الفصل السابع

الحركة الفنية

عرفت إسبانيا بأنها مركز لآثار كثيرة، وحضارات قديمة متوالية؛ ولذلك كانت مدرسة يدرس فيها الفنانون الفنون المختلفة للحضارات المختلفة.

وقد مكن لها من ذلك ما قلنا من توالي الحضارات عليها، وقربها من إيطاليا وفرنسا المعروفتين بالذوق الفني. فالعرب لما كانوا بالأندلس استفادوا من فنية هاتين المملكتين، وهضموا ما استفادوا وأخرجوه على نحو جديد، استطاعوا به أن يعيدوا الجميل لمن اقتبسوا منهم. لقد توالى على الأندلس الرومان والقوط والعرب والإسبان، فأما الرومان فكانوا ذوي مهارة فنية عظيمة، وأعظم ما خلفوه كان في بلدة ماردة، إذ كانت عاصمة لوزيتانيا، فخلفوا فيها كوبري «جسرًا» كانت له واحد وثمانون حَنِيَّة أو باكية، وخلفوا فيها قناتين مغلقتين، وملهى للتمثيل، وملعبًا عامًّا، وهيكلًا للمريخ تحول فيما بعد كنيسة، وقوس نصر، وخلفوا في طركونة عدة هياكل وملهى للتمثيل وملعبًا وحمامات، وجميعها من أفخم المباني الرومانية. وفي بلدة شقوبية خلفوا قناة مغلقة طولها ٨١٠ مترًا، منها ٢٦٦ مركبة على دورين من الحنايا الواحد فوق الآخر، وعدد قناطرها ١١٩ قنطرة.

وأما القوط فخلفوا أكثر ما خلفوا كنائس، منها كنيسة سانميسكال في أوبيط، وكنيسة شانتمرية. وقبيل دخول العرب الأندلس مالوا في فنهم إلى المتانة والرصانة دون الزخرف، وبنوا في مدينة برغش كنيسة كبرى تحتوي على أنماط البناء في الأعصر الثلاثة الأخيرة، ويقال: إنها أبدع كنيسة في إسبانيا بناها يوحنا الكولوني، وكانوا يميلون إلى نوعين أخيرًا قللا من بهجة الفن: الأول جعل موضع خاص في وسط الكنيسة للأحبار والقسيسين ممَّا أخل بجمال الهندسة، والثاني ميلهم إلى تقليل النور في الكنائس، فكانت أبنيتهم تستدعي الظلمة لا النور، على العكس من البناء العربي، فهو يحب النور ويكره الظلمة.

وأما أبنية العرب فكثيرة، وربما كان أعظمها مسجد قرطبة، من حيث جماله وسعته، فهو لا يفوقه في السعة إلا المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وربما ساوى مسجد ابن طولون في القاهرة، وقد تُوسِّع فيه على ممر الزمان، فكان كلما كثر العمران وزاد السكان توسعوا فيه. حتى لقد قالوا: إن قسمي المسجد، القسم المسقوف والصحن السماوي يسعان نحو ثمانين ألف مصلٍّ. وقد زين هذا المسجد بالنقش والفسيفساء، مما يدل على أن الأندلسيين أخذوا هذا الفن من البيزنطيين وحسنوه وأتقنوه، وقد تفننوا في الخرط والنحت والنقش والزينة مما جعل لهم أسلوبًا خاصًّا بهم يفهمه الفنان. وقد بدئ في بناء المسجد سنة ٧٨٦ﻫ وأخذت بعض عمده من الأبنية الرومانية القديمة، ولما كان الرواق عظيم الحجم، كان من المناسب أن يكون سقفه عاليًا، يفوق ارتفاعه ارتفاع العمد، ففكروا في أن يبنوا أقواسًا على العمد تمكن من ارتفاع السقف، وقد تفننوا في بناء مساجد كثيرة من الآجُر على نمط جميل، ومن أجمل أبنية العرب في الأندلس قصر الحمراء، شيده بنو الأحمر في غرناطة، وفيه أبنية غاية في الجمال، كوحش السباع، وحوش الريحان، وقاعة السفراء، وقاعة بني سراج، وقاعة الحكم. وأجمل ما في هذه القاعات الأعمدة الرخامية والنقوش البديعة بالجص، والكتابات العربية التي تتكرر فيها: «لا غالب إلا الله، وعز لمولانا أبي عبد الله»، ولا تزال هذه الحمراء إلى اليوم زينة إسبانيا، ومقصد السائحين والفنانين.

ولما تغلب الإسبانيون على المسلمين وجدت طائفة من المسلمين يسمون المدجنين، وهي كلمة تطلق على الذين دخلوا تحت حكم الإسبان بعد سقوطها في أيديهم، وفضلوا البقاء في بلادهم، كانوا في أول أمرهم يتسامح معهم في الإتيان بشعائر دينهم، والظهور بمظهر الإسلام، ولكن ضغط القسس على الولاة فحرموا عليهم إقامة شعائر دينهم، وأكثروا عليهم من الأغلال والضرائب والرقابة. هؤلاء المدجنون كانوا يجمعون بين ما اقتبسوه من الفن الإيطالي والصنعة القوطية والطراز العربي. وكان البناءون من المدجنين ومن الإيطاليين ومن الهولنديين، يطوفون في البلاد ويشتركون في بناء الكنائس والأديار، وخلفوا من ذلك كثيرًا، ووجدت في الأندلس تماثيل كثيرة، ولكن الغالب أنها من صناعة الإيطاليين، وبعضها قديم يرجع إلى زمن الرومان.

ولم يكن العرب مقلدين فقط، بل استفادوا من العمارات التي شاهدوها في الشرق، وزاد ذوقهم إرهافًا لما نزلوا بالأندلس حيث الطبيعة جميلة، وحيث البلاد مفتوحة بآثارها أمامهم، فخلطوا هذا بذاك، وأنتجوا نتاجًا جديدًا كان عليه طابعهم، خصوصًا وأن العرب في الأندلس قَوِيُّو الملاحظة، حسنو الذوق، سرعان ما يهضمون ويخرجون ما هضموه كأنه شيء جديد.

ولهم في الفنون المختلفة مجال، فأولًا: العمارة، وأكبر ما يمتازون به العقود في البناء، فنرى أنهم شغفوا بهذا النحو من العمارة، وبنوا على أساسه مساجدهم وقصورهم. نعم إن هذه العقود كانت معروفة في إسبانيا من قبل، ولكنهم أدخلوا عليها تحسينات كثيرة، حتى كأنها من وضعهم، وتوسعوا في تقويس الجوانب، وسدوا نصف فتحة العقد في بعض الأحيان، وابتكروا طريقة عمل الأقبية التي تقوم على عقود متقاطعة وأدوار متعارضة، وانتشرت هذه الطريقة في المدن الأندلسية على اختلافها، وزادوا على ذلك مهارة في أشغال الخشب والرسم عليه رسومًا هندسية، والخزف والمنسوجات، فبرعوا في تزيين السقوف بالأشكال الهندسية، والألوان البديعة، ممَّا لم يكن له نظير، كما برعوا في صنع القاشاني، وتزيين المقاعد العامة به، وكان للفخار الأندلسي بريق متألق كالذهب، وقد أخذوه من القسطنطينية أولًا، ثم أدخلوا عليها تحسينات كثيرة، وزاد في جماله ما كتبوا عليه من الكلمات العربية بالحروف الكوفية. وكان لكل أمير شارة خاصة، وهي المسماة «رنْكا» زينوا بها أمتعتهم وكتبهم وغير ذلك، وكان لهم صبر طويل على إخراج الأدوات الجميلة، فلا مانع عند الصانع أن يصرف السنين في إخراج تحفة فنية كصندوق خشبي مكفَّت، أو دواة جميلة مكفتة، ودلهم ذوقهم على استخدام الكتابة العربية في التجميل والزخرفة أو بيت من الشعر أو دعاء بالعافية، أو ذكر أوصاف لمن تعمل له التحفة، وقد ينتهي ذلك بكتابة الصانع اسمه، وأكثروا من استعمال ذلك حتى على المقابر، كما مهروا في صناعة الزجاج الملون والنقش والكتابة عليه.

ولما كان الدين الإسلامي يمنع من إقامة التماثيل وتصوير الأبطال، عمدوا إلى تجميل الخط، وتصوير أوراق الأشجار، أو تحلية الشيء المصنوع بالأشكال الهندسية، حتى صناعة النسيج مهروا فيها، وسرت منهم إلى أوربا فيما بعد. وقد كان عندهم نوع من القماش يقال له: العتابي، نسبة إلى عتاب، واشتهر هذا النوع في فرنسا وسمي في لسانهم «تابي»، وعرف بهذا الاسم في أوربا كلها. وهناك نوع من الأقمشة القطنية يعرف باسم «ديميتي» ويقولون في اشتقاقه: إنه من اليونانية من دي بمعنى اثنين وميتوس بمعنى خيط؛ لأن هذا القماش كان ينسج من أول أمره في خيطين، ولكن تظن السيدة دي فونْشَيَر أنه نسبة إلى دمياط، إذ كان هذا النوع مشهورًا عندهم.

وقد قلد الصناعُ من الفرنج العربَ في فنهم تقليدًا دقيقًا، ومن ألطف ما يروى في ذلك أن بعض الصناع الأوربيين كانوا يقلدون الخط العربي على أنه رسم من الرسوم من غير أن يعرفوا قراءته، فحدث أن ملك مرسية واسمه «أوفا» صك نقودًا محفوظًا بعضها في المتحف البريطاني، وقد كتب على قطعة النقود اسم الملك باللغة اللاتينية وحوله كتابة عربية فيها: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» على أنها مجرد نقش، من غير أن يتنبه الصانع إلى أن ذلك يخالف التعاليم المسيحية، وعثر على صليب إيرلندي مطلي بالبرونز اللامع، كتب في وسطه على الزجاج بالخط الكوفي عبارة «بسم الله»، ففي هذين المثلين دليل على أن الفن العربي كان يغزو الفن الأوربي، ويحمل الفنانين على تقاليد العرب حتى في كتابتهم على أنها من التصوير.

وبلغ الفن الإسلامي في الأندلس درجة عالية، رغم أن الإسلام يحرم الصور والتماثيل؛ لأنها تعيد إلى الذهن عهد الوثنية الأولى، والإسلام يريد أن يجتثَّها من أساسها؛ ولذلك كان كثير من المتدينين قد يصورون الحيوان والنبات لبعد احتمال عبادتهما، ولكن لا يصورون الإنسان لاحتمال عبادته؛ ولذلك وجهوا همهم إلى الزخارف والنقوش والصور الهندسية من ذلك أنهم زينوا مثلًا قصور الزهراء بأسد عظيم الصورة، بالغ الروعة، قد طلي بالذهب، ووضع مكان العينين جوهرتان لهما ضوء خاطف، قد أقيم على بحيرة، يجوز الماء منه إلى مؤخره من قناة تحمل إليه الماء العذب على حنايا معقودة، فيدفع الماء إلى البحيرة.١
ومن ذلك أيضًا ما روي من أن الناصر صنع حوضًا لاستحمامه أقيم عليه تماثيل من الذهب الأحمر، مرصعة بالدر النفيس مما صنع بدار الصناعة بقرطبة — تمثال أسد إلى جانبه غزال، ثم تمساح، يقابله ثعبان وعقاب وفيل. وفي الجانبين حمامة، وشاهين وطاوس، ودجاجة، وديك، وحدأة، ونسر، وكلها مرصعة بالجوهر النفيس، يخرج الماء من أفواهها.٢

فترى من ذلك أنهم تفننوا في اتخاذ التماثيل من الحيوان دون الإنسان، ومع هذا نجد في الرواية أحيانًا ما يخالف هذا، فقد ذكروا أن الناصر هذا أمر أن تنقش صورة جاريته الزهراء على باب القصر المسمَّى باسمها، وملئت أبهاء الزهراء بتماثيل وصور بشرية، مما يعد ظاهرة جديدة في الفن الإسلامي. وإلى الآن توجد في إسبانيا بمتحف قرطبة آثار فنية رائعة تشهد بحسن ذوقهم، ومهارة فنهم، ومن ألطف الأمور أن نرى فن الشعر يخدم فنون النحت والتصوير والتمثيل، كما خدم فن الموسيقى فن الشعر، وكلها من وادٍ واحد. فيروي المقري أنه كان في حمام بإشبيلية تمثال بديع الصنع قال فيه الشاعر:

ودُمية مرمر تزهو بجِيد
تناهى في التورُّد والبياض
لها ولدٌ ولم تعرف خليلًا
ولا ألمت بأوجاع المخاض
ونعلم أنها حجر ولكن
تُتَيِّمُنا بألحاظٍ مِرَاض

فهذا غزل في تمثال، وهو يدلنا على أن التمثال كان من رخام أبيض مشوب بحمرة، كما يدل عليه قوله: «تناهى في التورد والبياض».

ويدل أيضًا على أن التمثال تمثال امرأة بجانبها ولدها، إذ يقول: «لها ولد ولم تعرف خليلًا». وربما دلنا على خروج الأندلس على العادة المألوفة عن المسلمين في عدم تصوير التماثيل الإنسانية. فضغط البيئة كان أقوى عليهم من تعاليم الدين، وربما تأوَّلوا ذلك بأن الخوف على المسلمين من عبادة الأصنام والأبطال قد أمن جانبه، فلم يبقَ محل لتحريمه، وإلى ذلك ذهب بعض الفقهاء. وكان أزهى العصور الفنية عصر عبد الرحمن الناصر، وعصر بني الأحمر في غرناطة، فلما جاء المرابطون والموحدون هبطت درجة الفن لما يغلب عليهم من البداوة، وعدم إرهاف ذوقهم الفني؛ ولذلك يكفيهم فخرًا أنهم أبقوا على ما بقي، ولو لم ينشئوا جديدًا:

لا تعجبن من هالك كيف ثوى
بل فاعجبن من سالم كيف نجا

ولما تغلب الإسبان على الأندلس طمسوا كثيرًا من الكتابات العربية التي على المساجد والقصور، وكان العرب مولعين بذلك، حتى لقد كتبوا على أثر فني سورة الفتح بأكملها، وأراد الإسبانيون بذلك أن يمحوا آثار العرب، ولكنهم أخيرًا لما أحسوا برغبة السائحين والفنانين في رؤية هذه النقوش العربية أخذوا يزيلون الجص عن الكتابة، وكلما عثروا على كتابة عربية عدوا اكتشافها كنزًا.

ولا ننسى بعد ذلك تأثر إسبانيا بالموسيقى العربية، فكان عددٌ من حكام قشتالة يستخدمون مهندسين من المدجنين، ويستمتعون إلى موسيقيين منهم، وحتى الآن لا يزال الشرقيون يرون الموسيقى الإسبانية أقرب إلى آذانهم، وتتفتح لها قلوبهم أكثر من الموسيقى الفرنسية أو الإنجليزية او الألمانية. والسبب في ذلك واضح، وهو أن الموسيقى الإسبانية مطعَّمة بالموسيقى الشرقية بواسطة مسلمي الأندلس.

وأخيرًا ضغط القسس على فرديناند وإيزابلا، فطردا كثيرًا من المسلمين إلى خارج بلاد الأندلس، فخسروا بذلك خسارة كبيرة في التجارة والصناعة والفنون، وضحوا بمصالح إسبانيا من أجل إرضاء طائفة من القسس، حتى قال بعضهم: «إن إسبانيا ضحت بحريتها وعظمتها كشعب في سبيل الكاثوليكية».

وقال آخر: «لما مات الإسلام في الأندلس كان موته تسميمًا لإسبانيا».

ولم يلبث فرديناند وإيزابلا أن اخترمهما هذا السم، فبدآ يتركان التسامح الذي درج عليه ملوك قشتالة وأرغونة، وسيطرت عليهما النزعات الكنسية وميولها، حتى بلغت بهما إلى التعصب والسخف، واقتفى أثرهما مَن تبعهما من الملوك، وبذلك قضوا على زهرة الفكر الذي خلفه الإسلام لإسبانيا.

وكان من منافذ الفن الإسلامي إلى أوربا صقلية، فقد حكمها المسلمون مدة طويلة، وازدهرت علومهم وفنونهم فيها، فلما انتهت دولة المسلمين، وقبض عليها المسيحيون من النرمانديين وغيرهم، واقتبسوا أيضًا كثيرًا من الثقافة العربية والفن العربي، حتى يرووا أن روجر النرماندي كلف الشريف الإدريسي أن يعمل له كرة يرسم عليها شكل الأرض إلى كثير من أمثال ذلك، فإذا أضفنا إلى هذين العاملين — وهما الأندلس وصقلية — الحروب الصليبية في الشرق، وما كان فيها من اختلاط مكَّن كلًّا من الطرفين أن يعرف ما عند الآخر ويستفيد منه، فقد وضعنا أيدينا على أسباب انتقال الثقافة من الشرق إلى الغرب.

تأثر الأندلس وتأثيرها

الحق أن الأندلس كانت كمحطات الإذاعة الرئيسية، فيها آلات للاستقبال وآلات للإذاعة، فأما أولًا فقد استقبلت كل ما أرادت من المشرق، وذلك بواسطة تُجَّار الكتب وبواسطة الأمراء الذين كانوا يريدون أن يزهروا دولتهم، بنقل كتب المشرق إلى مكاتبهم ثم إباحتها للجماهير، وبالحج وما كان يكثر التلاقي فيه والحديث عن الأدب والعلم والكتب وتبادل كل ذلك. ثم بسرعة الانتقالات وسهولتها، فكانت رقعة العالم الإسلامي كوادي النمل، كل يوم تجد من يجيء ومن يروح؛ ولذلك كان العالم الإسلامي كله كأنه قطر واحد لا أقطار متعددة؛ ثم شيء آخر، وهو أن بيوت الأمراء والوزراء حتى والأوساط كانت مملوءة بالرقيق، وهذا الرقيق منه الإسباني والفرنسي، وأسرى الحرب من أمم مختلفة، وهم يسمون كل ذلك الصقالبة، والإسلام يبيح الاتصال بملك اليمين والتزوج بهن، والخلفاء والأمراء منهم من تزوج فعلًا بهن، وهؤلاء الأرقاء من رجال ونساء لعبوا دورًا كبيرًا في الحياة الاجتماعية الأندلسية، قد كانوا ينقلون أفكار الأوربيين إذ كان بعضهم من الخاصة، وكانوا ينقلون عادات أممهم وتقاليدها، ومن تعلم اللغة العربية منهم كان ينقل الأفكار والأقاصيص الأوربية باللغة العربية. وانقسمت البيوت إلى قسمين؛ قسم من أولاد السراري، وقسم من أولاد الحرائر، والأولاد تبعًا لأمَّهاتهم ينقسمون أيضًا على قسمين: قسم يتعصب لأمه السَّرية، وقسم يتعصب لأمه الحرة، وكثيرًا ما وقع القتال في المملكة بسبب تعصب كل فرد.

وليلاحظ أن انتقال الأفكار في غاية الخفاء والسهولة، فقد يخالط أندلسي رجلًا أوربيًّا في جلسة عادية، فتنتقل أفكار كل من هذا إلى ذاك، ومن ذاك إلى هذا، وقد يرحل أندلسي فيقرأ كتابًا شرقيًّا أو يتتلمذ على أستاذ شرقي، ثم يقدم الأندلسي إلى بلاده، فيلقي في أرض الأندلس البذور التي سمعها، والبذور تتأقلم بالبيئة. وشاهد ذلك في الأدب وكل فرع من فروع العلم والفلسفة وغير ذلك؛ ولذلك كان من العسير جدًّا أن ترد النسيج الأندلسي إلى خيوط شرقية أو خيوط أوربية أو خيوط مبتكرة. فهذا ما لا يستطيعه إنسان إذا أراد الجزم والتحديد، وإنما كل ما يستطيعه الشك والظن؛ ولذلك يعجبني جدًّا رأي القاضي عبد العزيز الجرحاني في «الوساطة بين المتنبي وخصومه»، إذ جعل الحكم على معنى بيت من الشعر بأنه مسروق أو غير مسروق شيئًا في منتهى الصعوبة؛ لأن الحكم يتطلب معرفة تامة بكل المعاني الماضية، ثم احتمال أن يتسرب معنى من هذه المعاني إلى قائل البيت الأخير وهذا عادة مستحيل. وكذلك ما نحن فيه.

هذا ما يصح أن يقال في الاستقبال. أما شأن الإذاعة فقد كان هناك نوعان من الموجات، نوع ذهب إلى الشرق، وربما كان أصله أيضًا من الشرق، ولكنه صبغ بالصبغة الأندلسية، ونوع من الموجات ذهب إلى أوربا كبعض الأدب، وكثير من الفلسفة وخاصة فلسفة ابن رشد وبعض العلوم كالرياضة والهندسة وغير ذلك؛ ولذلك كان من قال: إن النهضة الأوربية طارت أول ما طارت من على عاتق العرب، لم يبعد عن الصواب. فالمتحررون من النصارى بسبب فلسفة ابن رشد، وقيامهم في وجه الكنيسة سبَّب وجود طائفة تدعو إلى حرية الفكر والنهضة الحديثة. ومن ناحية أخرى فإن الأوربيين عندما عرفوا الآثار اليونانية والرومانية عرفوها أول الأمر عن طريق نقلهم للآثار العربية، وبعد ذلك اشتاقوا أن يعرفوا الآثار اليونانية والرومانية في أصولها، فالشوق الذي كان عندهم إنما بثه العرب فيهم.

نعم إن المشرق استطاع أن يذيع بعض الشيء في أوربا عن طريق الحروب الصليبية أحيانًا، ولكن ذلك كله ليس بشيء إذا قيس بتأثير الأندلسيين في أوربا.

لقد اختلف علماء الإسبان في مقدار انتفاعهم بمسلمي الأندلس، حتى أنكرها بعضهم نكرانًا تامًّا، وقالوا: إذا أردنا معرفة أصل أي شيء إسباني، فلننظره عند اليونان والرومان لا عند العرب. بل قال بعضهم: إن حكم المسلمين للأندلس أخَّر تقدم الإسبانيين، ولولا ذلك لنهضوا نهضة فرنسا وإنجلترا وألمانيا وغيرها. فليس من فرق إلا حكم المسلمين لهم والتطاحن الشديد بينهم وبينهم مدة ثمانية قرون كاملة، لا يهدأ لأحد منهما بال. ولكن من حسن الحظ أن هذا ليس مذهب الجميع، بل من الإسبانيين من يرى من الحق أن حكم المسلمين للأندلس حلقة في سلسلة تاريخ الأندلس، وأن المسلمين رقوا الأندلس أثناء حكمهم في العلوم والحضارة. حتى إذا قيست إسبانيا بغيرها من الأمم كانت أرقى منها. بل ما لنا نذهب بعيدًا، وقد قلنا: إنه لولا فلسفة المسلمين في الأندلس وانتشارها في أوربا لما نهضت أوربا هذه النهضة، بل تأخرت قرونًا، فكيف بإسبانيا إذا لم يكن حكمها المسلمون هذه القرون؟

ومن حين لآخر نسمع عن أشخاص يقومون ليدَّعوا أن المسلمين في الأندلس لا فضل لهم على الإطلاق. وهذه عصبية لا تخدم الحق، ولكن تخدم النزعة الدينية المتزمَّتة. والزمان كفيل بإظهار الحقيقة بعد البحث. وتأخر إسبانيا — إذا عدت متأخرة — ليس سببه حكم العرب لهم، بل سببه على الأرجح إبعاد العرب عنها، وقد كانت في يدهم الزراعة والصناعة والتجارة، فلما أخرجوا انحطَّت البلاد بسبب خروجهم، ووقفت الأعمال الهامة التي كانوا يقومون بها، ولم يستطع نصارى الإسبان أن يحلوا محل المسلمين في أعمالهم.

هذا إجمال نفصله فيما يلي:

يخطئ من يظن أن الأندلس كانت مسكونة بالعرب والبربر وحدهم، فقد كانت في الواقع مسكونة بهما، وبعدد كبير من الإسبان، والأمم الأوربية، ممن دخلوا في الإسلام أو أسروا في الحروب، ونساء بِعن رقيقات واستولدهن العرب والبربر، فكانوا جيلًا مسلمًا جديدًا يتكاثر مع الزمان. والشأن في ذلك شأن المشرق تمامًا. وكذلك يخطئ من يظن أن بغداد والعراق كانتا مسكونتين بالعرب وحدهم، بل كانتا مسكونتين بأسرى الأمم المختلفة، والنساء الرقيقات المأسورات، والعبيد والإماء الذين يباعون في الأسواق وغير ذلك. كل هذا من شأنه أن يجعل الساكنين كأنهم صُبُّوا في بوتقة، ومزجوا على النار مزجًا تامًّا، فأخذ كل من كل، وكانت النتيجة خليطًا فيه عناصر إسبانية أو أوربية، وعناصر عربية أو بربرية. وكان الشأن في ذلك كالماء الحار يخلط بماء بارد فيكون الناتج ماء لا حارًّا ولا باردًا. إن كان ذلك كذلك في الشئون المعنوية من أفكار وآداب، وعلوم وفلسفة، فلا عجب إذًا أن نرى ألفاظًا عربية كثيرة تسربت إلى الإسبانيين والبرتغاليين، كما أن ألفاظًا إسبانية وبرتغالية دخلت العربية، كما يظهر ذلك على الأخص في ديوان ابن قزمان.

وقد كانت كل أمة تقدم للآخرين خير ما عندها وأسوأ ما عندها، فقدم العرب مزاياهم، من تسامح وحب للأدب، وحياة فيها مروءة ونبل، كما قدموا أسوأ ما عندهم من عصبية للقبيلة، وحب للظهور والفخفخة، ورغبة في التسرِّي، وغير ذلك. وقدم الإسبان كذلك خير ما عندهم وأسوأ ما عندهم، وكان المتولد من هذا الاختلاط حائزًا لصفات خاصة، فهو ذكيٌّ متديِّن متطرِّف.

من أجل هذا الامتزاج رأينا كما ذكرنا الألفاظ العربية تدخل اللغة الإسبانية والبرتغالية، مثل: الخزانة، الجبَّة، الدكان، القاضي، البراءة، المخزن، القطران، والطاقة، إلى كثير من أسماء الأشياء.

وكان للأندلسيين تقريبًا لغتان: لغة فصحى يتكلم بها المثقفون الأرستقراطيون، ولغة شعبية يتكلم بها الشعب في لهجة خاصة، ولعلها أيضًا تكون خاصة بكل مدينة، وهي لغة الشارع والبيوت، ومن أجل ذلك لما اخترعت الموشحات والأزجال نجحت نجاحًا باهرًا، لأنها وجدت استجابتها من الشعب، إذ رآها أقرب إلى التعبير عمَّا في نفسه، وألطف من اللغة الفصحى وأظرف وأحسن في التوقيع على الآلات الموسيقية، وأنسب للمتجولين الذين يُنشدون الأغاني يتكسبون بها. وكما تأثرت اللغة الإسبانية والبرتغالية بالعربية، تأثرت العادات والتقاليد والفنون.

فالموسيقى العربية انتشرت بين سكان الإسبان في الشمال، حتى اسم العود وهو آلة الغناء العربي انتقل أيضًا، وحتى «يا ليل يا عين» انتقلت كذلك.

وقد أفسحت الأمم الأوربية صدرها للحضارة العربية والعلم العربي، واستطاعت أن تفرق بين العلم والسياسة، فبينما كانوا يحاربون المسلمين سياسيًّا، كانوا يفسحون صدروهم للعلماء المسلمين ثقافيًّا. فالتاريخ يدلنا على أن عددًا من حكام قشتالة كانوا يحيطون أنفسهم بعلماء مسلمين، ويستخدمون مهندسين مسلمين، ويستمعون إلى موسيقيين مسلمين. وربما كان إمبراطور الألمان الذي ذكرناه في فلسفة ابن رشد مثالًا صالحًا على تفرقتهم بين السياسة والعلم. ولولا إلحاح القسس في مصادرة المسلمين والتنكيل بهم، وإجبارهم على التنصر لاستفادوا من المسلمين فوائد أكبر مما استفادوا.

لقد بدأ فرديناند وإيزابلا يعاملان المسلمين معاملةً حسنة بعد سقوط البلاد في أيديهما، تبعًا لتقاليدهما المتوارثة في التسامح. ولكن بعد سبعة أعوام من سقوط البلاد، وبسبب إلحاح القسس والضغط على المسيحيين في سوء معاملة المسلمين، اضطر فرديناند وإيزابلا أن يهجرا تسامحهما، ويخيِّرا المسلمين في الأندلس بين التنصُّر والخروج من البلاد، فآثر نحو نصف مليون مسلم الخروج؛ وبخروجهم انحطَّت الزراعة والصناعة انحطاطًا كبيرًا، وكادت الأعمال تقف.

ومرَّت قرون على الإسبان حتى استطاعوا أن يقوموا بالأعباء التي كان يقوم بها المسلمون. فهل بعد هذا كله يصح أن يقال: إن امتلاك المسلمين للأندلس كان كارثة على إسبانيا؟

لقد رأينا تأثير المسلمين في أوربا، فيُتَرْجَمُ ألف ليلة وليلة مرات عديدة، ويُتَسَلَّى به، ويُقْتَبَسُ منه، وتُنْقَلُ قصة حي بن يقظان لابن طفيل إلى كثير من اللغات الأوربية، وتكون ذات تأثير على المثقفين من الأوربيين، كتأثير ألف ليلة على الشعب. فهذه أدلة مادية على استفادة أوربا من المسلمين، كما أننا نرى أن الأدب الأوربي ظهرت فيه نزعة جديدة على أثر انتشار الأدب الأندلسي العربي بين الأوربيين، ويظن الكثيرون أن هذه الظاهرة نشأت من الاقتباس من الأدب العربي، الذي تظهر فيه الرومانتيكية البالغة في الغزل الرقيق والرثاء الباكي ونحو ذلك.

هذا عدا التأثير الفلسفي الذي أَثَّرَتْهُ الأندلس في أوربا والذي ذكرناه في أثر فلسفة ابن رشد، فقد كانت فلسفته مشعلًا يسار به في جميع أنحاء البلاد. نعم إن الحضارة الأوربية استمدت حضارتها وثقافتها على الوجه الأكمل من كتب اليونان والرومان أنفسهم، ولكنهم في الحق لم يلتفتوا إلى المصادر اليونانية والرومانية؛ إلا لأن العرب — بفلسفة ابن رشد وشروحه على أرسطو وأمثال ذلك — فتحوا شهيتهم لقراءة الكتب اليونانية والرومانية في أصولها، والذي يشك في ذلك يجب أن يقارن بين قرطبة وإشبيلية وغرناطة وغيرها من مدن الأندلس في أيام ازدهارها، وبين المدن الأوربية في ذلك الزمن. وليكن منصفًا في المقارنة: أيها كان أرقى علمًا، وأحسن حضارة، وأسمى تقدمًا؟ هل يساوره شك في أن الأولى كانت كلها أرقى من الثانية، وأن بعض المؤرخين شبَّه مدن الأندلس وسائر الممالك الأوربية فينا، بين بلاد البلقان كلها.

ومما استوجب النظر ظهور الموشحات والأزجال في الأندلس، ثم ظهور شعر يشبهه عند الإسبانيين في الشمال، وفي مقاطعة بروفانس في جنوب فرنسا، وسمي هذا النوع عندهم التروبادور. ويمتاز هذا الشعر بأنه شعر عاطفي يوقع على الآلات الموسيقية، ويقصدون به البيوت الأرستقراطية، والبلاط الملوكي. وقد اختلف المستشرقون والباحثون كثيرًا في منشأ هذا الشعر: هل هم أخذوه عن مسلمي الأندلس، أم إنه تطوُّر للشعر عندهم تطورًا طبيعيًّا؟ والأرجح عند كثير منهم أنه مأخوذ من مسلمي الأندلس؛ لأن الشبه في الموضوعات واحد، وبعض أوزان هذا الشعر الإفرنجي يساوي أوزان الموشحات والأزجال العربية، مما لم يكن للأوربيين معرفة به من قبل، كما أنهم اختلفوا في اشتقاق الكلمة، فذهب بعضهم إلى أنه مأخوذ من trouvere بمعنى ابتدع، وفي ظني أنه أصله «دور طرب». وإذ كان الإفرنج يقدمون الصفة على الموصوف والمضاف إليه على المضاف قالوا: طرب دور، وسهل تحريفها إلى ترو بادور.

وقد عرف العالم الإسلامي المدارس من قديم، ومنها ما كانت مدارس كبيرة تشبه الجامعات، كالجامع الأزهر والمدرسة النظامية والمستنصرية وغيرها، وقد انتقلت صورة هذه الجامعات إلى الأندلس، ثم رأينا صورها تظهر في أوربا، ويتشابه شكلها جميعًا، من طرق تدريس ومَنْحِ إجازات وتقسيم العلوم إلى فروع ونحو ذلك، بل أكثر من ذلك كان بعض الجامعات الأوربية يعتني اعتناءً كبيرًا باللغة العربية ومنتجاتها، ويصرح بعضهم بأن من لم يثقف ثقافة عربية فليس بمثقَّف. ومن الراجح أن الحديث يكون مقتبسًا من القديم حتى تشابهت الصور. غاية الأمر أن ما عرف عن أوربا الحديثة من التنظيم والدقة فيه، وإدخال التحسينات الممكنة، جعل الجامعات الأوربية اليوم هي موضع أنظار الشرقيين، حتى كأنها نَبْت أيديهم، ومثل ذلك مثل القطن يأخذونه من الشرق خامًا، ويردُّونه نسجًا جميلًا، كأن لا صلة بينه وبين أصله، وحتى النرد والشطرنج اقتبسهما العرب من الفرس وأدخلوا عليهما التحسينات، ثم انتقلت اللعبتان بما فيهما من تحسين إلى أوربا مع الاحتفاظ ببعض الأسماء العربية، وتوجد مخطوطة لألفونسو الحكيم فيها رسم لعبة شطرنج معقدة، يمارس اللعبَ عليها بعضُ المسلمين، ولم تكن اللعبة بحالتها معروفة عند الأوربيين من قبل.

وكما انتفع الأندلسيون بعلوم المشرق ومنتجاته، ونفعوا أوربا بعلومهم ومنتجاتهم، كذلك ردوا الجميل للمشارقة، فكان خير المنتجات الأندلسية شائعًا في الشرق، ومصدر علم لهم، فكم انتفع المشارقة بالعقد وظرفه، والمخصص والمحكم ومنهجهما في اللغة، وابن رشد وفلسفته، والموشحات وطرافتها، ما لا يمكن أن يعد ولا يحصى؛ ولذلك قلنا: إن الأندلس بعدما نضجت على يد الشرق ردت للشرق جميله. فلو لم تقم الحضارة الأندلسية بعلومها وفنونها وآدابها ثمانية قرون، تعمل جاهدة في خدمة العلم والأدب لتغير تاريخ العلم الإسلامي.

هوامش

(١) انظر: نفح الطيب ج١.
(٢) المصدر السابق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١