الفصل الثاني

الماتريدية

هناك فرع من فروع أهل السنة يوازي فرع الأشعري، وهو فرع الماتريدية، وتنسب الماتريدية إلى أبي منصور الماتريدي، وهو كذلك أعجمي من سمرقند. ولئن كان الأشعري شافعيًّا، فقد كان الماتريدي حنفيًّا، ولذلك ربما كانت الخلافات القليلة بين الأشعري والماتريدي ترجع إلى خلافات بين الشافعي، وأبي حنيفة في أصولهما؛ ولذلك كان أكثر أتباع الماتريدية حنفية، وأتباع الأشعري شافعية، وقد كان أبو منصور الماتريدي مُعَاصرًا للأشعري، هذا في سمرقند، وذاك في البصرة، وكان عصرهما مليئًا بالحركات الدينية، فكان فيه مثلًا الحركات الصوفية، ورجال التصوف الكبار أمثال أبي يزيد البسطامي المتوفى سنة ٢٦١ﻫ، والجنيد، والحلاج، كما نشطت فيه حركات التشيع، وكانت حركة الاعتزال في آخر أيامها، وكان لكل مذهب علماء يؤيدونه، ويأخذون بناصره، ظهر الأشعري في البصرة، ومات نحو سنة ٣٣٠ﻫ، وظهر الماتريدي في سمرقند، ومات سنة ٣٣٢ﻫ، ولا نعلم الكثير من حياة الماتريدي، وإنْ كنا نعلم الكثير عن مذهبه.

لقد اتفق الماتريدي والأشعري على كثير من المسائل الأساسية التي يمكن استنتاجها مما لخصناه من عقيدة الغزالي، وقد ألفت كتب كثيرة، وملخصات بعضها يشرح مذهب الماتريدي، كالعقائد النسفية لنجم الدين النسفي، وبعضها يشرح عقيدة الأشعري كالسنوسية والجوهرة، وقد ألفت كتب في حصر المسائل التي اختلف فيها الماتريدي والأشعري، ربما أوصلها بعضهم إلى أربعين مسألة.

والناظر إليها يرى أنها ليست بذات خطر كبير، مثل: هل البقاء هو الوجود أو غيره؟ ومثل: هل الوجود زائد عن الذات أم عينها؟ وكاختلافهم في تفسير صفة القدرة، والإرادة، والكلام، وفي تفسير لزوم الحكمة في أفعاله تعالى، وهل العفو عن الكافر يجوز، وهل الإيمان بالله واجب بالعقل أم لا، وما حقيقة الإيمان، وهل الإيمان يزيد وينقص، وهل الإيمان والإسلام واحد أم لا؟ وهل السعادة والشقاوة تتبدلان على الإنسان أم لا؟ إلى آخر هذه المسائل التي لا تعد من الأركان، ونسوق أمثلة على جدالهم في هذا: فمثلًا: اختلفوا في معنى القضاء والقدر، فقال الماتريدية: إن القدر هو تحديد الله أزلًا كل شيء بحدّه الذي سيوجد به من نفعٍ، وما يحيط به من زمانٍ ومكان، والقضاء الفعل عند التنفيذ. وقال الأشاعرة: إنَّ القضاء إرادة الله الأزلية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها المخصوصة، احتجّ الماتريدية بقوله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (الفرقان: ٢)، أي قدَّر كل شيء تقديرًا يوافق الحكمة فخلقه، وفي الحديث: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض.» أي عيّن وقدر مقاديرهم قبل خلقهم، ثم يخلق كل شيء، ويوجده في الوقت الذي قدر أن يخلقه فيه، وهذا هو القدر.

واحتج الأشاعرة بما روي في الصحيح من أن رجلين من مُزَينة قالا: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم، وقضي فيهم من قدر سبق، أم فيما يستقبلون؟ فقال: «لا، بل شيء قضي عليهم … إلخ.»

وأرى أنَّ الخلاف بينهم يشبه أن يكون لفظيًّا …

ومَثَلٌ آخر اختلافهم في الإيمان، يقول الماتريدية إنه تعالى لو لم يبعث للناس رسولًا لوجب عليهم بعقولهم معرفته تعالى، ومعرفة وحدانيته، واتصافه بما يليق، وكونه مُحْدثًا للعالم، كما روي ذلك عن أبي حنيفة، وذهب مشايخ الأشاعرة إلى أنه لا يجب إيمان، ولا يحرم كفر قبل البعث، احتج الماتريدية بقوله تعالى: أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (نوح: ١)؛ حيث تدل على أن حجة الإيمان تلزم الخلق قبل أن يأتيهم النذير؛ لأنها لو كانت لا تلزمهم لكانوا في أمنٍ من نزول العذاب بهم قبل أن يأتيهم النذير، فلا يخوفون بنزول العذاب بهم قبل أن ينذروا، فلما خوّفوا بنزول العذاب بهم قبل أن يأتيهم دلّ على أن الحجة لازمة عليهم، وأن الله تعالى يعذبهم لتركهم التوحيد، وإن لم يرسل إليهم الرسل، واستدل الأشعرية على قولهم بقوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا (الإسراء: ١٥)؛ حيث نفى العذاب مطلقًا قبل وصول الشرع. وقد أجابت الماتريدية بأن الآية محمولة على عذاب الاستئصال، ونفي وقوعه قبل بعث الرسول لدلالة سياقها، وهو قوله تعالى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا (الإسراء: ١٦)، كما اختلفوا في هذا الموضوع نفسه في حقيقة الإيمان، فقال الماتريدية: الإيمان: الإقرار والتصديق، أي أنَّ الإقرار شطر منه، وركن من أركانه. وقال الأشعري: إن النطق بالشهادتين من القادر شرط في الإيمان، ولكنه خارج عن ماهيته التي هي التصديق. واستدل الماتريدية بأن الإيمان لغةً: التصديق، والتصديق كما يكون بالقلب يكون باللسان، فيكون كل من التصديق القلبي، والتصديق اللساني ركنًا في مفهوم الإيمان. واستدل الأشعري على قوله بقول الله تعالى: أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ (المجادلة: ٢٢)، وقوله: وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ (النحل: ١٠٦)، فهذه الآيات تدل على أنَّ محل الإيمان هو القلب، فيدل على أن الإيمان هو التصديق القلبي فقط.

واختلفوا في المتشابهات، وأساس اختلافهم قراءتهم لقوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا (آل عمران: ٧)، فالماتريدية يقفون عند قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ (آل عمران: ٧) أليق ببلاغة النظم؛ لأنه لما ذكر أنَّ من القرآن متشابهات جعل الناظرين فيه فريقين: الزائغين عن الطريق، والراسخين في العلم. وجعل اتباع المتشابه حظ الزائغين بقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ (آل عمران: ٧)، وجعل في مقابل ذلك اعتقاد الحق مع العجز عن إدراك حظ الراسخين بقوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا (آل عمران: ٧)، ولو عطف وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ على الله لكان قوله تعالى: يَقُولُونَ كلامًا مبتدأ حذف مبتدؤه، أي يَقُولُونَ، والحذف خلاف الأصل.

ومثلًا: اختلفوا في أن الذكورة هل هي شرط النبوة أو لا، فقال الماتريدية: إن الذكورة شرط النبوة. وقال الأشعرية: إنها ليست شرطًا، بل صحت نبوة النساء. استدل الماتريدية بقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ (النحل: ٤٣)، فيدل هذا على أن الإرسال إنما كان للرجال، وذلك ينفي نبوّة المرأة، واحتج الأشاعرة بقوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ (القصص: ٧)؛ حيث دل على أنه وقع الإيحاء إليها، والإيحاء من خصائص الأنبياء. ورد الماتريدية بأن الوحي هنا بمعناه الواسع وهو الإلهام، وذلك حتى كان ذلك إلى النحل، فقال تعالى: وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ (النحل: ٦٨)، فمعنى آية أم موسى أنه أوقع في قلبها عزيمة أن تلقيه في التابوت، ثم تقذف التابوت في اليم … إلى مثل هذه المسائل.

والذي يقارن بين العقائد النسفية، والرسائل المؤلفة على مذهب الأشعري يرى كثيرًا من هذا الخلاف، فارجع إليه إن شئت التفصيل.١

ونحن لو دققنا النظر في الخلاف بين الأشعرية والماتريدية وجدنا لون الاعتزال أظهر في الأشعرية بحكم تتلمذ الأشعري للمعتزلة عهدًا طويلًا، كالذي ذكرنا من قبل مثل إدراك الإيمان بالعقل، والمسئولية حتى قبل ورود الشرع.

وقد انتصر للمذهب الماتريدي كثير من علماء الحنفية مثل: فخر الإسلام البزدوي، والتفتازاني، والنسفي، وابن الهمام، إلى غيرهم، ولكنهم لم يبلغوا — والحق يقال — مبلغ أتباع الأشعري؛ فرجح مذهب الأشعري، وزاد انتشاره، وكثر أتباعه.

هوامش

(١) انظر أيضًا «نظم الفرائد وجمع الفوائد» لشيخ زاده … وانظر أيضًا «إشارات المرام من عبارات الإمام»، لكمال الدين البياضي الحنفي — مطبعة مصطفى الحلبي ١٩٤٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١