الفصل الثالث

الخصمان

مُوازنة

لخص المقريزي المنافسة التي بين الهاشميين والأمويين في بيتين فقال:

عبد شمس قد أضرمت لبني ها
شم حربًا يشيبُ منها الوليدُ
فابنُ حربٍ للمصطفى، وابنُ هندٍ
لعلي، وللحسينِ يزيدُ

وسنعرض في ختام هذا الفصل عرضًا موجزًا لهذه المقابلة المتسلسلة بين أفراد الأسرتين لتحقيق الرأي فيها، ولكننا نجتزئ هنا بالمقابلة بين الخصمين المتصاولين من هاشمٍ وعبد شمس في شخصي الحسين ويزيد؛ فأيًّا كان الميزان الذي يوزن به كل من الرجلين، فلا مراء البتة في خير الرجلين.

وما من رجل فاز حيث ينبغي أن يخيب، كما قد فاز يزيد بن معاوية في حربه للحسين، وما اختصم رجلان كان أحدهما أوضح حقًّا وأظهر فضلًا من الحسين في خصومته ليزيد بن معاوية.

والموازنة بين هذين الخصمين هي في بعض وجوهها موازنة بين الهاشميين والأمويين من بداءة الخلاف بين الأسرتين، وهي موازنة حفظت كفتيها على وضعهما زهاء سبعة قرون، فلم يظهر في هذه القرون أموي قُحٌّ، إلا ظهرت فيه الخصال الأموية المعهودة في القبيلة بأسرها، ولم يظهر في خلالها هاشمي قح، إلا رأيت فيه ملامح من تلك الخصال التي بلغت مثلها الأعلى في محمد بن عبد الله .

والهاشميون والأمويون من أرومة واحدة ترتفع إلى عبد مناف، ثم إلى قريش في أصلها الأصيل.

ولكن الأسرتين تختلفان في الأخلاق والأمزجة وإن اتحدتا في الأرومة؛ فبنو هاشم في الأغلب الأعم مثاليون أريحيون ولا سيما أبناء فاطمة الزهراء، وبنو أمية في الأغلب الأعم عمليون نفعيون، ولا سيما الأصلاء منهم في عبد شمس من الآباء والأمهات.

وتفسير هذا الاختلاف مع اتحاد الأرومة غير عسير؛ فإن الأخوين في البيت الواحد قد يختلفان في الأخلاق والأعمال، كما يختلف الغريبان من أمتين بعيدتين، تبعًا لاختلاف سلسلة الميراث في الأصول والفروع، على ذلك النحو الذي يأذن أحيانًا باختلاف الألوان والملامح في نسل واحد، تأخذ كل شعبة منه بناحية من نواحي الوراثة.

•••

ومن الثابت الذي لا نزاع فيه أن عبد المطلب وأمية كانا يختلفان حتى في الصورة والقامة والملامح.

وفي نسل أمية شبهة نشير إليها ولا نزيد، فهي محل الإشارة والمراجعة في هذا المقام.

دخل دغفل النسَّابة على معاوية فقال له: «من رأيت من عليه قريش؟» فقال: «رأيت عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس.» فقال: «صفهما لي.» فقال: «كان عبد المطلب أبيض، مديد القامة، حسن الوجه، في جبينه نور النبوة وعز الملك، يطيف به عشرة من بنيه كأنهم أُسْدُ غاب.» قال: «فصف أمية.» قال: «رأيته شيخًا قصيرًا، نحيف الجسم ضريرًا، يقوده عبده ذكوان.» فقال معاوية: «مه! ذاك ابنه أبو عمرو.» فقال دغفل: «ذلك شيء قلتموه بعدُ وأحدثتموه. وأما الذي عرفت فهو الذي أخبرتك به.»

وذكر الهيثم بن عدي في كتاب المثالب أن أبا عمرو بن أمية كان عبدًا لأمية اسمه ذكوان فاستلحقه، ونقل أبو الفرج الأصفهاني — وهو من الأمويين — ما تقدم فلم يعرض له بتفنيد.

ووضح الفرق بين بني هاشم وبني أمية في الخلائق والمناقب في الجاهلية قبل الإسلام. فكان الهاشميون سِراعًا إلى النجدة ونصرة الحق والتعاون عليه. ولم يكن بنو أمية كذلك، فتخلفوا عن حلف الفضول الذي نهض به بنو هاشم وحلفاؤهم، وهو الحلف الذي اتَّفق فيه نخبة من رؤساء قريش «ليكونُنَّ مع المظلوم حتى يؤدوا إليه حقه، وليأخُذُنَّ أنفسهم بالتآسي في المعاش والتساهم في المال، وليمنَعُنَّ القوي من ظلم الضعيف والقاطن من عنف الغريب»، واتفقوا على هذا الحلف لأن العاص بن وائل اشترى بضاعة من رجل زبيدي ولواه بثمنها، فنصروا الرجل الغريب على القرشي وأعطوه حقه.

ولما تنافر عبد المطلب وحرب بن أمية إلى نفيل بن عدي، قضى لعبد المطلب وقال لحرب:

أبوك مُعاهر وأبوه عف
وذاد الفيل عن بلد الحرام

يشير إلى فيل أبرهة الذي أغار به على مكة، وقال عن أمية إنه «معاهر»؛ لأنه كان يتعرض للنساء، وقد ضُرِبَ بالسيف مرة لأنه تعرض لامرأة من بني زهرة، وكان له تصرف عجيب في علاقات الزواج والبنوة، فاستلحق عبده ذكوان وزوَّجه امرأته في حياته، ولم يعرف سيد من سادات الجاهلية قَطُّ صنع هذا الصنيع.

اختلاف النشأة

وندع اختلاف الطبائع ومغامز النسب، ثم ننظر في اختلاف النشأة والعادة — مع اختلاف الخلقة الجسدية — فنرى أنهما صالحتان لتفسير الفارق بين أبناء هاشم وأبناء عبد شمس بعد جيلين أو ثلاثة أجيال.

فقد كان بنو هاشم يعملون في الرئاسة الدينية، وبنو عبد شمس يعملون في التجارة أو الرئاسة السياسية، وهما ما هما في الجاهلية من الربا والمُماكسة والغبن والتطفيف والتزييف، فلا عجب أن يختلفا هذا الاختلاف بين أخلاق الصراحة وأخلاق المساومة، وبين وسائل الإيمان ووسائل الحيلة على النجاح.

ويتفق كثيرًا في الكهانات أن يتصف رؤساء الأديان بصفات الرياء والدهاء والعبث بأحلام الأغرار والجهلاء، ولكنهم يتصفون بهذه الصفة حين يعلمون الكذب فيما يمارسون من شعائر الكهانة ومظاهر العبادة، ويتخذونها صناعة يروِّجونها لمنفعتهم أو لما يقدرون فيها من منفعة أولئك الأغرار والجهلاء.

أما أبناء هاشم فلم يكونوا من طراز أولئك الكهان المشعوذين، ولا كانوا من المحتالين بالكهانة على خداع أنفسهم وخداع المؤمنين والمصدِّقين؛ بل كانوا يؤمنون بالبيت ورب البيت، وبلغ من إيمانهم بدينهم أن عبد المطلب جد النبي أوشك أن يذبح ابنه فدية لرب البيت؛ لأنه نذر «لئن عاش له عشرة بنين لينحرن أحدهم عند الكعبة»، ولم يتحلل من نذره حتى استوثق من كلام العرَّافة بعد رمي القداح ثلاث مرات.

•••

والأخلاق المثالية توائم الرئاسة الدينية التي يدين أصحابها بما يدعون إليه، فإن لم تكن في بني هاشم موروثة من معدن أصيل في الأسرة، فهي أشبه بسمت الرئاسة الدينية والعقيدة المتمكنة والشعائر المتبعة جيلًا بعد جيل، وهي أخلق أن تزداد في الأسرة تمكُّنًا بعد ظهور النبوة فيها، وأن يتلقاها بالوراثة والقدوة أسباط النبي وأقرب الناس إليه.

وإنك لتنحدر مع أعقاب الذرية في الطالبيين — أبناء علي والزهراء — مائة سنة ومائتي سنةٍ وأربعمائة سنة، ثم يبرز لك رجل من رجالها فيخيل إليك أن هذا الزمن الطويل لم يُبْعِدْ قَطُّ بين الفرع وأصله في الخصال والعادات، كأنما هو بعد أيام معدودات لا بعد المئات وراء المئات من السنين، ولا تلبث أن تهتف عجبًا: إن هذه لصفات علوية لا شك فيها؛ لأنك تسمع الرجل منهم يتكلم ويجيب من يكلمه، وتراه يعمل ويجزي من عمل له، فلا تخطئ في كلامه ولا في عمله تلك الشجاعة والصراحة، ولا ذلك الذكاء والبلاغ المسكت، ولا تلك اللوازم التي اشتهر بها عليٌّ وآله وتجمعها في كلمتين اثنتين تدلان عليها أو في دلالة، وهما: «الفروسية والرياضة».

طبع صريح، ولسان فصيح، ومتانة في الأسر يستوي فيها الخلق والخُلُق، ونخوة لا تبالي ما يفوتها من النفع إذا هي استقامت على سُنَّةِ المروءة والإباء.

فمن يحيى بن عمر، إلى علي بن أبي طالب، خمسة أو ستة أجيال. ولكن يحيى بن عمر يوصف لك، فإذا هو صورة مصغرة من صور علي بن أبي طالب على نحو من الأنحاء، فمن أوصافه التي وصفه بها الكاتب الأموي أبو الفرج الأصبهاني أنه كان «رجلًا فارسًا، شجاعًا، شديد البدن، مجتمع القلب، بعيدًا عن رهق الشباب وما يعاب به مثله».

ومما روي عنه «أنه كان مقيمًا ببغداد، وكان له عمود حديد ثقيل يكون معه في منزله، وربما سخط على العبد أو الأمة من حشمه؛ فيلوي العمود في عنقه فلا يقدر أحد أن يحله عنه حتى يحله يحيى رضي الله عنه».

ولما ضايقه الأمراء وضنوا عليه بجرايته في بيت المال، كان يجوع ويُعرَض عليه الطعام فيأباه ويقول: «إن عشنا أكلنا.»

ثم ثار وبلغت أنباء ثورته بغداد، فأقبلت عليهم الجموع المحشودة لقتاله، وأسرع إليه بعض الأعراب فصاح به: «أيها الرجل أنت مخدوع، هذه الخيل قد أقبلت.» فوثب إلى متن فرسه فجال به، وحمل على قائد القوم فضربه ضربة بسيفه على وجهه، فولَّى منهزمًا وتبعه أصحابه، فجلس معهم ساعة وهو لا يبالي ما يكون.

•••

ولما تكاثرت عليه الجموع وقُتِلَ بعد ذلك، اتهم الناس صاحبه الهيضم العجلي أنه كان مدسوسًا عليه، وأنه غرر به لينكص عنه عند احتدام القتال، فأقسم الرجل بالطلاق إنه لم يكن له في الهزيمة صنع مدبر. قال: «وإنما كان يحيى يحمل وحده ويرجع، فنهيته عن ذلك فلم يقبَل، وحمل مرة كما كان يفعل، فبصرت عيني به وقد صُرِعَ في وسط عسكرهم، فلما رأيته قُتِلَ انصرفت بأصحابي.»

ويحيى الشهيد هذا هو الذي قال ابن الرومي جيميته المشهورة في وصف قتاله ومقتله، وهي طويلة، منها قوله يخاطب أمراء زمانه:

فلو شهد الهيجا بقلب أبيكم
غداة الْتقى الجمعان والخيل تمعجُ١
لأعطى يد العاني أو ارتَدَّ هاربًا
كما ارتد بالقاع الظليم٢ المهيجُ
ولكنه ما زال يغشى بنحره
شبا الحرب حتى قال ذو الجهل: أهوجُ
وحاشى له من تلكمُ غير أنه
أبى خطة الأمر الذي هو أسمجُ
وأين به عن ذاك؟ لا أين، إنه
إليه بعرقيه الزكيين محرجُ
كأنى به كالليثِ يحمي عرينه
وأشباله لا يزدهيه المهجهجُ
كدأب عليٍّ في المواطن قبله
— أبي حسن — والغصنُ من حيث يخرجُ
كأني أراه إذ هوى عن جواده
وعُفِّرَ بالترب الجبين المشججُ
فحُبَّ به جسمًا إلى الأرض إذ هوى
وحُبَّ به روحًا إلى الله تعرجُ

•••

وقد أصاب ابن الرومي الوصف والتعليل، فما كان كل من يحيى ولا أسلافه من قبله إلا عليًّا صغيرًا يتأسى بعليٍّ الكبير، أو غصنًا زاكيًا يخرج من دوحته الكبرى، «والغصن من حيث يخرج» كما قال، ولولا قوة هذه الطبائع في أساس الأسرة الطالبية لما انحدرت على هذه الصورة الواضحة بعد ستة أجيال، فنحن نرى يحيى بن عمر بعد هذه الأجيال — وهو بعموده الحديدي وجرأته التي لا تتزعزع ويقينه الذي لا يلوي به الإغراء والوعيد — كأنما هو نسخة أخرى من جده الكبير الذي يحمل باب خيبر وقد أعيا حمله الرجال، وينهد لعمرو بن وُدٍّ وقد تهيبه مئات الأبطال، ويتوسط الصفوف حاسرًا وقد برزوا له بشِكَّةِ القتال ودروع النزال.

ولم يكن لبني أمية — على نقيض هذا — نصيب ملحوظ من الخلائق المثالية والشمائل الدينية، ولا كان ظهور النبوة في أسرة منافسة لأسرتهم من شأنه أن يعزز مناقبها فيهم كما يعتز بها أبناء بيتها وفروع أرومتها؛ بل لعله كان من شأنه أن يجنح بهم من طرف خفي إلى صفات تقابل تلك الصفات، ومزايا تعوض لهم ما فاتهم من تلك المزايا، فتمكنت فيهم قبل ظهور النبوة وبعدها خلائقهم العملية التي دربتهم عليها المساومات التجارية، وراضهم عليها مراس المطامع السياسية، فاشتهر أناس من رءوسهم بمحاسن هذه الخلائق ومعائبها على السواء، وشاعت عنهم صفات الحلم والصبر والحنكة والدهاء كما شاعت عنهم صفات المراوغة والجشع والإقبال على الترف ومناعم الحياة.

•••

ولقد تقابل الحسين بن علي ويزيد بن معاوية في تمثيل الأسرتين، كما تقابلا في كثير من الخلائق والحظوظ، ولكنهما تفاوتا في تمثيل أسرتيهما كما تفاوتا في غير ذلك من وجوه الخلاف بينهما، فكان الحسين بن علي نموذجًا لأفضل المزايا الهاشمية ولم يكن يزيد بن معاوية نموذجًا لأفضل المزايا الأموية؛ بل كان فيه الكثير من عيوب أسرته، ولم يكن له من مناقبها المحمودة إلا القليل.

وليس بنا هنا أن نفصِّل القول في أحوال كل من الرجلين وخصائص كل من النموذجين، ولكننا نجتزئ منهما بما يملأ الكفتين في هذا الميزان، وهو ميزان الأريحية والنفعية في حادث كبير من حوادث التاريخ العربي يندر نظيره في جميع التواريخ.

مكانة الحسين

وإذا كانت المعركة كلها هي معركة الأريحية والنفعية، فالمزيَّة الأولى التي ينبغي توكيدها هنا للحُسين بن عليٍّ — رضي الله عنه — هي مزية نسبه الشريف ومكانه من محبة النبي .

إن المؤرِّخ الذي يكتب هذا الحادث قد يكون عربيًّا مسلمًا أو يكون من غير العرب والمسلمين، وقد يؤمن بمحمد أو ينكر محمدًا وغيره من الأنبياء، ولكنه يخطئ دلالة الحوادث التاريخية إذا استخف بهذه المزية التي قلنا إنها أحق مزايا الحسين بالتوكيد في الصراع بينه وبين يزيد.

فليس المهم أن يؤمن المؤرخون بقيمة ذلك النسب الشريف في نفوسهم أو قيمته في علوم العلماء وأفكار المفكِّرين، ولكنما المهم أن أتباع يزيد كانوا يؤمنون بحق ذلك النسب الشريف في الرعاية والمحبة، وأنهم مع هذا غلبتهم منافعهم على شعورهم فكانوا من حزب يزيد ولم يكونوا من حزب الحسين.

فلولا هذه المزية في الحسين لما وضح الصراع بين الأريحية والنفعية عند الفريقين، ولا كان المصطرعون هنا وهناك من مزاجين مختلفين، ولا كان للمعركة كلها تلك الدلالة التي كشفت النفس الإنسانية في جانبين منها قويين، يتنازعان حوادث الأمم والأفراد من زمان بعيد، وسيظلان على نزاعهما هذا إلى زمان بعيد.

•••

ولقد كان الحسين بن عليٍّ بهذه المزية أحب إنسان إلى قلوب المسلمين، وأجدر إنسان أن تنعطف إليه القلوب.

كان النبي هو الذي سماه، وسمى من قبله أخاه. قال عليٌّ رضي الله عنه: لما وُلِدَ الحسن سميته حربًا، فجاء رسول الله فقال: «أروني ابني، ما سميتموه؟»

قلت: «حرب!» فقال: «بل هو حسن.» فلما ولد الحسين سميته حربًا، فجاء رسول الله فقال: «أروني ابني، ما سميتموه؟» قلت: «حرب!» فقال: «بل هو حسين.»

وذهب إلى الحسين وإخوته كل ما في فؤاد النبي من محبة البنين، وهو مشوق الفؤاد إلى الذرية من نسله. فكان — عليه السلام — لا يطيق أذاهما، ولا يحب أن يستمع إلى بكاء منهما في طفولتهما، على كثرة ما يبكي الأطفال الصغار، وخرج من بيت عائشة يومًا، فمر على بيت فاطمة فسمع حسينًا يبكي، فقال: «ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني؟»

وكان يقول لها: «ادعي إلي ابنيَّ.» فيشمهما ويضمهما إليه، ولا يبرح حتى يُضحكهما ويتركهما ضاحكين. وروى أبو هريرة أنه كان عليه السلام يدلع لسانه للحسين، فيرى الصبي حمرة لسانه فيهش إليه، وكان عيينة بن بدر، شهده في بعض هذه المجالس فقال متعجبًا: «يصنع هذا بهذا؟ فوالله إن لي الولد ما قبلته قط!» قال عليه السلام: «من لا يرحم، لا يُرحم!»

•••

وخرج ليلة في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنًا أو حسينًا، فوضعه ثم كبَّر للصلاة فأطال سجدة الصلاة. قال راوي الحديث: «فرفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله وهو ساجد فرجعت إلى سجودي، فلما قضى الصلاة قيل يا رسول الله: إنك سجدت بين ظهري صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك.» قال: «كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله.»

وقام عليه السلام يخطب المسلمين، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل عليه السلام من المنبر، فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال: «صدق الله! إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما.»

•••

ولا يوجد مسلم في العصر القديم أو العصر الحديث يحب نَبِيَّهُ كما يحب المؤمنون أنبياءهم، ثم يصغر عنده حساب هذا الحنان الذي غمر به قلبه الكريم سبطيه وأحب الناس إليه. فبهذا الحنان النبوي قد أصبح الحسين في عداد تلك الشخوص الرمزية التي تتخذ منها الأمم والملل عنوانًا للحب، أو عنوانًا للفخر، أو عنوانًا للألم والفداء. فإذا بها محبوب كل فرد ومفخرته، وموضع عطفه وإشفاقه، كأنما تمت إليه وحده بصلة القرابة أو بصلة المودة.

وقد بلغ الحسين بهذا الحنان — مع الزمن — مبلغه من تلك المكانة الرمزية فأوشك بعض واصفيه أن يُلحقه في حمله وولادته ورضاعه بمواليد المعجزات. فقال بعضهم: «لم يولد مولود لستة أشهر وعاش إلا الحسين وعيسى ابن مريم.» وقال آخرون: إنه — رضي الله عنه — لم ترضعه أمه ولم ترضعه أنثى «واعتلَّت فاطمة لما ولدت الحسين وجف لبنها، فطلب رسول الله مرضعة فلم يجد، فكان يأتيه فيلقمه إبهامه فيمصه، ويجعل الله في إبهام رسوله رزقًا يغذيه، ففعل ذلك أربعين يومًا وليلة، فأنبت الله — سبحانه وتعالى — لحمه من لحم رسول الله.»

ورُوي عنه غير ذلك كثير من الأساطير التي تحيط بها الأمم تلك الشخوص الرمزية التي تعزها وتغليها فتلتمس لها مولدًا غير المولد المألوف، والنشأة المعهودة، وتلحقها أو توشك أن تلحقها بالخوارق والمعجزات.

ولقد كانت حقيقة الحسين الشخصية كفؤًا لتلك الصورة الرمزية التي نسجتها حوله الأجيال المتعاقبة قبل أن يرى منه أبناء جيله غير تلك الحقيقة.

فكان ملء العين والقلب في خلق وخلق، وفي أدب وسيرة، وكانت فيه مَشَابِهُ من جَدِّهِ وأبيه، إلا أنه كان في شدته أقرب إلى أبيه. قال علي — رضي الله عنه — مشيرًا إلى الحسن: «إن ابني هذا سيخرج من هذا الأمر، وأشبه أهلي بي الحسين.» واتفق بعض الثقات على أن «الغالب على الحسن الحلم والأناة كالنبي، وعلى الحسين الشدة كعليٍّ».

صفات الحسين

وقد تعلَّم في صباه خير ما يتعلمه أبناء زمانه من فنون العلم والأدب والفروسية، وإليه يرفع كثير من المتصوِّفة وحكماء الدين نصوصهم التي يعوِّلون عليها ويردونها إلى عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه.

وقد أوتي ملكة الخطابة من طلاقة لسان وحسن بيان وغنة صوت وجمال إيماء، ومن كلامه المرتَجَل قوله في توديع أبي ذر وقد أخرجه عثمان من المدينة بعد أن أخرجه معاوية من الشام: «يا عماه! إن الله قادر على أن يغير ما قد ترى، والله كل يوم في شأن، وقد منعك القوم دنياهم ومنعتهم دينك، وما أغناك عمَّا منعوك وأحوجهم إلى ما منعتهم! فاسأل الله الصبر والنصر، واستعذْ به من الجشع والجزع، فإن الصبر من الدين والكرم، وإن الجشع لا يقدم رزقًا والجزع لا يؤخر أجلًا.»

وكان يومئذٍ في نحو الثلاثين من عمره فكأنما أودع هذه الكلمات شعار حياته كاملة منذ أدرك الدنيا إلى أن فارقها في مصرع كربلاء.

•••

وتواترت الروايات بقوله الشعر في أغراض الحكمة وبعض المناسبات البيتية، ومن ذلك هذه الأبيات:

اغنَ عن المخلوق بالخالقِ
تغنَ عن الكاذب والصادقِ
واسترزق الرحمن من فضلِهِ
فليس غير الله من رازقِ
من ظن أن الناس يغنونه
فليس بالرحمن بالواثقِ

ومنه هذان البيتان في زوجته وابنته:

لعمرك إنني لأحب دارًا
تكون بها سكينة والربابُ
أحبهما وأبذل كلَّ مالي
وليس لعاتب عندي عتابُ

وهما — سواء صحت نسبتهما إليه أو لم تصح — معبران عن خلقه في بيته وبين أهله، فقد كان من أشد الآباء حدبًا على الأبناء وأشد الأزواج عطفًا على النساء، ومن وفاء زوجاته بعد مماته أن الرباب هذه التي ذُكِرَتْ في البيتين السابقين خطبها أشراف قريش بعد مقتله فقالت: «ما كنت لأتخذ حمًا بعد رسول الله» وبقيت سنة لا يظلها سقف حتى فنيت وماتت، وهي لا تفتر عن بكائه والحزن عليه.

خلق كريم

وقد سنَّ الحسين لمن بعده سُنَّة في آداب الأسرة تليق بالبيت الذي نشأ فيه، ووكل إليه أن يرعى له حقه، ويوجب على الناس مهابته وتوقيره، فهو على فضله وذكائه وشجاعته ورجحانه على أخيه الحسن في مناقب كثيرة ومآثر عدة كان يستمع إلى رأي الحسن ولا يسوءُه بالمراجعة أو المخالفة. فلما هَمَّ الحسن بالتسليم لمعاوية كان ذلك على غير رضى من الحسين. فلم يوافقه وأشار عليه بالقتال، فغضب الحسن وقال له: «والله لقد هممت أن أسجنك في بيت وأطين عليك بابه، حتى أقضي بشأني هذا وأفرغ منه ثم أخرجك.»

فلم يراجعه الحسين بعدها وآثر الطاعة والسكوت.

ومن رعايته لسنن الأسرة ووصايا الأبوة أنه ركبه دَيْنٌ فساومه معاوية بمائتي ألف دينارٍ أو بمبلغ جسيم من المال على عين «أبي نيزر» فأبى أن يبيعها مع حاجته إلى بعض ما عرض عليه؛ لأن أباه تصدق بمائها لفقراء المدينة، ولو أنه باعها لوقفها معاوية على أولئك الفقراء.

وقد أخذ نفسه بسَمْت الوقار في رعايته أسرته ورعاية أسرته ورعاية الناس عامة؛ فهابه الناس وعرف معاوية عنه هذه المهابة فوصفه لرجل من قريش ذاهب إلى المدينة فقال: «إذا دخلت مسجد رسول الله فرأيت حلقة فيها قوم كأن رءوسهم الطير، فتلك حلقة أبي عبد الله مؤتزرًا إلى أنصاف ساقيه.»

ولم يذكر عنه قط أنه كان يواجه الناس بتخطئة وهو يعلمهم ويبصرهم بشئون دينهم، إلا أن تكون مكابرة أو لجاجة فله في جواب ذلك أشباه تلك القوارص التي كانت تؤثَر عن أبيه.

وما لم تكن مكابرة أو لجاجة فهو يحتال على تصحيح الخطأ حيلة لا غضاضة فيها على المخطئين.

فمن آدابه وآداب أخيه في ذلك أنهما رأيًا أعرابيًّا يخفف الوضوء والصلاة فلم يشاءا أن يجبهاه بغلطه، وقالا له: «نحن شابان وأنت شيخ ربما تكون أعلم بأمر الوضوء والصلاة منا، فنتوضأ ونصلي عندك، فإن كان عندنا قصور تعلمنا.» فتنبه الشيخ إلى غلطه دون أن يأنف من تنبيههما إليه، ومر يومًا بمساكين يأكلون فدعوه إلى الطعام على عادة العرب، فنزل وأكل معهم ثم قال لهم: «قد أجبتكم فأجيبوني.» ودعاهم إلى الغداء في بيته.

•••

ورويت الغرائب في اختبار حذقه بالفقه واللغة كما رويت أمثال هذه الغرائب في امتحان قدرة أبيه عليهما السلام. فقيل: إن أعرابيًّا دخل المسجد الحرام فوقف على الحسن — رضي الله عنه — وحوله حلقة من مريديه فسأل عنه، فقال لما عرَّفوه به: «إياه أردت. جئت لأطارحه الكلام، وأسأله عن عويص العربية.» فقال له بعض جلسائه: «إن كنت جئت لهذا فابدأ بذلك الشاب.» وأومأ إلى الحسين عليه السلام، فلما سلم على الحسين وسأله عن حاجته قال: «إني جئتك من الهرقل والجعلل والأيتم والهمهم.» فتبسم الحسين وقال: يا أعرابي! لقد تكلمت بكلام ما يعقله إلا العالمون.

فأجابه الأعرابي قائلًا يريد الإغراب: وأقول أكثر من هذا، فهل أنت مجيبي على قدر كلامي؟ ثم أذن له الحسين فأنشد أبياتًا تسعة، منها:

هفا قلبي إلى اللهو
وقد ودع شرخيه

فأجابه الحسين مرتجلًا بتسعة أبيات في معناها ومن وزنها، يقول منها:

فما رسم شجاني قد
محت آيات رسميه
سفور درجت ذيليـ
ـن في بوغاء قاعيه
هنوف مرجف تترى
على تلبيد ثوبيه

إلى آخر الأبيات، ثم فسر له ما أراد من الهرقل وهو ملك الروم، والجعلل وهو قصار النخل، والأيتم وهو بعض النبات، والهمهم وهو القليب الغزير الماء، وفي هذا الكلمات أوصاف البلاد التي جاء منها وإشارة إليها.

فقال الأعرابي: «ما رأيت كاليوم أحسن من هذا الغلام كلامًا، وأذرب لسانًا، ولا أفصح منه منطقًا.»

وتلك رواية من روايات على منوالها، إن لم تنبئ بما وقع فهي منبئة بما تداوله الناس من شهرة الحسين في صباه الباكر بالعلم والفصاحة.

ولخبرته بالكلام وشهرته بالفصاحة، كان الشعراء يرتادونه وبهم من الطمع في إصغائه أكبر من طمعهم في عطائه، ولكنه على هذا كان يجري معهم على شِرْعة ذوي الأقدار والأخطار من أنداده، فيبذل لهم الجوائز ما وسعه البذل، ويُؤْثِرُهُمْ على نفسه في خصاصة الحال. وقد لامه أخوه الحسن في ذلك، فكتب إليه: «إن خير المال ما وقي به العرض.» إلا أنه في الواقع لم يكن يعطي لوقاية العرض وكفى، ولكنه كان يعطي من قصده من ذوي الحاجات ولا يخيب رجاءً لمن استعان به على مروءة.

وفاء وشجاعة

وقد اشتهر مع الجود بصفتين من أكرم الصفات الإنسانية وأليقهما ببيته وشرفه، وهما: الوفاء والشجاعة.

فمن وفائه أنه أبى الخروج على معاوية بعد وفاة أخيه الحسن؛ لأنه عاهد معاوية على المسالمة، وقال لأنصاره الذين حرضوه على خلع معاوية إن بينه وبين الرجل عهدًا وعقدًا لا يجوز له نقضه حتى تمضي المدة، وكان معاوية يعلم وفاءه وجوده معًا، فقال لصحبه يومًا وقد أرسل الهدايا إلى وجوه المدينة من كسى وطيب وصلات: «إن شئتم أنبأناكم بما يكون من القوم. أما الحسن: فلعله ينيل نساءه شيئًا من الطيب ويَهَبُ ما بقي من حضره ولا ينتظر غائبًا، وأما الحسين: فيبدأ بأيتام من قُتِلَ مع أبيه بصفين فإن بقي شيء نحر به الجزر وسقى به اللبن.»

وشجاعة الحسين صفة لا تستغرب منه؛ لأنها «الشيء من معدنه» كما قيل، وهي فضيلة ورثها عن الآباء وأورثها الأبناء بعده، وقد شهِد الحروب في إفريقية الشمالية وطبرستان والقسطنطينية، وحضر مع أبيه وقائعه جميعًا من الجمل إلى صفين، وليس في بني الإنسان من هو أشجع قلبًا ممن أقدم على ما أقدم عليه الحسين في يوم كربلاء.

وقد تربَّى للشجاعة كما تلقاها في الدم بالوراثة، فتعلم فنون الفروسية كركوب الخيل والمصارعة والعدو من صباه، ولم تفته ألعاب الرياضة التي تتم بها مرانة الجسم على الحركة والنشاط، منها لعبة تشبه «الجولف» عند الأوروبيين كانوا يسمونها المداحي: جميع مدحاة، وهي أحجار أمثال القرصة يحفرون في الأرض حفيرةً ويرسلون تلك الأحجار، فمن وقع حجره في الحفيرة فهو غالب.

•••

أما عاداته في معيشته: فكان ملاكها لطف الحس وجمال الذوق والقصد في تناول كل مباح. كان يحب الطيب والبخور، ويأنق للزهر والريحان.

وروى أنس بن مالك أنه كان عنده فدخلت عليه جارية بيدها طاقة من ريحان فحيته بها. فقال لها: «أنت حرة لوجه الله تعالى.» فسأله أنس متعجبًا: «جارية تجيئك بطاقة ريحان فتعتقها؟!» قال: «كذلك أدبنا الله. قال تبارك وتعالى: وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا وكان أحسن منها عتقها.»

وكان يميل للفكاهة ويأنس في أوقات راحته لأحاديث أشعب وأضاحيكه، ولكنه على شيوع الترف في عصره لم يكن يقارب منه إلا ما كان يجمل بمثله؛ حتى تحدث المتحدثون أنه لا يعرف رائحة الشراب.

وكانت له صلوات يؤديها غير الصلوات الخمس، وأيام من الشهر يصومها غير أيام رمضان، ولا يفوته الحج عامًا إلا لضرورة.

وقد عاش سبعًا وخمسين سنة بالحساب الهجري، وله من الأعداء من يصدقون ويكذبون. فلم يعِبْه أحد منهم بمعابة، ولم يملك أحد منهم أن ينكر ما ذاع من فضله، حتى حار معاوية بعيبه حين استعظم جلساؤه خطاب الحسين له، واقترحوا عليه أن يكتب إليه بما يصغره في نفسه، فقال: إنه كان يجد ما يقوله في عليٍّ، ولكن لا يجد ما يقوله في حسين.

تلك جملة القول في سيرة أحد الخصمين.

خُلُق يزيد

ويقف خصمه أمامه موقف المقابلة والمناقضة لا موقف المقارنة والمعادلة في معظم خلائقه وعاداته وملَكَاته وأعماله.

فيزيد بن معاوية عريق النسب في بني عبد مناف ثم في قريش، ولكن الأصدقاء والخصوم والمادحين والقادحين متفقون على وصف الخلائق التي اشتهر بها أبناء هذا الفرع من عبد مناف. وأشهرها الأثَرة، وأحمد ما يحمد منها أنها تنفع الناس من طريق النفع لأصحابها، وندر من وجوه الأمويين في الجاهلية أو الإسلام من اشتهر بخصلة تجلب إلى صاحبها ضررًا أو مشقة في سبيل نفع الناس.

وبيت أبي سفيان بيت سيادة مرعية لا مراء فيها.

ولكن الحقيقة التي ينبغي أن نذكرها في هذا المقال أن معاوية بن أبي سفيان لم يكن ليرث شيئًا من هذه السيادة التي كان قوامها كله وفرة المال؛ لأن أبا سفيان على ما يظهر قد أضاع ماله في حروب الإسلام، ولم يكن له من الوفر ما يبقى على كثرة الوارث، وروي أن امرأة استشارت النبي في التزوُّج بمعاوية فقال لها: «إنه صعلوك!»

•••

كذلك ينبغي أن نذكر حقيقة أخرى في هذا المقام، وهي أن معاوية لم يكن من كُتَّاب الوحي كما أشاع خُدَّام دولته بعد صدر الإسلام، ولكنه كان يكتب للنبي في عامة الحوائج وفي إثبات ما يُجبى من الصدقات وما يقسم في أربابها، ولم يسمع عن ثقة قط أنه كتب للنبي شيئًا من آيات القرآن الكريم.

وعرفت لمعاوية خصال محمودة من خصال الجد والسيادة كالوقار والحلم والصبر والدهاء، ولكنه على هذا كان لا يملك حلمه في فلتات تميد بالمُلك الراسخ، ومنها قتله حجر بن عدي وستة من أصحابه؛ لأنهم كانوا ينكرون سَبَّ عليٍّ وشيعته، فما زال بقية حياته يندم على هذه الفعلة ويقول: «ما قتلت أحدًا إلا وأنا أعرف فيمَ قتلته ما خلا حجرًا فإني لا أعرف بأي ذنب قتلته.»

وأم يزيد هي ميسون بنت مجدل الكلبية من كرائم بني كلب المعرقات في النسب، وهي التي كرهت العيش مع معاوية في دمشق، وقالت تتشوق إلى عيش البادية:

لَلُبسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني
أحب إليَّ من لبس الشفوفِ
وبيت تخفق الأرواح فيه
أحب إليَّ من قصر منيفِ

ومن هذه الأبيات قولها:

وخرق من بني عمي فقير
أحب إليَّ من علج عنيفِ!

فأرسلها وابنها يزيد إلى باديتها، فنشأ يزيد مع أمه بعيدًا عن أبيه.

•••

وقد أفاد من هذه النشأة البدوية بعض أشياء تنفع الأقوياء، ولكنها على ما هو مألوف في أعقاب السلالات القوية تُضِيرُهُم وتُجهز على ما بقي من العزيمة فيهم.

فكان ما استفاد من بادية بني كلب بلاغة الفصحى، وحب الصيد، وركوب الخيل، ورياضة الحيوانات ولا سيما الكلاب.

وهذه صفات في الرجل القوي تزينه وتشحذ قواه، ولكنها في أعقاب السلالات — أو عكارة البيت كما يقال بين العامة — مدعاة إلى الإغراق في اللهو والولع بالفراغ؛ لأنها هي عنده كل شيء وليست مددًا لغيرها من كبار الهمم وعظائم الهموم.

وهكذا انقلبت تلك الصفات في يزيد من المزية إلى النقيصة؛ فكان كلفه بالشعر الفصيح مغريًا له بمعاشرة الشعراء والندماء في مجالس الشراب، وكان ولعه بالصيد شاغلًا يحجبه عن شواغل الملك والسياسة، وكانت رياضته للحيوانات مهزلة تُلحقه بأصحاب البطالة من القرَّادين والفهَّادين، فكان له قرد يدعوه «أبا قيس» يلبسه الحرير ويطرز لباسه بالذهب والفضة، ويحضره مجالس الشراب، ويُركبه أتانًا في السباق، ويحرص على أن يراه سابقًا مجليًّا على الجياد، وفي ذلك يقول يزيد كما جاء في بعض الروايات:

تمسك أبا قيس بفضل عنانها
فليس عليها إن سقطت ضمانُ
أَلا من رأى القرد الذي سبقت به
جياد أمير المؤمنين أتانُ

وقد يكون عبد الله بن حنظلة مبالغًا في المَذَمَّة حين قال فيما نسب إليه: «والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نُرمَى بالحجارة من السماء. إن رجلًا ينكح الأمهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة، واللهِ لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت الله فيه بلاءً حسنًا.»

ولكن الروايات لم تُجمع على شيء كإجماعها على إدمانه الخمر، وشغفه باللذات، وتوانيه عن العظائم. وقد مات بذات الجنب وهو لمَّا يتجاوز السابعة والثلاثين، ولعلها إصابة الكبد من إدمان الشراب والإفراط في اللَّذَّات. ولا يعقل أن يكون هذا كله اختلاقًا واختراعًا من الأعداء؛ لأن الناس لم يختلقوا مثل ذلك على أبيه أو على عمرو بن العاص، وهما بغيضان أشد البغض إلى أعداء الأمويين، ولأن الذين حاولوا ستره من خُدَّام دولته لم يحاولوا الثناء على مناقب فيه تحل عندهم محل مساوئه وعيوبه، كأن الاجتراء على مثل هذا الثناء من وراء الحسبان.

ولم يكن هذا التخلُّف في يزيد من هزال في البنية أو سقم اعتراه كذلك السقم الذي يعتري أحيانًا بقايا السلالات التي تهم بالانقراض والدثور، ولكنه كان هزالًا في الأخلاق وسقمًا في الطويَّة، قعد به عن العظائم مع وثوق بنيانه وضخامة جثمانه واتصافه ببعض الصفات الجسدية التي تزيد في وجاهة الأمراء كالوسامة وارتفاع القامة، وقد أصيب في صباه بمرض خطير — وهو الجدري — بقيت آثاره في وجهه إلى آخر عمره، ولكنه مرض كان يشيع في البادية، ولم يكن من دأبه أن يَقعُد بكل من أصيب به عن الطموح والكفاح.

•••

وعلى فرط ولعه بالطراد حين يكون الطراد لهوًا وفراغًا، كانت همته الوانية تفتر به عن الطراد حين تتسابق إليه عزائم الفرسان في ميادين القتال، ولو كان دفاعًا عن دينه ودنياه.

فلما سيَّر أبوه جيش سفيان بن عوف إلى القسطنطينية لغزو الروم ودفاعهم عن بلاد الإسلام — أو بلاد الدولة الأموية — تثاقل وتمارَض حتى رحل الجيش، وشارع بعد ذلك أنه امتُحِن في طريقه ببلاء المرض والجوع، فقال يزيد:

ما إن أبالي بما لاقت جموعهمُ
بالفرقدونة من حمى ومن مومِ
إذا اتكأت على الأنماط مرتفقًا
بدير مران عندي أم كلثومِ

فأقسم أبوه حين بلغه هذان البيتان ليلحقن بالجيش ليدرأ عنه عار النكول والشماتة بجيش المسلمين بعد شيوع مقاله في خلواته.

•••

من أعجب عجائب المناقضة التي تمت في كل شيء بين الحسين ويزيد أن يزيد لم يختص بمزية محمودة تقابل نظائرها من مزايا الحسين، حتى في تلك الخصال التي تأتي بها المصادفة، ولا فضل فيها لأصحابها، ومنها مزية السِّنِّ وسابقة الميلاد.

فلما تنازعا البيعة كان الحسين في السابعة والخمسين مكتمل القوة ناضج العقل وافي المعرفة بالعلم والتجربة، كان يزيد في نحو الرابعة والثلاثين لم يمارس من شئون الرعاة ولا الرعية ما ينفعه بين هؤلاء أو هؤلاء.

ومزية السن هذه قد يطول فيها الأخذ والرد بين أبناء العصور الحديثة، ولكنها كانت تقطع القول في أمة العرب حيث نشأ الأسلاف والأخلاف على طاعة الشيوخ ورعاية الأعمار. وهذا على أن السابعة والخمسين ليست بالسن التي تعلو بصاحبها في الكبر حتى تسلبه مزية الفتوة ومضاء العزيمة.

كذلك لا يقال إن «الوراثة المشروعة» في الممالك كان لها شأن يرجح بيزيد على الحسين في ميزان العروبة والإسلام. فقد كان توريث معاوية ابنه على غير وصية معروفة من السلف بدعة هرقلية كما سماها المسلمون في ذلك الزمان، ولم يكن معقولًا أن العرب في صدر الإسلام يُوجبون طاعة يزيد لأنه ابن معاوية، وهم لم يوجبوا طاعة آل النبي في أمر الخلافة لأنهم قرابة محمد .

فقد شاءت عجائب التاريخ إذن أن تقيم بين ذينك الخصمين قضية تتضح فيها النزعة النفعية على نحو لم تتضحه قَطُّ في أمثالها من القضايا، وقد وجب أن ينخذل يزيد كل الخذلان لولا النزعة النفعية التي أعانته وهو غير صالح لأن يستعين بها بغير أعوان من بطانته وأهله، ولئن كان في تلك النزعة النفعية مسحة تشوبها من غير معدنها الوضيع لتكونن هي عصبية القبيلة من بني أمية، وهي هنا نزعة مواربة تعارض الإيمان الصريح ولا تسلم من الختل والتلبيس.

•••

لهذا شك بعض الناس في إسلام ذلك الجيل من الأمويين، وهو لا شك لا نرتضيه من وجهة الدلائل التاريخية المتفق عليها. فقد يخطر لنا الشك في صدق دين أبي سفيان؛ لأن أخباره في الإسلام تحتمل التأويلين، ولكن معاوية كان يؤدي الفرائض، ويتبرَّك بتراث النبي، ويوصي أن تُدفن معه أظافره التي حفظها إلى يوم وفاته. وليس بيسير علينا أن نفهم كيف ينشأ معاوية الثاني على تلك التقوى وذلك الصلاح وهو ناشئ في بيت مدخول الإسلام، يتصارح أهله أحيانًا بما ينم على الكفر به أو التردد فيه.

إنما هي الأَثَرة، ثم الخرق في السياسة، ثم التمادي في الخرق مع استثارة العناد والعداء، وفي تلك الأثرة ولواحقها ما ينشئ المقابلة من أحد طرفيها في هذه الخصومة، ويتم المناظرة في شتى بواعثها بين ذينك الخصمين الخالد، ونعني بهما ها المثالية والواقعية، وما الحسين واليزيد إلا المثالان الشاخصان مهما للعيان.

١  معج الفرس: أسرع سيره في سهولة.
٢  ذكر النعامة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١