث خفايا حكمته، وأكثر ما وجد له من التآليف «نوعان: كتب مخرومة من أواخرها، ككتابه في النفس وتدبير المتوحد، وما كتبه في المنطق وعلم الطبيعة. وكاملة وهي كتب وجيزة ورسائل مقتبسة».٢ وترتيب عبارته في بعض المواضع على غير الطريق، ولو اتسع له الوقت مال لتبديلها، فهذا حال ما وصل إلينا من علم هذا الرجل، ونحن لم نلق شخصه».

وابن باجة هذا كما يظهر من كلام ابن طفيل من أكبر مفكري عصره، ولكن مع الأسف لم تصلنا أكثر مؤلفاته، على أنه روي أن له كتبًا في المنطق لم تتم موجودة في مكتبة الأسكوريال.

ومن أهم ما وصل إلينا من تآليفه رسالة الوداع، وكتاب «تدبير المتوحد»، فأما رسالة الوداع فقد أبان فيها فضل المعرفة وفضل التأمل الفلسفي، وأنهما وحدهما يؤديان بالإنسان إلى معرفة الطبيعة، ويعينانه على تعرف نفسه ويوصلانه إلى العقل الفعال، كما يتعرض فيها للنفس الإنسانية ونهايتها … إلخ.

وأما كتاب تدبير المتوحد، ومعنى المتوحد «النبتة تنبت من تلقاء نفسها، وتنتحي ناحية وحدها»، فإنه تعرَّض فيه للمدينة ووصفها على نحو مختصر من جمهورية أفلاطون. وعنده أن المدينة الفاضلة هذه قد خلت من صناعة الطب وصناعة القضاء؛ لأن أهلها لا يمرضون لاغتذائهم بالأغذية الصحيحة، ولعدلهم في تصرفاتهم، فأهلها صحاح الأبدان، عادلو الأحكام، وذكر أنه في هذه المدينة الفاضلة أعطي كل إنسان ما هو مستعد له.

وهو يقسم أعمال الإنسان إلى أعمال اضطرارية كالهُوي من فوق، والاحتراق إذا مسته النار، وبعض أعماله يشترك فيها مع النبات، وبعضها يشترك مع الحيوان. وأما الأفعال الإنسانية الخاصة، فهي ما تصدر عنه بإرادته. وقلما يوجد العمل البهيمي إلا ممزوجًا بالإنسان، وتوسع في تقسيم الأعمال الإنسانية، حسب التعبيرات الفلسفية المعهودة، ومما يناسب اسم الكتاب «تدبير المتوحد»، أنه نصح بالبعد عن الناس ورأى الخير في أن المتوحد يعيش وحده حتى ولو اضطرته الظروف أن يكون مقيمًا وسط الجماعة؛ لأن الغاية القصوى للإنسان الكامل هي إعمال العقل والتأمل، وهي لا تأتي إلا بالدرس والفكر، ولا يكون ذلك إلا بالتوحد، ومن رأيه أن هناك عقلًا واحدًا كليًّا، اقتبس كل فرد منه قبسة تختلف كبرًا وصغرًا، وربما كانت هذه الفكرة من الأسس التي بنيت عليها فكرة وحدة الوجود.

وقد ترجمت «رسالة الوداع» التي ذكرناها إلى العبرية، وفيها أبان عن العقل الأول، وبحث في الغاية الحقيقية من وجود الإنسان، والغاية من العلم، وهي القرب من الله، والاتصال بالعقل الفعَّال الذي يفيض منه، وفي هذه الرسالة آراء في اتحاد النفوس أخذها منه ابن رشد، وسمَّاها رسالة الوداع؛ لأن ابن باجة كان على سفر طويل، فكتبها لصديق من أصدقائه ليترك له آراءه إذا قُدِّر أن لا يلتقيا. وفي هذه الرسالة بحث في قيمة المعرفة على نحو ما نراه في كتاب الشفاء لابن سينا.

وقد ولد ابن باجة هذا في سر سرقُسطة في آخر القرن الخامس الهجري، في دولة المرابطين. وقد كانت الغلبة في الناس لأهل الحديث المتشددين، أما الفلاسفة فكانوا عرضة للاضطهاد أو القتل، إلا فترات قصيرة كان فيها بعض الأمراء يميل إلى الفلسفة، فيقرب إليه الفلاسفة، وصادف أن كان منهم حاكم سرقسطة فاتخذ ابن باجة جليسًا له ووزيرًا، وكان ابن باجة على علم واسع بالرياضة والفلك والموسيقى والطب، فاضطهده المتزمِّتُون ورموه بالزندقة والإلحاد، وكان قد وصل إلى الأندلس كتب فلاسفة الشرق، وخاصة الفارابي وابن سينا والغزالي، فانتفع بكتبهم، وكانت فلسفته كما هو الشأن في أول كل شيء فلسفة لا شاملة ولا كاملة، وهو يتفق في آرائه في المنطق والطبيعة وما بعد الطبيعة مع مذهب الفارابي، ويرى أن الهيولى لا يمكن أن توجد مجردة عن الصورة، أما الصورة فيمكن أن تتجرد من الهيولى، والإنسان يتدرج درجات متتالية، حتى يصل إلى ما هو إلهي، ويتدرج من الجزئيات إلى الكليات والإنسان يبلغ الرتبة العليا بتنمية العقل تنمية حرة خالصة من القيود، والفعل الحر الاختياري هو الذي يصدر بعد الفكرة والروية، أي: إنه فعل شعر فاعله بغاية يقصدها منه. فالطفل قد يكسر شيئًا لا لغاية، ولكن العاقل يستطيع أن يفعل الفعل لغاية يقصد إليها … إلخ.

وله قصائد لونت بفلسفته مثل قوله:

يا باكيًا فرقة الأحباب عن شَحَط
هلَّا بكيت فراق الروح للبدن
نور تردد في طين إلى أجل
فانحاز عوًّا وخلى الطين للكفن
يا شد ما افترقا من بعدما اعتلقا
أظنها هدنة كانت على دخن
إن لم يكن في رضا الله اجتماعهما
فيا لها صفقة تمت على غَبَن

وهذا القول أشبه «بِعَيْنيَّة» ابن سينا في النفس. وقوله:

ما كل من شم نال رائحة
للناس في ذا تباين عجب
قوم لهم فكرة تجول بهم
بين المعاني أولئك النجب
وفرقة في القشور قد وقفوا
وليس يدرون لب ما طلبوا
لا يتعدى امرؤ جبلَّته
قد قسمت في الطبيعة الرتب

وكانت تفد إليه العلماء من جميع الأقطار. ويقول صاحب المعجب: إنه هو الذي نبَّه الناس على قدر ابن رشد ولفت إليه الأنظار، ومن ذلك الحين عرفوه، ونبه قدره عندهم.

وقدر رأى أن الإنسان إذا ارتقى بلغ في ارتقائه أن يتصل بالله، وتنكشف له الحقائق، ويشعر من ذلك بلذة أكبر من كل لذة، ويحدث ذلك للإنسان في لحظات تجلٍّ، وهي نظرية صرح بها أفلوطين، واعتنقها كثير من النصارى والمسلمين في القرون الوسطى؛ كابن طفيل وابن رشد والغزالي وابن عربي وأمثالهم. وقد جعلها ابن طفيل هي غاية الغايات في رسالته حيِّ بن يقظان، وقال: إنه وصل إلى هذه الدرجة أولًا على فترات طويلة ثم على فترات قصيرة.

ويظهر أنه كان عالمًا بالطب والرياضة والفلسفة، وأن ميزته سعة معارفه أكثر من سعة ابتكاره. وقد رووا أنه وُزِّر حوالي عشرين سنة لأبي بكر بن إبراهيم صهر علي بن يوسف بن تاشفين رئيس المرابطين، كما رووا أنه ذهب آخر حياته إلى فاس حيث وقع فريسة لأعدائه، حتى قالوا: إنه سُمَّ حوالي سنة ٥٣٣ﻫ، وأنه كان ممن دبر هذه المؤامرة عليه الطبيب ابن زهر. وغريب أن يقع فيلسوف فريسة لفيلسوف آخر. وكان أساس اتهامه الإلحاد والخروج عن الدين، وكان يكرهه الفتح بن خاقان صاحب قلائد العقيان؛ ولذلك لما ترجم له في هذا الكتاب رماه فيه بكل نقيصة إذ قال: «هو رَمَد عين الدين، وكمد نفوس المهتدين، اشتهر سخفًا وجنونًا، وهجر مفروضًا ومسنونًا، فما يتشرع، ولا يأخذ في غير الأضاليل ولا يشرع. الإساءة إليه أجدى من الإحسان، والبهيمة عنده أهدى من الإنسان، نظر في تلك التعاليم، وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله الحكيم العليم، واقتصر على الهيئة، وأنكر أن تكون منه إلى الله فيئة، وحكم للكواكب بالتدبير، واجترأ على الله اللطيف الخبير، وقصر عمره على طرب ولهو، واستشعر كل كبر وزهو، وأقام سوق الموسيقى، وهام بحادي القطار وَسَقَى فهو يعكف على سماع التلاحين، ويقف عليه كل حين». وكلامه يمثل نظرة عوام الأندلس إلى الفلاسفة.

وعلى العكس من ذلك قال علي بن عبد العزيز عنه: «إنه كان في ثقافة الذهن، ولطف الغوص على تلك المعاني الجميلة الشريفة الدقيقة، أعجوبة دهره، ونادرة الفك في زمانه». ويظهر أن الفتح بن خاقان إنما ذمه هذا الذم لأشياء شخصية وقعت بينهما، مع أنه كان قد مدحه قبل ذلك مدحًا كبيرًا سنرويه في ترجمة الفتح مما يدل على عدم تحري الصدق وقول الحق.

وقد قال ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء: «إنما انتُهجت سبل النظر في هذه العلوم — يعني: العلوم الفلسفية — بهذا الحبر — يعني: ابن باجة — وبمالك بن وهيب الإشبيلي، فإنهما كانا متعاصرين، غير أن مالكًا لم يقيد عنه إلا قليل نَزْر، في أول الصناعة الذهنية، وأضرب الرجل — يعني: ابن باجة — عن النظر ظاهرًا في هذه العلوم، وعن التكلم فيها لما لحقه من المطالبات في دمه بسببها، وأقبل على العلوم الشرعية فرأس فيها، وله تعاليق في الهندسة وعلم الهيئة تدل على نبوغه في هذا الفن. وأما العلم الإلهي فلم يوجد في تعاليمه شيء مخصوص به اختصاصًا تامًّا، إلا نزعات تستقرأ من قوله في رسالة الوداع».

ويحكي ابن أبي أصيبعة أنه كان من جملة تلاميذ ابن باجة أبو الوليد بن رشد، وقد عدد كتبًا لابن باجة من تآليفه الضائعة مثل شرح كتاب «السماع الطبيعي» لأرسطاطاليس، وشرح لبعض كتاب «الآثار العلوية»، وله أيضًا شرح لبعض كتاب «الكون» وكتاب «الحيوان والنبات» في اتصال العقل بالإنسان، وكتاب «النفس» وهو تعليق على كتاب الفارابي «في الصناعة الذهنية»، وفصول قليلة في السياسة المدنية … إلخ. والله أعلم.

بنو زُهْر

من أشهر فلاسفة الأندلس بنو زهر، وهم سلسلة من العلماء والأطباء ظهروا في الأندلس ستة في نَسَق، أولهم وهو الجد الأعلى أبو بكر محمد بن مروان بن زهر، وقد اشتهر بالفقه والأدب، ومات سنة ٤٢٢ﻫ ثم ابنه أبو مروان عبد الملك بن محمد بن زهر، وكما اشتهر أبوه بالفقه والأدب اشتهر هو بالطب، وقد تنقل بين القاهرة والأندلس، واتصل ببلاط أمير دانية واسمه مجاهد، وعين طبيبًا خاصًّا له، ومات عن ثروة كبيرة، قال القاضي صاعد فيه: إنه رحل إلى المشرق، ودخل القيروان ومصر، وتطبَّب هناك زمنًا طويلًا، ثم رجع إلى الأندلس، وله في الطب آراء شاذة.

ثم ابنه أبو العلاء واشتغل أيضًا بالطب وأخذه عن أبيه، ورويت له عجائب في تشخيص الأمراض، واتصل بأمراء بني عباد، ثم انضم إلى يوسف بن تاشفين، ثم ابنه أبو مروان بن أبي العلاء، ويسمَّى عادة بأبي مروان بن زهر، ولد حوالي سنة ٤٨٥ﻫ، وتعلم الطب على أبيه، وابتكر أشياء كثيرة في الأقرباذين، وقد كان صديقًا لابن رشد، ولما ألف ابن رشد كتابه في كليات الطلب أوعز إلى صديقه هذا أن يؤلف كتابًا في الجزئيات حتى يكمل بعضهما بعضًا. ولأمر خفي اضطهده علي بن يوسف بن تاشفين ثم سجنه، ولعل ذلك كان إرضاء للعوام لما نقموا عليه اشتغاله في الفلسفة. وله كتاب اسمه «الاقتصاد في إصلاح الأنفس والأجساد»، وكان طبه كثيرًا ما يعتمد عليه الطب الأوربي، ومن ابتكاراته وصف للأورام الحيزومية والتغذية الصناعية عن طريق الحلق.

ثم ابنه أبو بكر محمد بن عبد الملك، خلف رسالة في طب العيون، وقد كان طبيبًا ليعقوب بن يوسف، فقربه إليه، ثم ابنه أبو محمد عبد الله، وكان طبيبًا ماهرًا أيضًا، واتصل ببلاط الموحدين، وتوفي شابًّا بالسم كأبيه ولم يكن يلغ خمسة وعشرين عامًا.

فهذه الأسرة كما ترى، أسرة برزت في الطب واشتهرت بالفلسفة، ولكن مع الأسف لم نعرف الكثير عن فلسفتهم. ونصل بعد ذلك إلى ابن طفيل.

ابن طفيل

كان طبيبًا في دولة الموحدين فاشتغل في بلاطهم، وهو الذي قدَّم إلى هذا البلاط ابن رشد، وكان ابن طفيل أسن منه، وهو أيضًا الذي حبب إلى ابن رشد تلبية رغبة الخليفة في شرح كتب أرسطو، وابن رشد حلَّ محله لما طَعَن ابن طفيل في السن. وقد مات ابن طفيل سنة ٥٨١ﻫ، ولم يعرف له إلا رسالة حي بن يقظان،٣ مع أنه تنسب إليه آراء في الفلك. وقد ألف هذه الرسالة مقتبسًا الفكرة والاسم من ابن سينا، وإن كانت قصته أروع، وتأثر فيها بالأفلاطونية الحديثة، بنى فكرته فيها على إنسان وُجِدَ منذ طفولته في جزيرة نائية ليس فيها أحد من الناس فأرضعته غزالة، وكان هذا الطفل موهوبًا قادرًا على التفكير العميق، استطاع بعقله شيئًا فشيئًا أن يعرف الكون ويشرح جسم الإنسان ويعرف أسراره، وأن يعرف النار وفوائدها، وأخيرًا استطاع أن يعرف الله. ولما تقابل مع رجل في الجزيرة كان تديَّن بشريعة نبي واستطاعا أن يتفاهما، عرض كل ما عنده على الآخر، وتبين أنهما متفقان في الأصول دلالة على أن الدين لا يخالف العقل.

وفي الرسالة لفتات لطيفة، منها: أن الإنسان إذا ارتقى اتصل بالله ورأى ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما ذكرنا ذلك في ابن باجة، وقد تقدم في حياته كثيرًا بقوة عقله، فاستطاع حتى أن يبدل أوراق الشجر التي كان يلبسها بجلد نسر، واستطاع أن يفهم معنى الموت لما ماتت أمه الغزالة، واهتدى إلى غزل الصوف، وصنع الإبر، والبناء، كما اهتدى إلى صيد الحيوانات وتربية الدواجن، واستنتج من تبخُّر الماء فكرة الهيولى والصورة، وتحول الصور بعضها إلى بعض، واكتشف أيضًا فوائد النار ومضارها، ثم فكر في السماء كما فكر في الأرض.

وهناك مثلًا يدل على دقة ملاحظته. قال في اكتشاف النار ما يأتي: «واتفق في بعض الأحيان أن انقدحت نار في أجمة قلخ٤ على سبيل المحاكة، فلما بصر بها رأى منظرًا هاله، وخلقًا لم يعتده قبل، فوقف يتعجب منها مليًّا، وما يزال يدنو منها شيئًا فشيئًا، فرأى ما للنار من الضوء الثاقب، والفعل الغالب، حتى لا تعلق بشيء إلا أتت عليه، وأحالته إلى نفسها، فحمله العجب منها، وبما ركب الله في طباعه من الجرأة والقوة على أن يمد يده إليها، فأراد أن يأخذ منها شيئًا، فلما باشرها أحرقت يده، فلم يستطع القبض عليها، فاهتدى إلى أن يأخذ قبسًا لم تستولِ النار على جميعه فأخذ بطرفه السليم والنار في طرفه الآخر، فتأتَّى له ذلك وحمله إلى موضعه الذي كان يأوي إليه، وكان قد خلا في جحر استحسنه للسكنى قبل ذلك، ثم ما زال يمد تلك النار بالحشيش والحطب، ويتعهدها ليلًا استحسانًا لها وتعجبًا منها، وكان يزيد أنسه بها ليلًا؛ لأنها كانت تقوم له مقام الشمس في الضياء والدفء، فعظم بها ولوعه واعتقد أنها أفضل الأشياء التي لديه، وكان دائمًا يراها تتحرك إلى جهة فوق، وتطلب العلو، فغلب على ظنه أنها من جملة الجواهر السماوية التي كان يشاهدها.
وكان يختبر قوتها في جميع الأشياء بأن يلقيها فيها فيراها مستولية عليها، إما بسرعة وإما ببطء بحسب قوة استعداد الجسم الذي كان يلقيه للاحتراق أو ضعفه. وكان من جملة ما ألقى فيها على سبيل الاختيار لقوتها شيء من أصناف الحيوانات البحرية كان قد ألقاه البحر إلى ساحله، فلما أنضجت ذلك الحيوان، وسطع قتاره،٥ تحركت شهوته، فأكل منه شيئًا فاستطابه، فاعتاد ذلك أكل اللحم، فعرف الحيلة في صيد البر والبحر حتى مهر في ذلك».
وبهذه المناسبة تقول: إنه هو والفلاسفة المسلمون والفلاسفة اليونانيون من قبل كانوا يرون أن الأجسام السماوية من نجوم وكواكب، وسماء وأجسام شفافة طاهرة أرقى في الحياة من الإنسان، وأنها في رقيها وسط بين الله والناس؛ وأنها أهل لأن يقتدي بها الإنسان، وأنها طبقات بعضها فوق بعض، وأنها أفلاك عشرة وسمَّوها العقول العشرة، وكل عقل يحكم ما تحته، ويحكم بما فوقه، ثم الفلك الأخير من ناحية الأرض يتحكم فيها وفي شئون أهلها، ومما قاله في ذلك ابن طفيل: «إن التشبُّه بالأجسام السماوية على ثلاثة أضرب:
  • فالضرب الأول: أن لها أوصافًا بالإضافة إلى ما تحتها من عالم الكون والفساد، وهي ما تعطيه إياه من التسخين بالذات او التبريد بالعرض والإضاءة والتلطيف والتكثيف إلى سائر ما تفعل.
  • والضرب الثاني: أن لها أوصافًا في ذاتها، مثل كونها شفافة ونيِّرة وطاهرة، ومتنزهة عن الكدر وضروب الرجس، ومتحركة بالاستدارة، بعضها على مركز نفسها، وبعضها على مركز غيرها.
  • والضرب الثالث: أوصاف لها بالإضافة إلى الموجود الواجب الوجود، مثل كونها تشاهده مشاهدة دائمة ولا تعرض عنه وتتشوق إليه، وتتصرف بحكمه، ولا تتحرك إلا بمشيئته».

فجعل «حي بن يقظان» يتشبه بها، ففي الضرب الأول متى وقع بصره على نبات قد حجبه عن الشمس حاجب أو تعلق به نبات آخر يؤذيه أو عطش عطشًا يكاد يفسده أزال عنه ذلك الحاجب … وتعهده بالسقي ما أمكنه، ومتى وقع بصره على حيوان قد أرهقه ضبع أو نشب به ناشب أو تعلق به شوك، أو سقط في عينيه أو أذنيه شيء يؤذيه، او مسَّه ظمأ أو جوع تكفل بإزالة ذلك كله وأطعمه وأسقاه، ومتى وقع بصره على ماء يسيل إلى سقي نبات أو حيوان وقد عاقه عن ممره ذلك عائق، من حجر سقط فيه، أو جرف انهار عليه، أزال ذلك كله عنه، وما زال ينعم في هذا النوع من ضروب التشبه حتى بلغ به الغاية … إلخ إلخ.

وعلى الجملة فقد كانت قصة غريب لطيفة، فيها المعاني الفلسفية العميقة، والخيالات القصصية اللطيفة، صاغ ذلك كله في عبارة أدبية رفيعة جزلة، قلدها بعض أهل المشرق والمغرب. ولما انطفأ سراجه خلفه ابن رشد، وكانت الفلسفة قد نضجت، ووسائلها قد توفرت، وفلسفة ابن باجة وابن طفيل قد وصلت وهضمت، ووصلت إلى الأندلس أيضًا رسائل إخوان الصفاء، وكُتُب الفارابي وابن سينا الفلسفة، وردَّ الغزالي على الفلاسفة في كتابه تهافت الفلاسفة، فأمكن من كل ذلك ظهور ابن رشد كفيلسوف ناضج، يحمل علم الفلسفة في الأندلس، وفيما جاورها من الأمم، ويصبح بحق فيلسوف الأندلس بلا مراء.

ابن رشد

لابن رشد أسرة طيبة تشبه أسرة ابن زُهر، من حيث إن الأب الأول كان فقيهًا، والذي يلاحظ أنه كان من مداخل الفلسفة الفقه لسببين:
  • الأول: أن الفقه والاشتغال به والبحث عن استنباط الأحكام يُعلِّم العمق، ودراسة الفلسفة دراسة عميقة.
  • والثاني: أن الفلسفة لما كانت مكروهة في الأوساط الشعبية الأندلسية كان الفقه ستارًا يتخذه الفلاسفة، حتى لا يرموا بالزندقة.

وعلى الجملة فقد كان الجد الأول هو أبو الوليد محمد بن رشد، كان قاضيًا لقرطبة على مذهب الإمام مالك، وتوجد مجموعة من فتاويه في كتاب خطي للآن، وقد سفر للسلطان في المغرب ونجح في سفارته، وكان موضع السفارة نقل ألوف من نصارى الأندلس إلى طرابلس لاتقاء شرِّهم، وقد خلف هذا الجد ابنًا اسمه أحمد، وهو أبو فيلسوفنا الكبير. وقد ولد ابن رشد الفيلسوف في قرطبة سنة ٥٢٠ﻫ، وأخذ يتعلم الشريعة من فقه وأصول وكلام، ثم التفت إلى الطب فدرسه ومهر فيه. ويقول ابن أبي أصيبعة: إنه درس الطب والفلسفة على ابن باجة، وسرعان ما انتقل من الطب إلى الفلسفة، ولكن لم يشأ أن يظهر بالفلسفة، حتى لا يتهم في العقيدة، وقد قربه وحماه الخليفة الموحدي، وهو الأمير يوسف الذي خلف عبد المؤمن.

وقد قال ابن رشد: «لما دخلت على أمير المؤمنين وجدت ابن طفيل في مجلسه، فابتدأ يذكر شرف أسرتي وقدم عهدها، وأثنى عليَّ ثناءً لا أستحقه. ولما التفت إليَّ الأمير سألني عن اسمي واسم أبي واسم أسرتي وبادرني بالسؤال: ماذا يعتقد الفلاسفة في الكون؟ أهو قديم أزلي أو محدث، فداخلني الوجل عند هذا السؤال وأخذت ألتمس عذرًا لأتخلص من الجواب، فأنكرت أنني اشتغلت بالفلسفة وما كنت عالمًا أن ابن طفيل اتفق مع أمير المؤمنين على تجربتي، فلما رأى الأمير اضطرابي التفت إلى ابن طفيل، وصار يباحثه في هذا الموضوع، فروى كل ما قاله فيه أرسطو وأفلاطون وغيرهما من الفلاسفة، وأردفها بردود المتكلمين عليها، فاطمأنت نفسي حينئذٍ، ولكني عجبت مما بدا من الأمير من الذكاء وقوة الذاكرة التي ندر وجودها حتى عند العلماء المنقطعين إلى هذه المسائل، وبعد الفراغ من الكلام جرأني عليه؛ ليرى مبلغ علمي في ذلك الموضوع، فاجترأت وأخذت أتكلم، وعند خروجي من مجلسه منحني مالًا وخلعة سنية ودابة للركوب».

ومن هذا الوقت صار ابن رشد من أحب الناس للأمير يوسف، وقد حدثونا أن الأمير هو الذي طلب من ابن رشد شرح فلسفة أرسطو؛ لأنه رآها غامضة. وقد ولَّاه الأمير قضاء إشبيلية سنة ٥٦٥ﻫ، وفيها شرح قسمًا من أقسام فلسفة أرسطو، وهو قسم الحيوان، ثم رأيناه سنة ٥٦٧ﻫ في قرطبة يشرح شرحه الطويل على أرسطو، وطالما شكا من الوظيفة؛ لأنها تحرمه التفرغ للتأليف. وقد ولي طبَّ الأمير بعد ابن طفيل، وعهد إليه رياسة القضاء في قرطبة، ولئن كان ابن سينا شغلته السياسة عن التفرغ للفلسفة، فابن رشد شغله القضاء وطب الأمير عن ذلك أيضًا، ومات الأمير يوسف، وخلفه الأمير يعقوب، فقربه إليه أيضًا، ولكن بدأ الوشاة والمنافسون يرمون ابن رشد بأنه زنديق يجحد القرآن، ويعرِّض بالخلافة، وكتب مرة على كتابه يصف المنصور بأنه أمير البرَّين، فحرَّفوها إلى أمير البربر، وقد أعرض الأمير يعقوب عن سماع هذه الوشايات أولًا، ولكنه أمام هياج الشعب وحب التقرب إليه تنكر لابن رشد، فاستدعى ابن رشد وامتحنه وأخلى سبيله، وكان الطلبة ينتظرونه، فهنأوه بنجاته وعدم إصغاء الأمير إلى الوشايات فيه، وتقريب الأمير إليه فقال: «والله إن هذا ليس مما يستوجب الهناء، فقد قربني دفعة واحدة أكثر مما كنت أؤمل»، ثم اتهموه بما ذكرنا.

وزاد الأمر سوءًا أنه قد شاع عند العامة في وقت من الأوقات حصول أرباح شديدة تهلك الحرث والنسل، وأنها تكون كالرياح التي أرسلت على عاد، فروي عن ابن رشد أنه قال: «والله وجود قوم عاد ما كان حقًّا، فكيف سبب هلاكهم؟» ولو صحت هذه الجملة عن ابن رشد لكان معناها أنه يعتقد أن عادًا وقصته أسطورة، فهاج عليه العوام وقالوا: إنه ينكر القرآن. وزيادة على ذلك أنهم فتشوا في كتبه الفلسفية، وأخذوا منها ما ينافي الدين، فأمر الأمير بمحاكمته. فكان ابن رشد في ذلك صريحًا صادقًا، فلم يتزلف للأمير، وشهد الجلسة الكبرى لمحاكمته، وكتبوا بأنه مرق من الدين واستوجب ما لعن الله به الضالين، وخالف عقائد المؤمنين، ومع ذلك فلم يحكم فيه الأمير السيف، بل نفاه إلى قرية قريبة من قرطبة، سكانها من اليهود، وأذيع في العامة المنشور التالي:

قد كان في سالف الدهر قوم خاضوا في بحور الأوهام … فخلدوا في العالم صحفًا ما لها من خلاف، مسودة المعاني والأوراق، بُعدها من الشريعة بُعد المشرقين، وتباينها تباين الثقلين، يؤمنون بأن العقل ميزانها، والحق برهانها، وهم يتشيعون في القضية فرقًا، ويسيرون فيها شواكل وطرقًا … يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون … فكانوا عليها أضر من أهل الكتاب، وأبعد عن الرجعة إلى الله والمآب … فاحذروا — وفقكم الله — هذه الشريعة على الإيمان حذركم من السموم السارية في الأبدان.

ووقع مع ابن رشد في الاتهام أبو جعفر الذهبي وغيره، وتفرق عن ابن رشد تلامذته لما وجدوه يضطهد. وقد روي عن ابن رشد في هذا الموقف أنه قال: «أعظم ما طرأ عليَّ في النكبة أني دخلت أنا وولدي عبد الله مسجدًا بقرطبة وقد حانت صلاة العصر، فثار علينا بعض سفلة العامة، فأخرجونا منه». ثم إن الأمير عفا عنه، ويظهر أن ذلك كان بعد أن هدأت العامة، ولكن لم يعِش بعد العفو طويلًا، فتوفي سنة ٥٩٥ﻫ وله من العمر خمسة وسبعون، وكان قد استدعي إلى مراكش فمات بها، ثم حمل إلى قرطبة ودفن بها، وأصيبت الأندلس بوفاة عبد الملك بن زهر، وابن البيطار، وابن رشد وكلهم علماء عظام في الفلسفة، فأقفرت البلاد منهم، وكان موتهم بعد موت ابن زهر وابن طفيل إنذارًا بأفول شمس الفلسفة.

وأهم وظيفة لابن رشد أنه شارح فلسفة أرسطو كلها تقريبًا فقد ندبه الأمير الموحدي، وانتدب هو نفسه لشرح كتب أرسطو، وقد وضع على هذه الكتب ثلاثة شروح؛ صغير ومتوسط وكبير، وتخصص لذلك، وكان يعجب بأرسطو إعجابًا شديدًا، ويعده المثل الأعلى للإنسان، ويشيد بذكره في كل مناسبة، فيقول مثلًا في مقدمة كتابه الطبيعيات: «إن مؤلف هذا الكتاب هو أرسطو، وهو أعقل أهل اليونان، وأكثرهم حكمة، وواضع علوم المنطق والطبيعيات وما وراء الطبيعة ومتممها، وقد قلت: إنه واضعها؛ لأن جميع الكتب التي وضعت قبله في هذه العلوم غير جديرة بالذكر بإزاء كتبه، وقلت: إنه متممها؛ لأن جمع الفلاسفة الذين عاشوا منذ ذلك الزمن إلى اليوم، أي: مدة ألف وخمسمائة سنة، لم يستطيعوا زيادة شيء على وضعه، ولا وجدوا خطأ فيه، فلا ريب في أن اجتماع هذا العلم في إنسان واحد أمر غريب عجيب، يوجب تسميته ملكًا إلهيًّا لا بشرًا؛ ولذلك كان القدماء يسمونه أرسطو الإلهي».

وقال في موضع آخر: «إننا نحمد الله كثيرًا؛ لأنه قدر الكمال لهذا الرجل ووضعه في درجة لم يبلغها أحد غيره من البشر في جميع الأزمان، وربما كان الباري مشيرًا إليه بما قال في كتابه القرآن: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ». وقال في موضع آخر: «إن برهان أرسطو لهو الحق المبين». ويمكننا أن نقول عنه: «إن العناية الإلهية أرسلته إلينا لتعليمنا ما يمكن علمه». كل هذا يدل على أنه كان يقدره تقديرًا كبيرًا؛ ولذلك لم يخرج عنه إلا في القليل النادر، فهو أخلص له من ابن سينا مثلًا الذي خالف منطق أرسطو وخطَّأه، وألف منطق المشرقين حتى إن ابن رشد كان إذا بدا له ما يخالفه فيه يحكي قول أرسطو ويلقي تبعته عليه.

وقد تأثر جدًّا بطريقة تفسير القرآن والحديث، فكان يذكر أرسطو، ثم يعقبه بالشرح، وقد راعى في هذا طريقة التعليم التي كان يتبعها أهل زمنه، والتي حكاها ابن خلدون في مقدمته من أن المعلمين كانوا يبدءون مع الطلبة الشيء مختصرًا، ثم يقرءونه بعد ذلك وسطًا، ثم يقرءونه مبسوطًا؛ وقد حكى لنا ابن أبي أصيبعة أن ابن رشد شرح أكثر كتب أرسطو من منطق وطبيعة وما بعد الطبيعة ونبات وحيوان وغير ذلك. ومن مظاهر تقديسه لأرسطو أنه كان يرد على ابن سينا والفارابي والغزالي حين يخرجون عليه، ووقف طويلًا في الرد على «الشفاء» لابن سينا، «وتهافت الفلاسفة» للغزالي، وأثار مسائل هامة أثارها علماء الكلام في الإسلام، كما أثارتها فلسفة أرسطو. وكان المتكلمون كالمعتزلة والسُّنِّية أثاروا مسائل على نحو خاص، ثم أثارها الفلاسفة المسلمون على نحو آخر، والفرق بين منهج المتكلمين ومنهج الفلاسفة أن المتكلمين مؤمنون داعون إلى الإسلام، اخضعوا آراء اليونان ومذاهبهم لحكم الإسلام، أما الفلاسفة فخضعوا هم للفلسفة، ودخلوا في بحث الموضوع مجردًا عن أي اعتبار؛ ولذلك لم يعجبهم منهج المتكلمين.

كان أهم ما بحث فيه المتكلمون والفلاسفة وجود الكون: هل هو أزلي أو حادث؟ وكيف نشأ الكون المتعدد عن الإله الواحد؟ وما علاقة الله بالكون؟ ثم البحث بين السبب والمسبب، فعند المتكلمين أن المادة محدثة غير أزلية، والله هو الذي أوجد الأجسام وعوارضها بعد أن لم تكن موجودة، ولا يوصف بالأزلية إلا الله، والله أوجد الكون من العدم البحت، وتكاد تُجمِع الأديان كلها على هذا الرأي.

وقد انقسم المتكلمون بعد اتفاقهم على هذا إلى قسمين: فالقدرية وهم المعتزلة قالوا: إن الخالق وضع للكون نظامًا، وأودع في المخلوقين قُوًى تصدر عنها آثارها بطريق التوليد والسببية، وقد أوجب على نفسه هذه القوانين مراعاةً لصالح البشرية وجعلها لا تتخلف؛ ولذلك لم يطمئنوا إلى المعجزات، كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص؛ لأنها تخالف هذه القوانين، والفرقة الأخرى من المتكلمين ترى أن السبب لا يصدر عن المسبب، وإنما يصدر المسبب عن الله عند وجود السبب، فالأكل لا يوجد الشبع، وإنما الله هو الذي يُشبع عند وجود الأكل، والنار لا تحرق ولكن يُحرق اللهُ عند وجود النار. وسبب قولهم ذلك: إنكار نسبة الإيجاد إلى شيء غير الله. وقالوا: إن الأسباب لا بد منها في صدور السبب، إلا أن الذي يخلق المسببات ويعطيها الوجود عند استكمالها هو الله تعالى، وليس الله بملزم بها.

وعلى ذلك تفهم المعجزات بسهولة، فلم يحرق إبراهيم مع وجود النار؛ لأن الله لم يخلق الإحراق، وهو الذي يشفي من يشاء، ويُمرض من يشاء كما يرى، فيخلق الشيء عند وجود السبب أو لا يخلقه. وعلى الجملة فنفوا أن تكون الأسباب هي الموجبة للمسببات. والفلاسفة يذهبون مذهب المعتزلة من ربط الأسباب بالمسببات، وأن المسبب يصدر عن السبب، وقد قال ابن رشد بوجود واجب الوجود، المنزه عن المادة والماديات، وتبع أرسطو في قوله: بوجود عقول مجردة عن المادة، وهي المسماة بالعقول العشرة، فالعقل الأول جوهر مجرد عن المادة، وهو أول صادر عن الله واجب الوجود، وقد صدر عنه الفلك التاسع، ثم عقل آخر هو العقل الثاني، وعن هذا الثاني صدر الفلك الثامن وهكذا. ويسمون العقل العاشر بالعقل الفعال، أو العقل الفياض للكون، وكل عقل يؤثر فيما بعده، وما بعده يؤثر فيما بعده وهكذا. فكل ما يصدر في عالمنا يصدر عن هذه الأفلاك مسلسلًا إلى العقل الفعَّال. والذي حملهم على ذلك قولهم: إن الله واحد من جميع الوجوه، والواحد من كل وجه لا يصدر عنه إلا الواحد، فيلزم ألا يصدر عن الواجب الواحد إلا واحد وهو العقل، وكل عقل يفعل فيما بعده. والأسباب والمسببات وارتباط بعضها ببعض داخلة في علم الله، وهي تصدر عنه على حسب ترتيبها في العلم … إلخ.

ويرى ابن رشد تبعًا لفلسفة أرسطو أن نفس الإنسان — أي: النفس الناطقة — جوهر مجرد عن المادة، لا هو جسم ولا حالٌّ في جسم، وإنما له علاقة ما بالجسم، يدبره ويصرفه، كما يتصرف الملك في المدينة وهو خارج عنها، والنفس الإنسانية قابلة للارتقاء على أربع مراتب أطال في ذكرها، ومعنى رقيِّها ارتفاع النفس بقواها عن ظلمة الطبيعة بما يكون لها من الاستعداد، وانجذابها نحو العالم الأعلى، فتشرق فيها المعلومات.

وقد جرَّد ابن رشد نفسه للدفاع عن هذه الآراء والرد على مخالفها، ومن شنَّع عليها كالغزالي في تهافت الفلاسفة، وتعصب ابن رشد لمنطق أرسطو، واعتقد أنه لا يستطيع الإنسان أن يصل إلى الحق إلا به، ورقي الإنسان تابع لمقدار معرفته بالمنطق. وقد فضل فلسفة أرسطو على كلام المتكلمين، وقد عدَّ ابن رشد خارجًا عن السنن الإسلامي في ثلاثة آراء:
  • (١)

    قوله بقدم العالم ونظام العقول الذي شرحناه وصدور كل عقل عما قبله.

  • (٢)

    ارتباط المسببات بالأسباب على وجه لا يسمح المعجزات.

  • (٣)

    قوله ببقاء الكليات وحدها، وفناء الجزئيات، وعلى هذا المبدأ فسر المعاد. فالنفس الفردية الجزئية تفنى، وإنما الذي يخلد ويبقى ويجري عليه المعاد، هو النفس الإنسانية الكلية، وتوضيح ذلك أن الفرد إذا مات تحلل جسمه إلى عالم الأجسام، واتصلت نفسه الفردية بالنفس الكلية، وهذا يجعل فهم الثواب والعقاب للأفراد صعبًا؛ إذ ليس هناك وجود للنفس الفردية، نعم: إن لابن رشد قولًا آخر بوجود النفس الفردية وخلودها، ولكن يظهر أنه ساير فيه الجمهور أكثر من أنه كان يعتقده، فكان له رأي فلسفي لنفسه وللمتفلسفة غير رأيه الذي يجاري فيه الجمهور، ويساعد على فهم النفس الكلية قوله: إن العقل لا يتجزأ على عدد الأفراد، وإنه واحد في سقراط وأفلاطون، وإذ كان لا من حيث العقل؛ لأن العقل لا يتجزأ، وعلى العموم فالذي يبقى بعد الموت على رأيه الأخير، هو الحياة الإنسانية الكلية، لا الحياة الفردية. وعلى هذا يكون من الصعب على رأيه فهم ما جاء به الدين من الحشر والبعث والعقاب.

والذي يفهم من ثنايا كتاباته في هذا الموضوع أنه يرى أن الدين شرع للخاصة والعامة، والفلسفة للخاصة وحدهم. ولما كانت العامة لا يمكن أن يحملهم على الإتيان بالفضائل وتجنب الرذائل، إلا الاعتقاد بالثواب والعقاب والبعث ومسئولية كل فرد في الآخرة عمَّا يصدر عنه من أعمال، كان الدين آتيًا بذاك للمصلحة العامة، أما الخاصة من الفلاسفة فيأتون بالفضائل، ويتجنبون الرذائل لذاتها. وقد دلهم البحث الفلسفي على أن الخلود هو للنفس الكلية لا الجزئية.

ومن ظريف ما يروى في هذا الباب ما رواه جمال الدين مؤلف كتاب تاريخ الفلاسفة، وقد كان من تلاميذ ابن رشد، قال: «كنت صديقًا حميمًا لابن يَهوذا، ففي ذات يوم قلت له: إذا كانت النفس تحيا بعد مفارقة الجسد، وتبقى قادرة على معرفة الأشياء الخارجية، فَعِدني وعدًا صادقًا أنك إذا مت قبلي، تخبرني بما هنالك، وأعدك أني إذا مت قبلك أفعل ذلك، فوعدني بهذا، ثم إنه مات، ومرت بضع سنوات ولم يظهر لي. قال جمال الدين: ولكنني في ليلة رأيته في الحلم، فقلت له: أيها الطبيب، أما وعدتني بأن تأتيني بعد الموت وتطلعني على ما جرى لك؟ فضحك وأدار عني وجهه. فقلت له: لا أتركك حتى تخبرني، فقال: إن العام عاد إلى العام، والخاص داخل في الخاص. ففهمت منه ما يريد أن يقول، وهو أن النفس التي هي جوهر عام، قد عادت إلى الجوهر العام، والجسد الذي هو عنصر خاص قد عاد إلى الأرض التي هي مستقر العنصر الخاص، ثم انتبهت وأنا أعجب بلطف جوابه».٦
وقد عني ابن رشد في فلسفته بالتوفيق بين الدين والفلسفة، فكان يؤول في الدين حتى يتمشَّى مع الفلسفة، وألَّف في ذلك كتابين:
  • الأول: فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال.
  • والثاني: الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة. وفيهما وقف موقفًا وسطًا في عقيدة القضاء والقدر، وقد رمى في كتابه «تهافت التهافت» الغزالي بأنه سوفسطائي يساير الجماهير، وانتقد كذلك من قبله من ابن سينا والفارابي، ورماهما بالقصور أحيانًا، والغموض أحيانًا أخرى.

والحق أن حكماء المسلمين انقسموا في هذا الموضوع — الشريعة والفلسفة — إلى ثلاثة أقسام، فأكثر فلاسفة المسلمين كإخوان الصفاء وابن سينا وابن رشد، رأوا أن يوفِّقوا بين الفلسفة والشريعة، فإذا رأوا نصًّا في الدين ظاهره لا يناسب النظريات الفلسفية أوَّلوه تأويلًا قريبًا أو بعيدًا، وبعضهم كالغزالي رأى أن ما أتت به الشريعة حق، وما أتت به الفلسفة مما يخالف الشريعة باطل مثل قدم المادة، ونكران بعث الأجساد؛ ولذلك كفرهم في كتابه «تهافت الفلاسفة»، وقسم ثالث رأى أن النظريات الفلسفية صحيحة وتعاليم الدين صحيحة كذلك، والتوفيق سخافة، وإنما الواجب أن يكون لكل منهما منطقة نفوذ، فالدين مقبول فيما هو من اختصاصه، كالخلق والحياة بعد الموت والثواب والعقاب الفرديين واليوم الآخر ونحو ذلك، ونظريات الفلسفة تقبل في الطبيعيات والكيماويات والمنطق ونحو ذلك، وليس يصح أن يعتدي أحدهما على الآخر، وأشهر من قال بذلك أبو سليمان المنطقي، كما حكاه عنه أبو حيان التوحيدي في كتاب الإمتاع والمؤانسة. ونحن أميل إلى هذا الرأي، فلا حرج أن يدخل المسلم المسجد ليؤدي شعائر الدين كما وردت، ثم يخرج منه إلى المعمل ليختبر فيه المواد الطبيعية، والنظريات العلمية. وهذا ما يفعله فلاسفة النصارى المتدينون.

ومن ظريف ما يتصل بابن رشد وفلسفته أيضًا ما حكى محيي الدين بن عربي في الفتوحات قال: «دخلت يومًا بقرطبة على قاضيها أبي الوليد بن رشد، وكان يرغب في لقائي لما سمع بي، وبلغه ما فتح الله عليَّ في خلوتي، وكان يظهر التعجب مما سمع، فبعثني والدي إليه في حاجة قصدًا منه حتى يجتمع بي، فإنه كان من أصدقائه، وأنا صبي ما بقل وجهي، ولا طرَّ شاربي، فلما دخلت عليه قام من مكانه إليَّ محبة وإعظامًا، فعانقني وقال لي: نعم؟ فقلت له: نعم. فزاد فرحه بي لفهمي عنه، ثم استشعرت بما أفرَحه من ذلك فقلت له: لا. فانقبض وتغيَّر لونه وشك فيما عنده، وقال: كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي، هل هو ما أعطاه النظر؟ قلت له: نعم ولا، وبين نعم ولا تطير الأرواح، فاصفر لونه، وقعد يحوقل، وعرف ما أشرت به إليه».

وقد كان بعض أصحابنا يستبعد هذه الملاقاة لتقدم ابن رشد في التاريخ، ولكن رأينا أن ابن عربي ولد سنة ٥٦٠ﻫ، أي: قبل وفاة ابن رشد بخمسة وثلاثين عامًا، إذ مات ابن رشد حوالي سنة ٥٩٥ﻫ، فيمكن أن يراه وهو في الخامسة والعشرين أو الثلاثين أو قبل ذلك، خصوصًا أنه يقول: إنه قابله قبل أن يبقل وجهه، ويطر شاربه، ولكن الأسئلة والأجوبة غريبة. فما معنى لا؟ وما معنى نعم؟ وكيف يتفاهمان بهذه الرموز؟ وسؤاله الأول، وإجابة محيي الدين بنعم، وفرح ابن رشد بذلك ربما كان يريد أن يسأل: هل الفلسفة والأدلة العقلية والاعتماد على المنطق يوصل إلى الحقيقة؟ وهي نفس الطريقة التي جرى عليها ابن رشد، فلما قال له ابن عربي: نعم، فرح، ولكنه ما لبث أن قال: لا، فانقبض ابن رشد وتغيَّر، ولعل ابن عربي يقال: لا، إيماء إلى أن الطريقة العقلية ليست خير الطرق في معرفة الحقيقة، وإنما خير الطرق عنده هو الرياضة النفسية التي توصل إلى كشف الحقيقة، حتى لكأنها تُرى بالعين. وربما دلَّ على ذلك مذهب ابن عربي أن الكشف والفيض الإلهي، يعطيان أكثر مما يعطي النظر.

ومعنى قول ابن عربي: نعم ولا، وبين نعم ولا تطير الأرواح أن الطريق النظري والكشفي كُلٌّ يوصل إلى الحقيقة، ولكن شتان بين ما يعطيه البرهان العقلي، وما يعطيه الكشف، فالبرهان العقلي يعطي الاقتناع، وأما الكشف فكأنما صاحبه يرى بالعين، وشتان ما بينهما، وإشارته إلى أن بين نعم ولا تطير الأرواح معناها فيما يظهر أن بين من ينكر الكشف ويستند إلى الظاهر فقط كالفقهاء، وبين القائلين: بنعم، أي: المؤمنين بالكشف بالصوفية خلافًا شديدًا أهدرت فيه الأرواح، كما أهدرت روح الحلاج والسُّهْرَوَرْدِي، ويذكرنا هذا بالحكاية التي تروى عن الجدل بين ابن سينا وأبي سعيد بن أبي الخير. غاية الفرق أن هذه القصة رموز خفية، وأما تلك فكلام واضح.٧

وقد كان عبد الواحد المراكشي قريب العهد من ابن رشد، ولقد لقي بعض تلاميذه، فروايته عنه أقرب إلى الحقيقة، وقد ذكر أن لغضب الأمير الموحدي على ابن رشد سببين: سبب ظاهر، وسبب باطن. فأما السبب الظاهر وهو أكبر الأسباب فإنه كان يشرح كتاب الحيوان لأرسطو فقال فيه عند ذكر الزرافة، وكيف تتولد، وبأي أرض تنشأ: «وقد رأيتها عند ملك البربر» جاريًا في ذلك على طريقة العلماء في الإخبار عن ملوك الأمم وأسماء الأقاليم، غير ملتفت إلى ما يتعاطاه خدمة الملوك ومُتَحَيِّلو الكتاب، من الإطراء والتقريظ، فكان هذا مما أحنقهم عليه، غير أنهم لم يظهروا ذلك، وفي الحق أنها كانت من أبي الوليد بن رشد غفلة، واستمر الأمر على ذلك إلى أن استحكم ما في النفوس، ثم إن قومًا ممن يناوئون ابن رشد من أهل قرطبة أخذوا تلك التلاخيص التي كان يكتبها ابن رشد، فوجدوا فيها بخطه حاكيًا عن بعض قدماء الفلاسفة، أن الزُّهرة أحد الآلهة، فسأله السلطان: أخَطُّك هذا؟ فأنكر ابن رشد، فأمر الأمير بإخراجه على حال سيئة، وإبعاد من يتكلم في شيء من هذه العلوم (الفلسفة)، وهذا هو السبب الظاهر …

ثم لما رجع إلى مراكش جنح ثانية إلى الفلسفة، واستدعى ابن رشد إلى مراكش، وأحسن إليه وعفا عنه، ولم يلبث ابن رشد أن مرض مرضه الذي مات بسببه في آخر سنة ٥٩٤ﻫ، وقد ناهز الثمانين.٨ ولكن يظهر أن الأمير أبا يوسف هذا كان ينوي غزوة وكان لا بد فيها من تملق العامة، فكان مما تملق به اضطهاده للفيلسوف والفلسفة التي يكرهها العامة، فلما انتصر وانتهت الغزوة، ولم يعد في حاجة إلى تملق العامة، عاد يعطف على الفيلسوف.

وإذا كانت الفلسفة اليونانية تعرضت للمسائل العلمية والاجتماعية، وخصوصًا أفلاطون في جمهوريته، فقد تعرض لها ابن رشد أيضًا، فنص على كراهيته للاستبداد العسكري، والإقطاعات العسكرية، ورأى أنه لا اختلاف بين الرجال والنساء في الطبع، وإنما هو اختلاف في الكم؛ أي: إن طبيعة النساء تشبه طبيعة الرجال، ولكنهن أضعف منهم في الأعمال. والدليل على ذلك مقدرتهن على جميع أعمال الرجال، كالحرب والفلسفة وغيرهما، ولكنهن لا يبلغن فيها مبلغ الرجال. ومن أظرف آرائه أنه يرى في الموسيقى أن يكون مؤلف القطعة الموسيقية رجلًا، والموقِّع أو المغني امرأة. وقد كان ابن رشد يستشهد على صحة قوله بإناث الكلاب، فهي تستطيع أن تحرس الغنم حراسة تامة كحراسة الذكور، وألمح إلى سوء الوضع الذي وضعت فيه المرأة في الشرق من عدم تمكينها لإظهار قواها، كأنها لم تخلق إلا للولادة وإرضاع الأطفال.

وعلى الجملة فقد كان ابن رشد أمينًا مخلصًا لأرسطو، وإن كان يخرج عليه أحيانًا إما لداعي الدين أو لتفكيره الخاص الذي تنتجه بيئته.

وقد كان من تلاميذ ابن رشد بعض اليهود إذ كانوا يستمعون إليه في حلقته، فلما مات ابن رشد نشر هؤلاء اليهود فلسفته، وترجموا أكثرها إلى العبرية، وانتشرت فلسفة ابن رشد في المدارس والجامعات، وعارضها رجال الدين اليهودي والمسيحي، ولما اضطهدوا في الأندلس فروا إلى فرنسا … وكانوا عددًا كبيرًا شاركوا في الثقافة الأندلسية مشاركة كبيرة، وكانوا منتشرين قبل الفتح الإسلامي في البلاد بين القوط، واستخدمهم هؤلاء القوط في الوظائف المالية، ولما فتح العرب الأندلس استخدموهم، وكان طبيب عبد الرحمن الثالث يهوديًّا، اسمه «حسادي بن شبروط»، بل بلغ بعضهم — مثل إسماعيل بن نعزلَّة٩ — منصب الوزارة في عهد الأمير حبوس في غرناطة، وبعضهم نشر في الأندلس القصص اليهودي بجانب القصص العربي، فلما أخذوا عن ابن رشد فلسفته نشروها في أوربا، فترجموا شروح ابن رشد لأرسطو على اللاتينية، ومن أشهر من فعل ذلك ميخائيل الإسكتلندي سنة ١٢٣٠، ونشاط اليهود والنصارى في نقل فلسفة ابن رشد وشروحه على أرسطو هي التي فتحت لأوربا الباب أمام الفلسفة اليونانية. وكان من أكبر زعماء اليهود الذي يتثقفوا ثقافة فلسفية موسى بن ميمون، وقد كان معاصرًا لابن رشد، وإن كان ابن رشد أسن منه بنحو عشر سنوات، فقد ولد ابن ميمون سنة ١١٣٥م بقرطبة، وقد حدث أن كان اليهود في قرطْبة قد نشروا نفوذهم ولكن كان كبراؤهم يصانعون المسلمين، فخلف من بعدهم خلف من اليهود لم يصانعوا المسلمين، فسخط المسلمون عليهم، واستثارهم شاعر معروف اسمه أبو إسحاق الإلبيري، فقال في قصيدة:
ولا نرفع الضغط عن رهطه١٠
فقد كنزوا كل عِلْق ثمين
وفَرِّق عراهم وخذ مالهم
فأنت أحق بما يجمعون
ولا تحسبن قتلهم غدْرَة
بل الغدر في تركهم يعبثون
فقد نكثوا عهدنا عندهم
فكيف نُلام على الناكثين
وكيف تكون لنا همة
ونحن خمول وهم ظاهرون

فثار عليهم المسلمون وقتلوا منهم وخيَّروا الباقين بين الإسلام وبين الرحلة من البلاد.

على كل حال كان موسى بن ميمون في هذه الظروف التعسة وسنه ثلاث عشرة سنة، وقد تعلم على أبيه إذ كان قاضيًا في المحاكم اليهودية، فلما خُيِّر اختار الرحيل عن الأندلس، فرحل هو وأسرته إلى فلسطين ونزلوا عكا، ثم انتقلوا إلى بيت المقدس، ثم انتقلوا أخيرًا إلى الفسطاط في مصر. وكان موسى يترفَّع عن أن يتكسب بعمله الديني، فاشتغل بالطب واشتهر به، واتصل عن طريقه بالقاضي الفاضل وزير صلاح الدين، ونجح في طبِّه نجاحًا كبيرًا، فكان يقصده الناس من كل ناحية. وقد كتب ابن ميمون كتبًا كثيرة أكثرها بالعربية وأقلها بالعبرية، وأقبل الناس من يهود ومسلمين على دراسة كتبه الفلسفية والطبية. ومما زاد في انتشارها في أوربا ترجمتها إلى اللغة اللاتينية، وأهم كتبه كتابه «دلالة الحائرين» ويعني بالحائرين الذين حاروا في قضايا كثيرة بين العقل والدين، وهي مسألة عالجها كثير من الفلاسفة المسلمين، كابن رشد وابن سينا وابن باجة. ومن رأي ابن ميمون أنه لا تناقض بين العلم والدين، ما دام ينظر إليهما نظرة سمحة واسعة تجعل الدين قابلًا للتأويل.

وكما كانت له كتب فلسفية من هذا القبيل كانت له كتب دينية يهودية من جمع النصوص والروايات. وقد هاج المسلمون عليه في مصر؛ لأنه كان قد أسلم مدة في قرطبة خوفًا من القتل، فلما أمن في مصر عاد إلى دينه، فاتهموه بانه مرتد، ولكن قال القاضي الفاضل: إنه أُكْرِهَ على الإسلام، فلا يعد مسلمًا صحيحًا فلا يكون مرتدًّا، وبذلك نجا. وله رسائل كتبها إلى أصحابه باللغة العربية تشتمل على مسائل شخصية، ومسائل فلسفية، ومسائل دينية، انتشرت كذلك بين اليهود انتشارًا كبيرًا، ولولا ازدحام الناس عليه لمعالجتهم فعاقوه من التفرغ للتأليف لأنتج أكثر مما أنتج. وعلى الجملة، فقد كان علمًا من أعلام اليهود الذين نشروا الفلسفة الإسلامية في أوربا.

وكان نقل فلسفة ابن رشد وأرسطو سببًا في هياج الكنيسة على المشتغلين بالفلسفة، حتى إن الكنيسة حرمت الاشتغال بهذه النظريات الفلسفية في القرن الثالث عشر الميلادي. وهذه الحركة العنيفة بين الكنيسة وأحرار الفكر كانت من الأسباب التي حملت بعض الناس على الخروج على الكنيسة، وسبَّبَت في أوربا النهضة الحديثة، وجعلت بعض الفلاسفة كبيكون ينتقد الفلسفة القديمة، وفلسفة أرسطو بوجه خاص، ويدعو إلى عدم الخضوع لأرسطو خضوعًا تامًّا، كما يدعو إلى إنزاله من عرشه، وتحكيم العقل في كل ما يعرض عليه، وعدم الإيمان بشيء مهما كان قائله إلا ما دلت عليه المشاهدة والتجربة. ومن ذلك الحين أخذ العقل البشري يفكر على هذا المنهج الجديد.

وكان من أنصار ابن رشد فردريك الثاني إمبراطور ألمانيا، فقد كان سندًا لمترجمي فلسفي ابن رشد في أوربا، وكان الإمبراطور نفسه يعرف اللغة العربية، تعلمها على عربي في صقلية، وكان في بلاطه حركة نشطة من يهود يشتغلون بترجمة الفلسفة العربية، وخصوصًا فلسفة ابن رشد، وفلكيون يشتغلون بالرصد بملابسهم البغدادية، وكان ينصر تعاليهم على الكنيسة، ومع ذلك لم يمنعه هذا من اشتراكه في الحروب الصليبية ضد العرب؛ لأنه كان يرى أن العلم شيء والسياسة شيء. وكره من رجال الدين المسيحي حتى كانوا يلقِّبونه بالدجال الذي روي عنه أنه سيقاوم الديانة المسيحية. على كل حال ظهر رجال عظام مثل فردريك هذا، ومثل جولتيه، دعوا إلى تحرير العقل من سلطة رجال الكنيسة، وتبعهم غيرهم حتى تم لهم الانتصار …

وبعد: فهل كان ابن رشد مؤمنًا؟ يشك بعض المستشرقين في إيمانه، ونحن نرى أنه كان مؤمنًا إيمان الفلاسفة، فللمحدثين إيمان، وللمتكلمين إيمان، وللفلاسفة إيمان، إيمان المحدثين إيمان بكل ما ورد في الآثار من غير شك، ولا نقد عقلي، وإيمان المتكلمين وخاصة المعتزلة إيمان بتأويل الآثار إلى ما ينطبق مع العقل، وقد قرأت بالأمس حكاية لطيفة في كتاب البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي خلاصتها أن موسى — عليه السلام — كان يعتب على آدم في أنه أتى بخطيئة، فأخرج نفسه وذريته من الجنة، فقال له آدم: ألم تعلم أن إتياني بالمعصية وخروجي من الجنة كان بقضاء الله وقدره، فكيف تعتب عليَّ؟ وعلق أبو حيان بأن المتكلمين إذا قرءوا مثل هذه الآثار، حصلت لهم قشعريرة، وسببها أنهم كانوا يقولون بقدرة الإنسان على أعمال نفسه؛ ولذلك يكون مسئولًا عنها. وفي هذا الحديث ما يشعر بأنه مضطر، ولا يمكن مع هذا تفسير المسئولية، ثم قال: إن ثلثي أعمال الدين يقبل فيها ما ورد من الآثار من غير حاجة إلى إعمال العقل، وهذا هو إيمان المحدثين.

أما الفلاسفة فإيمانهم من جنس آخر، وأعتقد أن ابن رشد وأمثاله من الفارابي وابن سينا وابن طفيل، كانوا يؤمنون بالله، كإيمان أستاذهم أرسطو بالله، وكانوا يؤمنون بالنبوة بمعنى غير ما يؤمن به العامة، ويرون أن الدين أتى لجمهور الناس، أما الخاصة من الفلاسفة فإنهم يضبطهم عقلهم أكثر ما يضبطهم الدين. وقد عبر عن ذلك ابن طفيل في كتابه حي بن يقظان تعبيرًا واضحًا دقيقًا، فإن حيًّا لما قابل أبسال، وكان أبسال متعلمًا تعاليم نبي، وملتزمًا شرائعه، تعجب من بعض ما عرض عليه أبسال من التعاليم التي جاءت على لسان النبي، تعجب مثلًا من أمر الدين بشعائر معينة، كصلاة في الصبح وصلاة في الظهر، وزكاة للأموال مما يقتضي جواز ادخار الأموال، ونحو ذلك من شعائر، وكان حي قد أداه عقله إلى عدم التزام الشعائر في أوقاتها، ولجوئه إلى الله كلما دعته إلى ذلك نفسه، كما أداه عقله إلى الزهد في الدنيا والتقلل من المال وعدم الاقتناء، واقتصاره على ما يسد حاجته الضرورية، وأراد أن يذهب إلى جزيرة الناس ويعظهم بأفكاره هو تكملة لأفكار النبي، فغضب عليه الناس وتبين أن الأنبياء بتعاليمهم كانوا أعرف بطبائع البشر، وأن الدين لم يأتِ للصفوة فقط.

فهذا يدل على أن الفلاسفة يعطون لعقلوهم حرية التفكير، وعرض أوامر الدين على العقل وتحكيم العقل فيه، واستخدام التأويل ما سمح لهم التأويل. وقد ينظرون إلى النبوة على أنها أمر يمكنهم الوصول إليه، أو إلى قريب منه بعقولهم واجتهادهم؛ ولذلك لم يقدسوا أوامرهم تقديسًا كبيرًا كما يقدسه الجمهور، بل صرح بعضهم بأنهم غير ملزمين بالأوامر الدينية كما يلزم الجمهور. وفي أقوال ابن رشد وابن سينا ما يشير إلى ذلك، وإن كانوا يستعملون التقية خوفًا من إيذاء الجمهور لهم.

لقد روي عن ابن رشد أشياء يأباها جمهور الناس، كالذي روي عنه في أن عادًا لم يثبت وجودها مع نص القرآن عليها. ولعله يذهب في ذلك إلى أن قصد القرآن العظة، وقد روي في القرآن أن عادًا أهلكوا بريح صرصرٍ عاتية، فموضع العظة أن قصة عاد الذين يتناقل الناس أخبارهم، يتناقلون هلاكهم بالريح، تكفي لتكون موعظة للناس، سواء ثبت وجودهم حقيقة أو لا. وهذا مذهب قوم من المتطرفين يرون أن القصد أولًا وآخرًا هو الموعظة، ولو كانت الموعظة مبنية على إشاعة، وهو ما يرضى عنه جمهور المؤمنين. وروي عنه أيضًا أنه حكى أن الزهرة إله، وهذا سهل التأويل؛ لأنه كان يحكي آراء اليونان في ذلك، وبعيد أن يكون هذا مذهب ابن رشد.

على كل حال نعتقد أن ابن رشد يؤمن بالله ورسوله إيمانًا خاضعًا لسلطان العقل، وليس يؤمن بالأثر على إطلاقه، ودعوى بعض المستشرقين بعدم إيمانه لم يقم عليها دليل مقنع، والله أعلم.

وعلى الجملة، كان اشتغال العرب بالفلسفة في بغداد وما حولها سببًا في اشتغال الأندلسيين بها، كابن رشد وابن طفيل … ثم كانت الخطوة الثانية وهي انتقال الفلسفة اليونانية من الأندلس إلى أوربا قبل أن ينهض الأوربيون ويأخذوا الفلسفة اليونانية من أصولها.

ولذلك نلاحظ هذا الترتيب الزمني، فأول ما اشتغل العرب بالفلسفة اليونانية وظهر فيهم الكندي وأمثاله، كان بعد نحو قرنين اثنين من ظهور الإسلام، إذ كان العراق مقرًّا للفلاسفة من قديم، ومقرًّا لترجمة الفلسفة اليونانية عن طريق السريان، ثم من السريان إلى العرب. ولكن لم تظهر الفلسفة في الأندلس إلا في النصف الأخير من القرن الرابع، حتى انتقلت الفلسفة من العراق إلى الأندلس، ولكن في نظير ذلك تأخرت حياة الفلسفة في الأندلس بعدما ماتت في المشرق؛ لأن الغزالي وأمثاله في المشرق استطاعوا أن يخمدوا صوت الفلسفة فيه، ولكن استطاع فلاسفة الأندلس أن يستمروا في إحياء الفلسفة، ويردوا على الغزالي وأمثاله؛ ولذلك بقيت الفلسفة في الأندلس بعد موتها تقريبًا في المشرق.

وإذا نحن تصورنا الحياة الفلسفية العربية مصباحًا، فأول ما أضاء في المشرق، ثم أخذ منه قبس فأشعل مصباحًا آخر في الأندلس، ثم أخذ من هذا الأخير قبس فأشعل مصباح الفلسفة في أوربا. ويظهر أن شهرة ابن رشد الكبيرة التي غطَّت على شهرة ابن سينا والفارابي في أوربا ترجع إلى أمور:
  • (١)

    قوة شخصية ابن رشد.

  • (٢)

    تلمذة اليهود له، ونشاطهم في نشر مذهبه.

  • (٣)

    استعداد الوسط النصراني واليهودي إذ ذاك للتفلسف، وحاجتهم إليه بعد أن بالغ رجال الدين في الحجر على حرية الفقه، فكانت حركة ابن رشد رد فعل قوية.

ومنذ سنين؛ أي: حوالي سنة ١٩٠٢م وجدت حركة في مصر كان زعيماها الأستاذ فرح أنطون والأستاذ الشيخ محمد عبده، إذ كان الأول قد نشر في مجلته «الجامعة» خلاصة فلسفة ابن رشد كما عرضها الأستاذ رينان، وروى اضطهاد المسلمين له في الأندلس ونحو ذلك، فانبرى له الأستاذ الشيخ محمد عبده يبين أن الإسلام ينادي بالحرية الفكرية إلى آخر حد، ولا يضطهد الفلسفة، وأنه صدر من المسيحيين اضطهاد للفلسفة والفلاسفة أكثر مما صدر من المسلمين، ولم يكن هناك داعٍ لذلك كله، فعامة المسلمين اضطهدوا الفلاسفة، وكرهوا الفلسفة، وكذلك عامة النصارى، وليس يهم أيهما كان أكثر اضطهادًا. والحق أن الإسلام والنصرانية بريئان من تحمل هذه المسئولية، وإنما يحملها المسلمون لا الإسلام، والنصارى لا النصرانية، ونبش التاريخ لا يفيد كثيرًا، إنما الذي يفيد حمل الناس على التسامح، حتى يسير البحث عن الحقيقة في مجرًى صافٍ هادئ لا اضطهاد فيه ولا كبت.

وهناك نوع من الفلسفة لا يتبع فلسفة اليونان، وهو الفلسفة الخلقية التي أتى بها ابن حزم، فلم يسلك سبيل ابن رشد في حكايته لفلسفة أرسطو الأخلاقية في كتابه المسمَّى «نيقوماخوس»، وإنما هي فلسفة أخلاقية مستمدة من تجاربه الخاصة. فقد كان وزيرًا وابن وزير، تسرح في قصوره الجواري الحسان، ويحب ويكره، ويوالي ويعادي، ويتصل بالخلفاء والأمراء اتصال محاسنة أحيانًا، واضطهاد أحيانًا أخرى، ويرتفع إلى السماء حينًا، وينخفض إلى الحضيض حينًا، ويلاقي العلماء والجُهَّال والأمراء العادلين والظالمين، ويكتوي بالحب أحيانًا، ويذوق لذة الوصال وألم الهجران، ويهجو العلماء ويهجونه، ويدعو إلى مذهب الظاهرية، فيناهضه رجال المالكية بقوة … كل هذا أكسبه تجارب كثيرة، وكان حادَّ الذهن مرهف الحس، كثير الاطلاع، فاستفاد من كل ذلك تجارب ركزها في حكم، وألَّف فيها كتاب الأخلاق والسِّير.

نعم، إنه تأثر بالفلسفة اليونانية في الأخلاق، كما يدل عليه كتابه مثل اعتناقه نظرية الأوساط لأرسطو، أي: أن كل فضيلة وسط بين رذيلتين: الإفراط والتفريط، ولكن هذا لا يذكر بجانب تفكيره الشخصي، وتجاربه الشخصية، ونحن نسوق أمثلة على هذا، فمثلًا حاول أن يجعل للأخلاق كلها من فضائل ورذائل أساسًا، وبعد طول تفكير استطاع أن يجد هذا الأساس وهو «طَرْد الهم»، وأن الناس كلهم استووا في استحسانه واتخاذه باعثًا على كل الأعمال، وإليه يعود كل غرض غيره، سواء في ذلك المتدين وغير المتدين، ومن يريد الخير ومن لا يريده، ومن يؤثر الخمول ومن يريد بُعد الصيت، وعد ذلك اكتشافًا عظيمًا. وكل الناس إنما تطلب بأعمالها طرد الهم، فالذين يطلبون المال، يطلبونه لطرد الهم، وكذلك الذين يطلبون الصَّيت، ومن يطلب العلم، إنما يطلبه لطرد هم الجهل، ومن أكل ومن شرب ومن لبس، إنما يفعل ذلك لطرد هم الجوع والعطش والعُرْي، وهكذا أرجع كل الأعمال الإنسانية إلى طرد الهم في أشكاله المختلفة. وهذا يذكرنا بما تفعله بنتام وجون استوارت مل في جعلهما كل البواعث على العمل طلب اللذة ودفع الألم.

كذلك من لطائفه بحثه في الحب وأنواعه، فعنده أن الحب جنس واحد مختلف الأنواع، وإنما اختلف الحب باختلاف الأغراض، وقد تنوَّع الحب من حب للأب، وحب للابن والقرابة والصديق، وحب للسلطان وللحسن، وللمأمول وللمعشوق، فهذه كلها جنس واحد تنوعت على اختلاف الطمع فيما ينال من المحبوب. وقد رأينا من مات أسفًا على ولده، كما يموت العاشق أسفًا على معشوقه، وبلغنا من شهق من خوف الله ومحبته فمات، ونجد المرء يغار على سلطانه وعلى صديقه، كما يغار على زوجته، وكما يغار العاشق على معشوقه، فكل أنواع الحب من وادٍ واحد، وتسير سيرًا متشابهًا، ويزيد الحب بالمجالسة، والمحادثة والمزاورة، واستمر في ذلك حتى حلل الحب تحليلًا دقيقًا، وكثيرًا ما تقتبس فقرة أو فقرات من هذا الكتاب تتخذ مبدأ مثل ما فعلت «الجريدة» من اقتباسها في أول كل عدد من أعدادها قول ابن حزم: «من حقق النظر وراض نفسه على السكون إلى الحقائق، وإن آلمتها في أول صدمة، كان اغتباطه بذم الناس إياه، أشد وأكثر من اغتباطه بمدحهم إياه»؛ «لأن مدحهم إياه إن كان بحق وبلغه مدحهم له، أثر ذلك فيه العجب، فأفسد بذلك فضائله، وإن كان بباطل فبلغه فسره، فقد صار سرورًا بالكذب، وهذا نقص شديد. وأما ذم الناس إياه، فإن كان بحق فبلغه فربما كان ذلك سببًا في تجنبه ما يعاب عليه، وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه إلا كل ناقص وإن كان بباطل وبلغه قصير، اكتسب فضلًا زائدًا بالحلم والصبر».

ويقول: «الناس فيما يعانون كالماشي في الفلاة، كلما قطع أرضًا بدت له أرضون، وكلما قضى المرء سببًا، جَدَّت له أسباب»، «صدق من قال: إن العاقل معذَّب في الدنيا، وصدق من قال: إن العاقل فيها مستريح، فأما تعذُّبه فيما يرى من انتشار الباطل وغلبة دولته، وبما يحال بينه وبينه من إظهار الحق، وأما راحته فترفعه عن كل ما يهتم به سائر الناس من فضول الدنيا»، وكان يقول: «فُرض على الناس تعلم الخير والعمل به، فمن جمع الأمرين فقد استوفى الفضيلتين معًا، ومن علمه ولم يعمل به فقد أحسن في التعليم وأساء في ترك العمل. قال ابن حزم: فاعترض عليَّ إنسان سمع مني ذلك، وقال: كان الحسن — يريد الحسن البصري — إذا نهى عن شيء لا يأتيه أصلًا، وإذا أمر بشيء كان شديد الأخذ به، وقال آخر: إن أبا الأسود الدؤلي قال:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم

فقلت: أن أبا الأسود إنما قصد بالإنكار المجيء بما نهى عنه المرء، وأنه يتضاعف قبحه منه بنهيه عنه، لا أن من كان يعمل شيئًا قبيحًا لا يصح له أن ينهى عنه، فهذا شيء وهذا شيء، وأما حكاية الحسن فقد صح عنه أنه سمع إنسانًا يقول: لا يجب أن ينهى عن الشر إلا لمن لا يفعله، قال الحسن: ود إبليس لو ظفر منَّا بهذه حتى لا ينهى أحد عن منكر، ولا يأمر بمعروف، قال ابن حزم: وهذا قولنا آنفًا، وقد صدق الحسن».

وفي الكتاب كثير من النظرات الصائبة والحكمة البالغة، نتيجة لتجاربه الخاصة. نعم، إنه لا بد أن يكون قد نظر إلى ابن المقفع في الدرة اليتيمة والأدب الكبير والأدب الصغير، ولكن ابن المقفع في كتبه كان نتيجة تجارب الفرس التي اطلع عليها، وكان ابن حزم ينقل نتيجة تجاربه الشخصية.

ومن الفلسفة العلمية التأليف في السياسة الاجتماعية، كما فعل الطرطوشي مثلًا في كتابه «سراج الملوك»، والطرطوشي نسبة إلى طرطوشة من بلاد الأندلس، وقد تتلمذ لابن حزم والباجي، ويحكمون عنه أنه كان عالمًا عاملًا، زاهدًا ورعًا، ديِّنًا متقشفًا، متقللًا من الدنيا راضيًا منها باليسير.

ويهمنا منه هنا أنه ألَّف كتابًا اسمه «سراج الملوك» وهو سياسة وعظية، أكثر منه دراسة نظرية، فلم تكن السياسة في زمنه قد أصبحت علمًا له قواعد ونظريات، وإذ لم يكن الطرطوشي قد تقلد مناصب حكومية كالوزارة ونحوها، كانت تجاربه في هذا الباب قليلة، وهي إلى المواعظ أقرب منه إلى تقعيد القواعد، وقد استفاد من اطلاعه الواسع على كتب التاريخ وكتب الحديث؛ ولذلك يُضمِّن كتابه كثيرًا من الأحداث التي قرأها، والحِكَم التي رواها، وأحيانًا يتأثر بمثل كتب الأحكام السلطانية، ككتاب «الأحكام السلطانية» للماوردي، فيسير سيره، كما أنه أحيانًا يروي ما حكي له عن ملوك الأندلس وأمرائها وأخبارهم، وقد رتبه ترتيبًا دقيقًا: الباب الأول في مواعظ الملوك … والثامن في منافع السلطان ومضارِّه، والتاسع في منزلة السلطان من رعيته، والحادي عشر في الخصال التي هي قواعد السلطان، ثم باب فيما يهدم الدولة، وفي حاجة السلطان إلى العلم، وفي الوزراء وصفاتهم، وفي خصال الأمير والمأمور، وما تكره الرعية من السلطان ومعنى «كما تكونوا يولَّى عليكم»، وعلاقة السلطان بالجند، وجبايته للخراج، وعلاقته ببيت المال، وتدوين الدواوين، وأحكام أهل الذمة، والحروب وغير ذلك، فقد تعرض لموضوعات غاية في الأهمية، إن كان عالجها كما قلنا بالآثار لا بالرأي، والكتاب من غير شك يدل على سعة اطلاع ولطف نظر، قال في مقدمته:

إنني لما نظرت في سير الأمم الماضية، والملوك الخالية، وما وضعوه من السياسات في تدير الدول، والتزموه من القوانين في حفظ النِّحل، وجدت ذلك نوعين: أحكامًا وسياسات»، وقد ذكر أيضًا أنه ألَّف هذا الكتاب للمأمون البطائحي الوزير الفاطمي وأهداه إليه. وفيه أشياء كثيرة تأثَّر فيها من وجوده بالأندلس، فعند كلامه مثلًا على الحروب وتدبيرها وحيلها وأحكامها ذكر خبر وقعة وادي لكَّة التي قلت فيها لُذَريق واحتز رأسه، وفيه حكاية عن نظام جيش المنصور وقيادته والقضاء في أيامه، وفيه أخبار عن وقوف الفقهاء في وجه السلطان وحدهم من سلطانه. ويستفاد من مجمع ما ذكره عن الحرب، كيف كانت ترتَّب الجيوش في الأندلس.

ويظهر لي أنه كان مصدرًا من مصادر ابن خلدون في مقدمته، وأن ابن خلدون فلسف أقواله، وأخضعها للعقل. وقد مات الطرطوشي سنة ٥٢٠ﻫ، ويظهر أنه كان متزمتًا، فهو ينظر إلى اليهود والنصارى نظرة متعصبة، حتى ليحرم على نفسه أكل الجبن الرومي؛ لأنها صنعت في بلادهم.

وأما الحركة العلمية فنعني بها ما يقابل الحركة الأدبية أي: scientific mouvement من رياضة وطبيعة وكيمياء ونبات وحيوان وفلك، وعلى الجملة فكل ما تبحث فيه «كليات» العلوم اليوم. وقد كانت هذه العلوم داخلة في الفلسفة، ثم انفصلت عنها في العصر الحديث كما انفصل مثلًا علم النفس، وكما انفصل حديثًا علم الاجتماع، وأصبحت الفلسفة قاصرة على جذور الشجرة بعد أن انفصل عنها فروعها. وقد رأينا في الشرق أن الحركات المختلفة ظهرت على الترتيب الآتي: الحركة الأدبية، وبدأت في العصر الجاهلي واستمرت على الزمن، ثم الحركة الدينية، وقد ظهرت بظهور الإسلام، ثم الحركة الكلامية، وقد ظهرت في آخر العصر الأموي وأول العباسي، ثم الحركة الفلسفية والحركة العلمية، وهذا ما حدث في الأندلس بالضبط. فتاريخ الحركة الأدبية يعاصر الفتح العربي، ثم الحركة الدينية بعد ذلك بقليل، ثم الحركة الفلسفية نشأت نشوءًا خافتًا في أيام الحكم، ومنها الحركة العلمية.
ويظهر أن من أول من لفت النظر إلى الحركة العلمية مسلمة المجريطي من أهل قرطبة، قال صاعد في كتاب تعريف طبقات الأمم: «إن مسلمة كان إمام الرياضيين بالأندلس في وقته، وأعلم من كان قبله بعلم الأفلاك، وحركات النجوم، وكانت له عناية بأرصاد الكواكب، وشغف بتفهم كتاب بطليموس المعروف بالمجسطي، وله كتاب حسن في تمام علم العدد المعروف عندنا بالمعادلات، وكتاب اختصر فيه تعديل الكوكب من زيج البتاني، وغُني بزيج محمد بن موسى الخوارزمي»، وقد توفي مسلمة سنة ٣٩٨ﻫ، والشيء المهم أيضًا أنه ربى تلاميذ كثيرين كانوا نواةً صالحة في هذه العلوم، مثل: ابن السمح وابن الصفّار، والزهراوي والكرماني وابن خلدون.١١

فهؤلاء كلهم اشتغلوا في العلوم، فابن السمح مثلًا اشتهر بعلم الحساب والهندسة والهيئة، وشرح كتاب أقليدس في الهندسة، وله كتابان في الأسطرلاب، ومات سنة ٤٢٦ﻫ. وابن الصفار كذلك كان ماهرًا في علم الحساب والهندسة والعلوم، وله زيج مختصر على مذهب السِّندهند. والكرماني كان ماهرًا في الهندسة، ورحل إلى الشرق في طلبها، ثم عاد إلى الأندلس، وصار لا يشق غباره في فك غامضها، وتبين مشكلها، ومن ناحية أخرى اشتهر الغافقي وهو أبو جعفر أحمد بن محمد بعلم الأدوية المفردة، والنباتات ومنافعها وخواصها وأعيانها ومعرفة أسمائها. قال ابن أصيبعة: «إن كتابه في الأدوية المفردة لا نظير له في الجودة، ولا شبيه له في معناه، قد استقصى فيه ما ذكره ديسقوريدس وجالينوس، ثم ذكر بعد قوليهما ما تجدد للمتأخرين من الكلام في الأدوية المفردة، فجاء كتابه جامعًا لما قاله الأفاضل في الأدوية المفردة، ودستورًا يرجع إليه فيما يحتاج إلى تصحيحه منها.

ويظهر أن كتابه هذا كان عمادًا لما ألفه ابن البيطار في كتابه «المفردات». فقد أصلح في كتاب الغافقي وزاد عليه ما اكتشف بعده، وكلاهما كان معتمدًا على كتاب ديسقوريدس، ومصححًا له وزائدًا فيه. وابن البيطار هذا من أشهر علماء النبات والأعشاب، وأصله من مالقة، ولد في الربع الأخير من القرن السادس الهجري، وقد كان محبًّا للعلم، فكان يجوب البلاد يمتحن الأعشاب ويصفها ويذكر فوائدها، وألَّف كتابين أحدهما يعتمد على ما ذكره ديسقوريدس وزاد عليه وهو المشهور بمفردات ابن البيطار، وكتاب آخر مبني على تجاربه الخاصة، وهو يشتمل على علاجات بسيطة مستمدة من المعدن والنبات والحيوان، وقد رحل إلى مصر في دراسة الأعشاب، في عهد الملك الكامل الأيوبي، وعيّنه رئيسًا للعَشَّابين، وكان ابن أبي أصيبعة تلميذًا لابن البيطار، وصحبه في الكشف عن النباتات في منطقة دمشق، وقد توفي ابن البيطار في دمشق سنة ٦٤٦ﻫ. ويظهر من تاريخه أنه كان محبًّا لموضوعه متفانيًا فيه.

يقول ابن أبي أصيبعة: «وأول اجتماعي به كان بدمشق في سنة ٦٣٣ﻫ، ورأيت من حسن عشرته وكمال مروءته وطيب أعراقه وجودة أخلاقه، وكرم نفسه ما يفوق الوصف ويتعجب منه، ولقد شاهدت معه في ظاهر دمشق كثيرًا من النبات في مواضعه، وقرأت عليه أيضًا تفسيره لأسماء أدوية كتاب ديسقوريدس، فكنت أجد من غزارة علمه ودرايته وفهمه شيئًا كثيرًا جدًّا، وكنت أحضر عدة من الكتب المؤلفة في الأدوية المفردة، مثل: كتاب ديسقوريدس وجالينوس والغافقي … فكان يذكر أولًا ما قاله ديسقوريدس في كتابه باللفظ اليوناني على ما قد صححه في بلاد الروم، ثم يذكر جملة ما قاله ديسقوريدس من نعته وصفته وأفعاله، وما يتعلق بذلك، ويذكر أيضًا جملًا من أقوال المتأخرين وما اختلفوا فيه، ومواضع الغلط والاشتباه الذي وقع لبعضهم في نعته، فكنت أراجع تلك الكتب معه، ولا أجده يغادر شيئًا مما فيها».

ونوع آخر يمثله أمية بن أبي الصلت، وقد كان مجيدًا من نواحٍ متعددة فهو من ناحية يجيد الميكانيكا، يدل على ذلك ما حكى ابن أبي أصيبعة من أن مركبًا محمَّلة بالنحاس غرقت في ميناء الإسكندرية، فعمل أمية تصميمًا أن يخرج المركب محمله بنحاسها من قاع البحر، وكان تصميمه ناجحًا لم يخطئ فيه. وصرف الملك الأفضل ابن أمير الجيوش مبالغ طائلة في صنع الآلات التي رسمها، ولكن خان أمية التوفيق إذ قطعت حبال الإبْرَيْسم التي تشد المركب الغاطسة المحملة بالنحاس، فعادت إلى قاع البحر ثانية، وغضب الملك واعتقله حتى تشفع فيه بعض الأعيان. وكان إلى جانب ذلك أوحد أهل زمنه في العلوم الرياضية وفي علم الموسيقى واللعب على العود، وأصله من بلد اسمها «دانية» شرقي الأندلس. ومع تفوقه في العلوم المختلفة كان أديبًا شاعرًا، يقول الشعر الرقيق المُمَلْغَم بعلمه، كقوله في وصف الأسطرلاب، وهو آلة الرصد المعروفة:

أفضل ما استصحب النبيل فلا
تعدل به في المقام والسفر
جِرمٌ إذا ما التمست قيمته
جل على التِّبر وهو من صفر
مختصر وهو إذ تفتشه
عن ملح العلم غير مختصر
ذو مقلة يستبين ما رمقت
عن صائب اللحظ صادق النظر
تحمله وهو حامل فلكًا
لو لم يدر بالبنان لم يدر
مسكنه الأرض وهو ينبئنا
على جل ما في السماء من خبر
أبدعه رب فكرة بعدت
في اللطف عن أن تقاس بالفكر
فاستوجب الشكر والثناء له
من كل ذي فطنة من البشر
فهو لذي اللهب شاهد عجب
على اختلاف العقول والفِطر
وأن هذي الجسوم بائنة
بقدر ما أعطيت من الصور

ونوع آخر من الاشتغال بالعلم يمثله العباس بن فرناس، وذلك أنه خطرت له فكرة أن يطير كما يطير الطير، يصنع جناحين يطير بهما، وهي فكرة سابقة لزمانها؛ لأن الطيران إنما نجح بعد التقدم في صنع الآلات، واكتشاف البنزين، وما هو أخف من البنزين، أما الاعتماد على الأجنحة فقط فمصيره الفشل لا محالة. قال فيه صاحب نفح الطيب: «إن أبا القاسم عباس بن فرناس أول من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة، وأول من فك الموسيقى وصنع الآلة المعروفة بالمثقال؛ ليعرف الأوقات على غير رسم ومثال، واحتال في تطيير جثمانه، وكسا نفسه بالريش، ومد له جناحين، وطار في الجو مسافة بعيدة، ولكنه لم يحسن الاحتيال في وقوعه، فتأذى في مؤخره، ولم يدر أن الطائر إنما يقع على زمكه، ولم يعمل له ذنبًا … وصنع في بيته هيئة السماء، وجعل للناظر فيها النجوم والغيوم والبروق والرعود». فهذا كله إن صدق دل على شخص غريب حقًّا، نابغة حقًّا. والله أعلم.

هوامش

(١) هو المشهور بابن باجة.
(٢) وردت هذه العبارة في كتاب حي بن يقظان لابن طفيل، وقد أصلحناها لاضطرابها في الأصل.
(٣) انظر: رسالتنا «حي بن يقظان» نشر دار المعارف.
(٤) القلخ: القصب الأجوف.
(٥) القتار: رائحة الشواء.
(٦) من كتاب ابن رشد وفلسفته للأستاذ فرح أنطون.
(٧) خلاصة هذه القصة أن ابن سينا وأبا سعيد بن أبي الخير تلاقيا ومكثا أيامًا، وتلاميذ كل ينتظرون صاحبهم؛ ليعرفوا ما تم بينهما، فلما سئل ابن سينا عن رأيه في أبي سعيد قال: ما أعرفه يراه، ولما سئل أبو سعيد قال: ما أراه يعرفه. والفرق بين الرؤية والمعرفة أن الرؤية هي الكشف الصوفي، والمعرفة هي النظر الفلسفي.
(٨) انظر: ص٣٠٤ من المعجب وما بعدها.
(٩) وردت هذه الكلمة على أشكال مختلفة: نغرلة، ونفرلة، ونحن نرجح نغرلة.
(١٠) الضمير يعود إلى موسى بن نغرلة، والخطاب للأمير باديس بن حبوس.
(١١) هو غير ابن خلدون المشهور.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١